جبريل له ست مئة جناح (١).
وروى الإِمام أحمد، والطبراني، وآخرون عنه قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ست مئة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم (٢).
وما سبق عن ابن جريج: أن لجبريل ستة أجنحة، لعله أراد أصول أجنحته، أو عبر عن كل مئة جناح منها بجناح.
وروى البيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا كانَ لَيْلَةُ القَدْرِ نزَلَ جِبْرِيْلُ ﵇ فِيْ كَبْكَبَةٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ كُلِّ عَبْدٍ قائِمٍ" (٣)، الحديث.
وهو يصلح لتفسير قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ
стр. 702
رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] قال الحسن في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]: إذا كان ليلة القدر لم تزل الملائكة تخفق بأجنحتها بالسلام من الله تعالى والرحمة من لدن صلاة المغرب إلى طلوع الفجر. رواه ابن المنذر (١).
وذهب جماعة إلى أن الروح غير الملائكة.
وقال عكرمة في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]؛ قال: الروح أعظم خلقا من الملائكة، ولا ينزل ملك إلا ومعه روح. رواه عبد بن حُميد، وابن المنذر (٢).
وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه: "سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ، رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوْحِ" (٣).
وروى أبو الشيخ في كتاب "الثواب" عن البراء بن عازب ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أكثِرْ مِنْ أَنْ تَقُوْلَ: سُبْحانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوْسِ، رَبِّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوْحِ" (٤).
• • •
стр. 703
(٢) باب التَّشَبُّه بِالأَخْيَار مِنْ بَنِي آدَم
стр. 704
(٢) باب التَّشَبُّه بِالأَخْيَار مِنْ بَنِي آدَم
اعلم - وفقني الله وإيّاك - أننا قدَّمنا أن الذين يحسنُ التشبه بهم من بني آدم هم الأخيار من الطوائف الأربعة المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
وإنما يكون العبد مع هؤلاء إذا تشبه بهم في أصل الطاعة لقوله تعالى في الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ [النساء: ٦٩]، وقد بينا ذلك فيما سبق أيضًا.
ثم لا يكون مجرد التشبه بهم ملحقاً له بهم، وهو منحرف عن طريقتهم باقترافه المعاصي، أو بمخالفة ظاهره لباطنه، بل لا بد أن يشبه باطنُه بواطنَهم، كما يشبه ظاهرُه ظواهرَهم.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ لا يشبه الزيُّ الزيَّ حتى تشبه القلوبُ القلوبَ. رواه ابن أبي شيبة، وغيره (١).
стр. 705
وروى العُقيلي، والديلمي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أَبْغَضُ الْعِبادِ إِلَىْ الله تَعَالَىْ مَنْ كانَ ثَوْباهُ خَيْرًا مِنْ عَمَلِهِ؛ أَنْ تَكُوْنَ ثِيابُهُ ثِيابَ الأَنْبِياءِ، وَعَمَلُهُ عَمَلَ الْجَبَّارِيْنَ" (١).
وروى الطبراني في "المعجم الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَزَيَّنَ بِعَمَلِ الآخِرَةِ وَهُوَ لا يَطْلُبُها, لُعِنَ فِيْ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ" (٢).
وروى الإِمام أحمد، وابن حبان، والحاكم وصححاه، والبيهقي عن أُبَيِّ بن كعب أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : " بَشِّرْ هَذهِ الأُمَّةَ بِالتيْسِيْرِ، وَالسَّناءِ، وَالدِّيْنِ، وَالرِّفْعَةِ، وَالتَّمْكِيْنِ؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيْ الآخِرَةِ نَصِيْبٌ" (٣).
وروى الطبراني في "المعجم الكبير" عن الجارود ﵁ قال؛ قال رسول الله ﷺ : "مَنْ طَلَبَ الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ طُمِسَ وَجْهُهُ، وَمُحِقَ
стр. 706
ذِكرُهُ، وَأثبِتَ اسْمُهُ فِيْ النَّارِ" (١).
وقوله: "طُمِسَ وَجهه"، أي: وَجْهُ قَلْبِهِ، بمعنى: عَمِيَت بصيرتُه.
وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَخْرُجُ فِيْ آخِرِ الزَّمانِ رِجالٌ يَخْتِلُوْنَ (٢) الدُّنْيا بِالدِّيْنِ، يَلْبَسُوْنَ لِلنَّاسِ جُلُوْدَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّيْنِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَىْ مِنَ الْعَسَلِ، وَقُلُوْبُهُمْ قُلُوْبُ الذِّئابِ، فَيَقُوْلُ اللهُ : أَبِيْ يَغْتَرُّوْنَ؟ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِؤُوْنَ؟ فَبِيْ حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَىْ أُوْلَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيْمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا" (٣).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن ابن أبي مُلَكية، عن ابن عباس ﵄ قال: ذهب الناس، وبقي النَّسْنَاس، قيل: ما النسناس؟ قال: الذين يتشبهون بالناس وليسوا بناس (٤).
