← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أما تلاوة القرآن فلأنها أكثر ربحًا وفائدة، ومن شأن التاجر الصالح لرأس ماله، العارف بوجوه تنميته أن يُؤْثِر ما كان أكثر ربحًا، وأعظم كسبًا؛ فإن الحرف الواحد من القرآن يكتب به عشر حسنات. روى الترمذي وصححه، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنةُ بِعَشْرِ أَمْثالِها؛ لا أَقُوْلُ: ألم حَرْفٌ، وَلَكِنْ: أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيْمٌ حَرْفٌ" (١). وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَمَعَ حَرْفاً مِنْ كِتابِ اللهِ ظاهِراً، كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسناتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيَّئاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ، وَمَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتابِ اللهِ فِيْ صَلاةٍ قاعِداً، كُتِبَتْ لَهُ خَمْسُوْنَ حَسَنَةً، وَمُحِيَتْ عَنْهُ خَمْسُوْنَ سَيِّئَةً، وَرُفِعَتْ لَهُ خَمْسُوْنَ دَرَجَة، وَمَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتابِ اللهِ فِيْ صَلاةٍ قائِماً، كُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيَّئَةٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ مِئَةُ دَرَجَةٍ، وَمَنْ قَرَأَهُ فَخَتَمَهُ، كُتِبَتْ لَهُ عِنْدَ اللهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، مُعَجَّلَةً، أَوْ مُؤَخَّرَةٌ" (٢). قال ابن الجوزي في "النشر": وروينا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: من قرأ القرآن لم يردَّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم

стр. 772

شيئًا، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٥ - ٦] قال: إلا الذين قرؤوا القرآن. قلت: أخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب" (١). وهذا الأثر نص في أن تلاوة القرآن من أخص أعمال الصَّالحين، لا شبهة في ذلك. * تَنْبِيْهٌ: روى الإمام أحمد عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ كُتِبَ مَعَ الصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِيْنَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيْقًا" (٢). في هذا الحديث أن قراءة القرآن كما تُلحق صاحبها بالصالحين تُلحقه بمن فوقهم من الشهداء والصديقين، وذلك على حسب ترقيهم في ترتيل القرآن، وتدبره، والعمل بما فيه؛ فالصديقون والشهداء والصالحون تجمعهم قراءة القرآن في سبيل الله، وإنما يتفاوتون في التدبر والعمل، وهذا لا يختص بقراءة القرآن، بل كل عمل صالح يطلب من الصالحين يطلب من الشهداء والصديقين، ويكون منهم أتم.

стр. 773

* تَتِمَّةٌ: في كثرة التلاوة والذكر، شغل اللسان عما لا يعنيه، وهذا أحد أمرين بهما يصلح القلب، وهما: قول الخير، والسكوت عما سواه. قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَسْكُتْ". رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي شريح، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). واعلم أن في إصلاح اللسان بعد إصلاح القلب إصلاح سائر الأعضاء؛ لما رواه الترمذي، وابن خزيمة، والبيهقي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا أَصْبَحَ ابنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضاءَ كُلَّها تُكَفَّرُ اللّسانَ، فَتَقُوْلُ: اتَّقِ اللهَ فِيْنا، وَإِنَّما نَحْنُ بِكَ؛ إِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا" (٢). وقال يونس بن عُبيد رحمه الله تعالى: خصلتان إذا صلحتا من

стр. 774

العبد صلح ما سواهما: أمر صلاته ولسانه (١). وقال أيضًا: ما صلح لسان أحد إلا صلح في سائر عمله (٢). فإصلاح اللسان من أصول أعمال الصالحين. وأما قيام الليل: فروى الترمذي وغيره، وصححه ابن خزيمة، والحاكم - عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِقِيامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَىْ رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيئاتِ، وَمَنْهاة عَنِ الإِثْمِ" (٣). وروي نحوه من حديث سلمان، وبلال رضي الله تعالى عنهما، وزاد فيه: "وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ" (٤). وكيف لا يكون قيام الليل من أعمال الصالحين وهو أجمع للفكر، وأشرح للصدر، وأصفى للقلب، وأجلى للسر؟

стр. 775

وقد روى البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَشْرافُ أُمَّتِيْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ، وَأَصْحابُ اللَّيْلِ" (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "التهجد" عن محمَّد بن طلحة بن مُصرِّف قال: كان أبي رحمه الله تعالى يأمر نساءه وخدمه وبناته بقيام الليل، ويقول: صلوا ولو ركعتين في جوف الليل؛ فإن الصَّلاة في جوف الليل تَحُتُّ الأوزار، وهي أشرف أعمال الصَّالحين (٢). فالصالحون، كما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، ورواه عنه ابن أبي الدنيا في "التهجد": [من الوافر] إِذَا مَا اللَّيْلُ أَظْلَمَ كَابَدُوْهُ ... فَيُسْفِرُ عَنْهُمُ وَهُمُ رُكُوْعُ أَطَارَ الْخَوْفُ نَوْمَهُمُ فَقَامُوا ... وَأَهْلُ الأَمْنِ فِيْ الدُّنْيَا هُجُوْعُ (٣)

стр. 776

وروى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن أحمد بن أبي الحواري، عن مروان بن محمَّد، عن الأوزاعي قال: من أطال قيام الليل، هوَّن عليه موقفَه يوم القيامة (١). قال أحمد: قال لي مروان: ما أحسب الأوزاعي أخذه إلا من هذه الآية: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ (٢٦)﴾ [الإنسان: ٢٦]، إلى قوله: ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾ [الإنسان: ٢٧ (٢). وأما السجود - والمراد به: الصَّلاة - فهو من أخص أعمال الصالحين، وأصول أعمالهم، كيف! وقد قال النَّبي ﷺ : "وَقُرَّةُ عَيْنِيَ فِيْ الصَّلاةِ" (٣). وذلك لأنها محل القربة والرفعة والفائدة، وبصلاحها تصلح الأعمال وتقبل. قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ [العلق: ١٩]. وروى مسلم، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَقْرَبُ ما يَكُوْنُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجِدٌ. فَأَكْثِرُوْا الدُّعاءَ" (٤).

