← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

وروى ابن سعد في "طبقاته" عن أبي الهيثم بن التيهان رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ عِنْدَهُمْ شَاةٌ إِلاَّ وَفِيْ بَيْتِهِمْ بَرَكَةٌ" (١). وعن خالد بن يزيد المزني رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تَرُوْحُ عَلَيْهِمْ ثَلاثة مِنَ الْغَنَمِ إِلا بَاتَتْ الملائِكَةُ ﵈ تُصَلّيْ عَلَيْهِمْ حَتَّىْ يَصْحُوا" (٢). وأخرجه أبو نعيم - بسند واه - وقال: "إِلاَّ صَلَّتْ عَلَيْهِمْ الملائِكَةُ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتِهِمْ حَتَّىْ يُصْبِحُوْا" (٣). وروى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "الشَّاةُ مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ" (٤). قلت: ومن شواهده ما رُوِيَ أن الكبش الذي فُدِيَ به إسماعيل ﵇ أتى به جبريل ﵇ من الجنة (٥). وإنما كانت الشاء بهذه المثابة لما يغلب عليها من الطاعة والانقياد

стр. 6372

لرعاتها، ولطف إمرتها وعدم سطاها، فلا تحتاج رعاتها إلى كثير نَصَب، ولا شدة وزع وقوة منع. ومن هنا كانت السكينة والوقار يغلبان على أهلها كما وقعت الإشارة إلى ذلك في الحديث المذكور بخلاف الإبل؛ فإنها تنفر وتند، وتهدر، وربما حقدت وسمخت، وأبت ونفرت عن أهلها، ومن هنا غلب على أهلها الفخر والخيلاء. وفي الحديث: "أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِيْنِ" (١)، "وأَنَّ عَلَىْ سِنَامِ كُلِّ بَعِيْرٍ شَيْطَانٌ" (٢). ومن ثم شبه إباء الخارج عن الطاعة بشرادها فيما رواه الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ أُمَّتِيْ يَدْخُلُوْنَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَىْ وَشَردَ شُرُودَ الْبَعِيْرِ عَنْ أَهْلِهِ" (٣). وأخرجه البخاري مقتصراً على قوله: "إِلَّا مَنْ أَبَى". زاد: قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟

стр. 6373

قال: "مَنْ أَطَاعَنِيْ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِيْ فَقَدْ أَبَىْ" (١). * فائِدَةٌ لَطِيفَةٌ: الغالب من حال أهل القرى دون المدائن الفلاحة، فيقتنون بها البقر، ويقتنون الغنم ضأنها ومعزها للذر والنسل، وقد يقتنون البقر لذلك، وقد علمت ما في الغنم من البركة وصلاة الملائكة على أهلها، ولعلها هي سبب البركة، وجاء في بقر الحراثة أنَّها سبب ذل صاحبها. روى الطبراني في "الكبير" عن أبي أُمَامة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَغْدُوْ عَلَيْهِمْ فَدَّانٌ إِلاَّ ذُلُّوْا" (٢). والفدان - بالتخفيف، والتشديد - كما في "القاموس": الثور، أو الثوران يقرن للحرث بينهما، ولا يقال للواحد فدان، أو هو آلة الثور (٣). والمراد في الحديث المعنى الثاني. ويحتمل الثالث؛ ففي "الصحيح": أنه ﷺ نظر إلى آلة حرث فقال: "مَا دَخَلَتْ هَذهِ دَارَ قَوْمِ إِلاَّ ذُلُّوا" (٤). والحكمة في ذلك أن الله تعالى لما حكم على أهل الحراثة بالذل

стр. 6374

عوضهم ببركات المواشي ليتماسكوا بذلك عن ترك الحراثة، ومع ذلك فقد حبب الله إليهم الحرث حتى يحلف أحدهم الأيمان عند شيء ينوبه وشدة تلحقه على تركها، فإذا جاء إبانها كفَّرَ عن يمينه، وخلص منه، وعاد إليها ليكون ذلك سببا لعمارة البلاد والرفق بالعباد. وهنا فائدة مهمة ينبغي التنبيه عليها: روى أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْناَبَ الْبَقَرِ، وَرَضِيْتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُم الْجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ عَنْكُمْ حَتَّىْ تَرْجِعُوْا إِلَىْ دِيْنكُمْ" (١). فتبين من ذلك معجزة ظهرت للنبي ﷺ في صدق ما بينه، وذلك أنَّ العساكر إنما فرضت لهم الأعطية من بيت المال ليكونوا رصداً للجهاد، فآثروا الدنيا على ما أرصدوا له، وأقبلوا على تحصيلها ببيع العينة، بل بالربا المحض أضعافاً مضاعفة، وتعاطي الحرث والزروع، ومزاحمة الفلاحين في شأنهم، حتى إن الجندي منهم لا يزال بالفلاح حتى يأخذ داره وأرضه بأي طريق كان، ويشق عليهم مفارقة أموالهم ونعمهم، فأعرضوا عن الجهاد، فأصابهم الذل بعدم إغنائهم في الغزو وإخفاقهم، وتسلط الأعداء عليهم، بل سلَّط الله بعضهم على بعض

стр. 6375

حتى استذلت كبارهم صغارهم، واستطالت صغارهم على كبارهم، وهم لا يراجعون دينهم، ولا يرجعون إلى سبيلهم الذي أرصدوا له، فبقوا على زللهم وفتنتهم؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون! وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْغَنَمُ أَمْوَالُ الأَنْبِيَاءِ ﵈ " (١). وروى ابن ماجه بسند ضعيف، عنه: أنَّ رسول الله ﷺ أمر الأنبياء باتخاذ الغنم، وأمر الفقراء باتخاذ الدجاج، وقال: "عِنْدَ اتِّخَاذِ الأَغْنِيَاءِ الدَّجَاجَ يَأْذَنُ اللهُ بِإِهْلاكِ الْقُرَى" (٢). قال الشيخ موفق الدين عبد اللطيف البغدادي: أمر كلاًّ بالكسب بحسب مقدرتهم لأنَّ به عمارة الدنيا وحصول التعفف. ومعنى آخر الحديث: أن الأغنياء إذا ضيقوا على الفقراء في مكاسبهم وشاركوهم في معايشهم تعطل الفقراء، ومن ذلك يكون هلاك القرى (٣). وفي الحديث: "الْمُؤْمِنُ كَالشَّاةِ الْمَأْبُوْرَةِ". أورده صاحب "النهاية"،

