← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وأموالهم في مرضاته (١). فالصالحون هم المطيعون، أعم من أن يكونوا أنبياء أو صديقين أو شهداء، فمنهم الأبرار والمتقون والمحسنون والمخلصون، إلى غير ذلك من الأنواع. والأنبياء خواص هؤلاء كلهم. والصِّديقون خواصهم بعد الأنبياء. والشُّهداء خواصهم بعد الصِّديقين. فأوصاف الصَّالحين، وأخلاقهم تنطوي في أخلاق الشُّهداء وأوصافهم. وأخلاق الشُّهداء وأوصافهم تنطوي في أخلاق الصِّديقين وأوصافهم. وأخلاق الصِّديقين وأوصافهم تنطوي في أخلاق النبيين وأوصافهم. وينبغي أن نشير على سبيل التدريج والترقية، إلى جملة من أخلاق الصَّالحين وأعمالهم، ثم الشهداء، ثم الصِّديقين، ثم الأنبياء ﵈. ثم نختم الكلام بجملة لطيفة من مجامع أخلاق رسول الله ﷺ ؛ لأن أخلاق هؤلاء كلهم وأوصافهم منطوية في أخلاقه وأوصافه كما علمت؛ فهو الإنسان الكامل ﷺ في البُكر والأصائل، ثم نتمم الخاتمة بفصل في التخلق بأخلاق الله تعالى، وبذلك يتم القسم الأول، والله الموفق لكل خير. • • •

стр. 737

(٣) بَابُ التَّشَبُّه بِالصَّالِحِينَ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أجْمَعِيْنَ

стр. 738

(٣) بَابُ التَّشَبُّه بِالصَّالِحِينَ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أجْمَعِيْنَ اعلم أن التَّشبه بالصَّالحين، والدخول في عدادهم، مندوب إليه، محثوث عليه؛ لأنه يورث تولي الله لعبده، وهو مطلوب الأنبياء ﵈، ومن أوصافهم التي يحمدون بها وعليها. قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٥، ١٩٦]. ولو لم يكن في التشبه بالصالحين إلا تولي الله تعالى العبدَ المتشبه بهم لكفى. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. وإنما خص كونه من الصَّالحين بالآخرة إشارة إلى أن العبرة بصلاح الآخرة، أو أن الصلاح المعتد به ما كان نافعًا في الآخرة وهو الخالص،

стр. 739

فلا اعتبار لصورة الصَّلاح في الدُّنيا، والمتصف بها في الآخرة من الصَّالحين. وقال تعالى حكايته عن إبراهيم ﵊: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ٩٩، ١٠٠]؛ أي: ولدًا صالحا. وقال تعالى بعد ذكر إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢]. وقال تعالى بعد ذكر هؤلاء ونوح، وداود، وسليمان، وإسماعيل، وإدريس، وذا الكفل: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦]. وقال تعالى في حق لوط ﵇: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٥]. وقال تعالى حكايته عن إبراهيم ﵇ في طلب اللحاق بالصالحين: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]. وقال تعالى حكايته عن يوسف ﵇: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. وقال تعالى حكايته عن سليمان ﵇: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].

стр. 740

قال العلماء: إنما أثنى الله تعالى على هؤلاء الأنبياء بالصلاح - وإن كان الصَّلاح من لازم نبوتهم - لينبه سبحانه على فضل الصلاح، وأنه مجمع القُرب، سواء وصل صاحبه إلى مقام النبوة والصِّديقية ونحوهما، أم لا. وكذلك في طلب يوسف وسليمان ﵉ من الله تعالى أن يلحقهما بالصالحين، تنويه بمقدار الصلاح، وتنبيه على شرفه. وقال الله تعالى حكايته عن النجاشي، وأصحابه في معرض الثناء عليهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٣، ٨٤]. وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن هارون بن عنيزة قال: سمعت الحسن رحمه الله تعالى يقول: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ووسع لنا في ذاتنا، واجعلنا من صالح من بقي، وألحقنا بصالح من مضى. وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ قال: حريص على إيمانكم وصلاحكم (١).

стр. 741

وروى أبو نعيم في "الحلية"، عن سفيان الثوري ﵀ قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: أبقاك الله، قال: قد فُرِغ من هذا، فادع الله لي بالصلاح (١). وفي كلام عمر بن عبد العزيز هذا، إشارة إلى أن الدعاء بالبقاء أو بطول العمر، كالضرب في حديد بارد؛ لأن هذا مما فُرِغ منه. وفي "صحيح مسلم"، و"سنن النسائي"، وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ قال: قالت أم حبيبة رضي الله تعالى عنها: اللهم أمتعني بزوجي النبي ﷺ ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي ﷺ : "إِنَكِ سَأَلْتِ الله لآجالٍ مَضْرُوْبَةٍ، وَأيامٍ مَعْدُوْدةٍ، وَأَرْزاقٍ مَقْسُوْمَةٍ، وَلَنْ يُعَجّلَ شَيْئاً قَبْلَ أَجَلِهِ، أَوْ يُؤَخَرَ شَيْئا عَنْ أَجَلِهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ الله أَنْ يُعِيْذَكِ مِنْ عَذابٍ فِيْ النَّارِ، أَوْ عَذابٍ فِيْ الْقَبْرِ، كانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ" (٢). فإن كان المدعو له فاسقًا أو ظالماً، فلا يفيد الدعاء شيئًا، إلا أنه أفصح أن الداعي أراد بقاء الفاسق أو الظالم، والفسق والمعصية، وهذا ليس من شأن الصالحين، بل الطالحين. ومن ثمَّ قال سفيان الثوري، كما رواه أبو نعيم: من دعا لظالم بطول البقاء، فقد أحب أن يعصى الله (٣).

