← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: الراضي لا يتمنى فوق منزلته (١). وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: الراضي لا يتمنى خلاف حاله (٢). رواهما ابن أبي الدُّنيا في كتاب "الرضا". ٥ - ومنها: الصدق: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدّنيا، والطَّبرانيّ، والبيهقي، بأسانيد حسنة، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "أَرْبَعٌ إِذا كُنَّ فِيْكَ فَلا عَلَيْكَ ما فاتَكَ مِنَ الدّنْيا؛ حِفْظُ أَمانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيْثٍ، وَحُسْنُ خَلِيْقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِيْ طُعْمَةٍ" (٣). وروى الأصبهاني عن أبي حاتم الرَّازيّ قال: قلت لأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه: كيف نجوت من سيف الواثق، وعصا المعتصم؟ فقال لي: بالصدق؛ لو وضع الصدق على جرح لبرئ (٤).

стр. 807

وسنشيع الكلام في الصدق في التشبه بالصديقين. ٦ - ومنها: المراقبة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤]. وتقدم قوله ﷺ : "الإِحْسانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَك تَراهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُن تَراهُ فَإِنَّهُ يَراكَ" (١). وهذا معنى المراقبة أن تعلم أن الله يراك، وأنه أقرب إليك من حبل الوريد. وأنشدوا: [من الخفيف] إِنَّ مَنْ يَرْكَبِ الْفَوَاحِشَ سِرًّا ... حِيْنَ يَخْلُوْ بِنَفْسِهِ غَيْرُ خالِيْ كَيْفَ يَخْلُوْ وَعِنْدَهُ كاتِبَاهُ ... شَاهِدَاهُ وَرَبهُ ذُوْ الْجَلالِ (٢) ٧ - ومنها: الشكر: قال الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وروى مسلم عن صهيب رضي الله تعالى عنه قال: قال

стр. 808

رسول الله ﷺ : "عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كانَ خَيْراً، وَإِنْ أَصابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كانَ خَيْراً" (١). وروى البيهقي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: أنه قال: عليكم بالشكر؛ فإنه قل قوم كانت عليهم من الله نعمة فزالت عنهم، ثم عادت إليهم (٢). وروى الأصبهاني في "الترغيب" عنه قال: بلغني أن النبي ﷺ أوصى رجلاً فقال: "أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ يَشْغَلْكَ عَمَّا سِواهُ، وَأَكْثِرِ الدُّعاءَ؛ فَإِنَّكَ لا تَدْرِيْ مَتَىْ يُسْتَجابُ لَكَ، وَأَكْثِرِ الشُّكْرَ؛ فَإِنَّهُ زِيادَةٌ" (٣). وحقيقة الشكر الطاعة، واجتناب المعصية. ٨ - ومنها: السجود شكراً عند هجوم نعمة، واندفاع نقمة، ورؤية مبتلى: وروى الدينوري عن المدايني قال: تكلم رجل عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأكثر السقط في كلامه، فالتفت ابن عباس إلى عبد له فأعتقه، فقيل له: لِمَ أعتقت عبدك؟ قال: شكراً لله تعالى إذ لم يجعلني مثل هذا (٤).

стр. 809

قال: ثم أنشد المدايني: [من الكامل] عَيُّ الشَّرِيْفِ يَشِيْنُ مَنْصِبَهُ ... وَتَرَىْ الْوَضِيع يَزِيْنُهُ أَدَبُهْ (١) ٩ - ومنها: التقوى: وقد أشبعنا الكلام في ذلك فيما سبق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وروى أبو نعيم عن على رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اتَّقَىْ اللهَ عاشَ قَوِيًّا، وَسارَ فِيْ بِلادِهِ آمِناً" (٢). وروى ابن أبي الدُّنيا عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: من اتقى الله وقاه (٣). وأخرجه ابن النجار من حديث ابن عباس مرفوعًا، وقال: "وَقاهُ كُلَّ شَيءٍ". وأنشدوا: [من السريع] مَا يَصْنعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَىْ ... وَالْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِيْ مَنْ عَرَفَ اللهَ فَلَمْ تُغْنِهِ ... مَعْرِفَةُ اللهِ فَذَاكَ الشَّقِيْ