стр. 6376

وغيره من علماء الغريب، وذكره الدميري، والسيوطي (١). أي: التي أكلت الإبرة، فنشبت في جوفها، فهي لا تأكل شيئاً، وإن أكلت لم ينجع فيها؛ كذا قالوا. ووجه التشبيه: أن المؤمن لشدة وَجَله وغمه من ذنوبه وخطاياه، وخوفه من المكر والعياذ بالله يمتنع بذلك عن الطعام والشراب إلا على وجه الاقتيات، لا يستلذ به ولا يتنعم لأن له شاغلاً عنه. وقال في "الصحاح": أبرت الكلب: أطعمته الإبرة في الخبز. قال: وفي الحديث: "الْمُؤْمِنُ كَالْكَلْبِ المْأْبُور"، انتهى (٢). ولم أقف على تخريج هذا الحديث، ولا الذي قبله، ويشبه أن يكونا من كلام الحسن البصري أو غيره؛ والله الموفق. وروى الحافظ الذهبي في "الميزان" بسند ضعيف جداً، عن أنس - موقوفاً - قال: كيف أنتم إذا كان زمان يكون الأمير فيه كالأسد والأسود، والحاكم فيه كالذئب الأمعط، والفاجر كالكلب الهرار، والمؤمن بينهم كالشاة الولهاء بين الغنمين، فكيف حال شاة بين أسد وذئب وكلب (٣).

стр. 6377

ومن شواهده ما رواه ابن عساكر عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يَأْتِيْ عَلَىْ النَّاسِ زَمَانٌ يَكُوْنُ الْمُؤْمِنُ فِيْهِ أَذَلَّ مِنْ شَاتِهِ" (١). وسبب ذلك تسلط الحكام من الأمراء وغيرهم على الناس، فينتزعوا ما في أيديهم طمعاً في الأموال والتبسط في الدنيا ونعيمها كما قال رسول الله ﷺ : "يُوْشِكُ أَنْ يَمْلأَ اللهُ أَيْدِيَكُمْ مِنَ الْعَجَمِ وَيَجْعَلَهُمْ أُسْدًا لا يَفِرُّوْنَ فَيَضْرِبُوْنَ رِقَابَكُمْ وَيأكلُوْنَ فَيْئَكُمْ". رواه النسائي، والحاكم وصححه، عن حذيفة، والإمام أحمد، والحاكم - وصححه - والضياء في "المختارة" عن سمرة، والطبراني في "الكبير" عنه وعن ابن عمر، وأخرجه أيضاً بنحوه عن أبي موسى رضي الله تعالى عنهم (٢).

стр. 6378

والمراد بالعجم ما سوى العرب. قال في "الصحاح": والعجم خلاف العرب، الواحد: أعجمي، والعُجم - بالضم -: خلاف العرب (١). وتبعه في "القاموس" (٢). * فائِدَةٌ: قال الدينوري في "المجالسة": سمعت ابن أبي الدنيا يقول: إنَّ لله ﵎ من العلوم ما لا يحصى، فيعطي كل واحد من ذلك ما لا يعطي غيره. لقد حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن سعيد الطائي، ثنا عبد الله بن بكر السهمي، عن أبيه: أن قوماً كانوا في سفر، فكان فيهم رجل يمر الطائر فيقول: تدرون ما يقول هذا الطائر؟ فيقولون: لا. فيقول: كذا وكذا، فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق هو أم كاذب. إلى أن مروا على غنم ومنها شاة قد تخلفت على سخلة لها، فجعلت تلوي عنقها إليها وتثغوا، فقال: أتدرون ما تقول هذه الشاة؟ قلنا: لا.

стр. 6379

قال: تقول: الحقي لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك عام أول في هذا المكان. قال: فانتهينا إلى الراعي، فقلنا له: ولدت هذه الشاة قبل عامك هذا؟ قال: نعم، ولدت سخلة عام أول، فأكلها الذئب في هذا المكان. قال: ثم أتينا على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو ويحنو عنقه إليها. قال: أتدرون ما يقول هذا البعير؟ قلنا: لا. قال: فإنه يلعن راكبته، ويزعم أنها رحلته على مخيط، فهو يؤثر في سنامه. قال: فانتهينا إليهم، فقلنا: يا هؤلاء! إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعق راكبته، ويزعم أنها رحلته على مخيط، وأنه في سنامه. قال: فأناخوا البعير فإذا هو كما قال (١). قلت: وهذا يدل على ما ذكره جماعة من المحققين أن البهائم، والطير، والوحش، والسباع، والهوام كلها عوالم، ولها إدراك بحيث

стр. 6380

يفهم بعضها من بعض، وبعض ما ينفعها وما يضرها. ولقد جاء في نص القرآن أنها تسبِّح بحمد الله. والسنة أن القصاص يجري يوم القيامة بين البهائم، وهذا وجهه. ثم إن الله تعالى يطلع بعض أنبيائه على معاني ما ينطق به معجزة، ويعطي كرامة، أو فِراسة. وقدْ صح سجود البعير للنبي ﷺ ، وشكايته إليه من أهله أنهم يقلون علفه، ويشقون عليه في العمل، وقد رويت قصته من طرق؛ والله الموفق. - ومن ذلك: الظِّباء والغِزلان: وهي أولاد الظباء إلى أن تقوى وتطلع قرونها، فإذا قوي الغزال وتحرك ومشى مع أمه فهو رشا - بالفتح - وجمعه: أرشاء. والريم: ولد الظبية: والجمع: آرام. وقال الأصمعي: إنها الظباء الخالصة البياض. ويقال: إنها ضأن الظباء لأنها كثر لحماً وشحماً، والعرب تمثل بالظباء والغزلان والأرشاء والآرام في الرشاقة والظرف والجمال والْحَوَر والدَّل. قال مجنون ليلى: [من الطويل] أقولُ لِظَبْيٍ مَرَّ بِي وَهْوَ رائِعٌ ... أأنتَ أَخُو لَيْلَى فَقالَ يُقالُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَيْلَى غَزالاً بِعَيْنهِ ... فَقَدْ أَشْبَهَتْهَا ظَبْيَةٌ وَغَزالُ