وروى الدِّينوري في "المجالسة" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: ذهب الناس وبقي النسناس، ولو تكاشفتم ما تدافنتم (٥).
وذكره الهروي في "الغريب"، والزمخشري في "الفائق"، وابن الأثير
стр. 707
في "النهاية" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١)
وقد قلت في ذلك: [من الكامل]
لا تَظْهَرَنَّ بِزِيِّ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ ... أَهْلِ التُّقَىْ وَالدِّيْنِ أَوْ أَهْلِ الْكَرَمْ
حَتَّىْ تَكُوْنَ النَّفْسُ مِنْكَ شَرِيْفَةً ... وَعَنِ السَّفَاسِفِ فِيْ نِهَايَاتِ الشَّمَمْ
فَإِذَا اتَّسَمْتَ بِوَسْمِ قَوْمٍ فَامْتَطِ ... بِلَحَاقِهِمْ دُهْمَ الْعَزَائِمِ وَالْهِمَم
لا تَأتِيَنَّ بِخَصْلَةٍ لا تُرْتَضَىْ ... مِمَّنْ بِأوْصَافِ الأَمَاجِدِ يَتَّسِمْ
لا تَدْخُلَنَّ مَوَالِجاً رُوَّادُهَا ... بَيْنَ الأَنَامِ بِقُبْحِ فِعْلى تُتَّهَمْ
لا يَتَّقِيْ مِنْ قُرْبِهَا وَنزوْلِهَا ... إِلاَّ كِرَامٌ فِيْ الْخَلائِقِ وَالشِّيَمْ
ومن لطائف أهل الإشارة: ما روي عن أبي عبد الله السِّجْزي رضي الله تعالى عنه: أن قائلًا قال له: لِمَ لا تلبس المرقعة؟ فقال: من النفاق أن تلبس لباس الفتيان، ولا تدخل في حمل أثقال الفتوة (١).
وحكي: أن جماعة من أصحاب المرقعات دخلوا على بِشْر بن الحارث الحافي فقال: يا قوم! اتقوا الله فلا تظهروا هذا الزي؛ فإنكم تعرفون به، وتكرمون له، فسكتوا كلهم، فقام شاب من بينهم فقال: الحمد لله الذي جعلنا ممن يعرف به، ويكرم له، والله لنظهرن هذا الزي حتى يكون الزي كله لله، فقال له بشر: أحسنت يا غلام؛ مثلك من يلبس المرقعة.
وقال أبو سعيد الحسن بن علي الواعظ في كتاب "الحدائق لأهل الحقائق": يقال: إن أربعة من الكبائر: لبس الصوف لطلب الدنيا، وادعاء فضل الصالحين وترك فعلهم، وذم الأغنياء والأخذ منهم، وادعاء بغض الفاسقين والعمل بمثل أعمالهم.
وأنشدوا: [من الوافر]
لَبِسْتَ الصُّوْفَ مَرْقُوْعا وَقُلْتَا ... أَنَا الصُّوْفيُّ لَسْتَ كَمَا زَعَمْتا
فَمَا الصوْفيُّ إِلاَّ مَنْ تَصَافا ... مِنَ الأكدَارِ وَيْحَكَ لَوْ عَقَلْتَا
стр. 710
وهذا الباب متسع جداً، وقد عرجت على طرف منه صالح في كتاب "منبر التوحيد".
وفي "الحلية" عن ابن شَوذَب قال: سمعت فَرْقدًا -يعني: السَّبخي رحمه الله تعالى - يقول: إنكم لبستم ثياب الفراغ قبل العمل، ألم تروا إلى الفاعل إذا عمل كيف يلبس أدنى ثيابه، فإذا فرغ اغتسل ولبس ثوبين نفيسين؟ وأنتم تلبسون ثياب الفراغ قبل العمل (١).
الإشارة في كلامه أن زي الصلاح ينبغي أن لا يظهر على أهله إلا بعد حصوله، فأما لبسه قبل الحصول فإنه خلاف الحكمة.
وقد ضرب الإِمام أبو حامد في "الإحياء" للمتصوفة الذين تزيوا بظاهر زي الصوفية ومراسمهم، ولم يتبعوا نفوسهم في المجاهدة، والرياضة، ومراقبة القلب، وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الخفية والجلية مثالاً عجيبا ينطبق عليهم، وعلى كل من تشبه بقوم كرام من العلماء، والفقهاء، والوُعَّاظ، والمدرسين، والمتعبدين في ظاهر الزي مع خلوه من مكارم أخلاقهم، ومحاسن خصالهم.