стр. 810

* تنبِيْهٌ: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. قال النووي: هذه الآية مبينة للمراد من الأولى (١). ١٠ - ومنها: الإحسان: وهو كما في حديث "الصحيحين": "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَراهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ يَراكَ " (٢). ويدخل فيه الإحسان إلى الأهل، والولد، والخادم، والقريب، والجار، وسائر الخلق إذا راقبت في ذلك وجه الله؛ لأن ذلك كله عبادة. وثمرة الإحسان راجعة إلى المحسن؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]؛ فوصفهم بإقامة الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، والصَّدقات، والاستغفار بالأسحار، وقيام الليل، وذلك بعض صفات المحسنين.

стр. 811

وقال ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٩]؛ قال: سوى الزكاة؛ يصل به رحماً، أو يقري به ضيفًا، أو يعين به محرومًا. رواه ابن أبي حاتم (١). * تَنْبِيْهٌ: قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ [الذاريات: ١٧] روى ابن أبي شيبة، وابن جرير، وغيرهما عن الضَّحَّاك رحمه الله تعالى: أنه كان يقف على قوله: ﴿قَلِيلاً﴾؛ يعني: إن المتقين المحسنين هم القليل من الناس، ثم استأنف: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ [الذاريات: ١٧] (٢)؛ والهجوع النوم؛ أي: ما ينامون من الليل؛ أي: يحيون الليل بالصَّلاة والعبادة. ولا شك في قلة المحسنين، والصالحين، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]. ١١ - ومنها: اليقين: قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]؛ يجوز أن يكون معناه: اجتهد في العبادة حتى تؤدي بك العبادة إلى اليقين. وقال تعالى ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٤، ٥].

стр. 812

وروى ابن أبي الدُّنيا عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وابن لال في "مكارم الأخلاق" عن معاوية بن حَيْدَة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نَجا أَوَّلُ هَذهِ الأُمَّةِ بِالْيَقِيْنِ وَالزُّهْدِ، وَيَهْلِكُ آخِرُها بِالْبُخْلِ وَالأَمَلِ" (١). وروى ابن المبارك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن الفرج والروح في اليقين والرضا، وإن الهم والحزن في الشك والسخط (٢). ورواه القشيري في "الرسالة" عنه مرفوعاً (٣)، من حديث [ابن مسعود] (٤). ١٢ - ومنها: التوكل: قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]؛ أي: كافيه. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ

стр. 813

قال: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوام أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَه الطَّيْرِ" (١)، قيل: معناه أنهم متوكلون، وقيل؛ قلوبهم رقيقة (٢). وروى الإمام أحمد، والترمذي وصححه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في "صحيحهم" عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: "لَوْ أَنَّكمْ تتَوَكَلُوْنَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُوْ خِماصًا، وَتَرُوْحُ بِطانًا" (٣). قيل: إن الطير تغدو ولا تعتمد على شيء معلوم، بل تقصد ما يرزقها الله تعالى، وهو معنى الحديث السابق: "أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ". وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى: أن الأشعريين: أبا موسى، وأبا مالك، وأبا عامر في نفر لما هاجروا قدموا على رسول الله ﷺ قد أرملوا من الزاد، فأرسلوا رجلاً منهم إلى رسول الله ﷺ يسأله، فلما انتهى إلى باب رسول الله ﷺ سمعه يقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]، فقال

стр. 814

الرجل: ما الأشعريون بأهون الدواب على الله، فرجع ولم يدخل على رسول الله ﷺ ، فقال لأصحابه: "أبشروا؛ أتاكم الغوث"، ولا يظنون إلا أنه أتى رسول الله ﷺ فوعده، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءة خبزًا ولحمًا، فأكلوا منها ما شاؤوا، ثم قال بعضهم لبعض: لو أنَّا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله ﷺ يقضي به حاجة، فقالوا للرجلين: اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله ﷺ ؛ فإنا قد قضينا منه حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ما رأينا طعامًا أكثر، ولا أطيب من طعام أرسلت به، قال: "ما أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ طَعاماً"، فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم فسأل رسول الله ﷺ ، فأخبره ما صنع، وما قال لهم، فقال رسول الله ﷺ . "ذاكَ شَيْء رَزَقَكُمُوْهُ اللهُ تَعالَىْ" (١). ١٣ - ومنها: التفكر في مصنوعات الله تعالى، وفي نعمه، دون التفكر في ذاته: قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: ٤٦]. وقال تعالى في وصف أولي الألباب: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] وروى ابن أبي الدُّنيا، وابن حبان في "صحيحه"، والأصبهاني،