стр. 6381

وكذلك يمثلون في الحسن والبياض والسمن بالمَهَاة، وهي البقرة الوحشية، والجُؤْذر - بفتح الجيم، والذال المعجمة، وضمها مع الهمز - والجيذر، وبالواو - على وزن فرتك، وتولب، وبفتح الجيم، وكسر الذال - والجمع: جاَذر، وهو ولد البقرة الوحشية. قال الأخطل: [من الخفيف] إِنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكَنِيسَةَ يَوماً ... يَلْقَ فِيها جآذِراً وَظِباء أي: حساناً أمثالها. وقال آخر: لَها مُقْلَةٌ كَحلاءُ نَجْلاءُ خِلْقَةً ... كَأنَّ أَباها الظَّبْيُ أَوْ أُمَّها الْمَها وأنشد الثعالبي لابن مطيران: [من الطويل] ظباءٌ أَعارتها الْمَها حُسْنَ مَشْيِها ... كَما قَدْ أَعارتها العُيونَ الْجآذرُ فَمِنْ حُسْنِ ذاكَ الْمَشْيِ جاءَتْ فَقَبَّلَتْ ... مَواطِيَ مِنْ أَقْدامِهِنَّ الغَدائِرُ (١) وحكى ابن الجوزي في كتاب "الأذكياء" قال: قعد رجل على جسر بغداد، فأقبلت امرأة من جهة الرصافة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب، فقال لها: رحم الله علي بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري. وما وقفا، ومرَّا مشرقاً ومغرباً.

стр. 6382

قال: فتبعت المرأة وقلت لها: إن لم تقولي لي ما قال وإلا قتلتك. فضحكت، وقالت: أراد قول ابن الجهم: [من الطويل] عُيُونُ الْمَها بَيْنَ الرُّصافَةِ وَالْجِسْرِ ... جَلَبْنَ الْهَوى مِنْ حَيْثُ أَدْرِي وَلا أَدْرِي وأردت أنا قول المعري: [من الطويل] فَيا جدارَها بِالْخَيْفِ إِنَّ مَزارَها ... قَرِيبٌ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ أَهْوالُ (١) وقد أفصحت هذه القصة عن أدب في تلك المرأة، وفطنة وفضيلة، وعفة وصيانة. وهذا هو الذي ينبغي لكل ذي جمال؛ فإنه بذلك يكون كماله إذ يجمع بذلك بين جمال الظاهر وجمال الباطن. ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِيْ فَحَسنْ خُلُقِيْ". رواه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٢). وروى البيهقي في "الشعب " عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ آتَاهُ الله وَجْهًا حَسَناً وَاسْمًا حَسَناً،

стр. 6383

وَجَعَلَهُ اللهُ فِيْ مَوْضعٍ غَيْرِ شَائِنٍ، فَهَو مِنْ صَفْوَةِ الله مِنْ خَلْقِهِ". قال ابن عباس: قال الشاعر: [من الخفيف] أَنْتَ شَرْطُ النَّبِيِّ إِذْ قالَ يَوْماً ... اطْلُبُوا الْخَيْرَ مِنْ حِسانِ الوجُوه (١) وأورده التجاني في "تحفة العروس" بلفظ: "مَنْ آتَاهُ الله وَجْهًا حَسَناً، وَخُلُقًا حَسَناً، وَاسْمًا حَسَناً، فَهُوَ مِنْ صَفْوَةِ خَلْقِ الله" (٢). وروى أبو نعيم عن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: من كان ذا صورة حسنة وموضع لا يشينه، ووسع عليه رزقه، ثم تواضع لله، كان من خالصة الله . وفي لفظ: مَنْ أحسن الله صورته، وأحسن رزقه، وجعله في منصب صالح، ثم تواضع لله، فهو من خالص [أهل] الله (٣). وقلت: [من مجزوء الرمل] صَفْوَةُ الله جَمِيلٌ ... خُلُقاً وَاسْماً وَصُورَةْ لَيْسَ فِي مَوْضعِ شَيْنٍ ... وَلَهُ أَحْسَنُ سِيرَةْ وروى الدارقطني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم ﷺ أحسنهم وجهاً

стр. 6384

وأحسنهم صوتاً (١). وروى الخرائطي في "اعتلال القلوب" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثٌ يُجْلِيْنَ الْبَصَر؛ الماءُ، وَالْخُضْرَةُ، وَالْوَجْهُ الْحَسَنُ" (٢). وروى أبو نعيم في "الطب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثٌ يُجْلِيْنَ الْبَصَرَ؛ النَّظَرُ إِلَىْ الْمَاءِ الْجَارِيْ، وَالنَّظَرُ إِلَىْ الْخُضْرَةِ، وَالنَّظَرُ إِلَىْ الْوَجْهِ الْحَسَنِ". ورواه هو، وابن السني عن ابن عباس موقوفاً عليه. وروى بنحوه من حديث علي، وجابر، وبريدة (٣). ومجموع طرقه ترفعه عن درجة الوضع؛ وإن كانت طرقه ضعيفة (٤).

стр. 6385

وذكر التجاني في "تحفة العروس" عن الحكم بن عبد الله قال: رأيت شريحاً على باب المسجد الحرام واقفاً، فقلت له: ما وقوفك هاهنا يا أبا أمية؟ قال: أقف لعلِّي أنظر إلى وجه حسن. وكان شريح مجتهداً يرى أن النظر إلى المرد الحسان بغير شهوة مباح؛ إذ لا يلزم أن يكون أراد النظر إليهم. قال التجاني: قال الشاعر: [من البسيط] إِنِّي امْرُؤٌ مُوْلَعٌ بِالْحُسْنِ أَتْبَعُه ... لا حَظَ لِي فِيهِ إِلاَّ لَذَّةُ النَّظَرِ وذكر التجاني أيضاً من تخريج الحصري في "الزهد" قال: خرج أبو حازم رحمه الله تعالى يرمي الجمار ومعه قوم ناسكون وهو يحدثهم، فبينما هم كذلك إذ نظروا إلى امرأة من أجمل الناس تختلف يَمْنة وَيسْرة، وقد شغلت الناس، وبهتوا ينظرون إليها، وخاض بعضهم في بعض، فقال لها أبو حازم: يا هذه! اتق الله؛ فإنك في مشعر من مشاعره وقد فتنت الناس، فاضربي على جيبك خمارك؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. فأقبلت تضحك من كلامه وقالت: يا هذا! أنا ممن قال فيه الحارث بن خالد: [من الطويل] أَماطَتْ كِساءَ الْخَزِّ عَنْ حُرِّ وَجْهِها ... وَأَرْخَتْ عَلى الكَشْحَيْنِ بُرْداً مُهَلْهَلا