وذلك أنه مثَّلهم بامرأة عجوز سمعت أن الشجعان والأبطال من المقاتلين تثبت أساميهم، ويقطع كل واحد منهم قطرًا من أقطار المملكة، فتاقت نفسها إلى أن يقطع لها مملكة، فلبست درعا، ووضعت على رأسها مغفراً، وتعلمت من رجز الأبطال أبياتًا، وتعودت إيراد تلك الأبيات بنغماتهم حتى تيسرت عليها، وتعلمت
стр. 711
كيف هيئة تبخترهم في الميدان، وكيف تحريكهم الأيدي، وتلقفت جميع شمائلهم في الزي والمنطق، والحركات والسَّكَنات، ثم توجهت إلى المعسكر ليثبت اسمها في ديوان الشُّجعان، فلما وصلت إلى المعسكر أُنْفِذت إلى ديوان العرض، وأمر بأن تجرد عن المغفر والدرع، وينظر ما تحته، وتمتحن بالمبارزة مع بعض الشجعان ليعرف قدر عَنائها في الشَّجاعة، فلما جردت إذا هي عجوز ضعيفة زَمِنَة لا تطيق حمل الدِّرع والمغفر، فقيل لها: أجئت للاستهزاء بالملك؟ ولاستحماق أهل حضرته، والتلبيس عليه؟ خذوها فألقوها إلى الفيل، فألقيت إليه.
قال حجة الإِسلام: وهكذا يكون حال المدعين للتصوف في القيمة إذا كشف عنهم الغطاء، وعرضوا على القاضي الأكبر الذي لا ينظر إلى الزي والمرقع، بل إلى سر القلب (١)، انتهى.
ومن لطائف ما يلحق بهذا الباب قول سالم بن وابصة بن قيس الأسدي -وكان من الطَّبقة الأولى من التابعين الأنجاب -: [من البسيط]
يَا أيَّهَا الْمُتَحَلِّيْ غَيْرَ شِيْمَتِهِ ... وَمَنْ خَلِيْقَتُهُ الإِفْرَاطُ وَالْمَلَقُ
عَلَيْكَ بِالْقَصْدِ فِيْمَا أَنْتَ قائِلُهُ ... إِنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِيْ دُوْنَهُ الْخُلُقُ
فَصْلٌ
واعلم أن أخلاق الأصناف الأربعة المشار إليهم في الآية المتقدمة كلها مجتمعة في النَّبي ﷺ ، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل الكتاب، وكان ينبغي الاكتفاء بالتشبه به عن التشبه بمن سواه، ولكن تعلق بذلك حِكَم إلهية من أجلها شرع التشبه بمن سواه من أخيار بني آدم، وقد تقدمت الإشارة إليها أيضًا.
وأزيدك هنا أن الله تعالى إنَّما ذكر هؤلاء الأصناف في هذه الآية؛ أعني: قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية؛ إشارة إلى أن من تقدم عصر رسول الله ﷺ من النبيين، والصّديقين، والشُّهداء، والصالحين لو أدركوا زمانه ما وسعهم إلا طاعته واتباعه، فمن أطاع الله ورسوله فهو معهم لأنه متشبه بهم في ذلك وإن لم يتفق ذلك منهم بالفعل؛ إذ لم يمنعهم من ذلك إلا تأخر عصره ﷺ عن أعصارهم، وإلا فقد أعطوا عهودهم ومواثيقهم بذلك؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ
стр. 714
الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
وروى ابن أبي حاتم، عن السُّدِّي في الآية قال: لم يبعث نبي قط من لدن نوح ﵇ إلا أخذ الله ميثاقه ليؤمنن بمحمد ﷺ ، ولينصرنه إن خرج وهو حي، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن خرج وهم أحياء (١).
وأيضًا في ذكر الله تعالى النَّبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الآية تشويق، وتحريك لقلوب الطائعين إلى طلب مقاماتهم، ورجاء اللحاق بدرجاتهم، وإشارة للطائع إلى أنه مهما أطاع كان هؤلاء رفقته في طريقه إلى الله تعالى وعند الله كما قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، ولا شك أن اختيار الرفيق مما نَدَب اللهُ إليه عبادَه.
وروى الخطيب البغدادي عن علي رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الْجارُ قَبْلَ الدَّارِ، وَالرَّفِيْقُ قَبْلَ الطَّرِيْقِ، وَالزَّادُ قَبْلَ الرَّحِيلِ" (٢).
قلت: وقد وقعت الإشارة إلى هذه الثلاثة؛ أعني: الجار، والرفيق، والزاد في الآية المشار إليها؛ فالزاد هو طاعة الله تعالى
стр. 715
وطاعة رسوله، وهما عين التقوى التي قال تعالى فيها: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، والرفقة هم الأنبياء ومن بعدهم، والجار هو الله تعالى.
وتقدير الآية: فأولئك عند الله مع الذين أنعم الله عليهم؛ لأن ذلك مقام هؤلاء.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٠].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
وروى الإِمام عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن قدامة ابن أيُّوب العَتَكي -وكان من أصحاب عتبة الغلام- قال: رأيت عتبة في المنام فقلت: يا أبا عبد الله! ما صنع الله بك؟ قال: يا قدامة! دخلت الجنة بتلك الدعوة المكتوبة في بيتك، قال: فلما أصبحت أتيت فإذا خط عتبة في الحائط مكتوب: يا هادي المضلين، وراحم المذنبين، ومُقيل عثرات العاثرين! ارحم عبدك ذا الخطأ العظيم، والمسلمين كلهم أجمعين، واجعلنا مع الأحياء المرزوقين، مع الَّذين أنعمت عليهم من النَّبيين والصَّديقين والشهداء، والصالحين، آمين رب العالمين (١).