стр. 777

وروى مسلم، والترمذي، وغيرهما: أن رسول الله ﷺ قال لثوبان ﵁: "عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السّجُوْدِ لِلَّهِ؛ فَإِنَّكَ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللهُ بِها دَرَجَةً، وَحَطَّ بِها عَنْكَ خَطِيْئَةً" (١). وروى الطبراني في "الأوسط"، والضياء في "المختارة" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ ما يُحاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيامَةِ الصَّلاةُ؛ فَإنْ صَلَحَتْ صَلَحَ لَهُ سائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سائِرُ عَمَلِهِ" (٢). وروى الدارمي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِفْتاحُ الْجَنَّةِ الصَّلاةُ" (٣).

стр. 778

ولا شك أنَّ الجنة دار المتقين، والصالحين التي أعد الله لهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والصلاة هي الحالة الجامعة بين المصلي وبين الصَّالحين، ولذلك يسلم عليهم فيها جامعاً بين نفسه وبينهم؛ حيث يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وفي محالِّها، وهي المساجد. كما روى عبد الرزاق، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا (٦١)﴾ [النور: ٦١]؛ قال: هو المسجد، إذا دخلت فقل: السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين (١). وروى ابن أبي شيبة، والبخاري في "الأدب المفرد" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إذا دخل البيت الغير المسكون، أو المسجد فليقل: السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين (٢). وروى البيهقيُّ عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥]؛ قال: أرض الجنة يرثها الذين يصلون الصَّلوات الخمس في الجماعة.

стр. 779

﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾ [الأنبياء: ١٠٦]؛ قال: الذين يصلون الصلوات الخمس في الجماعات (١). * تَنْبِيْهٌ: روى الإمام محمَّد بن نصر المرزوي في كتاب "الصَّلاة" عن أحمد ابن منصور الرمادي، عن يزيد بن أبي حكيم العدني قال: سألت سفيان الثوري رحمه الله تعالى عن هذه الآية: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣]، فحدثني عن منصور قال: بلغني أنهم كانوا يُصَلُّوْن بين المغرب والعشاء (٢). فقد تبين بذلك أنَّ الصَّلاة بين العشاءين مما يهتم به الصالحون بعد تأدية الفرائض؛ لأن الصالحين - خاصة عباد الله - من أوصافهم أنهم يصلحون حين يفسد الناس، كما تقدم، وهذه الساعة يكون أكثر الناس فيها في غفلة واشتغال عن الله تعالى بعَشائهم ومبيتهم، ومن ثَمَّ سميت الصلاة حينئذٍ صلاة الغفلة. كما روى عبد الرزاق، والطبراني عن الأسود بن يزيد رحمه الله تعالى قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: نعمت السَّاعة ساعة الغفلة؛ يعني: الصلاة فيما بين المغرب والعشاء (٣).

стр. 780

وروى محمَّد بن نصر بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن الأسود رحمه الله تعالى قال: ما بين المغرب والعشاء صلاة (١). وتسمى - أيضًا - صلاة الأوابين. والأوابون هم الصالحون لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ [الإسراء: ٢٥]. وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزُّهد" عن محمَّد بن المنكدر رحمه الله تعالى مرسلاً، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَنْ صَلَّىْ ما بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشاءِ فَإِنَّها مِنْ صلاةِ الأَوَّابِيْنَ" (٢). وعن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: صلاة الأوابين الخلوة التي بين المغرب والعشاء حتى يثوب الناس (٣). ومن صلاة الأوابين أيضًا - وهم الصالحون كما علمت - صلاة الضحى؛ لقوله ﷺ : "صَلاةُ الأَوَّابِيْنَ حِيْن تَرْمَضُ الْفِصالُ". رواه الإمام أحمد، ومسلم عن زيد بن أرقم منه، وعبد بن حميد عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه (٤).

стр. 781

ورمض الفصال - جمع فصيل: وهو صغير الإبل -: حين يشتد حر الرمضاء، وذلك عند ارتفاع النهار (١). وروى الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُحافِظُ عَلَى صَلاةِ الضُّحَىْ إِلاَّ أَوَّابٌ" (٢). وروى البزار، والبيهقي في "الشعب" عن أنس ﵁ قال: أوصاني النبي ﷺ بخمس خصال، قال: "أَسْبغِ الْوُضُوْءَ يَزِدْ فِيْ عُمُرِكَ، وَسَلِّمْ عَلَىْ مَنْ لَقِيْتَ مِنْ أُمَّتِيْ تَكْثُرْ حَسَناتُكَ، وَإِذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلّمْ عَلَىْ أَهْلِ بَيْتِكَ يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِكَ، وَصَلِّ صَلاةَ الضُّحَىْ فَإِنَّها صَلاةُ الأَوَّابِيْنَ قَبْلَكَ، يا أَنسُ! ارْحَمِ الصَّغِيْرَ، وَوَقِّرِ الْكَبِيْرَ، تَكُنْ مِنْ رُفَقائِيَ يَوْمَ الْقِيامَةِ" (٣). ولا تعارض بين ذلك وبين حديث ابن المُنكدر المتقدم فيما بين المغرب والعشاء؛ أي: لا بُعْدَ أن يكون للأوابين صلاتان وأكثر. على أن صلاة الضحى وصلاة ما بين المغرب والعشاء متقابلتان في الوقت؛ لأن إحداهما في أول طرفي النهار، والآخر في أول طرفي الليل، فصلاة الضُّحى صلاة الأوابين نهارًا، وصلاة ما بين العشاءين صلاتهم ليلاً.