стр. 6386

أَراهُنَّ لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ خَشْيَةً ... وَلَكِنْ لِيَقْتُلْنَ البَرِيرَ الْمُغَفَّلا فأقبل أبو حازم على أصحابه فقال: يا هؤلاء! تعالوا ندعو الله ألا يعذب هذه الصورة الحسنة. فجعل يدعو وأصحابه يؤمِّنون. قال: وبلغ ذلك سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى فقال: والله لو كان بعض بغضاء أهل العراق لقال لها: اغربي قبحك الله، ولكنه ظُرْفُ عُبَّاد أهل الحجاز. قال التجاني: قال الأصمعي: رأيت في الطواف جارية كأنها مهاة قد فتنت الناس جميعاً بجمالها، فوقفت أنظر، فقالت: ما لك يا هذا؟ قلت! وما عليك من النظر؟ فأنشأت تقول: [من الطويل] وَأَنْتَ إِذا أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رائِداً ... لِقَلْبِكَ يَوْما أَتعَبَتْكَ الْمَناظِرُ رَأَيْتَ الَّذِي لا كُلَّهُ أَنْتَ قادِرٌ ... عَلَيْهِ وَلا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صابِرُ قلت: وهذا وأمثاله مما يذكر من السلف إنما كان منهم على ضرب من التأويل مع العفة والصيانة، ولا يكاد متأول في هذا الباب

стр. 6387

الآن يسلم من الفتنة وإعلال القلب، واختلال الدين؛ فالحزم والحسم لهذه المادة وصيانة النظر عن الإطلاق إلا فيما يحل. وقد روى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن أبي علي الرُّوذباري قال: كان الحارث بن أسد المحاسبي يقول: ثلاث يمتع بهن وقد فقدناها: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الصوت مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء. واعلم أن الجمال أكثر ما يكون سبباً لطغيان النساء وفجورهن، وقد يكون سبباً لطغيان الرجال؛ كما أن الشباب والقوة أكثر ما يكون سبباً لطغيان الرجال، وقد يكون مطغياً للنساء، والمال يُطغي الرجال والنساء جميعاً. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]. وقيل: [من الرجز] إِنَّ الشَّبابَ وَالفَراغَ وَالْجِدَةْ ... مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيَّ مَفْسَدَة وروى ابن ماجه بسند ضعيف، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَنْكِحِ الْمَرْأَةَ لِجَمَالِهَا؛ فَلَعَلَّ جَمَالَهَا يُرْدِيْهَا، وَلا لِمَالِهَا؛ فَلَعَلَّ مَالَهَا يُطْغِيها، وَانْكِحِ الْمَرْأَةَ لِدِيِنهَا" (١).

стр. 6388

وهذه الأمور تكون من الدنيا الغرور، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. - ومن أوصاف الطير: الفطنة، والكياسة، والحذر، والفرار مما يؤذيه، والنفور . ومن كيسه أنه إذا أراد أن يدخل كناسة يدخله مستدبراً، ويستقبل بعينيه ما يخافه، فإذا رأى أحداً لم يدخل وإلا دخل. وكذلك ينبغي للمؤمن أن يكون حذوراً، فرَّاراً بدينه، نفوراً عما يرديه، حازماً، كَيِّساً فطناً. قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]. وقال رسول الله ﷺ : "الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ، حَذِرٌ، وَقَّافٌ لا يَعْجَلُ". رواه القضاعي عن أنس رضي الله تعالى عنه (١). ثئمَ فسر الكيس ﷺ فقال: "الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْفَاجِرُ مَنْ أتبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّىْ عَلَىْ اللهِ". رواه الحاكم وصححه، والعسكري، والقضاعي عن شداد بن أوس ﵁ (٢).

стр. 6389

وفي حديث جابر رضي الله تعالى عنه في "الصحيح": "وإِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ" (١). أراد أَمْرَهُ بإتيان أهله لطلب الولد. ومن تمام الكياسة في ذلك أمران: الأول: إذا سألت الله تعالى أن يهبك ولداً فاسأله صالحاً كما قال إبراهيم ﷺ : ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]. وقال: زكريا ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]. وقال: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦]. والثاني: إذا طلب الولد فليتخير له إمَّا خيرة ذات حسب ونسب وعقل ودين ليكون مكيساً. وفي الحديث: "تَخَيَّرُوْا لِنُطَفِكُمْ". رواه ابن ماجه، والدارقطني (٢). والعرب تمدح بالإكاسة، وهي أن يولد للرجل أولاد أكياس؛ أي: عقلاء؛ تقول: أكيس الرجل، وأكاس: إذا ولد له أولاد أكياس.

стр. 6390

وتذم بالإحماق؛ قال الشاعر: [من الوافر] فَلَوْ كُنْتُمْ كَمكيسةٍ أَكاسَتْ ... وَكيسُ الأُمِّ يُعْرَفُ فِي البَنِينا وَلَكِنْ أُمَّكُمْ حَمُقَتْ فَجِئْتُمْ ... غِثاثاً مايُرى فِيْكُمْ سَمِيناً (١) وأحمقت المرأة: جاءت بولد أحمق، فهي محمق، ومحمقة. قالت امرأة من العرب: [من الرجز] لَسْتُ أُبالِي أَنْ أَكُونَ مُحْمَقَة ... إِذا رَأَيْتُ خِصْيَةً مُعَلَّقَة قال في "الصحاح": تقول ما أبالي أن ألد أحمق بعد أن يكون الولد ذكراً له خصية معلقة، انتهى (٢). وهذا حال أكثر أهل الجهل - خصوصاً النساء المقلات الأولاد الذكور - تتمنى الولد الذكر على أي خلق كان. وهذا عين الحمق، وإنما الكياسة طلب الولد قبل طلب صلاح ذاته (٣)، كما تقدم. - ومن أوصاف الظبي: الغرَّة . وهي الغفلة حتى قالوا في المثل: أغر من ظبي مقمر؛ يعني: إنه

стр. 6391

يغتر بالقمر، فيأنس به، ويظهر من كناسه، فيصاد (١). وقد جاء وصف المؤمن بالغرة. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "المْؤُمِنُ غِرٌّ كَرِيْمٌ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيْمٌ" (٢). فإن قلت: كيف يجمع بين وصفه بالغرة ووصفه بالكياسة والفطنة والحذر؟ قلت: يجمع بينهما بأنه كيس فطن حذر، لكنه لا ينتهي إلى حد الدهاء والمكر، بل يحمله لينه وحسن ظنه على الاغترار بالخير؛ فإن المؤمن ينخدع بالخير؛ ألا ترى كيف انخدع آدم وحواء ﵉ بمقاسمة الشيطان لهما أنه لهما ناصح؟ وقد قال بعض السلف: مَنْ خادعنا بالله خَدَعَنا. ونظير ذلك أن المؤمن هين لين. وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وعن ابن عباس ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "الْمُؤْمِنُ لَيّنٌ تَخَالُهُ مِنَ اللِّيْنِ أَحْمَقَ" (٣).