стр. 742

وذكره بعضهم حديثاً (١). ورواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي من كلام الحسن رحمه الله تعالى (٢). وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أَوَىْ أَحَدُكُمْ إِلَىْ فِراشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِراشَهُ بِداخِلِ إِزارِه؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِيْ ما خَلَّفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُوْلُ: بِاسْمِكَ رَبِّيْ وَضعْتُ جَنْبِيَ، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِيَ فَارْحَمْها، وَإِنْ أَرْسَلْتَها فَاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصَّالِحِيْنَ" (٣). وحفظُه سبحانه لعباده الصالحين إنما هو بتوفيقه لهم، وإرشاده إياهم، وكَلأَته (٤) لهم، ودفع الآفات عنهم بسبب أعمالهم الصالحة، كما قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: "احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجاهَك" (٥)، وفي رواية: "أَمامَكَ" (٦).

стр. 743

فلا يحفظ الله العبد بما حفظ الله عباده الصالحين إلا بأن يوفقه لما وفقهم إليه، حتى يثبتوا في دار ولايته، محفوفين بعين عنايته. وروى ابن الجوزي في "صفوته" عن محمَّد بن يزيد بن خُنيس قال: قال وُهَيب بن الورد رحمه الله تعالى: لو أن علماءنا -عفا الله عنا وعنهم - نصحوا الله في عباده، فقالوا: يا عباد الله! اسمعوا ما نخبركم عن نبيكم ﷺ ، وصالح سلفكم من الزهد في الدنيا، فاعملوا به، ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفَسْلَةِ، كانوا نصحوا الله في عباده، ولكنهم يأبون إلا أن يجروا عباد الله إلى فتنتهم، وما هم فيه (١). ففي هذا القول من وهيب رضي الله تعالى عنه إشارة إلى أن الإرشاد إلى التخلق بأخلاق الصالحين، والاقتداء بهديهم من جملة وظائف العلماء، وأن ذلك منهم لو اتفق عين النصيحة لله، والشفقة على عباده. وذكر حجة الإِسلام في "الإحياء" عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: محدثان أحدثا في الإِسلام: رجل ذو رأي سوء يزعم أن الجنة لمن يرى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وإياها يطلب، فارفضوهما إلى النار؛ إن رجلًا أصبح في هذه الدنيا بين مترف يدعوه إلى دنياه، وصاحب هوى يدعوه إلى هواه -وقد عصمه الله منهما - يجيء إلى السلف الصالح يسأل عن فعالهم، ويقتفي آثارهم،

стр. 744

متعرضٌ لأجر عظيم، فكذلك كونوا (١). أي: سائلين عن آثار السلف الصالحين، مقتفين لآثار القوم المفلحين. وفيه إشارة إلى أن من كان متصفاً بهذه الصفة في غاية العزة، خصوصًا في هذه الأزمنة المتأخرة، ونحن الآن بعد ألف بسنوات، فهو أحق وأحرى أن يسمى غريبًا، كما قال رسول الله ﷺ : "طُوْبَىْ لِلْغُرَباءِ"، قيل: فمن الغرباء؟ قال: "قَوْمٌ يُصْلِحُوْنَ حِيْنَ يُفْسِدُ النَّاسُ". رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم بن المغيرة، أو ابن أبي المغيرة رضي الله تعالى عنه (٢). وفي لفظ آخر: "ناس قَلِيْلُوْنَ صالِحُوْنَ فِيْ ناس كَثِيْرٍ؛ مَنْ يُبْغِضُهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُحِبُّهُمْ" (٣). ورواه الإِمام أحمد في "مسنده" من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما, ولفظه: "طُوْبَىْ لِلْغُرَباءِ"، قيل: فمن الغرباء؟ قال: "أُناس صالِحُوْنَ فِيْ أُناسِ سُوْءٍ كَثِيْرٍ؛ مَنْ يَعْصِيْهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُم" (٤). وروى الطبراني في "المعاجم الثلاثة" عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيْباً،

стр. 745

وَسَيَعُوْدُ غَرِيْبًا كَمَا بَدَأَ؛ فَطُوْبَىْ لِلْغُرَباءِ"، قالوا: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: "الَّذِيْنَ يُصْلِحُوْنَ عِنْدَ فَسادِ النَّاسِ" (١). وأخرجه في "الأوسط" من حديث جابر ﵁ بنحوه (٢). وأخرجه الإِمام أحمد، وأبو يعلى وإسنادهما حسن، والبزار عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه بلفظ: "إِنَّ الإِيْمانَ بَدَأَ غَرِيْبًا" (٣). وروى ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن أبي الخير العتلي قال: سمعت إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى يقول لجماعة عنده: من تعدُّون الغريب في زمانكم هذا؟ فقال واحد منهم: الغريب من نأى عن وطنه، وقال آخر: الغريب من فارق أحبابه، وقال كل واحد منهم شيئًا، فقال إبراهيم: الغريب في زماننا رجل صالح عاش بين قوم صالحين؛ إن أمر بالمعروف آزروه، وإن نهى عن المنكر أعانوه، وإن احتاج إلى