стр. 716
ومما سمعناه من لفظ شيخ الإِسلام الوالد، وحضرنا وهو ينشد لنفسه ﵁ في سنة أربع وثمانين وتسع مئة، وهي السنة التي مات في سادس عشر من شوالها: [من مجزوء الكامل المرفل]
إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا ... قَدْ قَدرَ الرَّحْمَنُ كَائِنْ
فَاطْرَحْ هُمُوْمَكَ وَاسْتَرِحْ ... وَاخْلِ الْفُؤَادَ مِنَ الْغَبَائِنْ
وَاصْبِرْ عَلَىْ ضَرِّ الْبَلا ... فَالصَّبْرُ لِلْخَيْراتِ ضامِنْ
وَاحْذَرْ تَكُنْ مُتَعَرِّضاً ... فِيْ ظَاهِرٍ يَوْمًا باطِنْ
فَاللهُ جَلَّ لِلُطْفِهِ ... فِيْمَا يُقَدِّرُهُ مُعَاوِنْ
كَمْ مِحْنَةٍ هِيَ مِنْحَة ... فِيْ طَيِّهَا التَّدْبِيْرُ كامِنْ
وإذَا ارْتَقَيْتَ إِلَىْ الرِّضَا ... بِاللهِ فُزْتَ بِمَا تُعَايِنْ
وَسَلِمْتَ مِنْ كَيْدِ الْمُعَا ... نِدِ ذِيْ الْمَكَائِدِ وَالضَّغَائِنْ
وَظَفِرْتَ بِالنَّصْرِ الْعَزِيزِ ... عَلَىْ الْمُعَادِيْ وَالْمُبَايِنْ
وَخَلُصْتَ مِنْ أُسْدِ الرَّدَىْ ... ذاتِ الأَظَافِرِ وَالْبَرَاثِنْ
وَنَعِمْتَ فِيْ نِعَيم لَهَا ... فَيْضٌ يُمَدُّ مِنَ الْخَزائِنْ
وَبَقِيْتَ فِيْ الدُّنْيا وَفِيْ الـ ... أُخْرَىْ مِنَ الأَسْواءِ آمِنْ
وَنَجَوْتَ مِنْ ضِيْقِ اللُّحُوْ ... دِ وَمِنْ أَذَىْ أَفْتَانِ فاتِنْ
وَسَكَنْتَ فِيْ جَنَّاتِ عَدْ ... نٍ بِالرِّضَا أَعْلا الْمَسَاكِنْ
جَنَّاتِ رِضْوانٍ بِهَا ... رِضْوَانُ بَوَّابٌ وَخَازِنْ
فَصْلٌ
واعلم أن العبد الطائع مهما أطاع الله تعالى ورسوله في أصل الإيمان, وتأدية الفرائض مع ملاحظة القلب بالإخلاص والصدق والتنزه عن المعاصي، فإنه يكون مع هؤلاء المنعم عليهم، وهذا منطوق الآية.
ويؤيده ما رواه الإِمام أحمد، والبزار، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحهما"، والبيهقي عن عمرو بن مُرَّة الجُهَني رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل من قُضَاعة إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وصمت رمضان، وقمته، وآتيت الزكاة، فممن أنا؟ فقال له النبي ﷺ : "مَنْ ماتَ عَلَىْ هَذا كانَ مَعَ النَّبِيِّيْنَ وَالصّدِّيْقِيْنَ وَالشّهَداءِ يَوْمَ الْقِيامَةِ هَكَذا - ونصب أصبعيه - ما لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ" (١).
ثم إن العبد كلما كان لله تعالى أطوع كان إلى هؤلاء الطوائف أقرب، وفيهم أدخل، كما قال ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبَكمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ
стр. 719
مِنِّيْ مَجْلِسا يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ " قالوا: نعم، قال: "أَحْسَنكُمْ أَخْلاقًا". رواه الإِمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (١).
وإنما كان كذلك؛ لأن حسن الخلق يجمع الطَّاعات، ولأنه وصف النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فلا يكون من اقتصر على تأدية الفرائض في القرب من هؤلاء المنعم عليهم كمن زاد على ذلك جملة من الطاعات ومحاسن الخصال، وكلما أكثر من النوافل وحسن الخلق، كلَّما توغل في أوصافهم ودخل في جملتهم، وبقدر انتظامه في سلكهم وسلوكه في طريقهم، يكون قربه من مولاه تعالى، كما في الحديث الصحيح: أن الله تعالى يقول: "وَما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِيْ بِشَيْءٍ أَحَب إِلَيَّ مِمَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلا يَزالُ عَبْدِيْ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّىْ أُحِبَّهُ" (٢).
