طلعت الشمس من مغربها لا يُقبل من كافر إيمانه ولا توبته ولا عمله إذا أسلم حتى يراها إلا من كان صغيرًا يومئذ؛ فإنه لو أسلم بعد ذلك قُبِل ذلك منه؛ قال: ومن كان مؤمناً مذنباً فتاب من الذنب قبل منه (١).
وهذا أخذه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من ظاهر الآية؛ إذ اقتصر فيها على الإيمان, وهو خلاف ما عليه الجمهور من أنَّه لا فرق في عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من المغرب وبين الكافر والمسلم، والأحاديث المذكورة ناطقة نص فيها فيجب المصير إليها.
أمَّا الصغير إذا بلغ بعد طلوع الشمس من مغربها، فأسلم، قبل إسلامه قطعًا؛ فإنَّه مفطور على الإِسلام، وقد استصحب الفطرة، وأمَّا إذا كفر بعد البلوغ أو أذنب، فلا يُقبل منه الإِسلام ولا التوبة كغيره.
قال أهل العلم: وإنَّما لا ينفع نفسًا إيمانها ولا توبتها وقت طلوع الشمس من المغرب لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما يخمد منه كل شهوة، ويفتر منه كل قوة، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بقرب الساعة كحال من حضره الموت، وغرغر بالروح في انقطاع الدَّواعي إلى المعصية بكل أنواعها وبطلانها من أبدانهم، ومن مات في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته.
ثم إنَّ من عاين الآية المذكورة قبل الإيمان والتوبة لمَّا كان علمه بالله ورسوله ووعيده قد صار ضرورياً لم يقبل إيمانه وتوبته وإن امتدت
стр. 6582
حياته بعد ذلك؛ إذ رُوي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مئة وعشرين سنة حتى يغرس النخل.
وهذا ذكره القرطبي، وإنما يُروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص كما أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر (١).
قال القرطبي: وإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ولا يتحدثوا عنه إلا قليلاً، فيصير الخبر عنه خاصًّا، وينقطع التواتر عنه، فمن أسلم بعد ذلك، أو تاب قُبِل منه؛ والله أعلم (٢).
قلت: لكنَّ الظاهر أن هذا لا يكون؛ إذ ورد أن باب التوبة يغلق لطلوعها من مغربها, ولم يرد أنه يفتح بعد ذلك.
قال أنس: قال رسول الله ﷺ : "صَبِيْحَةَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا يَصِيْرُ فِيْ هَذِهِ الأُمَّةِ قِرَدَةٌ وَخَنَازيرُ، وَتُطْوَىْ الدَّوَاوِيْنُ، وَتَجُفُّ الأَقْلاَمُ، لاَ يُزَادُ فِيْ حَسَنَةٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ سَيئةٍ، وَلاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيْمَانها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَت فِيْ إِيْمَانِهَا خَيْرًا".
وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إن الناس بعد الآية -يعني:
стр. 6583
طلوع الشمس من المغرب- يصلُّون، ويصومون، ويحجُّون، فيتقبل ممن كان يتقبل منه قبل الآية. رواهما أبو الشيخ (١).
وما ذكره القرطبي من انقطاع التواتر بعد الآية يبعده أن الدنيا - وإن بقيت بعد الآية المدة التي ذكرت عن ابن عمرو - فإنَّ الآيات تتتابع في هذه المدة كما قال رسول الله ﷺ : "الآيَاتُ خَرَزَاتٌ مَنْظُوْمَاتٌ فِيْ سِلْكٍ، فَانْقَطَعَ السِّلْكُ فَيتبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا".
رواه الإِمام أحمد، وغيره عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (٢).
فلا يقدم عن التواتر خبر بطلوع الشمس من مغربها, ولا ينقطع حتى تخرج الدابة، ثم يكون الخسوف واحدًا بعد واحد قبل الدجال أو بعده، ثم يخرج عيسى ﵇ بعد الدجال، فيقتل الدجال، ويمكُث في الأرض أربعين سنة، ثم يخرج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ﵇ حتى ينحاز هو والمؤمنون إلى جبل الطور، ثمَّ يكون الدخان بعد ذلك أو قبله، ثم تخرج النار من قعر عدن، فالناس في كل آية من هذه الآيات مع ما يتبعها من الأهوال والحوادث العظيمة بين مشاهد لها ومتواتر إليه خبرها، ومنهم من شاهد بعضها وتواتر إليه خبر بعضها، وهذا يحدث في قلوب الناس علوماً ضرورية بوقوع الساعة وحلول القيامة، فلا يقبل من أحد منهم خير إلا من كان عليه
стр. 6584
أولًا فيبقى عليه بتوفيق الله تعالى؛ نسأل الله تعالى أن يعيذنا من الفتن والمِحَن، وأن يقبضنا على توبة مقبولة.
ثمَّ التوبة لها أركان:
أحدها: أن يقلع عن الذنب في الحال .
روى البزار، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ، وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيم عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ " (١).
قال الفضيل بن عياض، وذو النون المصري رحمهما الله تعالى: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين (٢).
واعلم أنَّ الأقلاع عن الذنب إنما ينشأ من مطالعة زواجر الشرع، فينقدح من ذلك زِناد العقل، فيتولَّد منه نار الخوف من الله تعالى، فيحترق غُثاء الشهوة من النفس، ويذهب منه زَبَدُ الغفلة عن القلب، فيرتاع القلب ويتنبه، وينزجر بزاجر الإيمان, وزاجر العقل، وزاجر الشيب، وزاجر الموت، وغير ذلك، ويرجع إلى الله تعالى ويقلع عن الذنب، ولذلك قال بعضهم: اليقظة حرقة من جهة المولى لقلوب
стр. 6585
الخائفين تدلهم على طريق التوبة.
وروى أبو نعيم عن أبي بكر الكتاني رحمه الله تعالى أنه قال: روعة عبد انتباه من غفلة؛ وانقطاع عن حظ النفس، وارتعاد من خوف القطيعة أعود على المريدين من عبادة الثقلين (١).