стр. 815

وغيرهم من حديث عائشة ﵂: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "ويلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَمْ يَتَفَكَرْ فِيْها" (١). وقيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن. رواه ابن أبي الدنيا (٢). وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. رواه أبو الشيخ في "العظمة" عنه، وابن سعد في "طبقاته"، وغيره عن أبي الدَّرداء موقوفًا، والديلمي عن أنس مرفوعًا (٣). بل روى أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ سِتِّيْنَ سَنَةٍ" (٤). والمراد بالعبادة التي التفكر خير منها، العبادة الخالية عن التفكر، وإحضار القلب، وإخلاصه.

стр. 816

وكان سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى ينشد: [من المتقارب] إِذَا الْمَرْءُ كَانَتْ لَهُ فِكْرَةٌ ... فَفِيْ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ عِبْرَةْ (١) وقد ذيَّلتُ عليه بقولي: [من المتقارب] فَمَا تُبْصِرُ الْعَيْنُ مِنْ كَائِنٍ ... وَلَوْ كَانَ أَدْوَنَ مِنْ ذَرَّةْ تُلاقِيْهِ إِلاَّ دليْلًا عَلَىْ ... إِلَهٍ عَظِيْم لَهُ قُدْرَةْ ١٤ - ومنها: الاستقامة: وسبق لنا فيها كلام. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [الأحقاف: ١٣، ١٤]. وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وغيرهم عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ " (٢). قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: معنى الاستقامة لزوم

стр. 817

طاعة الله، قالوا: وهي من جوامع الكلم، وهي نظام الأمور (١). ١٥ - ومنها: المبادرة إلى الخيرات: وتقدم لنا كلام في ذلك. وحسن الترمذي حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : "بادِرُوْا بِالأَعْمالِ سَبْعاً؛ هَلْ تَنْظُرُوْنَ إِلاَّ فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ غِنًى مُطْغِياً، أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أَوْ هَرَماً مُفنِّداً، أَوْ مَوْتا مُجْهِزاً، أَوِ الدَّجَّالَ؛ فَشَرُّ غائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ؛ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ" (٢). ١٦ - ومنها: المجاهدة للكفار، وللنفس، والشيطان: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال (٣): قال رسول الله ﷺ : "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكارهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَواتِ" (٤).

стр. 818

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس (١). ١٧ - ومنها: المصابرة في الحرب، وعدم الفرار: وإذا ثبت أو جالد فلا يعجب بِجَلَدِه، ولا يذكر من الشجاعة فوق ما صدر منه، ولا يدَّعي الثبات قبل المباشرة. فقد روى الطبراني في "الكبير"، والحاكم عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ تَعالَىْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَيضْحَكُ إِلَيْهِمْ، وَيسْتَبْشِرُ بِهِمْ؛ الَّذِيْ إِذا انْكَشَفَتْ فِئةٌ قاتَلَ وَراءَها لِلَّهِ بِنَفْسِهِ؛ فَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ وَيَكْفِيْهِ، فَيَقُوْلُ: انْظُرُوْا إِلَىْ عَبْدِيَ هَذا كَيْفَ صَبَرَ لِيْ بِنَفْسِهِ، وَالَّذِيْ لَهُ امْرَأةٌ حَسَنة وَفِراشٌ لَيِّنٌ حَسَنٌ، فَيَقُوْمُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَقُوْلُ: يَذَرُ شَهْوَتَهُ لِيَذْكُرَنيْ، وَلَوْ شاءَ رَقَدَ، وَالَّذِيْ إِذا كانَ فِيْ سَفَرٍ وَكانَ مَعَهُ رَكْبٌ، فَسَهِرُوْا، ثُمَّ هَجَعُوْا، قامَ مِنَ السَّحَرِ فِيْ سَرَّاءَ وَضَرَّاءَ" (٢). وروى أبو بكر بن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يبعث السرية، فإذا رجعوا كانوا يزيدون في الفعل، ويقولون: قاتلنا كذا، وصنعنا كذا، فأنزل الله تعالى: هو ﴿يَا أَيُّهُا