وقد قلت: [من الرجز]
اقْرُبْ إِلَىْ اللهِ بِقَدْرِ طاقَتِكْ ... فَقُرْبُهُ مِنْكَ بِقَدْرِ طاعَتِكْ
بِقُرْبِهِ تَصْحَبُ أَنْبِيَاءَهُ ... وَالصَّالِحِيْنَ لِقِيَامِ ساعَتِكْ
***
стр. 720
فَصْلٌ
واعلم أن العبد المطيع يوم القيامة إما أن يرافق الصَّالحين الذين ليسوا بأنبياء، ولا صديقين، ولا شهداء، وإما أن يرافق الشّهداء، وإما أن يرافق الصِّديقين، وإما أن يرافق الأنبياء ﵈، وذلك على حسب همته ولهفته في طاعة الله تعالى.
وقد يكون العبد مرافقاً لكل هذه الطوائف لتخلقه بأخلاق كل طائفة منهم، وتشبهه بكل فريق منهم، كما قال رسول الله ﷺ -أ: "التَّاجِرُ الصَّدُوْقُ الأَمِيْنُ مَعَ النَّبِيِّيْنَ وَالصِّدّيْقِيْنَ وَالشّهَداءِ".
رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، من حديث أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله تعالى عنه (١).
وروى ابن النجار في "تاريخه" عن ابن عباس ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "التَّاجِرُ الصَّدُوْقُ لا يُحْجَبُ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ" (٢).
стр. 721
والمعنى أنه يدخل من أي الأبواب شاء، فلا يحجب من باب أصلًا، لكونه من أهل ذلك الباب؛ لتخلقه بأخلاقهم.
وروى الإِمام أحمد، والبخاري، وغيرها عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِيْ سَبِيْلِ الله، نُوْدِيَ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللهِ! هَذا خَيْرٌ، فَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دعِيَ مِنْ بابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الجهاد دُعِيَ مِنْ بابِ الجهاد، وَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الصيامِ دُعِيَ مِنْ بابِ الرّيانِ، وَمَنْ كانَ مِنْ أهلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بابِ الصَّدَقة، فقال أبو بكر: بأبي وأنت وأمي يا رسول الله! ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعمْ، وَأَرْجُوْ أَنْ تَكُوْنَ مِنْهُمْ" (١).
وروى الطبرانيُّ في "الكبير" بسند حسن، عن جرير رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئا، وَلَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ حَرامٍ، دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوابِ الْجَنَّةِ شاءَ" (٢).
وروى الشيخان عن عبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، وَأَنَّ عِيْسَىْ عَبْدُ اللهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ ألقاها إِلَىْ مَرْيَمَ، وَرُوْحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَق، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ
стр. 722
أَبْوابِ الْجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ شاءَ" (١).
وروى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضّأُ فَيُبْلِغُ الْوُضُوْءَ، أَوْ يُسْبغُ الْوُضُوْءَ، ثُمَّ يَقُوْلُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوابُ الْجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ، يدخلُ مِنْ أَيِّها شاءَ" (٢).
وهو عند الإِمام أحمد من حديث أنس، وإبن أبي شيبة بلفظ: "مَنْ تَوَضَّاَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوْءَ، ثُمَّ قالَ ثَلاثَ مَرَّات: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ... إلى آخره، فُتِحَ لَهُ ثَمانِيَةُ أَبْوابِ الْجَنَّةِ مِنْ أَيِّها شاءَ يدخُلُ" (٣).
وزاد الترمذي في حديث عمر: "اللهُمَّ اجْعَلْنِيْ مِنَ التَّوَّابِيْنَ، وَاجْعَلْنِيْ مِنَ الْمُتَطَهّرِيْنَ" (٤).
وزاد أحمد، وأبو داود فيه: "ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَىْ السَّماءِ فَقالَ ... " (٥).
стр. 723
وروى أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط" عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ثَلاثٌ مَنْ جاءَ بِهِن مَعَ الإيْمانِ دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوابِ الْجَنَّةِ شاءَ، وَزُوِّجَ مِنَ الْحُوْرِ الْعِيْنِ حَيْثُ شاءَ: مَنْ عَفا عَنْ قاتِلِهِ، وَأَدَّىْ ديناً خَفِيًّا، وَقَرَأَ فِيْ دبُرِ كُلِّ صَلاةٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أو إحداهن يا رسول الله؟ قال: "أَوْ إِحْداهُنَّ" (١).
وروى الإِمام أحمد، والطبراني بإسناد حسن، عن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِذا صَلَّتِ الْمَرْأة خَمْسَها، وَصامَتْ شَهْرَها، وَحَصَّنَتْ فَرْجَها، وَأَطاعَتْ زَوْجَها قِيْلَ لَها: ادْخُلِيْ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ" (٢).
وروى الطَّبرانيُّ في "الأوسط" بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أيُّما امْرَأَةٍ اتَّقَتْ رَبها، وَحَفِظَتْ فَرْجَها، وَأَطاعَتْ
стр. 724
زَوْجَها فُتِحَ لَهَا أَبْوابُ الْجَنَّةِ، فَقِيْلَ لَها: ادْخُلِيْ مِنْ حَيْثُ شِئْتِ" (١).