стр. 782

ولهم صلوات أخرى: فروى البيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُحافِظُ عَلَىْ رَكْعَتِيِ الفجر (١) إِلاَّ أَوَّابٌ" (٢). وعن عبد الله بن بُريدة قال: كان يقال: صلاة الأوابين، وصلاة المنيبين، وصلاة التوابين؛ فصلاة الأوابين ركعتان قبل الصبح، وصلاة المنيبين ركعتا الضحى، وصلاة التوابين ركعتان قبل صلاة المغرب عند النداء. وروى عبد الرزاق عن عروة بن رويم رحمه الله تعالى قال: من صلى ركعتي الفجر، وصلى الصبح في جماعة، كتبت صلاته يومئذ في صلاة الأوابين، وكتب يومئذ في وفد المتقين (٣). وروى ابن المبارك عن عثمان بن أبي سودة مرسلاً: أن رسول الله ﷺ قال: "صَلاةُ الأَوَّابِيْنَ - وقال: صَلاةُ الأَبْرارِ - رَكْعَتانِ إِذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ، وَرَكْعَتانِ إِذا خَرَجْتَ" (٤). وروى أبو نعيم: ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا أبو بكر بن أبي داود [-بإسناده- عن عثمان بن أبي سودة] (٥) قال: يقال: صلاة الأوابين

стр. 783

ركعتان حين تخرج من بيتك، وركعتان حين تدخل (١). وروى عبد الرزاق عن أبي سفيان مرسلاً، وأبو نعيم عن ابن أبي أوفى ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا فاءَتِ الأَفْياءُ، وَهَبَّتِ الأَرْواحُ، فَاذْكُرُوْا حَوائِجَكُمْ؛ فَإِنَّها ساعَةُ الأَوَّابِيْنَ" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه رحمهما الله تعالى قال: صلاة الأوابين بعد زوال الشمس (٣). وروى الخطيب في "التلخيص" عن جعفر بن محمَّد قال: عليكم بالورع، والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الصُّحبة لمن صحبكم؛ فإن ذلك من سنن الأوابين. وروى أبو نعيم عن عمرو بن دينار رحمه الله تعالى قال: الأواب الحفيظ الذي لا يقوم من مجلسه إلا استغفر الله؛ يقول: اللهم اغفر لنا ما أصبنا في مجلسنا سبحان الله وبحمده (٤). وروى ابن أبي شيبة عن عمرو بن دينار، عن عُبيد بن عُمير قال: كنا نعد الأواب الحفيظ الذي إذا قام من مجلسه قال: اللهم

стр. 784

اغفر لي ما أصبت في مجلسي (١). وروي عن عبيد بن عمير - أيضًا - في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ [الإسراء: ٢٥]، وفي قوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢)﴾ [ق: ٣٢]؛ قال: الأواب الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها (٢). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "التوبة" عن مجاهد قال: الأواب الحفيظ الذي يذنب سراً، ثم يتوب [منه] (٣) سرًا (٤). ورواه عنه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ [الإسراء: ٢٥]، (٥). وروي في الأَوْبِ أقوال أخرى مذكورة في مَحَالِّها (٦).

стр. 785

وقوله تعالى في الآية السابقة في ذكر أوصاف الصالحين: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٤]، هذا أصل أحوال الصَّالحين. ولو جاء العبد بكل عمل صالح - وهو لا يؤمن بالله، أو يكذب باليوم الآخر - لا يقبل منه شيء. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾ [محمد: ١]. وقوله تعالى في الآية: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٤]، لا شك أن من شأن التاجر المصلح النصيحة لإخوانه المؤمنين، ولا يخفى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص النصائح، بل هو من كمال الإيمان المؤسَّس عليه قواعد الصلاح. قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَأَىْ مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيَّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمانِ". رواه مسلم، وغيره عن [أبي سعيد] الخدري رضي الله تعالى عنه (١).

стр. 786

قال ابن الحاج في "المدخل": ورد أن موسى ﵇ مر على قرية وقد أهلكها الله تعالى فقال: يا رب! كيف أهلكتهم وكنت أعرف منهم رجلاً صالحاً؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى! إنه لم يغيرْ لي منكرًا (١)؛ أي: فلم يكمل صلاحه (٢). وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: يذهب الصالحون، ويبقى أهل الرِّيَب، قالوا: يا أبا عبد الرَّحمن! ومن أهل الرِّيَب؟ قال: قوم لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر (٣). وقوله تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٤]؛ اعلم أن من تمام صلاحية التاجر بماله أن يبادر إلى اقتناص الأرباح، والفوائد مهما سمع بها، وإلا فإن التهاون ربما فوَّت عليه أرباحاً كثيرة، على أن التأني مطلوب إلا في أعمال الآخرة؛ قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨]. وقال تعالى بعد أن ذكر طائفة من الأنبياء ﵈: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، والآيات في ذلك معروفة.