стр. 6392

ثم قال ﷺ : "الْحِدَّةُ تَعْتَرِيْ خِيَارَ أُمَّتِيْ". رواه أبو يعلى، والطبراني عن ابن عباس (١). وروى الحسن بن سفيان في "مسنده"، والبغوي في "معجمه" عن الليث، وعن دريد بن نافع قال: قلت لأبي منصور الفارسي ﵁ وكانت له صحبة -: يا أبا منصور! لولا حدة فيك! فقال: ما يسرني بحدتي كذا وكذا، وقد قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْحِدَّةَ تَعْتَرِيْ خِيَارَ أُمَّتِيْ" (٢). وروى الطبراني في "الأوسط" بسند ضعيف، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُ أُمَّتِيْ أَحِدَّاؤُهُمْ، وَهُمْ الَّذِيْنَ إِذَا غَضِبُوْا رَجَعُوْا" (٣). وهذا التفسير يحتمل أن يكون من لفظ الحديث، ويحتمل أن يكون مُدْرجاً فيه من كلام علي رضي الله تعالى عنه، وفيه بيان ما قاله

стр. 6393

السخاوي وغيره: أن محل ذلك ما لم يؤد إلى محذور (١). وبهذا الذي بينَّاه تبين أن مراد ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مدح كل من الخلفاء الأربعة بما فيه من غير ذم، وذلك فيما ذكره ابن عبد ربه في "العقد" فقال: سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن أبي بكر ﵁، فقال: كان والله خيراً كله مع الحدة التي كانت فيه. قالوا: فأخبرنا عن عمر رضي الله تعالى عنه. قال: كان والله كالطير الحذر الذي نصب له الفخ، فهو يخاف أن يقع فيه. قالوا: فأخبرنا عن عثمان رضي الله تعالى عنه. قال: كان والله صوَّاماً قوَّاماً، من رجل غلبته غفلته عن قدمته. قالوا: فأخبرنا عن علي رضي الله تعالى عنه. فقال: كان والله مُرْتدياً علماً وحلماً، من رجل عذره سابقته، وقدمه وقرابته من رسول الله ﷺ ، فقل ما أشرف على شيء إلا فاته. قالوا: يقولون إنه كان مجدوداً؛ أي: محظوظاً؟ قال: أنتم تقولونه (٢). وصف أبا بكر ﵁ بالحدة بعد قوله: كان خيراً كله إشارة إلى أن حدته كانت من جملة خيرة؛ فإنها لم تخرجه إلى باطل قط، وهي

стр. 6394

الحدة التي وصف بها خيار الأمة، وهو خيرها بعد النبي ﷺ . ووصف عثمان رضي الله تعالى عنه بالغفلة، ثم أشار إلى أنها لا تضره بسبب قدمته في الخير. والقُدمة - بضم القاف، وإسكان الدال - كما في "الصحاح"، وهي السابقة في الأمر (١). ويقال لهما: قَدَم - بفتحتين - وقِدَم - بكسر، ففتحة -؛ فإنَّ عثمان ﵁ من السابقين الأولين إلى الإيمان، غير أنه اغتر بأهله ومواليه، فولاَّهم، وكان ذلك مما انتقد عليه، وما كان يريد إلا الخير. وهذه الغِرَّة وصف بها المؤمن مع كرمه، وعثمان رضي الله تعالى عنه كرمه ونبله لا ينكره إلا مباهت ناكب عن الحق. وقوله في وصف علي رضي الله تعالى عنه: قلَّ ما أشرف على شيء إلا فاته؛ المراد أنَّه ما أشرف على شيء من الخير شجاعة، وكرماً، وزهداً، وعلماً، وغير ذلك إلا بلغه، وفات الرتبة التي تبلغها الناس فيه. وقوله: (أنتم تقولونه)، جواباً عن قول السائل: يقولون: كان مجدوداً؛ أراد به الرد على من كان يخفض من مقام علي رضي الله تعالى عنه، ويقول: إنما نال الخلافة وغيرها من الفضائل بالحظ

стр. 6395

والبخت، لا بالذات، فرد عليهم بأن فضله كان بذاته، وفضيلته في نفسه؛ فإنه كان الحسيب الذي لا يشبهه في حسبه الشجاع الكريم العارف بالله تعالى، وبكتابه وأحكامه رضي الله تعالى عنه. - وممَّا يوصف به الظبي: الرشاقة ؛ أعني: الخفة والسرعة، وهي ثمرة رشاقة قَدِّه واعتداله. وكذلك ينبغي للمؤمن أن يكون رشيق الحركة في مصالح دينه ودنياه، غير فتور ولا كسلان من غير مجاوزة إلى حد الرعونة والطيش، ويعينه على ذلك التقلل من المآكل والمشارب، والنعيم والرفاهية، والرياضة بالصيام والقيام، وبذلك يحصل له رشاقة القد وخفة البدن، ولا يسعى في التسمن والتبدن باستعمال الأدوية ونحوها؛ فإن التسمن للبهائم للانتفاع بلحمها وشحمها. روى الإمام أحمد، وأبو نعيم عن معاذ رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ : "إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ؛ فَإِنَّ عِبَادَ الله لَيْسُوْا بِالْمُتَنَعِّمِيْنَ" (١). وقال عمر رضي الله تعالى عنه: اخشوشنوا وتمَعْدَدوا، وإياكم وزي الأعاجم. رواه ابن حبان وغيره (٢). وروى ابن شاهين في "الصحابة"، والطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم في "المعرفة" عن القعقاع بن أبي حدرد رضي الله تعالى عنه: أن