стр. 819

الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢] (١). وروى عبد الرزاق، وغيره عن قتادة في الآية قال: بلغني أنها نزلت في الجهاد؛ كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت، ولم يكن فعل، فوعظهم الله تعالى في ذلك أشد الموعظة (٢). ١٨ - ومنها: الازدياد من الخير - وخصوصًا في آخر العمر - وكل نَفَسٍ من أنفاس العبد يمكن أن يكون آخر عمره: روى مسلم، وابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُبْعَثُ كُل عَبْدٍ عَلَىْ ما ماتَ عَلَيْهِ" (٣). وروى الطَّبراني في "الأوسط"، وابن عدي في "الكامل"، وأبو نعيم في "الحلية" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إِذا أتىْ عَلَيَّ يَوْمٌ لا أَزْدادُ فِيْهِ عِلْما يُقَرِّبُنِيْ إِلَىْ اللهِ تَعالَىْ، فَلا بُوْرِكَ لِيْ فِيْ طُلُوْعِ شَمْسِ ذَلِكَ الْيَوْمِ" (٤).

стр. 820

١٩ - ومنها: الاقتصاد في العبادة: قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "مَهْ؛ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ ما تُطِيْقُوْنَ، فَوَاللهِ لا يَمَلُّ اللهُ حَتَّىْ تَمَلُّوْا" (١). ولفظ الإمام أحمد، وأبي داود، والنسائي: "اكْلَفُوْا مِنَ الْعَمَلِ ما تُطِيْقُوْنَ؛ فَإِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتَّىْ تَمَلُّوْا، وإنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَىْ اللهِ أَدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ" (٢). وروى الدَّارقطني بإسناد ضعيف، عن الزُّبير رضي الله تعالى عنه: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "أَلا إِني بَرِيْءٌ مِنَ التَّكَلُّفِ؛ أَنا وَصالِحُوْ أُمَّتِيْ" (٣). وروى الشيخان، وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "يَسِّرُوْا وَلا تُعَسِّرُوْا، وَبَشِّرُوْا وَلا تُنَفّرُوْا" (٤). ٢٠ - ومنها: المحافظة على الأعمال، والمداومة عليها: لحديث عائشة المذكور سابقًا، وفيه في لفظ الشيخين: "وَكانَ

стр. 821

أَحَبُّ الدِّيْنِ إِلَيْهِ ما داوَمَ صاحِبُهُ عَلَيْهِ وإنْ قَلَّ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى قال: قال سليمان بن داود ﵉: ما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح الخطيئة مع المسكنة، وأقبح من ذلك كله رجل كان عابدًا فترك عبادة ربه (٢). * تنبِيْهٌ: في حديث عائشة المذكور دليل على ذم المَلالة من الخير. وقوله: "فَوَاللهِ لا يَمَلُّ اللهُ حَتَّىْ تَمَلُّوْا" من باب المشاكلة، كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]؛ فإن السآمة والملالة مستحيلة في حقه . والمعنى: إنَّ من ملَّ من عمل الطاعة تركه الله من ثوابه، وأعرض عنه. قلت: ويحتمل أن يكون معنى الحديث: فوالله لا يمل الله فكيف تملوا؟ أي: إن الله تعالى لو كان يمل من العطاء والثواب، لكان لمللكم وجه، لكنه لا يمل فلا تملوا. ثم الملل خلق مذموم، سواء كان الملل من عمل الآخرة، أو من عمل الدنيا إذا كان فيه خير، أو من معاشرة من يلائمك، أو مما يلائمك من متاع، ونحوه.