стр. 787

وقد قيل: [من السريع] سَابِقْ إِلَىْ الْخَيْرِ وَبَادِرْ بِهِ ... فَإِنَّمَا خَلْفَكَ مَا تَعْلَمُ وَقَدِّمِ الْخَيْرَ فَكُلُّ امْرِئٍ ... عَلَىْ الَّذِيْ قَدَّمَهُ يَقْدُمُ (١) والخيرات شاملة لسائر أعمال البر من صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وجهادٍ، وصدقةٍ، وصلةٍ، وإحسانٍ ... إلى غير ذلك، سواء كان فرضاً أو نفلاً. ومنها التجنب عن سائر الأعمال القبيحات، قولاً وفعلاً ونية. وهذا - أيضًا - مفهوم من الآية؛ لأنه من كمال الإيمان، وهو من أَجَلِّ الخيرات، وقد قال رسول الله ﷺ : "اتَّقِ الْمَحارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ". رواه الإمام أحمد، والترمذي، والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٢). وقد علمت أن التقوى أخص أعمال الصَّالحين، وأي تقوى لمن لا يتقى المحارم، بل الشبهات؛ بدليل قول النبي ﷺ : "لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُوْنَ مِنَ الْمُتَّقِيْنَ حَتَّىْ يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِما بِهِ بَأْسٌ". رواه ابن ماجه، والترمذي، والحاكم وصححاه، من حديث

стр. 788

عطية السعدي رضي الله تعالى عنه (١). وقال أبو العتاهية: [من الطويل] إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَكْفُفْ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ ... فَلَيْسَ لَهُ مَا عاشَ مِنْهُمْ مُصَالِحُ إِذَا كَفَّ عَبْدُ اللهِ عَمَّا يَضُرُّهُ ... وَأَكْثَرَ ذِكْرَ اللهِ فَالْعَبْدُ صَالِحُ إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَمْدَحْهُ حُسْنُ فِعَالِهِ ... فَلَيْسَ لَهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مادحُ وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "العقل" عن الضَّحَّاك بن مزاحم رحمه الله تعالى قال: ما بلغني عن رجل صلاح فاعتددت بصلاحه حتى أسأل عن خِلالٍ ثلاث، فإن تمت تم له صلاحه، [وإن نقصت منه خصلة كانت وصمة عليه في صلاحه] (٢)؛ أسأل عن عقله فإن الأحمق يفعل صلاحاً (٣) عنده ربما هلك وأهلك فِئَاماً من الناس؛ يمر بالمجلس فلا يسلم، فإذا قيل له، قال: من أهل الدنيا، ويترك عيادة

стр. 789

الرجل من جيرانه، فإذا قيل له، قال: من أهل الدنيا، ويدع الجنازة لا يتبعها لمثل ذلك، ويدع طعام أبيه يبرد (١)، فإذا هو قد صار عاقًا. قال: وأسأل عن النعمة العظيمة التي لا نعمة أعظم منها ولا أوضح؛ الإسلام، فإن كان أحسن احتمال النعمة، ولم يدخلها بدعة ولا زيغًا، وإلا لم أعتد به فيما سوى ذلك. قال: وأسأل عن وجه معاشه، فإن لم يكن له معاش، لم آمن عليه أن يأكل بدينه، ولا آمن عليه أن تغلب عليه الشهوات فيأكل الحرام والشبهات؛ فأي خير بعد هذا؟ (٢) وروى الدينوري في "مجالسته"، والبيهقي في "شعبه"، والخطيب في "تاريخه" عن يحيى بن معين رحمه الله تعالى: أنه أنشد لنفسه: [من الكامل] الْمَالُ يَذْهَبُ حِلُّهُ وَحَرَامُه ... يَوْماً وَيَبْقَىْ فِيْ غَدٍ آثامُهُ لَيْسَ التَّقِيُّ بِمُتَّقٍ لإِلَهِهِ ... حَتَّىْ يَطِيْبَ شَرَابُهُ وَطَعَامُهُ وَيَطِيْبَ مَا تَحْوِيْ وَتَكْسِبُ كَفُّهُ ... وَيَكُوْنَ فِيْ حُسْنِ الْحَدِيْثِ كَلامُهُ

стр. 790

نَطَقَ النَّبِيُّ لَنَا بِهِ عَنْ رَبِّهِ ... فَعَلَىْ النَّبِيَّ صَلاتُهُ وَسَلامُهُ (١) ومن أجمع الأحاديث لأعمال الصالحين: ما رواه الإمام الفقيه الزاهد الشيخ نصر المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب "الحجة على تارك المحجة" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يا ابْنَ سلامٍ! عَلَىْ كَمِ افْتَرَقَتْ بَنُوْ إِسْرائِيْلَ؟ " قال: إحدى وسبعين فرقة، واثنتين وسبعين فرقة؛ كلهم يشهد بعضهم على بعض بالضلالة. قالوا: أفلا تخبرنا يا رسول الله لو قد خرجت من الدنيا فتفرقت أمتك، على ما يصير أمرهم؟ فقال نبيُّ الله ﷺ : "إِنَّ بَنِيْ إِسْرائِيْلَ تَفَرَّقُوْا عَلَىْ ما قُلْتَ، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِيْ عَلَىْ ما افْتَرَقَتْ عَلَيْهِ بَنُوْ إِسْرائِيْلَ، وَسَتِزْيُد فِرْقَةٌ واحِدَةٌ لَمْ تَكُنْ فِيْ بَنِيْ إِسْرائِيْلَ". قال ابن سلام: أفلا تدلنا على قوم ترضى لنا نخبرُ أولادنا، وتخبرُ أولادُنا أولادَهم، فنكون فيهم في آخر الزمان؟ قال - رسول الله ﷺ : "انْظُرُوْا إِلَىْ قَوْمٍ يُصَلُّوْنَ الْخَمْسَ فِيْ جَماعَةٍ، وَيصُوْمُوْنَ رَمَضانَ، وَيَأْتُوْنَ الْجُمُعَةَ، وَيَعُوْدُوْنَ الْمَرِيْضَ، وَيُشَيِّعُوْنَ الْجَنائِزَ، جيْرانُهُمْ آمِنُوْنَ مِنْ أَيْدِيْهِمْ وَألسِنَتِهِمْ وَبَوائِقِهِمْ، فَتكُوْنُوْنَ مِنْ أُوْلَئِكَ؛ فَإِنَّهمْ قَوْمٌ صالِحُوْنَ".