стр. 746

شيء من الدنيا مانوه، ثم ماتوا وتركوه (١). يعني: إنه حين مات رفقاؤه وبانت أصدقاؤه صار غريبًا. وروى أبو نعيم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: [قال دانيال] (٢): يا لهفي عن زمن يلتمس فيه الصالحون فلا تجد منهم أحدًا إلا كالسنبلة في أثر الحاصد، أو كالخصلة في أثر القاطف؛ يوشك نوائح أولئك وبواكيهم أن تبكيَهم (٣). وما أحسن قولَ الشيخ الإِمام العلامة أبي الفتح تقي الدين بن دقيق العيد القشيري رحمه الله تعالى: [من السريع] قَدْ عُرِفَ الْمُنْكَرُ وَاسْتُنْكِرَ الـ ... ـمعْرُوْفُ فِيْ أيامِنَا الصَّعْبَةْ وَصَارَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيْ وَهْدَةٍ ... وَصارَ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيْ رتبَةْ حَادُوْا عَنِ الْحَقِّ فَمَا لِلَّذِيْ ... سادُوْا بِهِ فِيْما مَضَىْ نِسْبَةْ

стр. 747

فَقُلْتُ لِلأَبْرارِ أَهْلِ التُّقَى ... وَالذيْنِ لَمَّا اشْتَدَّتِ الْكُرْبَة لا تُنْكِرُوْا أَحْوَالَهُمْ قَدْ أتَت ... نَوْبَتُكُمْ فِيْ زَمَنِ الْغُرْبَةْ (١) ***

стр. 748

فَصْلٌ يحصل التشبه بالصالحين بكل عمل صالح مع الإيمان بالله تعالى، لكن الظاهر أن من اقتصر على عمل واحد، أو على أعمال قليلة من الصَّالحات لا يقال: إنه صالح حتى يتمرَّن على الأعمال الصالحة، ويداوم عليها كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾ [العنكبوت: ٩]. ومع ذلك فإن من اقتصر على عمل صالح مع الإيمان، فعسى أن ينفعه الله تعالى بذلك العمل الصالح يومًا ما؛ فإنه ليس من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له. وقد روى أبو يعلى في " المسند"، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الشعب" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْخَصْلَةَ الصَّالِحَةَ تَكُوْنُ فِيْ الرَّجُلِ فَيُصْلِحُ اللهُ بِها عَمَلَهُ كُلَّهُ، وَطُهُوْرُ الرَّجُلِ لِصَلاتِهِ يُكَفِّرُ ذُنُوْبَهُ، وَتَبْقَىْ صَلاتُهُ لَهُ نافِلَةً" (١).

стр. 749

وقال الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه: من استطاع منكم أن يكون له خبيء من عمل صالح فليفعل (١). وأخرجه الخطيب البغدادي عنه مرفوعًا (٢). وقيل: [من الكامل] وَإذَا افْتَقَرْتَ إِلَىْ الذَّخائِرِ لَمْ تَجِدْ ... ذُخْرًا يَكُوْنُ كَصالِحِ الأَعْمالِ (٣) وقال محمد بن علي المصري: [من الخفيف] افْعَلِ الْخَيْرَ ما اسْتَطَعْتَ وَإِنْ كا ... نَ قَلِيْلاً فَلَسْتَ مُدْرِكَ كُلَّهْ وَمَتَىْ تَفْعَلُ الْكَثِيْرَ مِنَ الْخَيـ ... ـر إِذا كُنْتَ تَارِكًا لأَقَلِّهْ؟ (٤)

стр. 750

ثم الأعمال الصالحات هي كل ما لله تعالى فيه رضى من قول العبد، أو فعله، أو نيته، وهو ما كان خالصًا لوجه الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. قال أبو عاصم الأنطاكي في الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]: من خاف المقام بين يدي الله تعالى فليعمل عملاً يصلح للعرض عليه (١). وقال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: العمل الصالح ما يصلح أن تلقى به الله ﷺ ، ولا تستحيي (٢) منه في ذلك (٣). نقلهما أبو عبد الرحمن السلمي في "حقائق التفسير". وفسر الأنطاكي الرجاء بالخوف لتلازمهما تطبيقًا بين الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]. وقال علي بن أبي طالب ﵁: العمل الصالح الذي لا تريد أن

стр. 751

يحمدك عليه إلا الله تعالى (١). رواه ابن أبي الدُّنيا في كتاب "النية والإخلاص". وروى "فيه" عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٢)﴾ [الملك: ٢]؛ قال: أخلصه، وأصوبه. قال: والخالص إذا كان له، والصواب إذا كان عن السنة (٢). وعن مُطرِّف رحمه الله تعالى قال: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية (٣). ولا شك أن النية محلها القلب، فأول الصلاح صلاحه، وبصلاحه يصلح العمل، وبصلاح العمل يصلح القلب آخرًا. أي: ينقله من حالة إلى أصلح منها، أو يدوم له الصلاح. ومما يدل على ذلك حديث "الصحيحين": "أَلا إِنَّ فِيْ الْجَسَدِ مُضْغَةً، مَتَىْ صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَمَتَىْ فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (٤). وإنما قلنا: إن العمل الصالح هو الخالص الذي يرضى الله به؛