وقد يسَّر الله تعالى لمن أراد به الخير طريق التوبة بالدواعي الداعية إليها، وهي فوائد التوبة التي عوَّلنا سابقاً عليها، وبالزواجر له عن الذنوب كزاجر الإيمان وزاجر الإِسلام.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وقال النبي ﷺ : "مَنْ لَمَ تَنْهَهُ صَلاَتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلاَّ بُعْدًا". رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢).
وأخرجه الإِمام أحمد في "الزهد"، وغيره عن ابن مسعود موقوفًا عليه (٣).
وروى المفسرون عن ابن عباس قال في الآية: في الصلاة منتهى
стр. 6586
ومُزْدجر عن معاصي الله تعالى (١).
ولا شك أنَّ من آمن بالله وبما جاء به رسله من وعيده في كتبه، وصدق بذلك أدى به تصديقه بذلك إلى أن يطيعه ولا يعصيه، وأن يقلع عن عصيانه إن كان متلبَّساً به، وإلا لم يكن تصديقه كاملًا ولا يقينه خالصاً, ولذلك قال رسول الله ﷺ : "مَا آمَنَ بِالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ". رواه الترمذي من حديث صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه (٢).
وزاجر العلم: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
فبيَّن أن الخشية إنما تنبعث من العلم والمعرفة؛ وإن العارف بالله تعالى يعلم ما لا يعلمه غيره من اطلاع الله تعالى عليه في أحواله كلها في سره وعلانيته، وذلك يزجره عن المعصية وعن الإقامة عليها.
قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيته بينك وبين معصيتك، فتلك خشيته. رواه ابن أبي حاتم (٣).
стр. 6587
وقال الشافعي ﵁: [من مجزوء الكامل]
وَالعِلْمُ يَنْهَى أَهْلَهُ ... أَنْ يَمْنَعُوه أَهْلَهُ (١)
وقال أيضًا: [من مجزوء الرجز]
حَسْبِي بِعِلْمِي إِنْ نَفَعْ ... ما الذُّلُّ إِلاَّ فِي الطَّمَعْ
مَنْ راقَبَ اللهَ نَزَعْ ... عَنْ سُوءِ ما كانَ صَنَعْ
ما طارَ طَيْرٌ وَارْتَفَع ... إِلاَّ كَما طارَ وَقَع
* فائِدَةٌ:
روى الخطيب عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: وضع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه للناس ثماني عشرة كلمة، حِكَمٌ كلُّها؛ قال: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.
وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك منه ما يغلبك.
ولا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملاً.
ومن عَرَّضَ نفسه للتهمة فلا يلومنَّ من أساء به الظنْ.
ومن كتم سرَّه كانت الخيرة في يده.
وعليك بإخوان الصدق تعِشْ في أكنافهم؛ فإنهم زينة في الوفاء، وعُدَّة في البلاء.
стр. 6588
وعليك بالصدق وإن قتلك.
ولا تعرض فيما لا يعني.
ولا تسأل عما لم يكن؛ فإنَّ فيما كان شغلاً عما لم يكن.
ولا تطلبن حاجتك إلى من لا يحب نجاحها.
ولا تهاون بالحلف الكاذب فيهلكك الله.
ولا تصحب الفجَّار تتعلم من فجورهم.
واعتزل عدوَّك.
واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله.
وتخشع عند القبور.
وذُلَّ عند الطاعة.
واستعصم عند المعصية.
واستشر في أمرك الذين يخشون الله؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (١).
وزاجر الشيب: قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
стр. 6589
قال عكرمة: النذير: الشيب. رواه عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
وقال الشاعر: [من الطويل]
كَفى الشَّيْبُ وَالإِسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِياً (٢)
وقال الإِمام أبو القاسم الرافعي رحمه الله تعالى: [من الطويل]
تَنبَّهْ فَحَقٌّ أَنْ يَطُولَ بِحَسْرَةٍ ... تلهُّفُ مَنْ يَسْتَغْرِقُ العُمْرَ نَومُهُ
وَقَدْ نِمْتَ في عَصْرِ الشَّبِيبَةِ غافِلًا ... فَهُبَّ فَصُبْحُ الشَّيْبِ قَدْ جاءَ يَومُه (٣)
وقلت: [من الخفيف]
ناحَ إِذا لاحَ الْمَشِيبُ صباحُ ... بَعْدَ لَيْلِ الْهَوى وَطِيبِ الغرارِ
لا تَلُمْهُ إِذا بَكَى لِمَشِيبٍ ... ضَحِكَ الرَّوْضُ مِنْهُ بالأَزْهارِ
بانَ مِنْهُ الشَّبابُ فَاغْتاظَ مِمَّا ... بانَ مِنْ شَيْبِ رَأْسِهِ وَالعِذارِ
طُوبَى لِمَنْ لَمْ يَعْصِ الإلَهَ وَلا ... حالَ وَلَمْ يَتَهِمْهُ في قَدَرِهْ
طُوبَى لِمَنْ لا يَزِيدُ إِلا تُقًى ... لله فِيما يَزْدادُ مِنْ كِبَرِهْ
قَدْ يَنْبَغِي لامْرِئٍ يَرى نكَبا ... تِ الدَّهرِ أَنْ لا يَنامَ مِنْ حَذَرِهْ
بِقَدْرِ ما ذاقَ ذائِقٌ لِصَفاءِ ... العَيْشِ يَوماً يَذُوقُ مِنْ كَدَرِهْ
كَمْ مِنْ عَظِيمْ مُسْتَوْدعٍ جَدَثاً ... قَدْ أَوْقَرَتْهُ الأكفُّ مِنْ مَدَرِهْ
أَخْرَجَهُ الْمَوْتُ عَنْ دساكِرِه ... وَعَنْ فَساطِيطِهِ وَعَنْ حُجَرِهْ
ما أَسْرعَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلى الـ ... إِنْسانِ في سَمْعِهِ وَفِي بَصَرِهْ
وَفِي خُطاهُ وَفِي مَفاصِلِه ... نَعَمْ وَفِي شَعْرِهِ وَفِي بشرِهْ
الوَقْتُ آتٍ لاشَكَّ فِيهِ وَلا ... تَنْظُرْ إِلَى طُولهِ وَلا قِصْرِه
لَمْ يَمْضِ مِنَّا قُدَّامَنا أَحَدٌ ... إِلا وَمَنْ خَلْفَهُ عَلى أثَرِهْ
فَلا كَبِيْرٌ يَبْقَى لِكَبْرتهِ ... وَلا صَغِيْرٌ يَبْقَى على صِغَرِهْ
وزاجر الموت:
روى الطبراني في "الكبير" عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النبي ﷺ قال: "كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، وَبِاليَقِيْنِ غِنًى" (١).