стр. 6396

النبي ﷺ قال: "تَمَعْدَدُوْا، وَاخْشَوْشِنُوْا، وَاخْلَوْلقُوْا، وَانتُعِلُوْا، وَامْشُوْا حُفَاء" (١). وقوله: "تَمَعْدَدُوْا"؛ أي: تزيُّوا بزي معد بن عدنان، واقتدوا به من الخشونة في العيش، والتقشف، ودعوا التنعم وزي العجم. وروى أبو داود عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ لما قدم مكة قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قوم وهنتهم الحمى، فلما كان الغد جلسوا مما يلي الحجر، فأمر النبي ﷺ الصحابة أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الركنين ليرى المشركون جَلَدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين نزعم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء كأنهم الغزلان (٢). وفي الحديث إشارة إلى استحباب إظهار الشجاعة والنشاط والنعمة؛ خصوصاً عند الدخول على الأعداء؛ فإن ذلك أشد عليهم وأقمع لهم، وعلى الإخوان والأصدقاء؛ فإن ذلك أشرح لصدورهم وأدخل للسرور عليهم، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الآخر: "إِنَّكمْ قَادِمُوْنَ عَلَىْ إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوْا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوْا شَأْنكُمْ حَتَّىْ

стр. 6397

تَكُوْنُوْا كَأَنَّكمْ شَامَةٌ فِيْ النَّاسِ، فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ". رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما من حديث سهل ابن الحنظلية وصححه الحاكم (١). وروى الترمذي وحسنه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَىْ أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَىْ عَبْدهِ" (٢). وروى أبو داود عن أبي الأحوص، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في ثوب دون، فقال: "ألكَ مَالٌ؟ ". قلت: نعم. قال: "مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ ". قال: قد آتاني الله من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق. قال: "إِذَا آتَاكَ اللهُ فَلْيَرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ" ((٣). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن جندب بن مكيث رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم الوفد لبس خير ثيابه، وأمر عامة أصحابه بذلك (٤).

стр. 6398

وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: لما خرجت الحرورية أتيت علياً فقال: ائت هؤلاء القوم. قال: فلبست أحسن ما يكون من حُلل اليمن فأتيتهم. فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس، ما هذه الحلة؟ قلت: ما تعيبون عليَّ؟ رأيت على رسول الله ﷺ أحسن ما يكون من الحُلل (١). وفي وصية بعض الحكماء: ادخل على عدوك جوعان، ولا تدخل عليه عريان. ووجهه: أن الجوع يخفى ويكتم، والثياب ظاهرة تلحظ؛ فإذا كان عليك ثوب يزري بك لخَلاَقته وغيرها، فدخلت فيه على عدوك، شَمَت بك. وروى الطبراني - ورجاله رجال الصحيح - عن أبي يعفور قال: سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنه يسأله رجل: ما ألبس من الثياب؟ قال: ما لا يزدريك فيه السفهاء، ولا يعيبك به الحكماء. قال: وما هو؟ قال: ما بين الخمسة دراهم إلى العشرين (٢). وهذا الذي قاله ابن عمر من القول الفصل في هذا الباب، والمنهج

стр. 6399

العدل في هذا الأمر، وأراد بالحكماء علماء الشرع، وهم أهل الحكمة الذين أوتوها: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وما يعيبه العلماء هو ما خالف الشرع والسنة، وما يزدري فيه المرء السفهاء شامل لأن يلبس المفتي أو القاضي، أو المدرس ثياب الصوفية وغيرهم، أو البزاز ثياب البقال والجزار، ونحو ذلك، أو العامي ثياب الفقهاء وزي العلماء، أو التاجر زي الأمراء، أو العالم زي الأجناد، أو زي الولاة؛ فإن السفهاء يزدرون هؤلاء بذلك، ويصير الواحد منهم ضحكة. - ومن الظباء ما له نافجة مسك، ومنها ما ليس له ذلك، وهو الأكثر، وغزلان المسك بأرضِ تِبْت من بلاد الهند وغيرها. وحكى الشرف بن يونس شارح "التنبيه"، و"مختصر الإحياء": أنه لما أهبط آدم ﵇ إلى الأرض جاءته الوحوش تسلم عليه وتزوره، وكان يدعو لكل جنس بما يليق به، فجاءته طائفة من الظباء، فدعا لهن، ومسح على ظهورهن، فظهرت فيهن نوافج المسك، فلما رأى بواقيها ذلك قلن: ومن أين لك هذا؟ فقلن لهن: زرنا صفي الله آدم ﵇، ومسح على ظهورنا. فمضى البواقي إليه، فدعا لهن، ومسح على ظهورهن، فلم يظهر لهن من ذلك شيء، فقلن: قد فعلنا كما فعلتن، فلم نر شيئاً مما حصل لكُنَّ.

стр. 6400

فقيل لهن: أنتن كان عملكن لتنَلْنَ كما نال إخوتكن، وأولئك عملهن لله من غير شوب، فظهر ذلك في نسلهن وعقبهن إلى يوم القيامة. وكذلك ينبغي للعبد الإخلاص في كل أعماله لتظهر آثار بركة الإخلاص عليه وعلى عقبه إلى يوم القيامة. وعلى ذكر ظباء المسك، فقد روى البخاري عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ؛ لا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً" (١). وروى أبو داود، وأبو يعلى، والرامهرمزي في "الأمثال"، وابن حبان في "روضة العقلاء"، والضياء المقدسي في "المختارة" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: [قال رسول الله ﷺ ]: "مَثَلُ الجليسِ الصَّالحِ مَثَلُ العَطَّار؛ إن لم يُعْطِكَ مِنْ عِطْرِهِ أصابَكَ مِنْ رِيحِهِ، ومَثَلُ الجليسِ السُّوءِ مَثَلُ القَيْنِ - أي: الحدَّاد - إن لم يُحْرِقْ ثوبَكَ أصابَكَ مِنْ رِيحِهِ" (٢).