стр. 752

لأن الله تعالى لا يرضى أن تكفر نعمة، ومن كفران النعمة أن يشكر عليها غير المنعم بها. وإن من أفاضل نعم الله عليك وجودك وجوانحك، فمهما صرفتها - أو شيئًا منها - في غير خدمته تعالى بغير إذنه، فقد كفرت هذه النعم: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ (٧)﴾ [الزمر: ٧] وإنما يرضى لهم الشكر كما قال : ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ (٧)﴾ [الزمر: ٧] ومتى صرفت من القلب حصة لغير الله تعالى، فقد كفرت نعمته؛ لأنه لا يقبل الشَّرِكة، كما قال أبو مدين رحمه الله تعالى: ليس للقلب إلا وجهة واحدة، فلا تجعلها لغير وجه الله تعالى (١). وقد أشار إلى ذلك ولي الله العارف به الشيخ أرسلان الدمشقي رضي الله تعالى عنه فقال في "رسالته": ما صلحت لنا ما دام فيك بقية لسوانا، فإذا حولت السوى أفنيناك عنك، وصلحت لنا، فأودعناك سرنا. وقلت في "نظم الرسالة الأرسلانية" في هذه الحقيقة العرفانية: [من الرجز] مَا أَنْتَ صَالِحٌ لَنَا ما دَامَ فِيْكْ ... بَقِيَّةٌ لِمَا سِوانا تَقْتَفِيْك

стр. 753

فَحُلْ عَنِ السِّوَىْ وَحَوِّلْ عَنْكا ... نُفْنِكَ عَنْكَ ننتَقِذْكَ مِنْكا فَعُدْتَ صالِحاً لَنا فَنُوْدِعَك ... مِنْ سِرِّناَ شَيْئا بِهِ نُمَتِّعَكْ واعلم أن العمل الصالح= لأَنْ يخدم الله تعالى به، هو الخالص لوجهه الكريم؛ لِما عرفت، ولقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ ما كانَ لَهُ خالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ" رواه أبو داود، والنسائي من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه (١). ولقوله ﷺ ، يرويه عن ربه : "أَنا خَيْرُ الشُّرَكاءِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيْهِ غَيْرِي، فَأَنا بَرِيْءٌ مِنْهُ". رواه مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ (٢). = هو الذي يبقى للعبد عند الله تعالى، والله خير وأبقى. قال أبو سعيد الحسن بن علي في "الحدائق": ﴿مَا عِنْدَكُمْ

стр. 754

يَنْفَدُ﴾ [النحل: ٩٦]: يعني: ما كان لأجل الكون، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦] ما كان لأجل الْمُكَوِّنِ. قال: وأعمال المخلصين بحكم هذه الآية داخلة في حكم البقاء، وأعمال المرائين داخلة في حكم الفناء، وذلك أن أعمال المخلصين كانت لأجل المكون؛ أي: فبقيت لبقاء مَنْ هي لأجله، وأعمال المرائين كانت لأجل الكون؛ أي: ففنيت لفناء ما هي لأجله. وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (٨٨)﴾ [القصص: ٨٨]. قال ابن عباس في تفسير الآية: إلا ما أريد به وجهه. رواه عبد بن حميد (١). وقال مجاهد: إلا ما أريد به وجهه من الأعمال الصالحة. رواه ابن أبي حاتم (٢). وقال الربيع بن خُثَيم: ما لم يرد به وجه الله يَضْمَحِلُّ. رواه ابن أبي شيبة (٣). وقال محمد ابن الحنفية: كل ما لا يبتغي به وجه الله يَضْمَحِلُّ. رواه ابن أبي الدنيا، وأبو نعيم (٤).

стр. 755

فالعمل الصالح هو الباقي؛ لأنه ما كان إلا لثواب الله في الآخرة ورضاه. وقد قال تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١]؛ أي: ما ادَّخره لك في الآخرة (١)، كما قال القاضي ناصر الدين البيضاوي أخذًا من قول السدي في الآية: أن المراد رزق الجنة (٢)؛ أي: رزق ربك في الجنة - وهو الثواب بعينه - خير وأبقى. وقال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. ولا شك أن الصالح ضد الفاسد، والفاسد هو الهالك الذي لا ينتفع به، وكل شيء هالك إلا ما أريد به وجه الله، كما عملت. ومن صرف عمره في الأعمال الصالحات كمن جعل له وليُّه رأس مال، وأمره أن يتجر فيه، ويقلبه لأجل النمو والفائدة؛ فإن قلبه في طرق التجارة المنتجة للفوائد، كان صالحاً في ماله مصلحاً له، ولذلك قيل في الرشد: إنه صلاحية الدَّيْن والمال، وإن تركه بغير تقليب، أو قلبه في غير الطرق المنتجة للفوائد، ولا غنى له عن الصرف منه، فهو غير صالح لماله، ولا مصلح له، بل مفسد لرأس ماله، متلف له. وكذلك عمر العبد رأس ماله الذي سلمه إليه ربه ووليه سبحانه

стр. 756

وتعالى؛ فمن صرفه في الأعمال الصالحة الباقية عند الله تعالى فهو الصالح الرشيد، ومن ضيعه في البطالات، أو صرفه في غير وجوه الخيرات فقد أفسده؛ إما بتضييعه في غير فائدة ولا عائدة، وإما بصرفه فيما تبقى عليه تبعته، وتذهب عنه لذته. وكما يبقى ثواب العمل الصالح يبقى عقاب العمل السيئ، كما قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٧]، فهو غير صالح، ولا رشيد، ويأتي يوم القيامة مفلسا معدماً، ولا يأمَن أن يقول تأسفاً وتندماً: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (٥٦)﴾ [الزمر: ٥٦]. وقد ضرب الله تعالى هذا المثال في كتابه العزيز، فقال في حق المفسدين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦]، وذلك بعد أن شهد عليهم بالإفساد، ونفى الإصلاح عنهم بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١١ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤]. فالمفسد متعرض لمقت الله تعالى وطرده عن قربه، وعزله عن حبه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]. وأول ما يلزمك عمارة أرض نفسك بالإصلاح، وتنزيهها عن الإفساد، وإذا كنت لأرضك مفسداً، كنت لغيرها أكثر فساداً. وقال تعالى: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾ [الأعراف: ٨٦].