وروى سعيد بن منصور عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أنه قال موعظة بليغة وغفلة سريعة: كفى بالموت واعظاً، وكفى بالدهر
стр. 6593
مفرقاً، اليوم في الدُّور، وغداً في القبور (١).
ولجدي شيخ العارفين الشيخ رضي الدين ملمحاً بحديث: [من مجزوء الرجز]
قالَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ ... اللهِ قَوْلا صادِقاً
تَرَكْتُ فِيكُمْ واعِظَيـ ... ـنِ صامِتًا وَناطِقاً
الْمَوْتُ وَالقُرْآنُ كَيْ ... يَصْدُقَ هذا واثِقاً
وذكر السيوطي عن بعضهم قال: مَنْ أكثر ذكر الموت كُرِمَ بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة (٢).
وروى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم التيمي قال: شيئان قطعا عني لذاذةَ الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله تعالى (٣).
وروى ابن الجوزي في كتاب "ذم الهوى": أنَّ عبد الله بن حسن ابن الحسين كان يطوف بالبيت، فلقي امرأة جميلة، فلما نظرت إليه وإلى جماله مالت نحوه، وطمعت فيه، فأقبل عليها وقال: [من البسيط]
أَهْوى هَوَى الدِّينِ وَاللَّذَّاتُ تُعْجِبُنِي ... فَكَيْفَ لِي بِهَوى اللَّذَّاتِ وَالدِّينِ
стр. 6594
نَفْسِي تُزَيِّنُ لِيَ الدُّنْيا وَلَذَّتَها ... وَزاجِري مِنْ حِذارِ الْمَوْتِ يثْنِيْني (١)
وزاجر العقل (٢):
وجميع الزواجر ترجع إليه كما بينته في "منبر التوحيد".
ولذلك قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَاعِظًا مِنْ نَفْسِهِ يَأمُرُهُ وَيَنْهَاه".
رواه الديلمي -بإسناد جيد- من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها (٣).
وروى الإِمام أحمد، والحاكم -وصححه- عن النوَّاس بن سمعان رضي الله تعالى عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيْمًا، وَعَلَىْ جَنَبَتَيْ الصَّرَاطِ سُوْرَانِ فِيْهِمَا أَبْوَابٌ مُفتَّحَةٌ، وَعلى الأَبْوابِ سُتورٌ مُرْخاةٌ، وَعلى بابِ الصِّراطِ داع يَقولُ: يا أيُّها النَّاسُ! ادْخُلوا الصّراطَ جَمِيعًا، وَلا تُعَرِّجوا، وَداعٍ يَدْعو مِنْ فَوْقِ الصِّراطِ، فَإِذا أَرادَ الإِنْسانُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوابِ قالَ: وَيْحَكَ! لا تَفْتَحْهُ. فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ.
فَالصّراطُ: الإِسْلامُ، وَالسُّتورُ: حُدودُ اللهِ، وَالأَبْوابُ الْمُفتَّحَةُ:
стр. 6595
مَحارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلى رَأْسِ الصِّراطِ: كِتابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فوْق: واعِظُ اللهِ في قَلْبِ كُلِّ مَسْلِمٍ"؛ يَعْنِي: العَقْل (١).
* تَنْبِيهٌ:
عَلِمَ مما تقدم بأنَّ من ترك الذنوب لا للخوف من الله تعالى، بل لأمر آخر كالإفلاس والخوف من عقوبة السلطان وتعزيره، فليس بتائب لأنه غير مقلع عن الذنب؛ لأنَّ الإقلاع ينشأ عن الخوف من الله، أو الإقلاع المعتد به هو الذي ينشأ عن الخوف من الله تعالى.
ولطف بعض الشعراء في قوله: [من الوافر]
يَقولُ أَبو سَعِيدٍ إِذْ رآنِي ... عَفِيفاً مُنْذُ عامٍ ما شَرِبْتُ
عَلى يَدِ أَيِّ شَيْخٍ تُبْتَ قُلْ لِي ... فَقُلْتُ عَلى يَدِ الإِفْلاسِ تُبْتُ (٢)
الركن الثاني من أركان التوبة:
الندم على فعل الذنب من حيث إنه ذنب؛ بأن يستحضر جرأته على الله تعالى، وتعرضه لمقته بارتكاب الذنب مع علمه بأنَّ الله تعالى يعلم ظواهره وبواطنه، لا يخفى عليه من أحواله شيء.
ولما كان الندم معظم أركان التوبة قال رسول الله ﷺ : "النَّدَمُ
стр. 6596
تَوْبَةٌ". رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم -وصححه- عن ابن مسعود ﵁، والحاكم، والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه (١).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن وهب قال: قرأت في مزامير داود ﵇: هل تدري من أغفر له من عبادي؟ الذي إذا أذنب ذنبا ارتعدت فرائصه وأعضاؤه، فذلك الذي آمر ملائكتي أن لا تكتب عليه ذلك الذنب (٢).
وقولنا: (من حيث إنه ذنب) احتراز عما لو ندم على الذنب لمعنًى آخر؛ كان يندم على شرب الخمر لإضرارها ببدنه أو ماله، أو على الزنا لحيائه من الناس وهتك ستره عليهم، وفضيحته عندهم، لا للخوف من الله تعالى ومن عقوبته؛ فإن ذلك الندم لا ينفعه.
ولو ترك الذنب، وعزم أن لا يعود إليه، ولم يندم على ارتكابه فيما سلف لم يكن تائبًا لأنَّ عدم ندمه على ذنبه دليل على قلة حيائه من الله تعالى، وعدم مبالاته بوعيده، وجرأته على الله تعالى.
وقد روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
стр. 6597
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَذْنَبَ وَهُوَ يَضْحَكُ دَخَلَ النَّارَ وَهُوَ يَبْكِيْ" (١).