стр. 6401

وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْعَطَّار؛ إِنْ جَالَسْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ مَاشَيْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ شَارَكْتَهُ نَفَعَكَ" (١). وروى الشيرازي عن أحمد بن عمر الوزان، قال: سمعت بعض النساء يقول: كنت أصيد على شاطئ البحر الظباء بالشَّرَك، فأقبل ظبي كبير له جمال وهيبة، فطمِعْتُ أن يقع في يدي، فلما نظر إلى الشَّرَك رجع عن الماء وخاف، ثم أراد الهجوم لما به من العطش، فلما عظم ذلك عليه طلع إلى ذروة الجبل، فبسط يديه ومد رجليه، ثم صرخ صرخة ففزعت من شدتها، فما كان إلا يسير حتى أقبلت سحابة فأمطرت حتى صار بين يديه بركة، فشرب من الماء وهو نائم، فتبت من الصيد. قلت: وما في هذه القصة من إلهام هذا الظبي من التوجه إلى الله تعالى في حال الاضطرار إلى الماء وقد حِيل بينه وبينه حتى سأل الله تعالى فأجابه وأغاثه= كافٍ في إرشاد العبد في حال اضطراره إلى التوجه إلى الله تعالى بالدعاء، والتوسل بالالتجاء: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. وهذا النوع من المعرفة أنفع شيء للعبد، وقد وقع التعريف به في غير موضع من كتاب الله ، لكن العارفين به قليل، والمهتدين به

стр. 6402

سالكون أوضح السبيل، ونيلهم منه أعظم النيل، وهم متقلدون به آناء النهار والليل. وفي المعنى يقول (١): [من الطويل] إِذا لَمْ يَكُنْ لِي فِي اضْطِرارِي وَشِدَّتِي ... مُعِينٌ سِوى اللهِ الْمُقَدَّسِ مَجْدُهُ فَما فِي شُهودِي غَيْرَهُ غَيْرُ خَيْبَةٍ ... وَما نافِعِي إِلاَّ إِذا احْتَجْتُ قَصْدُهُ وَلا أَهْتَدِي لِلْقَصْدِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ... وَتَوْفيقِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَوَدُّهُ فَيا رَبِّ ما لِي غَيْرُ بابِكَ مَقْصِدٌ ... وَأَنْتَ الَّذِي فِي كُلِّ أَمْرٍ أَعُدُّهُ فَكُنْ بِيْ رَحِيماً وَاعْفُ عَنِّي تَكَرُّماً ... فَأنْتَ العَظِيمُ الشَّامِلُ الْخَلْقِ رِفْدُهُ فَما اقْتَدَحَ العَبْدُ الزِّنادَ لِمَقْصِدٍ ... وَأَوْرَى بِغَيْرِ اللهِ ذِي العَرْشِ زِنْدُهُ

стр. 6403

فَيَشْغَلْ بِغَيْرِ اللهِ تَضْيِيعَ مُدَّةٍ ... مِنَ العُمْرِ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ عَبْدُهُ وَما سَعْدُ عَبْدٍ لَيْسَ إِلاَّ لِرَبِّه ... تَوَجُّهُهُ فِي كُلِّ حالٍ وَقَصْدُهُ فَذاكَ الَّذِي قَدْ جَلَّ بِاللهِ قَدْرُهُ ... وَذاكَ الَّذِي قَدْ تَمَّ بِاللهِ سَعْدُهُ وَذاكَ الَّذِي بِاللهِ أَيْنَعَ رَوْضُه ... وَفُتِّحَ لِلتَّعْطِيرِ بِالطِّيبِ وَرْدُهُ فَشُكْرُ الإِلَهِ الْحَقِّ ذِي العَرْشِ واجبٌ ... عَلَيْهِ لَهُ فِي كُلِّ حالٍ وَحَمْدُهُ - ومن ذلك: الوَعِل -كفخذ- وفيه اللغات الأربع، وجمعه: أو عال، ووعول . ويقال للذكر منه: أيل -كسيد، وقنب، وخلب-. وللأنثى منه أروية -بضم الهمزة، وإسكان الراء، وكسر الواو، وتشديد الياء التحتية- ويجمع على أروى على غير قياس. قيل: والوعل مع الظباء كالمعز مع الضأن. ومن عادة الوعل أن يحتمي من الماء وهو يشتهيه خشية ضرره، وذلك أن الأيايل تقتات بالأفاعي، فإذا أكلت منها في الصيف حميت

стр. 6404

والتهبت حرارتها، فتطلب الماء، فإذا رأته امتنعت من شربه، وحامت حوله فتشمه لأنها لو شربته في تلك الحال فصادف الماء السم الذي في أجوافها هلكت، فلا تزال تمتنع منه بإلهام من الله تعالى حتى تذهب عنها فورة السم، ثم تشربه فلا يضرها. وفي ذلك قيل: [من الوافر] هَجَرْتُكَ لا قِلًى مِني وَلَكِنْ ... رَأَيْتُ بَقاءَ وِدِّكَ فِي الصُّدُودِ كَهَجْرِ الْحائِماتِ الوِرْدَ لمَّا ... رَأَتْ أَن الْمَنِيَّةَ فِي الورُودِ تَفِيضُ نُفُوسُها ظَمَأً وَتَخْشَى ... حِماماً فَهْيَ تَنْظُرُ مِنْ بَعِيدِ تَصُدُّ بِوَجْهِها البَغْضاءَ عَنْهُ ... وَتَرْمُقُهُ بِإِلْحاظِ الورُودِ (١) وكذلك ينبغي للإنسان أن يحتمي عما يضره في بدنه من الأغذية وغيرها، وفي دينه من الحرام والشبهة وغيرهما. وأنشد أقضى القضاة الماوردي في "أدبه": [من السريع] جِسْمُكَ قَدْ أَضْعَفْتَهُ بِالْحمى ... خَوفاً مِنَ البارِدِ وَالْحارِ وَكانَ أَوْلَى بِكَ أَنْ تَحْتَمِي ... مِنَ الْمَعاصِي خَشْيةَ النَّارِ والحمية قد تكون بتعمُّل من العبد وصبر، وهي من باب المجاهدة.