стр. 757

فالإفساد سبب سوء العاقبة، كما أن الإصلاح سبب حسن الخاتمة، ودفع الأسواء؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٧]؟ وقال تعالى في حق المصلحين لرؤوس أموالهم التي هي أعمالهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩]. وما أحسن قول منصور بن عمار الواعظ فيما أنشده أبو الحسن ابن جهضم في "بهجة الأسرار" عن ظاهر بن العباس عنه رحمهم الله تعالى: [من الطويل] وَإِنَّ امْرَأً لَمْ يَرْتَحِلْ بِبِضَاعَةٍ ... إِلَىْ دَارِهِ الأُخْرَىْ فَلَيْسَ بِتاجِرِ وَإِنَّ امْرَأً يَبْتَاعُ شَيْئًا بِدِيْنِهِ ... لَمُنْقَلِبٌ مِنْها بِصَفْقَةِ خاسِرِ (١) وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٣٠].

стр. 758

وأمر موسى أخاه ﵉ باتباع المصلحين، ونهاه عن اتباع المفسدين، فيما حكاه الله تعالى عنه بقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨]. وهذه الآية تدل على أن بين الفريقين بَوناً بعيدًا، وأنهما في طرفي نقيض. قال قتادة رحمه الله تعالى، وقرأ هذه الآية: لقد تفرق القوم في الدنيا وعند الموت، فتباينوا في المصير. رواه عبد بن حميد (١). فالمتشبه بالصالحين هو المصلح لرأس ماله، الراجي للتجارة الباقية التي لن تبور، ولن تَبيد، ولا تنتهي فوائدها وعوائدها على التأبيد، فشأنه كما وجد رِبحًا في عمل صالح سارع إليه، وكلما سمع بفائدة في خلق جميل ثابر عليه. قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤].

стр. 759

ثم قال تعالى مرغَّباً في هذه التجارة، وحاثًّا عليها بأرشق عبارة: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾ [آل عمران: ١١٥]. وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾ [التوبة: ٤٤]: إشارة إلى أن عماد هذه التجارة الإخلاص فيها والصِّدق، اللذان هما عبارة عن التقوى؛ لأن التقوى محلها القلب، كما قال النبي ﷺ في حديث رواه مسلم: " التَّقْوَىْ هَاهُنا" (١)، وأشار إلى صدره الذي هو هيكل قلبه، ولا شك أن الإخلاص والصدق هما عمدة الأفعال القلبية التي مبنى الصلاح عليها، كما قال ﷺ في حديث "الصحيحين": "أَلا إِنَّ فِيْ الْجَسَدِ مُضْغَةً، مَتَىْ صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ" (٢). ولذلك كان من أسئلة الصالحين طلب إصلاح القلوب. روى ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات" عن صالح المُرِّي رضي الله تعالى عنه قال: كنت أقول: اللَّهُمَّ لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فناداني منادٍ من ناحية البيت: يا صالح! زدنا فيها: اللهم إليك أشكو فساد قلبي، وإياك أستعين على صلاحه (٣). وروى الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن عبد الله بن عمرو رضي الله

стр. 760

تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحْسَنَ فِيْما بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، كَفاهُ اللهُ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيْرَتَهُ أَصْلَحَ اللهُ عَلانِيَتَهُ". وروى ابن أبي الدنيا في "الإخلاص" عن مَعْقِل بن عبيد الله الجَريري رحمه الله تعالى قال: كانت العلماء إذا التقوا تواصوا بهذه الكلمات، وإذا غابوا كتب بها بعضهم إلى بعض: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله، كفاه الله ما بينه وبين النَّاس، ومن اهتم بأمر آخرته، كفاه الله أمر دنياه (١). وروى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: لكل امرئ جَوَّانِيٌّ وبَرَّانِيٌّ؛ من يصلح جَوَّانِيَّهِ يصلح الله بَرَّانِيَّهِ، ومن يفسد جَوَّانِيَّهِ يفسد الله بَرَّانِيَّهِ (٢). وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن بُريد (٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ صالحٌ تَحَنَّنَ اللهُ عَلَيْهِ" (٤). والمعنى: أن العبد إذا حاول إصلاح قلبه وسريرته، تحنَّن الله تعالى عليه، فوفَّقه لإصلاح أعماله وعلانيته، ثم هو في إصلاح قلبه لا حول له ولا قوة إلا بربه.

стр. 761

والحنان - كما في "القاموس" -: الرحمة، والرزق، والبركة (١). وفسره ابن عباس، ومجاهد بالتعطف، كما رواه عبد بن حميد. ونتيجة هذه المعاني كلها إذا أريدت في الحديث إصلاح الأعمال في الدنيا، وحسن الجزاء في الآخرة. وروى ابن أبي الدُّنيا في "الإخلاص" عن سفيان قال: قال ابن عجلان رحمه الله تعالى: لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى به، والنية الحسنة، والإصابة (٢). قلت: ومعنى الإصابة: أن يصيب بعمله عملاً مأخوذاً به في الشرع، موافقاً للعلم على سَنَن السنة، فلا بد في الصالح أن يكون متبعًا للسنة، متجنبًا عن البدعة ومحدثات الأمور، وذلك من لازم التقوى أيضاً؛ فإن المبتدع لو جاء بطاعة نوح، وكرم إبراهيم، وفتوة يوسف، وتواضع موسى، وزهد عيسى، وحزن يعقوب، وصبر أيُّوب، وشكر سليمان، وتلاوة داود، وحكمة لقمان، لا يكون تقيًا، ولا صالحاً مَرْضِيًّا. وقد روى اللالكائي في "السنة" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: الاقتصاد في السنة، خيرٌ من الاجتهاد في البدعة (٣).