وروى الطبراني، وأبو نعيم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضًا، عن النبي ﷺ قال: "أَوْحَىْ اللهُ تَعَالَىْ إِلَىْ مُوْسَى ﵇: إِنَّكَ لَنْ تتَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشَيْءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الرّضَا بِقَضَائِيْ، وَلَنْ تَعْمَلَ عَمَلاً أَحْبَطُ لِحَسَنَاتِكَ مِنَ الكِبْرِ: يَا مُوْسَىْ! لاَ تَضْرع لأَهْلِ الدُّنْيَا فَأَسْخَطُ عَلَيْكَ، وَلا تَخَفْ بِدِيْنكَ لِدُنْيَاهُمْ فَأُغْلِقَ عَلَيْكَ أَبْوَابَ رَحْمَتِيْ، يَا مُوْسَى! قُلْ لِلْمُذْنِبِيْنَ النَّادمِيْنَ: أَبْشِرُوْا، وَقُلْ لِلْعَامِلِيْنَ الْمُعْجَبِيْنَ: اخْسَرُوْا" (٢).
وتقدم من حديثه: "النَّادِمُ يَنْتَظِرُ مِنَ اللهِ الرَّحْمَةَ، والْمُعْجَبُ يَنْتَظِرُ الْمَقْتَ" (٣).
وقال سَرِي السَّقَطي، وسهل التستري رحمهما الله تعالى: التوبة أن لا تنسى ذنبك (٤).
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: التوبة النصوح أن
стр. 6598
يكون الذنب بين عينيه ولا يزال كأنه ينظر إليه (١).
وهذا من هؤلاء الشيوخ إشارة إلى الندم.
وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه - ولم يفصح عن رفعه - ورواه البيهقي مرفوعًا، وموقوفاً إلى النبي ﷺ قال: "الْمُؤْمِنُ يَرَىْ ذَنْبَهُ كَالْجَبَلِ فَوْقَهُ، وَالْمُنَافِقُ يَرَىْ ذَنْبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَأَطَارَه" (٢).
وقال ابن أبي الدنيا في "التوبة": قال الحسن بن عبد الرحمن: أنشدني أبو عثمان المؤدب: [من البسيط]
لا تَنْسَ ذَنْبَكَ إِنَّ اللهَ ساتِرُهُ ... وَاسْتَغْفِرِ الله مِنْ ذَنْبٍ تُباشِرُهُ
خَفْ غِبَّ ذَنْبِكَ وَارْجُ اللهَ مُزْدَجَراً ... لَعَلَّ رَبَّكَ بَعْدَ الْخَوْفِ غافِرُهُ
كَمْ مِنْ هَوَى لَكَ مَقْرونٍ بِمَعْصِيَةٍ ... أَصْبَحْتَ تَرْكَبُهُ وَاللهُ ساتِرُهُ
بَرَّقْتَ ظاهِرَكَ الْمَدْخُولَ باطِنُه ... إِنْ صَحَّ باطِنُ عَبْدٍ صَحَّ ظاهِرُهُ
стр. 6599
أَسِرَّ ما شِئْتَ إِنَّ الله يَعْلَمُ ما ... يُخْفِيهِ قَلْبُكَ لا تَخْفى سَرائِرُهُ
اعْمَلْ فَإِنَّكَ تُجْزَى ما عَمِلْتَ بِهِ ... مَهْما عَمِلْتَ فَإِنَّ الله خَابِرُهُ
لا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ شَيْءٍ تُقَدّمُهُ ... ما كانَ مِنْ حَسَنٍ فَاللهُ شاكِرُهُ
لا يَبْرَحُ العَبْدُ أَعْمالًا يُقَلَّدُها ... أليْسَ في عُنُقِ الإِنْسانِ طائِرُهُ
البِرُّ أَكْرَمُ زادٍ وَالتُّقى شَرَفٌ ... وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ لا تُبلَى ذَخائِرُهُ (١)
* تنبِيهٌ:
وردت أخبار تدل على الاكتفاء في التوبة بالندم، فروى الإِمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن المبارك بن فضالة عن الحسن -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ بِهِ الذَّنْبَ فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ".
قيل: كيف ذلك يا رسول الله؟
стр. 6600
قال: "يَكُوْنُ نَصْبَ عَيْنَيْهِ تَائِبًا ناَدِمًا حَتَّىْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ" (١).
وروى أبو نعيم بسند ضعيف، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إِنَّ العَبْدَ ليُذْنِبُ الذَّنْبَ فَإذَا ذَكَرَهُ أَحْزَنه، فَإذَا نظرَ اللهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَحْزَنه غَفَرَ لَه" (٢).
ولابن أبي الدنيا نحوه في "التوبة" من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٣).
روى الإِمام أحمد، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "كَفَّارَةُ الذَّنْبِ النَّدَامَةُ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لأَتَىْ اللهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُوْنَ لِيَغْفِرَ لَهُمْ". وإسناده ضعيف (٤).
стр. 6601
وروى العسكري في "المواعظ" عن علي ﵁ قال: إني لأرجو أن يكون كفَّارة للعبد من ذنبه ندامته عليه (١).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن صالح المُرِّي رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود! اسمع مني والحقَّ أقول: إنَّه من ذكر ذنوبه في الخلاء فاستحيى عند ذكرها، سترتُها عن الحفظة وغفرت له.
يا داود! اسمع مني والحقَّ أقول: إنه من عمل من الذنوب حشو الأرض من شرقها إلى غربها، ثم ندم عليها حلب شاة، سترتها عن الحفظة وغفرتها له.
يا داود! اسمع مني والحقَّ أقول: إنَّه من عمل حسنة واحدة أدخلته جنتي.
قال داود: إلهي! وما تلك الحسنة؟
قال: يكشف عن مكروب كربة ولو بشق تمرة (٢).
ومن هنا: ذهب جمع إلى أنَّ التوبة الندم فقط، ومنهم من قال: الندم هو التوبة، وما أوجبوه من الإقلاع والعزم أن لا يعود من لازمه، ونقله الأستاذ أبو القاسم القشيري عن بعض أهل التحقيق.