стр. 822

وقد روى الأصبهاني في "ترغيبه" عن عمرو بن العاص ﵁ قال: لا أمل ثوبي ما وسعني، ولا أمل زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أمل دابتي ما حملت رحلي؛ إن الملالة من سيئ الأخلاق. وزاد في رواية: ولا أمل جليسي ما فهم عني (١). ٢١ - ومنها: الأخذ بالرخص في محالِّها؛ كقصر الصلاة في السفر وجمعها، والفطر بعد مجاوزة ثلاثة مراحل، والتيمم عند فقد الماء، والمسح على الخفين . روى الإمام أحمد، والبيهقي عن ابن عمر ﵄، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس، وابن مسعود، وأبي الدَّرداء، وواثلة، وأنس، وأبي أمامة رضي الله تعالى عنهم، وفي "الأوسط" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالوا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَىْ رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَىْ عَزائِمُهُ" (٢).

стр. 823

وفي بعض طرقه: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُقْبَلَ رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ الْعَبْدُ مَغْفِرَةَ رَبِّهِ" (١). وفي رواية عند الإمام أحمد، وابن حبان، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "إِن اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَىْ رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَىْ مَعْصِيَتُهُ" (٢). ومن الإتيان بمعصيته تتبع الرخص؛ بأن يأخذ من كل مذهب من مذاهب الأئمة أيسر ما فيه، أو تتبع سَقَطات العلماء فيأخذ بها؛ فقد نص العلماء على تحريم ذلك، ولا يخفى أن تتبع الرخص ليس من أعمال الصَّالحين (٣). قال سليمان التيمي رحمه الله تعالى: لو أنك أخذت برخصة كل

стр. 824

عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشَّر كله. رواه أبو نعيم (١). ٢٢ - ومنها: المحافظة على السنة، وآدابها: قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [الحشر: ٧] وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ أُمَّتِيْ يَدْخُلُوْنَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَىْ"، قيل: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: "مَنْ أَطَاعَنِيْ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِيْ فَقَدْ أَبَىْ" (٢). وقال ابن عمر ﵁: لا يزال الناس على الطريق ما اتبعوا الأثر (٣). وقال أبو الدَّرداء ﵁: الدين دين محمد ﷺ ، ولن تضل ما أخذت بالأثر. رواهما الأصبهاني. وقال الزُّهري رحمه الله تعالى: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة. رواه الدارمي، والبيهقي في "المدخل" (٤). وقال أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: الطريق مسدود على خلق الله إلا على المتبعين أخبار رسول الله ﷺ ، المقتدين بآثاره، قال

стр. 825

الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] رواه الشيخ نصر المقدسي في "الحجة" (١). ٢٣ - ومنها: الانفياد لحكم الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١]. وروى أبو داود في "مراسيله" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دُعِيَ إِلَى حَكَمٍ مِنَ الْحُكَّامِ (٢) فَلَمْ يُجِبْ، فَهُوَ ظالِمٌ " (٣). وأخرجه الطبراني في "الكبير" عنه، عن سَمُرة ﵁ مرفوعاً: "مَنْ دُعِيَ إِلَىْ سُلْطَانٍ فَلَمْ يُجِبْ، فَهُوَ ظَالِمٌ لا حَقَّ لَهُ" (٤). ٢٤ - ومنها: إحياء السنة، والدلالة على الخير، والتعاون على البر والتقوى: قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤].

стр. 826

وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وروى ابن ماجه عن عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَنِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ، كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُوْرِهِمْ شَيْئًا" (١). وفي رواية: "مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَتي قَدْ أُمِيْتَتْ بَعْدِي" (٢). وروى مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دَلَّ عَلَىْ خَيْر فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ". وأخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي أيضًا (٣). ٢٥ - ومنها: حفظ اللسان والصمت إلا عن خير: قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ﴾ [النساء: ١١٤]. وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن أبي شريح، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ

стр. 827

وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَسْكُتْ" (١). وقال لقمان ﵇: الصمت حكمةٌ أَيُّ حِكْمَةٍ! ، وقليلٌ فاعلُه (٢). ورواه القضاعي في "مسند التهذيب" عن أنس، والديلمي عن ابن عمر. كلاهما ﵁، عن النبي ﷺ (٣). وروى أبو الشيخ في كتاب "الثواب" عن محرز بن زهير رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الصَّمْتُ زَيْنٌ لِلْعَالِمِ، وَسِتْرٌ لِلْجَاهِلِ". وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن يونس بن عبيد ﵀