стр. 762

وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: لا يصلح قول إلا بعمل، ولا يصلح قول ولا عمل إلا بنية، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بالسنة (١). وقد رواه الشيخ نصر المقدسي رحمه الله تعالى في "الحجة" عن عليًّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَصْلُحُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنيَّةٌ إِلاَّ بِالسُّنَّةِ" (٢). وأخرجه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، نحوه أبسط من ذلك (٣). وقد علمت سابقاً أن الصَّالحين غرباء في الناس، خصوصاً في هذه الأزمنة المتأخرة. وقد روى اللالكائي عن الحسن رحمه الله تعالى: أنه قال: يا أهل السنة! ترفقوا رحمكم الله تعالى؛ فإنكم من أقل الناس (٤). وعن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: أنه قال: استوصوا بأهل السنة خيرًا؛ فإنهم غرباء (٥).

стр. 763

وعن أبي بكر بن عياش رحمه الله تعالى قال: السنة في الإسلام، أعز من الإسلام في سائر الأديان (١). هذا، ومما يدل على أن التقوى الشاملة لحسن النية، والإخلاص، والصدق، واتباع السنة ومحبتها، وغير ذلك من الأعمال القلبية هي خاصة هذه التجارة التي أشرنا إليها سابقاً: ما رواه الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم في "الحلية" عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيُّها النَّاسُ! اتَّخِذُوْا تَقْوَىْ اللهِ تِجارَةً، يَأْتِكُمُ الرِّزْقُ بِلا بِضاعَةٍ وَلا تِجارَةٍ"، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] (٢). والرزق المجلوب بتجارة التقوى شامل للرزق الجثماني، والرزق الروحاني، والرزق الدنيوي، والرزق الأخروي، وهو الرزق المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]. قال سفيان الثوري: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]: لا نكلفك الطلب. رواه ابن أبي حاتم (٣).

стр. 764

أي: نغنيك عن الطلب ومشقاته، ونتكفل برزقك من غير تعمُّل منك. وروى ابن أبي الدّنيا في كتاب "التقوى" عن وهب: أن لقمان قال لابنه: يا بني! اتخذ تقوى الله تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة. وروى "فيه" هو، وأبو نعيم في "الحلية" عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه: أنه قيل له: ليس أحد له بيت في الأنصار إلا وقد قال شعرًا، فما لك لا تقول؟ قال: وأنا قد قلت، فاسمعوه: [من الوافر] يُرِيْدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَىْ مُنَاهُ ... وَيَأْبَيْ اللهُ إِلاَّ ما أَرَادَا يَقُوْلُ الْمَرْءُ فَائِدَتِيْ وَمَالِيْ ... وَتَقْوَىْ اللهِ أَفْضَلُ ما اسْتَفَادَا (١) وقد روي عن الإمام الشافعي منه: أنه جعل هذا الشعر سادًّا مسدَّ الدراهم والدنانير في مُهور العذارى. وروى ابن أبي الدنيا في "التقوى" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه قال: لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل؟ يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]؛ أي: لا يتقبل الله الأعمال إلا من المتقين.

стр. 765

فإذاً: التقوى في سائر الأعمال شرط لصلاحيتها؛ إذ لا يكون منها صالحًا إلا ما كان متقبلاً، ومن ثَمَّ لمَّا قيل لسفيان: أرى الناس يقولون: سفيان الثوري وأنت تنام الليل؟ فقال: اسكت! ملاك هذا الأمر التقوى (١). أي: فإذا حَصَلت، كفى معها العمل القليل. وقال فَضَالة بن عُبيد رضي الله تعالى عنه: لأن أكون أعلم أن الله تعالى يتقبل مني مثقال حبة من خردل، أحب إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]. رواه ابن أبي الدُّنيا (٢). وروى أبو يعلى بسند جيد، عن الحكيم بن ميناء مرسلاً: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "اجْمَعْ لِيْ مَنْ هَاهُنا مِنْ قُرَيْشٍ"، فجمعهم، ثم قال: يا رسول الله! أتخرج إليهم، أم يدخلون؟ قال: "بَلْ أَخْرُجُ إِلَيْهِمْ"، فخرج فقال: "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! هَلْ فِيْكُمْ غَيْرُكُمْ؟ " قالوا: لا إلا بنو أخواتنا، قال: "ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ"، ثم قال: "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إِنَّ أَوْلَىْ النَّاسِ بِالنَّبيِّ الْمُتَّقُوْنَ؛ فَانْظُرُوْا! لا يَأْتِيْ النَّاسُ بِالأَعْمالِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَتأتُوْنَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُوْنهَا فَأَصُدَّ عَنْكُمْ بِوَجْهِيْ"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ

стр. 766

وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٨] (١). وروى البخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم وصححه، عن رفاعة ابن رافع ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ قال لعمر رضي الله تعالى عنه: "اجْمَعْ لِيْ قَوْمَكَ"، فجمعهم، فلما حضروا باب النبي ﷺ دخل عليه عمر، فقال: قد جمعتُ لك قومي، فخرج النبي ﷺ فقام بين أظهرهم، فقال: "هَلْ فِيْكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ " قالوا: نعم، فينا حليفنا، وابن أختنا، وموالينا، قال النبي ﷺ : "حَلِيْفُنا مِنَّا، وَابْنُ أُخْتِنا مِنَّا، وَمَوْلانا مِنَّا، أَنتُّمْ تَسْمَعُوْنَ؟ إِنَّ أَوْلِيائِيَ مِنْكُمُ الْمُتَّقُوْنَ، فَإِنْ كُنْتُمْ أُوْلَئِكَ فَذاكَ، وَإلاَّ فَانْظُرُوْا! لا يَأْتِيْ النَّاسُ بِالأَعْمالِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَتَأَتُوْنَ بِالأَثْقالِ فُيُعْرَضَ عَنْكُمْ" (٢). أشار ﷺ إلى أن شرف التقوى أولى من شرف النسب وكرم الحسب، وفي كتاب الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. وروى البخاري في " الأدب" أيضًا، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ أَوْلِيائِيَ يَوْمَ الْقِيامَةِ الْمُتَّقُوْنَ، وَإِنْ كانَ نسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نسَبٍ، فَلا يَأْتِينيْ النَّاسُ بِالأَعْمالِ، وَتأَتُوْني أَنْتُمْ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُوْنَها عَلَى رِقابِكُمْ، فَتَقُوْلُوْنَ: يا مُحَمَّدُ! فَأَقُوْلُ هَكَذا وَهَكَذا: لا - وأعرض في كلا عطفيه -" (٣).

стр. 767

فالتقوى أخص أوصاف الصالحين، وهي شرط في سائر أعمالهم، ولذلك لما ذكر الله تعالى مجملات أوصاف الصالحين، وأعمالهم بقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣]، إلى آخره قال بعد ذلك: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾ [آل عمران: ١١٥] إشارة إلى ذلك. ثم التقوى تنشأ عنها سائر الأعمال الصالحة؛ لأنها ترجع إلى صلاح القلب، وبصلاحه يصلح سائر الجسد، كما علمت من الحديث، فصلاح الجسد إنما يكون بالأعمال الصَّالحة، ومن ثَمَّ وصف الله الذين اتقوا بقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧]. ووصف المتقين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣]، إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥]. وقال تعالى بعد أن ذكر جملة من أعمال البر في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾ [آل عمران: ١١٥]. وهذه الآية الكريمة ما أبقت من أفعال الصالحين وأخلاقهم شيئًا إلا جمعته، ولذلك لمَّا سئل جد جدي شيخ الإسلام؛ أبو نعيم أحمد

стр. 768

ابن عبد الله بن بدر الغزي: مَنِ الصالحون؟ أجاب بهذه الآية: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣] الآية. ونقل شيخ الإسلام الوالد في دروسه عن جماعة من أهل العلم لما وقفوا على ذلك قالوا: إنه استنباط في غاية الحسن مع البداهة، وسرعة الجواب. قلت: وهو كذلك. وقد أحببت أن أتكلم على هذه الآية هنا بما يناسب المقام: فقوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣] أي: مستقيمة عادلة، من قولك: قَوَّمْتُ العود، فقام، واستقام، بمعنى. والاستقامة والعدل أول أركان التجارة، وإلا فلا بركة فيها، بل هي ممحوقة، فلا بد أن يكون العبد مستقيماً على طريقة الشريعة، وإلا فإن تجارته بائرة، وصفقته خاسرة. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]، أشار إلى أن الميل عن الاستقامة طغيان. ولذلك قال تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾ [الرحمن: ٧ - ٨]؛ أي: لا تميلوا عن العدل فيه والاستقامة. وروى الدارمي عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقلت: أوصني، قال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة؛ اتبع ولا تبتدع (١).

стр. 769

وروى هو، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن سفيان الثقفي رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ"، قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه (١). وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن ثوبان، وابن ماجه، عنه، وعن ابن عمر، والطبراني في "الكبير" عنه، وعن سلمة ابن الأكوع رضي الله تعالى عنهم: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "اسْتَقِيْمُوْا وَلَنْ تُحْصُوْا، وَاعْلَمُوْا أَنَّ خَيْرَ أَعْمالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلا يُحافِظُ عَلَىْ الْوُضُوْءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ" (٢). وأخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة، والطبراني [عنه]، وعن عبادة ابن الصَّامت رضي الله تعالى عنهما، [يرفع الحديث] (٣) ولفظهما: "اسْتَقِيْمُوْا، وَنِعِمَّا إِنِ اسْتَقَمْتُمْ، وَخَيْرُ أعمالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلَنْ يُحافِظَ

стр. 770

عَلَىْ الْوُضُوْءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ" (١). وقيل لأبي حفص الحداد ﵁: أي العمل أفضل؟ قال: الاستقامة؛ لأن النبي ﷺ يقول: "اسْتَقِيْمُوْا، وَلَنْ تُحْصُوْا". ثم الاستقامة والعدل إما أن يكونا منك مع الله تعالى، أو مع عباده، وكلاهما مطلوبان منك؛ لأنك إنما تعد من الصَّالحين بخروجك من حقوق الله، وحقوق عباده، ولا يكون ذلك إلا بالعدل والاستقامة. وقد قال الزجَّاج - من علماء التفسير -: الصالح هو القائم بما عليه من حقوق الله، وحقوق العباد (٢). وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الرَّبيع في قوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣]؛ قال: تقوم على كتاب الله، وحدوده، وفرائضه (٣). وقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣]، فيه نص على أن من أعمال الصَّالحين كثرة التلاوة، وقيام الليل، وكثرة السجود.