стр. 6602
الركن الثالث من أركان التوبة:
العزم على أن لا يعاود الذنب: فلو عزم على معاودة الذنب في وقت التوبة لم تصح توبته لمناقضة حاله للتوبة؛ فإنَّ عزمه على الذنب دليل تعلق قلبه به وعدم إقلاعه عنه، فلو عزم في وقت التوبة أن لا يعود، ثمَّ خطر له بعد مدة أن يعاود الذنب وعزم عليه، فتوبته صحيحة، وهذا العزم ذنب آخر، فإن همَّ بالمعاودة ولم يعزم لم يؤاخذ به.
ونقل الثعلبي، وغيره عن مجاهد، والحسن، وعكرمة، والسدي في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٣ - ٥]: يقول الله تعالى: ما يجهل ابن آدم أنَّ ربه قادر على جمع عظامه بعد الموت، ولكنه يريد أن يَفْجُرَ أمامَه؛ أي: يمضي قدمًا في معاصي الله تعالى راكباً رأسه لا ينزع عنه ولا يتوب (١).
وروى ابن أبي الدنيا في "الأمل"، والبيهقي في "الشعب" عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥]؛ قال: يُقدم الذنب ويؤخر التوبة (٢).
وروى ابن جرير عنه أنه قال: يعني: الأمل؛ يقول: أعمل ثم أتوب (٣).
стр. 6603
وروى المفسرون، والحاكم وصححه، والبيهقي عنه: أنَّهُ قال في الآية: يقول: سوف أتوب.
﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٦]؛ قال: يقول: متى يوم القيامة؟
قال: فبيَّن له بقوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] (١).
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يسأل بلسان قاله، أو بلسان حاله سؤال استبعاد، كأنه يجعل الاعتذار عن فجوره وعزمه على ركوب آثامه أنَّ يوم القيامة بعيد، فيطيل أمله، ويسيء عمله، وينسى أجله، فلا يُصْلح خلله.
وأنشد ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت" لبعضهم: [من البسيط]
قُلْ لِلْمُؤَمِّلِ إِنَّ الْمَوْتَ فِي أَثَرِكْ ... وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ الأَمْرُ مِنْ نَظَرِكْ
فِيما مَضَى لَكَ إِنْ فَكَّرْتَ مُعْتَبَرٌ ... وَمَنْ يَمُتْ كُلَّ يَوْمٍ فَهْوَ مِنْ نُذُرِكْ
دَارٌ تُسافِرُ عَنْها فِي غَدٍ سَفراً ... فَلا تَؤُوبُ إِذا سافَرْتَ مِنْ سَفَرِكْ
стр. 6604
تُضْحِي غَداً سَمرًا لِلذاكِرينَ كَما ... صارَ الذينَ مَضَوا بِالأَمْسِ مِنْ سَمَرِكْ (١)
واعلم أنَّ ما ذكرناه من أركان التوبة الثلاثة لا بُد منه في كل توبة من كل ذنب.
ويزاد في التوبة من مظالم العباد ركن رابع، وهو رد المظالم إلى أهلها، أو الاستحلال منهم حتى يسامحوه ويعفو عنه ، وذلك كالقتل، والسرقة، والغصب، والرشوة، والربا، وأكل مال اليتيم، والضرب، والشتم، والقذف، والغيبة، والنميمة، والسعاية، وخيانة الرجل في فراشه.
فإن تعذَّر عليه ذلك كان مات صاحب المظلمة ولم يكن له ورثة تستوفي ما له قبل التائب من الحقوق، أو يعفو عنه، أو غاب عنه المطلوب وتعذر عليه الوصول إليه، أو خشي من ذكر المظلمة للمظلوم أن يتعدَّى عليه زائدًا عن حقه في نفس أو مال أو عرض كأن يكون قذف مُتَجَوِّهاً يخشى سطوته، فطريقه أن يستغفر للمظلوم، ويستكثر من الحسنات ليوفي يوم القيامة من حسناته، ويكثر من الاستغفار، والتضرع، والحزن، والأسف على ما صدر منه؛ فعسى أن يكون ذلك كافياً له.
وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
стр. 6605
عجبت لمن يهلك والنجاة معه.
قيل: ما هي يا أمير المؤمنين؟
قال: الاستغفار (١).
وقد حدثنا والدي رحمه الله تعالى في السنة التي مات فيها، وهي سنة أربع وثمانين وتسع مئة عن مشايخه قضاة القضاة: أبي يحيى زكريا الأنصاري، والبرهانين القلقشندي، وابن أبي شريف، عن الحافظ [أبي] الفضل بن حجر العسقلاني قال: قرأت على أحمد بن بلغاق، وأخبرنا عبد الرحمن بن محمَّد الذهبي قالا: أخبرنا إسحاق بن يحيى، أنا يوسف بن خليل الحافظ، أنا مسعود بن أبي منصور وخليل بن أبي الرَّجاء قالا: أنا أبو علي المقري، أنا أبو نعيم، ثنا أبو بكر عن أبي الهيثم، ثنا محمَّد بن أبي العوام، ثنا يزيد بن هارون، ثنا صدقة بن موسى، ثنا أبو عمران المقري، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "الدَّوَاوِيْنُ عِنْدَ اللهِ ثَلاَثةٌ: دِيْوَانٌ لاَ يَغْفِرُهُ اللهُ، وَدِيْوَانٌ أَمْرُهُ إِلَىْ اللهِ، وَدِيْوَانٌ لا يتْرُكُهُ الله؛ فَأَمَّا الدِّيْوَانُ الَّذِيْ لاَ يَغْفِرُهُ اللهُ فَالشّرْكُ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وَأَمَّا الدِّيْوَانُ الَّذِيْ أَمْرُهُ إِلَىْ اللهِ فَظُلْمُ العَبْدِ لِنَفْسِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَىْ يَتَجَاوَزُ اللهُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ، وَأَمَّا الدّيْوَانُ الَّذِيْ لاَ يَتْرُكُهُ اللهُ فَظُلْمُ العِبَادِ بَعْضِهمْ بَعْضًا القِصاصُ لاَ مَحالَةَ".
стр. 6606
قال الحافظ أبو الفضل: هذا حديث غريب أخرجه أحمد بن يزيد ابن هارون، فوافقناه بعلو، وصححه الحاكم (١).
وأخرجه من وجه آخر عن يزيد، وفيه نظر؛ لأنَّ صدقة بن موسى ليس من شرط "الصحيح"، انتهى.