стр. 791

قيل: يا رسول الله! ومن هم؟ قال: "الْمُتَّقُوْنَ" (١). وليس المراد أن الصالحين ليس لهم من الأخلاق والأعمال إلا ما ذكر؛ بدليل قوله آخرًا: "هُمُ الْمُتَّقُوْنَ"، وبدليل أنه وصفهم بإقامة الصَّلوات في الجماعة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وفي الحديث إشارة لطيفة، وهي أن هذه الخصال التي اشتمل الحديث عليها لا تجتمع في عبد إلا كان صالحًا موفقا في سائر أعماله، فعلامة صلاح العبد اجتماع هذه الخصال فيه؛ فافهم.

стр. 792

فَصْلٌ هذا الذي أشرنا إليه من أعمال الصَّالحين وأوصافهم، إنما هو أصول أعمالهم، ومجامع أخلاقهم، وقد أحببت أن أشير إلى جملة صالحة من خصالهم، وشمائلهم، ومجامع أخلاقهم على وجه الإيجاز والتفصيل، دون الإخلال والتطويل؛ آخذًا لذلك، أو لمعظمه من كتاب الشيخ الإمام شيخ الإسلام؛ أبي زكريَّا يحيى بن شرف بن مري النواوي - رحمه الله تعالى، ورضي عنه - المسمى بِـ: "رياض الصالحين"؛ فإنه ذكر فيه معظم آدابهم وأخلاقهم، وقال فيه: وأرجو إن تم هذا الكتاب أن يكون - إن شاء الله تعالى - سائقًا للمعتني به إلى الخيرات، حاجزاً له عن أنواع القبائح والمهلكات (١). وقال في خطبته - أيضًا -: ولقد أحسن القائل: [من الرمل] إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا فُطُنًا ... طَلَّقُوا الدُّنْيِاَ وَخَافُوا الْفِتَنا

стр. 793

نَظَرُوْا فِيْها فَلَمَّا عَلِمُوْا ... أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحًىّ وَطَنا جَعَلُوْها لُجَّةً وَاتَّخَذُوْا ... صَالِحَ الأَعْمَالِ فِيْها سُفُنا (١) ولقد روينا هذا الكتاب، وسائر كتب النووي رحمه الله تعالى عن جماعة، أجَلُّهُم شيخ الإسلام الوالد قال: أنا بها شيخ الإسلام البرهان ابن أبي شريف، عن الشيخ العلامة زين الدين القبابي المصري، عن ابن الخباز، عن النووي بكل كتبه، وكلها عمدة في بابها، لا يستغني طالبُ علمٍ وتقيٌّ عن طِلابِها. وقد جمعتها في قصيدة لا بأس بإثباتها في هذا المقام، وكان نظمي لها قبل تمام الألف بأكثر من عام، فقلت: [من الوافر] سَقَىْ قَبْرًا بِهِ سَكَنَ النَّوَاوِيْ ... حَيَا مُزْنٍ عَنِ الْغُفْرَانِ رَاوِيْ فَقَدْ نَشَرَ الْعُلُوْمَ لِطالِبِيْها ... وَأَصْبَحَ وَهْوَ لِلأَفْضالِ طَاوِيْ

стр. 794

وَكَمْ أَبْدَىْ لَهُمْ تَصْنِيْفَ عِلْمٍ ... بِهِ قَدْ شادَ رَبْعاً غَيْرَ خَاوِيْ فَـ (ـروْضَتُهُ) الَّتِيْ زَهُرَتْ بِزَهْرٍ ... يَفُوْقُ الزَّهْرَ لا لاوٍ وَذَاوِيْ وَفِيْ (الْمِنْهَاجِ) كَمْ أَبْدَىْ عُلُوْماً ... وَلِمْ لا وَهْوَ لِلتَّحْقِيْقِ حَاوِيْ (دَقَائِقُهُ) زَهَتْ وَلَهَا نَظِيْرٌ ... لِرَوْضَتِهِ رَوَاها كُلُّ رَاوِيْ وَفِيْ (شَرْحِ الصَّحِيْحِ لِمُسْلِمٍ) كَمْ ... لِدَاءِ الْجَهْلِ بَيَّنَ مَا يُدَاوِيْ (كِتَابُ الْمُبْهَمَاتِ) وَ (أَرْبَعُوْهُ) الَّـ ... ـتِيْ يَأْوِيْ إِلَيْهَا كُلُّ آوِيْ وَفِي (الأَذْكَارِ) كَمْ مِنْ مُنْجِيَاتٍ ... لِمُتَّبعِ السَّبِيْلِ مِنَ الْمَهَاوِيْ وَ (آدَابُ الْفَتَىْ) الْمُفْتِيْ (رِياضٌ) ... إِلَيْهَا الصَّالِحُوْنَ الْغُرُّ تَاوِيْ وَفِيْ (الإِرْشادِ) كَمْ أَبْدَىْ رَشَاداً ... لِمَنْ لِصِنَاعَةِ التَّحْدِيْثِ هَاوِيْ

стр. 795

وَفِيْ (تَقْرِيْبِهِ) كَمْ دَانَ بُعْدٌ ... وَفِيْ (تَيْسِيْره) لِلْيُسْرِ زَاوِيْ وَفِيْ (الطَّبَقَاتِ) لِلْفُقَهَاءِ وَافِيْ ... بِـ (ـتَهْذِيْبٍ) سَمِيْنٍ غَيْرِ ضَاوِيْ وَ (تَرْجَمَةُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ) الَّـ ... ـتِيْ فَاقَتْ سُلافتهَا الْقَهَاوِيْ وَ (تِبْيَانٌ) لِقَارِئِ ذِكْرِ رَبِّي ... نَفِيْسٌ جَامعٌ ثُمَّ (الْفَتَاوِيْ) (مَنَاسِكُ) سِتَّةٌ تَهْدِيْ الْبَرَايَا ... كَنَجْمِ فَيْ الدَّيَاجِيْ غَيْرِ هَاوِيْ وَفِيْ (تَحْرِيْرهِ) كَمْ مُشْكِلاتٍ ... عَلَىْ التَّنْبِيْهِ تُكْشَفُ لِلْمُهَاوِيْ (ضَوَابِطُ) ثُمَّ (إِمْلاءٌ) و (جُزْءٌ) ... لِمَنْ هُوَ لاغْتِرَافِ الْمَاءِ نَاوِيْ وَذَا مَا قَدْ تَكَمَّلَ وَانْتهَىْ مِنْ ... تَآلِيْفٍ كَرِيْمَاتِ الْمَثَاوِيْ وَفِيْ (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) حُسْنُ ضَبْطٍ ... بِهِ عَرَفَ الْوَرَىْ قَدْرَ النَّوَاوِيْ