وروى النسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أبي سعيد، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّيْ الصَّلَواتِ الْخَمْسِ، وَيَصُوْمُ رَمَضانَ، وَيُخْرِجُ الزكاةَ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبائِرَ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوابُ الْجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ يَوْمَ الْقِيامَةِ" (٢).
ولا شك أن دعاء العبد من كل باب من أبواب الجنة، وإباحته إياها كلها، دليل أنه من أهل عمل ذلك الباب، وهم لا يَعْدُوْنَ الطوائف الأربعة: الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
وفي "مسند الإِمام أحمد"، عن أبي هريرة ﵁: أنه ﷺ قال: "لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بابٌ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ يُدْعَوْنُ مِنْهُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ" (٣).
وفي "مسند البزار" بسند حسن، عنه: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إِذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ دُعِيَ الإِنْسانُ بِأَكْثَرِ عَمَلِهِ، فَإِنْ كانَتِ الصَّلاةُ أَفْضَلَ دعِيَ
стр. 725
بِها، وإنْ كانَ الصيامُ أفْضَلَ دُعِيَ بِهِ"، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أثَمَّ أحد يدعى بعملين؟ قال: "نعَمْ؛ أنْتَ" (١).
وروى الإِمام أحمد، وابن السُّني، والطبراني في "الكبير"، والحاكم، والبيهقي في "سننه" عن معاذ بن أنس ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ ألفَ آيَةٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، كُتِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَعَ النَّبِيِّيْنَ وَالصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِيْنَ، وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيْقًا" (٢).
وروى ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أعانَ مُسْلِما بِكَلِمَةٍ، أَوْ مَشَى لَهُ خُطْوَةً، حَشَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَعَ الأَنْبِياءِ وَالرُسُلِ آمِناً، وَأَعْطاهُ عَلَىْ ذَلِكَ أَجْرَ سَبْعِيْنَ شَهِيْداً قُتِلُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ" (٣).
وما ذكر في هذه الأحاديث، وأمثالهم من إلحاق من يستقل عمله بالطوائف المشار إليهم، أو من يدعى من كل باب من أبواب الجنة، قد يكون لانطوائه على ما للجميع من الأخلاق والأعمال، وقد يكون محمولاً على ما لو بقي على عمله حتَّى يموت عليه قبل أن يحدث،
стр. 726
وقد يكون لخصوصية لم نَطَّلِع نحن عليها، وإنما كان عمله المرغب فيه علامة على تلك الخصوصية.
وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "الرقة والبكاء"، وفي كتاب "الخوف"، وأبو نعيم في "الحلية" عن بكر بن مصاد قال: سمعت عبد الواحد بن زيد يقول: يا إخوتاه! ألا تبكون خوفاً من النيران؟ ألا إنه من بكى خوفًا من النار أعاذه الله منها، يا إخوتاه! ألا تبكون من شدة العطش يوم القيامة؟ يا إخوتاه! ألا تبكون؟ ألا فابكوا على الماء البارد في أيام الدنيا، لعله أن يسقيكموه في حظائر القدس مع خير النُّدماء والأصحاب من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا (١).
***
стр. 727
فَصْلٌ
واعلم أن من تشبه بقوم فإنه تارة يكون منهم حقيقة كمن تشبه بالصالحين في أعمال الصلاح الآتية؛ فإنه يكون منهم حقيقة، وإن تأخر عنهم زمانًا.
وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٤، ٧٥].
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
فجمع بين المهاجرين والأنصار وبين تابعيهم بإحسان فيما وعدهم به من الرضوان والخلود في الجنان وإن تفاوتت مراتبهم باعتبار زيادة الإيمان, وقوة اليقين، والترقي في مدارج الرضا عن الله تعالى.
وهذا لا ينافي ما نطق به الكتاب والسنة من تقديم الصحابة على من
стр. 728
بعدهم؛ أي: من حيث عموم الطبقة، لا من حيث خصوص الأشخاص كما اختاره ابن عبد البر من أنه لا مانع من أنه يكون في التابعين والمتأخرين من هو أفضل من بعض الصحابة الذين هم ليسوا من أفاضلهم (١).
ونقل القرطبي في "تفسيره": أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ: ﴿وَالْأَنْصَارُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾، برفع (الأنصار)، وإسقاط الواو من (الذين) على أنه نعت للأنصار، فراجعه زيد بن ثابت ﵁، فسأل عمر أُبَيَّ بن كعب رضي الله تعالى عنه فصدق زيدًا، فرجع إليه عمر، وقال: لقد كنا نرى أنا رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد، وفي رواية: كنت أظن أنا رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد، فقال أُبي رضي الله تعالى عنه: إني أجد مصداق ذلك في كتاب الله تعالى في أول سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]، وفي سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وفي سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٢).