قلت: ولا ينزل الحديث عن درجة الحسن لأنَّ رجاله ثقات، وغاية ما فيه أنَّ صدقة مختلف فيه.
وقلت عاقداً للحديث: [من الطويل]
رَوَينا دَواوِينَ العُصاةِ ثَلاثَة ... عَنِ الْمُصْطَفى الْمُخْتارِ قُطْبِ الرِّسالَةِ
وَدِيوانُ شِركٍ لَيْسَ يُغْفَرُ بَلْ لِمَنْ ... أَتاه خُلودٌ في عَذابِ النِّكايَة
وَدِيوانُ ظُلْمِ النَّفْسِ مَغْفِرَةُ الكَرِيـ ... ـم إِنْ شاءَ فَضْلاً مِنْهُ يَومَ القِيامَةِ
وَديوانُ ظُلْمِ النَّاسِ بَعْضٍ لِبَعْضِهِمْ ... فَلَيْسَ بِمَتْروكٍ لِعَظَمِ الجِنايَة
وقد أكثر الناس من الكلام على التوبة، وما ذكرناه هو ما عليه
стр. 6607
جماهير العلماء.
وقد ذكرنا من أحوال الصوفية وغيرهم في التوبة جملة صالحة في كتاب "منبر التوحيد"، وأشرنا فيه إلى لطائف رقيقة ومسائل دقيقة، فراجعه إن شئت موفقاً بتوفيق الله، ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة، وأن يقبضنا على أكمل حالة تقربنا إليه وتزلفنا لديه، وفي أفضل زمان نتلبس فيه بأفضل طاعاته وأعظم عباداته التي تظفر العبد بمرضاته، وتُسكنه روضاتِ جنَّاته، مُطالِعاً لجمال وجهه الكريم، ممنونًا عليه بنظرة التكريم ونضرة النعيم.
روى الحافظ أبو القاسم بن عساكر عن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ عَافِنِيْ بِقُدْرَتِكَ، وَأَدْخِلْنِيْ فِيْ رَحْمَتِكَ، وَاقْضِ أَجَلِيْ فِيْ طَاعَتِكَ، وَاخْتِمْ لِيْ بِخَيْرِ عَمَلِيْ، وَاجْعَلْ ثَوَابَهُ الجَنَّةَ" (١).
وروى الطبراني عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ فَوَاتِحَ الخَيْرِ وَخَوَاتِمَهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَى مِنَ الجَنَّة" (٢).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات" عن الهيثم بن معاوية، قال: حدثني فلان قد سماه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت:
стр. 6608
يا رسول الله! ادع لي.
فحَسَر عن ذراعيه، فدعا وقال: "لِيَكُنْ كُلَّ ما تَدْعو: اللهُمَّ اخْتِمْ لَنا بِخَيْرٍ" (١).
وأنشد والدي عن بعض مشايخه، عن الحافظ أبي الفضل بن حجر رحمهم الله تعالى: [من الطويل]
ثَلاثٌ مِنَ الدُّنْيا إِذا هِيَ حُصِّلَتْ ... لِشَخْصٍ فَلا يَخْشَى مِنَ الضَّرِّ وَالضَّيْرِ
غِنًى عَنْ بنيها وَالسَّلامَةُ مِنْهُمُ ... وَصِحَّةُ جِسْمٍ ثُمَّ خاتِمَةُ الْخَيْرِ (٢)
وروى الحاكم -وقال: صحيح الإسناد- عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مِنْ سَعَادةِ الْمَرْءِ أَنْ يَطُوْلَ عُمُرُهُ وَيرْزُقَة اللهُ الإنابةَ" (٣).
وروى هو وشيخه ابن حبان في "صحيحه" عن عمرو بن الحمق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَّلَهُ".
стр. 6609
قالوا: وما عَسَّله؟
قال: "يُوَفِّقُ لَهُ عَملاً صالِحًا بَيْنَ يَدَيْ رِحْلَتِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ جِيْراته؛ أو قال: مَنْ حَوْلَه" (١).
ورواه الإِمام أحمد -وسنده حسن- والطبراني من حديث أبي عنبة رضي الله تعالى عنه وقال: "يُوَفِّقُ لَهُ عَملاً صالِحا قَبْلَ مَوْتهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ" (٢).
والعَسْل -بمهملتين، وسينه ساكنة-: حسن الثناء.
وروى الإِمام أحمد -بسند صحيح، واللفظ له- والترمذي، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَعْجَبُوْا بِأَحَدٍ حَتَّىْ تَنْظُرُوْا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ؛ فَإِنَّ العَامِلَ يَعْمَلُ زَمَاناً مِنْ عُمُره أَوْ بُرْهَةً مِنَ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ صَالِحٍ لَوْ مَاتَ عَنْهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلاً سَيئًا، وإنَّ العَبَدَ لَيَعْمَلُ البُرْهَةَ مِنْ دَهْرِه بِعَمَلٍ سَيئٍ لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلاً صَالِحَا، وإذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا
стр. 6610
اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتهِ".
قيل: كيف يستعمله؟
قال: "يُوَفِّقُهُ لِعَمَلِ صالحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ اللهُ عَلَيْهِ" (١).
وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا طَهَّرَهُ قَبْلَ مَوْتهِ".
قالوا: وما طهور العبد؟
قال: "عَمَلٌ صَالحٌ يُلْهَمُهُ حَتَّىْ يَقْبِضَهُ عَلَيْهِ" (٢).
وروى ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدهِ خَيْرًا بَعَثَ لَهُ قَبْلَ مَوْتهِ بِعَامٍ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ ويوفِّقُهُ حَتَّى يَمُوْتَ عَلَىْ خَيْرِ أَحَايِيْنهِ، فَيَقُوْلَ النَّاسُ: قَدْ مَاتَ فُلاَنٌ عَلَىْ خَيْرِ أَحَايِيْنهِ، فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَىْ مَا أَعَدَّ لَهُ جَعَلَ تتَهَوَّعُ نفسُهُ مِنَ الحِرْصِ عَلَىْ أَنْ تَخْرُجَ هُنَاكَ حِيْنَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدهِ
стр. 6611
شَرًّا قَيَّضَ اللهُ لَهُ قَبْلَ مَوْتهِ بِعَامٍ شَيْطَانًا يُضِلُّهُ ويغْوِيهِ حَتَّى يَمُوْتَ عَلَىْ شَرِّ أَحَايِيْنهِ، فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَىْ مَا أُعِدَّ لَهُ جَعَلَ يَبْتَلِعُ نَفْسَهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَخْرُجَ، فَهُنَاكَ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَه" (١).