стр. 796

وَ (مُخْتَصَرٌ) نَفِيْسٌ مِنْهُ أَيْضًا ... (كِتَابَ خُلاصَةِ الأَحْكامِ) حَاوِيْ وَألَّفَ بَعْضَ (شَرْح لِلْبُخَارِيْ) ... وَ (لِلتَّنْبِيْهِ شَرْحاً) غَيْرَ نَاوِيْ وَبِـ (الْبُسْتَانِ) خَتْمُ السِّرِّ يَحْلُوْ ... فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاطَّرِحِ الدَّعَاوِيْ وَإنَّ لَهُ سِوَىْ مَا قَدْ ذَكَرْنَا ... كَمَا قَدْ قَالَهُ الشَّمْسُ السَّخَاوِيْ إِلَىْ الْخَمْسِيْنَ قَدْ وَصَلَتْ وَإِنَّا ... لَنُلفِيْهَاَ كَثِيْرَاتِ الْجَدَاوِيْ وَنَجْمُ الدّيْنِ نَاظِمُهَا عُقُوْدًا ... يَفُوْقُ ضِيَاؤُهَا النَّجْمَ السَّمَاوِيْ وَبَدْرُ الدّيْنِ وَالِدُهُ وَعَنْه ... رَوَاها وَهْوَ لَيْسَ لَهُ مُسَاوِيْ عَنِ الْبُرْهَانِ وُهْوَ عَنِ الْقِبَابِيْ ... تَلَقَّاهَا بِثَبْتٍ وَهْوَ رَاوِيْ عَنِ الشَّيْخِ ابْنِ خَبَّازِ الْمُزَكَّىْ ... لَدَىْ الْعُلَمَاءِ عَنْ وَصْمِ الْمَسَاوِيْ

стр. 797

عَنِ الْحَبْرِ الإِمَامِ هُوَ النَّوَاوِيْ ... جَزَاهُ اللهُ جَناتِ الْمَآوِيْ وفي تسمية النووي رحمه الله تعالى كتابه المشار إليه "رياض الصَّالحين" إشارة إلى أن الصالحين ترتاح قلوبهم، وتنشرح صدورهم للأعمال الصالحة المذكورة في هذا الكتاب، كما ترتاح القلوب وتنشرح الصدور في الرياض التي هي جمع روض، أو روضة، وهما البستان، وهذا كما شبه النبي ﷺ حِلَقَ الذكْرِ بالرياض في قوله ﷺ : "إِذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوْا"، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: "حِلَقُ الذِّكْرِ". رواه الإمام أحمد، والترمذي، والبيهقي في "الشعب" من حديث أنس ﵁ (١). وينبغي أن نسرح في هذه الرياض، وننتهل من أعذب الحِياض، ونذكر من شمائل الصَّالحين ما تنقاد له النفوس وترتاض، وتحيى به القلوب من الأمراض. وقبل ذلك نذكر مقدمة لطيفة، وهي: إن التشبه بالصالحين في هذه الأزمنة يشق على النفوس كثيرًا، فلا ينبغي للعبد أن يدع نفسه انتظاراً لفيئتها إلى الخيرة فمن النفوس الآن لا تكاد تنقاد إلى خير إلا بأعظم أنواع الزجر والتخويف، وأشد ألوان التوبيخ والتعنيف.

стр. 798

ومنذ زمان قديم قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: إن الصَّالحين فيما مضى كانت نفوسهم تواتيهم على الخير عفواً، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كرهٍ، فينبغي لنا أن نُكْرِهَهَا. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "محاسبة النفس" (١). وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] على القول (٢) بأن المراد في الآية مجاهدة النفس؛ لأنه أفضل الجهاد؛ أي: والذين جاهدوا أنفسهم في مرضاتنا لنهدينهم سبلنا التي تُوصِل عبادنا الصالحين إلينا؛ فعليك بحمل النفس على أخلاق الصَّالحين وأعمالهم (٣). وقد روى الأستاذ أبو القاسم القيشري ﵀ في "رسالته" عن إبراهيم بن أدهم - رحمه الله تعالى، ورضي عنه - قال: لن ينال

стр. 799

الرجل درجة الصَّالحين حتى يجوز ست عقبات: أوله: يغلق باب النعمة، ويفتح باب الشِّدة. والثاني: يغلق باب العز، ويفتح باب الذُّل. والثالث: يغلق باب الراحة، ويفتح باب الجهد. والرابع: يغلق باب النوم، ويفتح باب السهر. والخامس: يغلق باب الغنى، ويفتح باب الفقر. والسادس: يغلق باب الأمل، ويفتح باب استعداد الموت (١). انتهى. ومع هذا لا بد من طلب التوفيق والمعونة من الله تعالى على سلوك طريق الصَّالحين؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]؛ أي: وما توفيقي في صلاح نفسي المفهوم من قوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، وإلى إصلاح مَنْ سِوَايَ إلا بالله. وقوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ [هود: ٨٨]؛ أي: لنفسي ولكم، لكن لا يتم لي ذلك إلا بالتوفيق من الله تعالى.