نعم، للصحابة رضي الله تعالى عنهم فضل اللُّقِيِّ والاجتماع بالنبي ﷺ ، فمن تشبه بهم من بعدهم فإنما يكون منهم من حيث إنهم
стр. 729
صالحون وشهداء وصدِّيقون، لا من حيث إنهم صحابة؛ لأنه لم يتشبه بهم في نفس الصُّحبة، وبذلك يتضح لك أن من تشبه بقوم في خصلة من خصالهم دون خصلة: أنه لا يكون منهم من كل وجه، وإنما يكون منهم من حيث الخصلة التي شاركهم فيها.
وتارة لا يكون المتشبه بقوم منهم حقيقة، وإنما يكون منهم بمعنى معهم، أو من أوليائهم، كما في الحديث: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ" (١)؛ أي؛ من أوليائي.
وفي الحديث أيضًا: "سَلْمانُ مِنَّا آلَ الْبَيْتِ" (٢)؛ أي: من أوليائنا. وكذلك قول طالوت: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩].
فالمتشبه بالأنبياء منهم بمعنى أنه يحشر معهم، أو يكون من أوليائهم، لا على معنى أنه منهم حقيقة فيكون نبيًا؛ فإن النبوة موهبة لا تدخل تحت الاختيار، ولأنها الآن خُتمت بالنبي ﷺ .
أو نقول (٣): المتشبه بالأنبياء ﵈ إنما يتشبه بهم في الأعمال والأخلاق، فهو منهم من حيث إنهم صالحون وصديقون ومتقون ومحسنون إلى نحو ذلك، لا من حيث إنهم أنبياء.
стр. 730
وكذلك المتشبه بالملائكة ﵈ فهو منهم؛ أي: في منزلتهم، أو من أوليائهم؛ لأن الملائكة يتولَّون أمر المؤمنين المستقيمين في الدنيا والآخرة بنص القرآن، والمتشبه بالملائكة ملحق بهم في التجرُّد عن الشهوة، أو في الأمن من غوائلها، أو في القربة من الله تعالى، أو نحو ذلك.
فلما كانت النبوة والصحبة والملكية مما لا يمكن الإنسان التوصل إليه مطلقًا في الملكية، وفي هذه الأزمنة في النبوة، والصحبة بالنبي ﷺ انقطعت بانتقاله إلى الدار الآخرة، لم يحرم الله الإنسان من الحشر مع هؤلاء، واللحاق بهم، فجعل التشبه بهم طريقًا لإلحاقهم بهم، وحشرهم معهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
وروى أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم الهمداني في "بهجة الأسرار" عن محمَّد بن حسان قال: شهدت فُضيل بن عِياض رحمه الله تعالى وجلس إليه سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى فتكلم الفضيل بكلام، وقال فيما تكلم: كنتم معشرَ العلماء سُرُجَ البلاد يُستضاء بكم، فصرتم ظلمة، وكنتم نجوماً يهتدى بكم، فصرتم حيرة، ثم لا يستحيي أحدكم يأخذ من مال هؤلاء، وقد علم من أين هو حتى يسند ظهره ويقول: حدثني فلان عن فلان، وحدثنا فلان عن فلان، فرفع سفيان رأسه -وكان مطأطئًا- فقال: هاه هاه! والله لئن كنا لسنا بصالحين فإنا نحب الصالحين، قال: وسكت الفضيل، فطلب إليه سفيان، فحدثنا بثلاثين حديثاً.
стр. 731
فتأمل! فإن الفضيل لم ينكر على ابن عيينة تعلقه بمحبة الصالحين على فرض أنه لم يكن منهم، ولقد قيل: [من الوافر]
أُجِلُّ الصَّالِحِيْنَ وَلَسْتُ مِنْهُمْ ... لَعَلِّيْ أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَةْ
وَأَكْرَهُ مَنْ بِضَاعَتُهُ الْمَعَاصِي ... وإنْ يَكُ لِيْ شَرِيْكا فِيْ الْبِضَاعَةْ
وحدثني شيخنا الإِمام العلامة محب الدين الحنفي -فسح الله في مدته-: أن شيخه العلامة العارف بالله سيدي أبا الوفاء ابن الشيخ العارف بالله سيدي علوان الحموي رضي الله تعالى عنهما كان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت: [من الكامل]
إِنْ لَمْ تَكُوْنُوْا مِثْلَهُمْ فَتَشَبَّهُوْا ... إِنَّ التَّشَبهَ بِالْكِرَامِ فَلاحُ
وهذا البيت من قصيدة مشهورة للسُّهروردي المقتول بحلب المعروف بالشاب الظريف، وهي: [من الكامل]
أَبَداً تَحِنُّ إِلَيْكُمُ الأَرْوَاحُ ... وَوِصَالُكُمْ رَيْحَانها وَالرَّاحُ
وَقُلُوْبُ أَهْلِ وِدَادِكُمْ تَشْتَاقُكُمْ ... وَإِلَىْ لَذِيْذِ لِقَاكُمُ تَرْتَاحُ
فَصْلٌ
قسم الله تعالى المُنْعَم عليهم المذكورين في الآية المتقدمة أربعة أقسام بحسب منازلهم في العلم والعمل، وحثَّ كافة الناس على أن لا يتأخروا عنهم، ولا يقصروا عن اللحاق بهم، وهم:
١ - الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل، المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل بالفهم وبالوحي.