وهذا الحديث تقدم من طريق آخر.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: انظروا الناس عند مضاجعهم؛ فإذا رأيتم العبد يموت على خير ما ترونه فارجوا له الخير، وإذا رأيتموه يموت على شر ما ترونه خافوا عليه، فإذا كان شقياً -وإن أعجب الناس بعض عمله- قيَّض له شيطانًا فأرداه وأهلكه حتى يدركه الشقاء الذي كتب عليه، وإذا كان سعيداً -وإن كان الناس يكرهون بعض عمله- قيَّض له ملك فأرشده وسدده حتى تدركه السعادة التي كتبت له (٢).
وقلت ملماً بهذا المعنى: [من الرجز]
إِذا أَرادَ اللهُ خَيْراً بِامْرِئٍ ... لِكَوْنهِ مِنْ صَفْوَةِ الأَنامِ
يَبْعَثُ مَنْ يَهْدِيهِ مِنْ أَمْلاكِهِ ... إِلَيْهِ قَبْلَ مَوْتهِ بِعامِ
حَتَّى يَقولَ النَّاسُ إِنَّهُ قَضى ... مِنْ عُمْرِهِ فِي أَفْضَلِ الأيَّامِ
يا رَبِّ فارْحَمْنا وَسَدِّدْ أَمْرَنا ... في مَبْدَأِ الأُمورِ وَالْخِتامِ
стр. 6612
وَامْنُنْ عَلَيْنا عِنْدَما تُمِيتُنا ... بِالصِّدْقِ وَالإيْمانِ وَالإِسْلامِ
وَاجْعَلْ إِلَهِي كِلْمَةَ التوْحِيدِ في ... وَقْتِ الْحِمامِ آخِرَ الكَلامِ
ومن هنا كان السلف يستحبون أن يكون موتهم عقب عمل صالح؛ إمَّا جهاد، وإمَّا حج، وإما صيام رمضان، وإمَّا غير ذلك من الأعمال الصالحات.
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى أنه كان يقول: لا يزال أحد حديث عهد بعمل صالح؛ فإنه أهون عليه حين ينزل به الموت أن يتذكر عملًا صالحا قد قدَّمه (١).
وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه، عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ: لا إِلَهَ إلا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢).
وروى الطبراني في "الكبير" عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أتاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَهُوَ عَلَىْ وضُوْءِ أُعْطِيَ الشَّهَادَةَ" (٣).
стр. 6613
وروى أبو نعيم عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: قال [لي] ابن عباس ﵄: لا تنامن إلا على وضوء؛ فإنَّ الأرواح تبعث على ما قبضت عليه (١).
وروى الإِمام أحمد، وأبو يعلى، والحاكم وصححه، والضياء في "المختارة" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ عَلَىْ شَيْءٍ بَعَثَهُ اللهُ عَلَيْهِ" (٢).
وروى الطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ عَلَىْ مَرْتَبةٍ مِنْ هَذِهِ المِرَاتِبِ بُعِثَ (٣) عَلَيْهَا: رِبَاطٌ، أَوْ حَجٌّ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ" (٤).
وروى مسلم، وابن ماجه، وغيرهما عن جابر رضي الله تعالى عنه، والدارقطني في "الأفراد" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، والطبراني في "الكبير"، والحاكم في "الكنى" عن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه؛ كلهم عن النبي ﷺ أنه قال: "يُبْعَثُ كُلُّ عبدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ" (٥).
стр. 6614
وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَىْ نِيَّاتِهِمْ" (١).
وروى ابن ماجه، والضياء في "المختارة" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَىْ نِيَّاتِهِمْ" (٢).
وكان أخي ولي الله العارف به أبو عبد الله شهاب الدين أحمد الغزي رحمه الله تعالى لا يجلس مجلسًا فيه من يتوسم فيه الصلاح والخير إلا قال: يا إخواني! رَقُّوني رَقوني؛ أي: اسألوا الله لي أن يرقيني في طاعته، ويقربني إليه؛ فإن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، وأنا لا أحب أن أُبعث على هذه الحالة التي أنا عليها، وكان يبكي ويستغيث كلما كان في مجلس رضي الله تعالى عنه، واتفق له أنه مات في الحمام، وكان مكبوداً بعد تمام الطهارة، فترجى له الشهادة للحديث المتقدم.
وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: لا خير في الدنيا إلا لرجلين، رجل تائب، أو رجل يعمل في الدرجات (٣).
стр. 6615
وروى أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب" عن علي رضي الله تعالى عنه أنَّه قال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكنَّ الخير أن يكثر عملك ويعظم حلمك، وتباهي الناس في عبادة ربك؛ إن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله تعالى.
[و] لا خير في الدنيا إلا لرجلين: رجل أذنب ذنوباً فهو يتدارك ذلك بتوبة، ورجل يسارع في دار الآخرة (١).
وقلت: [من السريع]
لا خَيْرَ في الدُّنْيا لِعَبْدٍ سِوى ... مُسارِعٍ في الْخَيْرِ أَوْ تائِبِ
كَما رَويناهُ عَنِ الْمُرْتَضَى ... بابِ العُلُومِ ابْنِ أَبِي طالِبِ
ويوضح معنى بعض كلامه ما رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهُمَّ اجْعَلْنِيْ مِنْ الَّذِيْنَ إِذَا أَحْسَنُوْا اسْتَبْشَرُوْا، وإِذَا أَسَاؤُوْا اسْتَغْفَرُوْا" (٢).
وروى الحفاظ عبد الرزاق, وسعيد بن منصور في كتاب "الصلاة"، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: "سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ؛
стр. 6616
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيْمُ" (١).
وروى الحاكم وصححه، عنه قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: "سُبْحانَكَ رَبَّنا وَبِحَمْدِك"، فلما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] قال: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ رَبَّنا وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي؛
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوِّابُ الرحِيمُ" (٢).