стр. 800

وقد روى أبو نعيم في "الحلية" بإسناد ضعيف، عن علي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أوصني، فقال: "قُلْ: رَبِّيَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ "، قلت: ربي الله، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب، قال: "لِيَهْنِكَ [العلم] يا أَبا الْحَسَنِ، لَقَدْ شَرِبْتَ الْعِلْمَ شُرْبا، وَنهلْتَهُ نَهْلًا" (١). وقال أبو إسحاق الفَزَاري: ما أردت أمراً قط فتلوت عنده هذه الآية إلا عزم علي الرشد؛ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]. رواه أبو الشيخ (٢). ومن هنا نحسن المقال في تفصيل ما للصَّالحين من الخلال: ١ - فمنها: الإخلاص ، وإحضار النية في جميع الأعمال، والأقوال، والأفعال. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة: ٥]. وروى الشيخان، وغيرهما عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّما الأَعْمالُ بِالنّيَّاتِ، وإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَىْ" (٣). وروى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن سلمان الفارسي رضي الله

стр. 801

تعالى عنه قال: "لكل امرئ جَوَّانِيّ وبَرَّانِىٌّ؛ فمن يصلح جَوَّانِيَّهِ يصلح الله بَرَّانِيَّهِ، ومن يفسد جَوَّانِيَّه يفسد الله بَرَّانِيَّه" (١). وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: لا يزال العبد بخير ما دام إذا قال قال لله (٢). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن مُطَرِّف رحمه الله تعالى قال: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته، قال الله : هذا عبدي حقًا (٣). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "الإخلاص والنية" عن محمَّد بن الوليد قال: من عمر بن عبد العزيز برجل في يده حصى يقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقام عليه عمر فقال: بئس المخاطب أنت، ألا ألقيت الحصا، وأخلصت إلى الله تعالى الدُّعاء (٤). وعن الحسن رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ [العنكبوت: ٢٧]؛ قال: بنيته الصادقة؛ كتب بها الأجر في الآخرة (٥).

стр. 802

وعن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: من هم بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة أو غزو، فحِيْل بينه وبين ذلك، بلَّغه الله ما نوى (١). واعلم أنَّ الصَّالحين لا يتحركون بحركة إلا بنية حسنة، ولا يتم التشبه بهم إلا بحسن النية والإخلاص، وإصلاح القلب. وقد قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لا يشبه الزي الزي حتى تشبه القلوب القلوب. رواه ابن أبي شيبة، وغيره (٢). وروى ابن أبي الدُّنيا عن أبي يزيد المديني قال: كان من دعاء أبي بكر الصِّديق رضي الله تعالى عنه: اللَّهُمَّ هب لي إيماناً ويقيناً ومعافاة ونية (٣). وعن أبي عمران الجَوني موقوفاً عليه، ومتصلاً، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: تصعد الملائكة بالأعمال فتصف في سماء الدُّنيا، فينادي الملك: ألق تلك الصحيفة، ألق تلك الصحيفة، وينادي الملك: ألق تلك الصحيفة، ألق تلك الصحيفة، فتقول الملائكة ﵈: ربنا! قالوا خيراً، وحفظناه عليهم، قال: فيقول الله تعالى: لم يرد به وجهي، وينادي الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب!

стр. 803

إنه لم يعمله، فيقول: إنه نواه، إنه نواه (١). وروى ابن السمعاني في "أماليه" لبعضهم: [من مجزوء الكامل] أَيُّهَا الْقَارِعُ بِالإِخـ ... ـلاصِ أَبْوَابَ الْخَلاصِ شَجَرُ الإِخْلاصِ مَحْمُوْ ... دُ الْجَنَىْ يَوْمَ الْقِصَاصِ ٢ - ومنها: التوبة: قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]. وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤]. فالتوبة أول مقامات الصَّالحين، ثم هم عليها دائمون حتَّى يلاقوا الله تعالى صالحين بها للقائه؛ لما في الحديث: "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ " (٢).

стр. 804

وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وَاللهِ إِنِّيْ لأَسْتَغْفِرُ اللهَ، وَأتوْبُ إِلَيْهِ فِيْ الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِيْنَ مَرَةً" (١). وسنذكر خاتمة في آخر الكتاب في التوبة. ٣ - ومنها: الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى قضائه: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠] وروى الشيخان عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّه اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبّرْهُ اللهُ، وَما أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطاءً خَيْراً وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ" (٢). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبي الدَّرداء ﵁: أنه كان يقول: إن الدّنيا خوَّانة لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجعتها، ومن يعش يبتلى، ومن يَتَفَقَّد يَفْقِد، ومن لا يُعِدَّ لفجائع الأمور صبراً يعجز. وروى أبو القاسم الأصبهاني في "ترغيبه" عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يُؤْتَىْ الرَّجُلُ فِيْ قَبْرِه؛ فَإِذا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ دَفَعَهُ تِلاوَةُ الْقُرْاَنِ، وإذا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ يَدَيْهِ دَفَعَهُ الصَّدَقَةُ، وَإِذا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ دَفَعَهُ مَشْيُهُ إِلَىْ الْمَساجِدِ، وَالصَّبْرُ حَجْزَةٌ"، وقال: "أَما لَوْ رَأَيْتُ خَلَلاً لَكُنْتُ صاحِبَهُ" (٣).