стр. 828

تعالى: ما من أحد الناس يكون لسانه منه على بالٍ إلا رأيت ذلك صلاحاً في سائر عمله (١). وقال سفيان رحمه الله تعالى: قالوا لعيسى بن مريم ﵉: دُلَّنا على عمل ندخل به الجنة، قال: لا تنطقوا أبدًا، قالوا: لا نستطيع ذلك، قال: فلا تنطقوا إلا بخير (٢). وقال الأوزاعي رحمه الله تعالى: قال سليمان بن داود ﵉: إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. رواهما ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٣). ٢٦ - ومنها: النصيحة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ وفي ضمن ذلك وصفهم بالتناصح. وروى مسلم عن تميم الدَّاريِّ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "الدِّيْنُ النَّصيْحَةُ" - قاله ثلاثًا - قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لِلَّهِ، وَلِرَسُوْلهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَعَامَّتِهِمْ" (٤). وروى هو، والبخاري، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال

стр. 829

رسول الله ﷺ : "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّىْ يُحِبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (١). ٢٧ - ومنها: العدل في الحكم، وفي سائر ما يطلب فيه العدل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. وفي "الصحيحين" حديث: "كُلّكُمْ رَاعٍ"، وَمَسْؤُوْلٌ عَنْ رَعِيَّتهِ" (٢). وروى الدينوري عن الحسن رحمه الله تعالى قال: كان يقال: لأجرُ حاكم عدل يومًا، أفضل من رجل يصلي في بيته سبعين سنة (٣). بل روى الحاكم في "تاريخه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "عَدْلُ يَوْمٍ وَاحِدٍ، أفضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّيْنَ سَنَة" (٤). ٢٨ - ومنها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ

стр. 830

عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]؛ وقد تقدم الكلام على ذلك. ٢٩ - ومنها: موافقة القول العمل: قال الله تعالى حكاية عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية. وقال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣] وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَىْ فِيْ النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ بِهِ أَقْتَابُهُ - أي: أمعاؤه - فَيَدُوْرُ بِهَا فِيْ النَّارِ كَمَا يَدُوْرُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيُطِيْفُ بِهِ عَلَىْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَقُوْلُوْنَ: يَا فُلانُ! مَا لَكَ؛ مَا أَصَابَكَ؟ ألمْ تَكُنْ تأمُرُنَا بالْمَعْرُوْفِ، وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُوْلُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوْفِ وَلا آتِيْهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الشَرِّ وَآتِيْهِ" (١). ولا شك أن العبد لا يتم صلاحه حتى يبدأ بإصلاح نفسه قبل إصلاح غيره. كما روي: أن بعض العارفين سئل عن الزهد، فدخل بيته، وأخرج

стр. 831

دراهم كانت عنده، فتصدق بها، ثم أجابه، وقال: كرهت أن أتكلم في الزهد وعندي هذه الدراهم. وإلا فمن لا يصلح نفسه كيف يصلح غيره! كما قيل: [من الطويل] وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَىْ ... طَبِيْبٌ يُدَاوِيْ النَّاسَ وَهْوَ عَلِيْلُ (١) وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزُّهد" عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: إذا كنت ممن يأمر بالمعروف فكن من آخذ الناس به، وإذا كنت ممن ينهى عن المنكر فكن من أترك الناس له؛ وإلا هلكت (٢). وقال الفقيه منصور الشافعي رحمه الله تعالى ملمحًا بالآية السابقة: [من مجزوء الخفيف] إِنَّ قَوْما يَأمُرُوْنا ... بِالَّذِيْ لا يَفْعَلُوْنا لَمَجَانِيْنُ وَإِنْ هُمْ ... لَمْ يَكُوْنُوا يُصْرَعُوْنا (٣) وقلت: [من الخفيف] أَيُّهَا الْعَالِمُ الَّذِيْ قَدْ نهى عَنْ ... مُنْكَرِ الْفِعْلِ عَلَّنَا نَخْشَاهُ