стр. 771

أما تلاوة القرآن فلأنها أكثر ربحًا وفائدة، ومن شأن التاجر الصالح لرأس ماله، العارف بوجوه تنميته أن يُؤْثِر ما كان أكثر ربحًا، وأعظم كسبًا؛ فإن الحرف الواحد من القرآن يكتب به عشر حسنات. روى الترمذي وصححه، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنةُ بِعَشْرِ أَمْثالِها؛ لا أَقُوْلُ: ألم حَرْفٌ، وَلَكِنْ: أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيْمٌ حَرْفٌ" (١). وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَمَعَ حَرْفاً مِنْ كِتابِ اللهِ ظاهِراً، كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسناتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيَّئاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ، وَمَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتابِ اللهِ فِيْ صَلاةٍ قاعِداً، كُتِبَتْ لَهُ خَمْسُوْنَ حَسَنَةً، وَمُحِيَتْ عَنْهُ خَمْسُوْنَ سَيِّئَةً، وَرُفِعَتْ لَهُ خَمْسُوْنَ دَرَجَة، وَمَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتابِ اللهِ فِيْ صَلاةٍ قائِماً، كُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيَّئَةٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ مِئَةُ دَرَجَةٍ، وَمَنْ قَرَأَهُ فَخَتَمَهُ، كُتِبَتْ لَهُ عِنْدَ اللهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، مُعَجَّلَةً، أَوْ مُؤَخَّرَةٌ" (٢). قال ابن الجوزي في "النشر": وروينا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: من قرأ القرآن لم يردَّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم

стр. 772

شيئًا، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٥ - ٦] قال: إلا الذين قرؤوا القرآن. قلت: أخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب" (١). وهذا الأثر نص في أن تلاوة القرآن من أخص أعمال الصَّالحين، لا شبهة في ذلك. * تَنْبِيْهٌ: روى الإمام أحمد عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ كُتِبَ مَعَ الصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِيْنَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيْقًا" (٢). في هذا الحديث أن قراءة القرآن كما تُلحق صاحبها بالصالحين تُلحقه بمن فوقهم من الشهداء والصديقين، وذلك على حسب ترقيهم في ترتيل القرآن، وتدبره، والعمل بما فيه؛ فالصديقون والشهداء والصالحون تجمعهم قراءة القرآن في سبيل الله، وإنما يتفاوتون في التدبر والعمل، وهذا لا يختص بقراءة القرآن، بل كل عمل صالح يطلب من الصالحين يطلب من الشهداء والصديقين، ويكون منهم أتم.

стр. 773

* تَتِمَّةٌ: في كثرة التلاوة والذكر، شغل اللسان عما لا يعنيه، وهذا أحد أمرين بهما يصلح القلب، وهما: قول الخير، والسكوت عما سواه. قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَسْكُتْ". رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي شريح، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). واعلم أن في إصلاح اللسان بعد إصلاح القلب إصلاح سائر الأعضاء؛ لما رواه الترمذي، وابن خزيمة، والبيهقي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا أَصْبَحَ ابنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضاءَ كُلَّها تُكَفَّرُ اللّسانَ، فَتَقُوْلُ: اتَّقِ اللهَ فِيْنا، وَإِنَّما نَحْنُ بِكَ؛ إِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا" (٢). وقال يونس بن عُبيد رحمه الله تعالى: خصلتان إذا صلحتا من

стр. 774

العبد صلح ما سواهما: أمر صلاته ولسانه (١). وقال أيضًا: ما صلح لسان أحد إلا صلح في سائر عمله (٢). فإصلاح اللسان من أصول أعمال الصالحين. وأما قيام الليل: فروى الترمذي وغيره، وصححه ابن خزيمة، والحاكم - عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِقِيامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَىْ رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيئاتِ، وَمَنْهاة عَنِ الإِثْمِ" (٣). وروي نحوه من حديث سلمان، وبلال رضي الله تعالى عنهما، وزاد فيه: "وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ" (٤). وكيف لا يكون قيام الليل من أعمال الصالحين وهو أجمع للفكر، وأشرح للصدر، وأصفى للقلب، وأجلى للسر؟

стр. 775

وقد روى البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَشْرافُ أُمَّتِيْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ، وَأَصْحابُ اللَّيْلِ" (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "التهجد" عن محمَّد بن طلحة بن مُصرِّف قال: كان أبي رحمه الله تعالى يأمر نساءه وخدمه وبناته بقيام الليل، ويقول: صلوا ولو ركعتين في جوف الليل؛ فإن الصَّلاة في جوف الليل تَحُتُّ الأوزار، وهي أشرف أعمال الصَّالحين (٢). فالصالحون، كما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، ورواه عنه ابن أبي الدنيا في "التهجد": [من الوافر] إِذَا مَا اللَّيْلُ أَظْلَمَ كَابَدُوْهُ ... فَيُسْفِرُ عَنْهُمُ وَهُمُ رُكُوْعُ أَطَارَ الْخَوْفُ نَوْمَهُمُ فَقَامُوا ... وَأَهْلُ الأَمْنِ فِيْ الدُّنْيَا هُجُوْعُ (٣)
следующие страницы →