стр. 805

وقوله: "حَجْزَةٌ" - بفتح الحاء المهملة، وإسكان الجيم -؛ أي: ناحية تنتظر إن لم يجد من الأعمال ما يدفع ما يأتيه من المكروه كان كافيًا له في ذلك، سادًا لخلله. وما أحسن قولَ الإمام الفقيه رشيد الدين أبي محمد عبد الوهاب بن ظافر الأزدي المعروف بابن رواج، وأنشده في "أربعينه": [من الطويل] إِذَا أُعْطِيَ الإِنْسَانُ صَبْرًا وَعِفَّةً ... وَنَقْدَ أُمُوْرٍ بِالصَّوابِ وَجَادَا فَذَاكَ الَّذِيْ حازَ الْمَكَارِمَ كُلَّهَا ... وَحَازَ مَقَامَ الصَّالِحِيْنَ وَزَادَا ٤ - ومنها: الرضا بقضاء الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]. وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي عن العبَّاس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه: أن النَبيَّ ﷺ قال: "ذاقَ طَعْمَ الإِيْمانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِيْناً، وَبِمُحَمَّدِ رَسُوْلاً" (١). وروى ابن عساكر في "تاريخه"، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ رَضِيَ عَنِ اللهِ ﵁" (٢).

стр. 806

قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: الراضي لا يتمنى فوق منزلته (١). وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: الراضي لا يتمنى خلاف حاله (٢). رواهما ابن أبي الدُّنيا في كتاب "الرضا". ٥ - ومنها: الصدق: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدّنيا، والطَّبرانيّ، والبيهقي، بأسانيد حسنة، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "أَرْبَعٌ إِذا كُنَّ فِيْكَ فَلا عَلَيْكَ ما فاتَكَ مِنَ الدّنْيا؛ حِفْظُ أَمانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيْثٍ، وَحُسْنُ خَلِيْقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِيْ طُعْمَةٍ" (٣). وروى الأصبهاني عن أبي حاتم الرَّازيّ قال: قلت لأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه: كيف نجوت من سيف الواثق، وعصا المعتصم؟ فقال لي: بالصدق؛ لو وضع الصدق على جرح لبرئ (٤).

стр. 807

وسنشيع الكلام في الصدق في التشبه بالصديقين. ٦ - ومنها: المراقبة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤]. وتقدم قوله ﷺ : "الإِحْسانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَك تَراهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُن تَراهُ فَإِنَّهُ يَراكَ" (١). وهذا معنى المراقبة أن تعلم أن الله يراك، وأنه أقرب إليك من حبل الوريد. وأنشدوا: [من الخفيف] إِنَّ مَنْ يَرْكَبِ الْفَوَاحِشَ سِرًّا ... حِيْنَ يَخْلُوْ بِنَفْسِهِ غَيْرُ خالِيْ كَيْفَ يَخْلُوْ وَعِنْدَهُ كاتِبَاهُ ... شَاهِدَاهُ وَرَبهُ ذُوْ الْجَلالِ (٢) ٧ - ومنها: الشكر: قال الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وروى مسلم عن صهيب رضي الله تعالى عنه قال: قال

стр. 808

رسول الله ﷺ : "عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كانَ خَيْراً، وَإِنْ أَصابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كانَ خَيْراً" (١). وروى البيهقي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: أنه قال: عليكم بالشكر؛ فإنه قل قوم كانت عليهم من الله نعمة فزالت عنهم، ثم عادت إليهم (٢). وروى الأصبهاني في "الترغيب" عنه قال: بلغني أن النبي ﷺ أوصى رجلاً فقال: "أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ يَشْغَلْكَ عَمَّا سِواهُ، وَأَكْثِرِ الدُّعاءَ؛ فَإِنَّكَ لا تَدْرِيْ مَتَىْ يُسْتَجابُ لَكَ، وَأَكْثِرِ الشُّكْرَ؛ فَإِنَّهُ زِيادَةٌ" (٣). وحقيقة الشكر الطاعة، واجتناب المعصية. ٨ - ومنها: السجود شكراً عند هجوم نعمة، واندفاع نقمة، ورؤية مبتلى: وروى الدينوري عن المدايني قال: تكلم رجل عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأكثر السقط في كلامه، فالتفت ابن عباس إلى عبد له فأعتقه، فقيل له: لِمَ أعتقت عبدك؟ قال: شكراً لله تعالى إذ لم يجعلني مثل هذا (٤).

стр. 809

قال: ثم أنشد المدايني: [من الكامل] عَيُّ الشَّرِيْفِ يَشِيْنُ مَنْصِبَهُ ... وَتَرَىْ الْوَضِيع يَزِيْنُهُ أَدَبُهْ (١) ٩ - ومنها: التقوى: وقد أشبعنا الكلام في ذلك فيما سبق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وروى أبو نعيم عن على رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اتَّقَىْ اللهَ عاشَ قَوِيًّا، وَسارَ فِيْ بِلادِهِ آمِناً" (٢). وروى ابن أبي الدُّنيا عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: من اتقى الله وقاه (٣). وأخرجه ابن النجار من حديث ابن عباس مرفوعًا، وقال: "وَقاهُ كُلَّ شَيءٍ". وأنشدوا: [من السريع] مَا يَصْنعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَىْ ... وَالْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِيْ مَنْ عَرَفَ اللهَ فَلَمْ تُغْنِهِ ... مَعْرِفَةُ اللهِ فَذَاكَ الشَّقِيْ

стр. 810

* تنبِيْهٌ: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. قال النووي: هذه الآية مبينة للمراد من الأولى (١). ١٠ - ومنها: الإحسان: وهو كما في حديث "الصحيحين": "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَراهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ يَراكَ " (٢). ويدخل فيه الإحسان إلى الأهل، والولد، والخادم، والقريب، والجار، وسائر الخلق إذا راقبت في ذلك وجه الله؛ لأن ذلك كله عبادة. وثمرة الإحسان راجعة إلى المحسن؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]؛ فوصفهم بإقامة الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، والصَّدقات، والاستغفار بالأسحار، وقيام الليل، وذلك بعض صفات المحسنين.
следующие страницы →