стр. 832

لا تُخَالِفْ إِلَىْ الَّذِيْ يَنْهَاهُ ... وَاعْبُدِ اللهَ بِالَّذِيْ يَرْضَاهُ إِنَّمَا الصَّالحُ التَّقِيُّ الْمُزَكَّىْ ... مَنْ تَحَرَّىْ خِلافَ مَا يَهْوَاهُ وإذَا مَا نهىْ عَنِ الشَّيْءِ يَوْماً ... لَمْ تَجِدْهُ بِحَالِهِ يَغْشَاهُ وإذَا كانَ آمِراً بِصَلاحٍ ... كانَ وَاللهِ حائِزًا أَعْلاهُ مُخْلِصًا لِلْكَرِيْمِ فِيْ كُلِّ شَيْءٍ ... مُكْثِراً مِنْ مَحَبَّةٍ ذِكْرَاهُ ٣٠ - ومنها: أداء الأمانة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وروى أبو داود، والترمذي، والحاكم وصححاه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والدارقطني، والحاكم، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن أنس ﵁، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة ﵁، والدارقطني أيضًا عن أُبَي بن كعب ﵁ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "أَدّ الأَمَانة إِلَىْ مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خانَكَ" (١). وروى الأصبهاني عن السَّرِيِّ السَّقَطي رحمه الله تعالى قال:

стр. 833

أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وعفاف الطُّعمةِ، وحسن الخليقة (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عبيد ابن أم كلاب: أنه سمع عمر رضي الله تعالى عنه يخطب الناس، وهو يقول: لا يعجبنكم من الرجل طنطنته؛ ولكن من أدى الأمانة، وكف عن أعراض الناس فهو الرجل (٢). وروى الأصبهاني عن عبد الله - يعني: ابن مسعود رضي الله تعالى عنه - قال: انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه، وإلى أمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب! وما علمك بأمانته إذا لم يطمع! ولا يعجبنكم صاحبكم حتى تنظروا على أي شِقَّيْهِ يقع؛ أي: حتى تنظروا إلى أي شيء تؤول عاقبته؛ إلى الخير، أم إلى الشر؟ (٣) * تَنْبِيْهٌ: قال الأعمش رحمه الله تعالى: أعظم الخيانة أداء الأمانة إلى الخائنين. رواه أبو نعيم (٤).

стр. 834

وليس معناه خيانة الخائنين في المال، ونحوه لقوله ﷺ : "أَدِّ الأَمَانة إِلَىْ مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" (١). وليس منه استيفاء المرء حقه من الخائن خفيةً، كما ذهب إليه الشافعي رضي الله تعالى عنه، بل معناه نقل الحديث إلى الخَونة كالسعاية بالعبد إلى ظالم يؤذيه، ودلالة أعداء المسلمين على عوراتهم، ونحو ذلك. وكذلك قول الأعمش أيضًا: نقض العهد وفاءٌ بالعهد لمن ليس له عهد. رواه أبو نعيم أيضًا (٢). ويدخل في كلام الأعمش ما لو رأيت رجلًا سرق صاع رجل، أو غصبه منه، ثم سقط منه ذلك المتاع، وأنت تعرف مالكه؛ فلا تؤده إلى الخائن، بل إلى مالكه. ٣١ - ومنها: تعظيم حرمات المسلمين، والشفقة عليهم، ورحمة من أمر برحمته من خلق الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج: ٣٠]. وروى الشيخان عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" (٣).

стр. 835

ورويا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وعن جرير رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ" (١). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم وصححاه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "الرَّاحِمُوْنَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ﵎؛ ارْحَمُوْا مَنْ فِيْ الأَرْضِ، يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِيْ السَّمَاءِ" (٢). وهذا هو الحديث المسلسل بالأولية. ٣٢ - ومنها: ستر عورات المسلمين: روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا يَسْتُرُ عَبْد عَبْدًا فِيْ الدُّنْيَا إِلاَّ سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن خالد الرَّبعي: أن عيسى بن مريم ﵉ قال لبعض أصحابه: أرأيتم لو أن أحدكم أتى على أخيه المسلم وهو نائم، وقد كشف الريحُ بعضَ ثوبه؟ فقالوا: سبحان الله! إذًا كنا نرد عليه؛ يعني: ثوبه، قال: لا، بل تكشفون