وروى مسلم، وغيره عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يُكثر من قول: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال: "خَيَّرَنيْ رَبِّي أَنِّي سَأَرَىْ عَلاَمَةَ فِيْ أُمَّتِيْ، فَإِذَا رَأَيْتُهَا أكثَرْتُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدهِ، وَأَسْتَغْفِرُ الله وَأتوْبُ إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُهَا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٣).
وروى الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عنهما (٤) رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ"؛ يتأوَّل
стр. 6617
القرآن: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١).
وروى ابن جرير عن أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ كان في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: "سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأتوْبُ إِلَيْكَ"، فقلت له، فقال: "إِنِّي أُمِرْتُ بِها"، وقرأ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة (٢).
وروينا في كتاب "التوبة" لابن أبي الدنيا قال: حدثني عوف بن إبراهيم قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني رحمه الله تعالى قال: إذا ذكرت الخطيئة لم أشته أموت؛ أقول: أبقى لعلِّي أتوب (٣).
وقلت في المعنى: [من البسيط]
إِذا ذَكَرْتُ ذُنوبِي مَعْ خَطِيئاتِي ... لَمْ أَشْتَهِ الْمَوتَ في حالِ الْمُجافاةِ
وَقُلْتُ أَبْقى عَسَى أَنِّي أتوبُ إِلَى ... رَبِّي وَألبَسُ أثوابَ الْمُصافاةِ
стр. 6618
وَإِنْ ذَكَرْتُ نَدى رَبِّي وَرَحْمَتَه ... أَحْبَبْتُ إِذْ قُمْتُ مَوتي كُلَّ أَوْقاتِي
أقولُ عَلِّي أَرى رَبيِّ بِرَحْمَتِه ... تُمْحَى ذُنوبِي وَتُعْفَى كُل زَلَّاتِي
يا رَبِّ لا بُدَّ لِي أَنِّي أَمُوتُ وَأَنْ ... يَعُدَّنِي الدَّهْرُ في دِيوانِ أَمْواتِ
فَلا تُمِتْنِيَ إِلاَّ حِينَ تُزْلفُنِي ... إِلَيْكَ بِاللُّطْفِ يا رَبَّ البَرِيَّاتِ
وَقَدْ لَبِسْتُ مِنَ الأَحْوالِ أَشْرَفَها ... في خَيْرِ وَقْتٍ وَفِي أَسْمى الْمَقاماتِ
فَلِي عَوائِدُ مِنْ جَدْواكَ تُطْمِعُنِي ... فَوْقَ الَّذِي رُمْتُ مِنْ تِلْكَ العَطِيَّاتِ
يا رَبِّ كَلأَة محفوفٌ بِعَوْنكَ يا ... مَلاَذِيَ خُذْ بِيَدِي في وَقْتِ عَثَراتِي
وَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي وَلا أَحَدٍ ... سِواكَ يا رَب يا أَنْهَى الإِراداتِ
وقلت في المناجاة والتوسل والمناداة: [من مجزوء الرمل]
стр. 6619
رَبِّ مَتِّعْنِي بِقُرْبٍ ... مِنْكَ يا أَقْصى مَرامِي
وَأَبِحْنِي مِنْكَ لُطْفًا ... في حياتِي وَحِمامِي
جُدْ بِعِرْفانٍ لِسِرِّي ... وَلِرُوحِي بِالغَرامِ
وَلِقَلْبِي بِيَقِينٍ ... يَرْتَقِي أَعْلى مَقامِ
وإذا حَلَّتْ وَفاةٌ ... أَعْطِنِي حُسْنَ الْخِتامِ
سُقْ إِلَى لُقْياكَ رُوحِي ... بَيْنَ أَمْلاكٍ كِرامِ
تتَلَقَّانِيْ بِلُطْفٍ ... وَتُحَيِّي بِالسَّلامِ
فَبِمَحْضِ الفَضْلِ جُدْ لِي ... أَوْ بِذُلِّي في الْمقامِ
لا بِأَعْمالِي فَما لِي ... غَيْرُ أَعْمالي ذِمامِ
يا إِلَهِي بِالْتِّهامِي ... خاتَمِ الرُّسْلِ الكِرامِ
وَعَلَيْهِ كُلَّ حِينٍ ... صَلواتِي وَسلامِي
[خاتمة الكتاب]
وإني لأرجو ممن يسَّر لي جمع هذا الكتاب وتأليفه كما يسَّر لي تقسيمه وتصنيفه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم نافعاً لمن شاء الله تعالى من عباده، هادياً لهم إلى الصراط المستقيم، وأن يجعلني به وسائر ما ألفته وأمليته من معلِّمي الخير أستنير به قبري، وأنتفع به يوم حشري.
فقد روى الإِمام أحمد في "الزهد" عن كعب رحمه الله تعالى قال: أوحى الله إلى موسى ﵇ أن علِّم الخير وتعلمه؛ فإني منور
стр. 6620
لمعلِّم الخير ومتعلِّمه في قبورهم حتى لا يستوحشوا لمكانهم (١).
وأنا العبد الفقير إلى الرب الغني الكبير الماثل بين يديه الضارع إليه، داعياً بما رواه ابن أبي شيبة، والنسائي، والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يدعو بهؤلاء الدعوات: "اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ وَقُدْرتكَ عَلَىْ الخَلْقِ: أَحْيِنيْ مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي.
اللهُمَّ أَسْأَلكَ خَشْيتكَ في الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْألكَ كَلِمَةَ الحقِّ في الرِّضَى وَالغَضَبِ، وَأَسْألكَ القصْدَ فِيْ الفَقْرِ وَالغِنَى، وَأَسْألكَ نَعِيْمًا لاَ يَبِيْدُ، وَقُرَّةَ عَيْنٍ لاَ تنقَطِعُ، وَأَسْألكَ الرِّضَا بَعْدَ القضَاءِ، وَأَسْألكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْألكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَىْ وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلىْ لِقَائِكَ فِيْ غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ.
اللَّهُمَّ زَيِّنَا بِزِيْنَةِ الإيْمَانِ، وَاجْعَلْنَا هَادِيْنَ مُهْتَدِيْنَ" (٢).
وروى البخاري -وهو آخر حديث في "صحيحه"- وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كَلِمَتَانِ