٢ - والصدِّيقون الذين صعدت نفوسهم إلى أَوج المعرفة؛ إما بطريق النظر في الآيات، أو بطريق التصفية والرياضات، وقد يتجاوزون درجة الكمال إلى درجة التكميل أيضًا، لكن لا بطريق الوحي، بل بطريق الفهم من نصوص الشرائع، والتلقي عن سائر الأنبياء بطريق الإرث.
٣ - والشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة، والجد في إظهار الحق إلى أن بذلوا مُهَجَهُمْ في إعلاء كلمة الله تعالى.
وقيل: الصدِّيقون هم العارفون بالله، وهم خواص العلماء.
والشهداء هم العلماء؛ لأنهم شهداء الله في الأرض.
٤ - والصالحون هم الذين صرفوا أعمارهم في طاعة الله تعالى،
стр. 736
وأموالهم في مرضاته (١).
فالصالحون هم المطيعون، أعم من أن يكونوا أنبياء أو صديقين أو شهداء، فمنهم الأبرار والمتقون والمحسنون والمخلصون، إلى غير ذلك من الأنواع.
والأنبياء خواص هؤلاء كلهم.
والصِّديقون خواصهم بعد الأنبياء.
والشُّهداء خواصهم بعد الصِّديقين.
فأوصاف الصَّالحين، وأخلاقهم تنطوي في أخلاق الشُّهداء وأوصافهم.
وأخلاق الشُّهداء وأوصافهم تنطوي في أخلاق الصِّديقين وأوصافهم.
وأخلاق الصِّديقين وأوصافهم تنطوي في أخلاق النبيين وأوصافهم.
وينبغي أن نشير على سبيل التدريج والترقية، إلى جملة من أخلاق الصَّالحين وأعمالهم، ثم الشهداء، ثم الصِّديقين، ثم الأنبياء ﵈.
ثم نختم الكلام بجملة لطيفة من مجامع أخلاق رسول الله ﷺ ؛ لأن أخلاق هؤلاء كلهم وأوصافهم منطوية في أخلاقه وأوصافه كما علمت؛ فهو الإنسان الكامل ﷺ في البُكر والأصائل، ثم نتمم الخاتمة بفصل في التخلق بأخلاق الله تعالى، وبذلك يتم القسم الأول، والله الموفق لكل خير.
• • •
(٣) بَابُ التَّشَبُّه بِالصَّالِحِينَ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أجْمَعِيْنَ
اعلم أن التَّشبه بالصَّالحين، والدخول في عدادهم، مندوب إليه، محثوث عليه؛ لأنه يورث تولي الله لعبده، وهو مطلوب الأنبياء ﵈، ومن أوصافهم التي يحمدون بها وعليها.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٥، ١٩٦].
ولو لم يكن في التشبه بالصالحين إلا تولي الله تعالى العبدَ المتشبه بهم لكفى.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧].
وإنما خص كونه من الصَّالحين بالآخرة إشارة إلى أن العبرة بصلاح الآخرة، أو أن الصلاح المعتد به ما كان نافعًا في الآخرة وهو الخالص،
стр. 739
فلا اعتبار لصورة الصَّلاح في الدُّنيا، والمتصف بها في الآخرة من الصَّالحين.
وقال تعالى حكايته عن إبراهيم ﵊: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ٩٩، ١٠٠]؛ أي: ولدًا صالحا.
وقال تعالى بعد ذكر إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢].
وقال تعالى بعد ذكر هؤلاء ونوح، وداود، وسليمان، وإسماعيل، وإدريس، وذا الكفل: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦].
وقال تعالى في حق لوط ﵇: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٥].
وقال تعالى حكايته عن إبراهيم ﵇ في طلب اللحاق بالصالحين: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣].
وقال تعالى حكايته عن يوسف ﵇: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وقال تعالى حكايته عن سليمان ﵇: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
стр. 740
قال العلماء: إنما أثنى الله تعالى على هؤلاء الأنبياء بالصلاح - وإن كان الصَّلاح من لازم نبوتهم - لينبه سبحانه على فضل الصلاح، وأنه مجمع القُرب، سواء وصل صاحبه إلى مقام النبوة والصِّديقية ونحوهما، أم لا.
وكذلك في طلب يوسف وسليمان ﵉ من الله تعالى أن يلحقهما بالصالحين، تنويه بمقدار الصلاح، وتنبيه على شرفه.
وقال الله تعالى حكايته عن النجاشي، وأصحابه في معرض الثناء عليهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٣، ٨٤].
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن هارون بن عنيزة قال: سمعت الحسن رحمه الله تعالى يقول: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ووسع لنا في ذاتنا، واجعلنا من صالح من بقي، وألحقنا بصالح من مضى.
وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ قال: حريص على إيمانكم وصلاحكم (١).