стр. 6405

وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فمن يحتمي مستعيناً بالله يجد سبيله إلى الله تعالى. وقد يكون بمحض المئة من الله تعالى، والعصمة منه، كما روى الطبراني بإسناد حسن، عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه، عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِيْ سَقِيْمَهُ الْمَاءَ" (١). وروى الحاكم وصححه، عن أبي سعيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يَحْمِيْ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ كَمَا تَحْمُوْنَ مَرِيْضَكُم الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ" (٢). - ومن خصال الأوعال والأروى: أنها تتخذ مساكنها في رؤوس الجبال وشَعَفِها ، فتمتنع بنفسها من شرار الخلق. وقد قيل في المثل: إنما هو كبارح الأروى؛ لأنها تأوي الجبال الممتنعة وكنانها، فلا تكاد تشاهد سانِحة ولا بارحة إلا في الدهر مرة؛ يضرب مثلاً لمن يجري منه الإحسان في الآحايين، وقد يضرب لمن

стр. 6406

اعتزل الناس بالكلية واختفى عنهم حتى كأنه غائب منسي (١). وكذلك ينبغي للمؤمن أن يفر بدينه من الفتن خصوصاً في هذا الزمن. روى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يُوْشِكُ أَنْ يَكُوْنَ خَيْرُ مَالِ الْمُؤْمِنِ غَنَمٌ تتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِيْنِهِ مِنَ الْفِتَنِ" (٢). ولعل رسول الله ﷺ أشار إلى هذا الذي لَمَحْناه هنا بقوله: "إِنَّ الدِّيْنَ لَيَأرِزُ إِلَىْ الْحِجَازِ كَمَا تأرِزُ الْحَيَّةُ إِلَىْ جُحْرِهَا، وَلْيَعْقِلَنَّ الدِّيْنُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأَرْوِيَّة مِنْ رَأْسِ الجَبَلِ، إِنَّ الدِّيْنَ بَدَأَ غَرِيْباً وَيرْجِعُ غَرِيْبًا، فَطُوْبَىْ لِلْغُرَبَاءِ الَّذِيْنَ يُصْلِحُوْنَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ بَعْدِي مِنْ سُنَتِيْ". رواه الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني رضي الله تعالى عنه (٣). وروى البخاري في "تاريخه"، وغيره - وهو صحيح الإسناد - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُوْمُ السَّاعَةُ حَتَّىْ يَفْشُوَ الْفُحْشُ وَالْبُخْلُ، وَحَتَّى يَخُوْنَ الأَمِيْنُ، ويؤْتَمَنَ الْخَائِنُ، وَتَهْلَكَ الْوعُوْلُ، وَتَظْهَرَ التَّحُوتَ".

стр. 6407

قالوا: يا رسول الله! ما الوعول والتحوت؟ قال: "الْوعُوْلُ وجُوْهُ النَّاسِ، وَالتُّحُوْتُ الَّذِيْنَ تَحْتَ الأَقْدَامِ". وفي رواية: قالوا: يا رسول الله! ما الوعول؟ قال: "وجُوْهُ النَّاسِ وَأَشْرَافُها" (١). شبههم بالوعول لتمنعها تشبيهاً لشرف نفوسهم وارتفاع هممهم بالوعول في تحصُّنها، وسكناها قنان الجبال، وقلل الأطواد والشوامخ. - ومن عادة الوعل: أنه إذا لسعته حية أكل السرطان فيبرأ، وقد سبق أنه مولع بأكل الحيات فربما ضرته، وقد سبق أنه يحتمي بعد أكلها عن الماء. وهذا أمر عجيب الإلهام؛ فإنه ألهم الطب بطرفيه لأن الطب يرجع إلى الحمية، والعلاج بالأدوية. ونظير ذلك أن الأفعى تختفي في التراب أربعة أشهر في البرد، ثم تخرج وقد أظلمت عيناها، وقيل: تعمى، فتطلب شجرة الرازيانج فتحك عينيها به، فيرجع إليها بصرها. ذكره القزويني. وقال غيره: إذا مرضت أكلت ورق الزيتون فتشفى. وكثير من الأنعام والدواب تأكل من المرعى شيئاً دون شيء،

стр. 6408

وربما كان فيما عافته ضررها فتحجم عنه بإلهام من الله ﵎. فينبغي للإنسان أن لا يكون أعجز من الحيوان في تدبير فصول السنة، واتقاء حرها وبردها صيفاً وشتاءً؛ فإن الحية وغيرها من دواب الأجحرة يحتجر أربعة أشهر ونحوها، وبعض الطير يشتي في البلاد الدافئة، ويصيف في البلاد الباردة كالخطاف، ولا في الحمية عما يضره، والتداوي بما ينفعه عند الحاجة إليه، ولا ينفي عنه ذلك شيئاً من التوكل والثقة بالله تعالى. روى ابن ماجه عن قيس بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: أتانا النبي ﷺ فوضعنا له ماء يتبرد به، فاغتسل (١). وروى ابن السني، وأبو نعيم؛ كلاهما في "الطب" عن سهل بن سعد ﵁ قال: أقبل رسول الله ﷺ في يوم حار وقد وضع له ماء ليتبرد به، فجاء العباس فستره (٢). وروى أبو نعيم عنه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اسْتَدْفِئُوْا مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْد" (٣).

стр. 6409

وعن مدركة بن حجير رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً نائماً في الشمس فقال: "قُمْ؛ فَإِنَّها تُغَيِّرُ الْبَدَنَ وَتُبْلِي الثَّوْبَ" (١). وروى ابن السني، وأبو نعيم، والحاكم وصححه، عن عائشة ﵂: كان ﷺ يُستعذب له الماء العذب (٢). وروى الشيخان، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً" (٣). وروى أبو داود، والترمذي، والحاكم وصححاه، والنسائي، وابن ماجه، وابن السني، وأبو نعيم عن أسامة بن شريك رضي الله تعالى عنه قال: قالوا: يا رسول الله! هل علينا جُناح ألا نتداوى. قال: "تَدَاووا عِبَادَ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَم" (٤).

стр. 6410

وروى ابن السني، وأبو نعيم، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أجيف برجل من الأنصار يوم أحد، فدعا له رسول الله ﷺ طبيبين كانا بالمدينة، فقال: "عَالِجَاهُ". فقالا: إنما كنا نعالج ونحتال في الجاهلية، فلما جاء الإسلام فما هو إلا التوكل. فقال: "عَالِجَاهُ؛ فَإِنَّ الَّذِيْ أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ، ثُمَّ جَعَلَ فِيْهِ شِفَاءً". فعالجاه، فبرأ (١). وروى الإمام مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى: أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ جرح، فحقن الدم، فدعى له رجلان من بني أنمار، فقال رسول الله ﷺ : "أيُّكُمَا أَطَبُّ؟ ". فقال أحدهما: يا رسول الله! أوفي الطبِّ خير؟ فقال النبي ﷺ : "إِنَّ الَّذِيْ أَنْزَلَ الدَّاءَ هُوَ الَّذِيْ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ" (٢). وهو - وإن كان مرسلاً - فذِكْرُ مالك له إثبات لأصله، وشاهده
следующие страницы →