стр. 836

ما بقي، قالوا: سبحان الله! بل نرد عليه، قال: لا، بل تكشفون ما بقي (١). مثلٌ ضربه للقوم يسمعون للرجل السيئة، فيذكرون أكثر من ذلك. ولا شك أن التنصل من هذه الخصلة من أشد أعمال الصالحين وأخلاقهم. ٣٣ - ومنها: قضاء حوائج المسلمين: في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ : "وَمَنْ كانَ فِيْ حَاجَةِ أَخِيْهِ كانَ اللهُ فِيْ حاجَتِهِ". رواه الشيخان (٢). وروى ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" عن أنس ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَضَىْ لأَخِيْهِ حَاجَةً، كانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَدَمَ اللهَ عُمُرَهُ" (٣). قلت: لعل الحكمة في ذلك: أن من قضى حاجة لأخيه فقد سد خلة منه، وأزال ضرورة عنه، بخلاف من خدم الله تعالى؛ فإن الله غني عنه وعن خدمته، والله الموفق.

стр. 837

٣٤ - ومنها: الشفاعة إلا في حدود الله تعالى، أو في إضاعة حق: قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. وروى الأئمة إلا ابن ماجه، عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "اشْفَعُوْا تُؤْجَرُوْا، وَيَقْضِيْ اللهُ عَلَىْ لِسَانِ نبِيِّهِ ما شَاءَ" (١). وروى صدرَه ابنُ عساكر من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه (٢). ٣٥ - ومنها: الإصلاح بين النَّاس: قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. وروى البزار، والطبراني وحسنه المنذري (٣)، عن عبد الله بن

стр. 838

عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلاح ذاتِ الْبَيْنِ" (١). ٣٦ - ومنها: إيثار صحبة الفقراء، والتواضع لهم: قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]؛ نزلت في فقراء المهاجرين. قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أتى علينا رسول الله ﷺ ، ونحن أناس من ضعفة المسلمين، ورجل يقرأ علينا القرآن، ويدعو لنا، فقال رسول الله ﷺ : "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ جَعَلَ فِيْ أُمَّتِيْ مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِيَ مَعَهُمْ"، ثم قال: "بَشِّرْ فُقَرَاءَ الْمُؤْمِنِيْنَ بِالنُّوْرِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَدْخُلُوْنَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ - خَمْسِ مِئَةِ عَامٍ -، هَؤُلاءِ فِيْ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُوْنَ، وَهَؤُلاءِ يُحَاسَبُوْنَ". رواه أبو يعلى، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢). ٣٧ - ومنها: ملاطفة اليتيم، والبنات، وسائر الضعفة، والمساكين، والمنكسرين، والإحسان إليهم: قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ [الضحى: ٩، ١٠].

стр. 839

وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخلت عليَّ امرأة، ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها إيَّاها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت، فخرجت، فدخل النبي ﷺ علينا، فأخبرته، فقال: "مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذهِ الْبَنَاتِ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ" (١). وروى أبو داود بإسناد جيد، عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اِبْغُوْنِيَ الضُّعَفَاءَ؛ فَإِنَّمَا تُرْزَقُوْنَ، وَتُنْصَرُوْنَ بِضُعَفَائِكُمْ" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وأبو نعيم في "الحلية" عن عمران القصير رحمه الله تعالى قال: قال موسى ﵇: يا رب! أين أبغيك؟ قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم؛ فإني أدنو منهم كل يوم باعًا، لولا ذلك لتهدَّموا (٣). ومن ملاطفة المسكين، والتواضع معه مناولته الشيءَ. وفي "حلية أبي نعيم": أن حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه كان قد ذهب بصره، فاتخذ خيطًا من مصلاه إلى باب حجرته، ووضع عنده

стр. 840

مَكْتلاً فيه تمر، فكان إذا جاء المسكين فسلم، فأخذ من ذلك المكتل، ثم أخذ بطرف الخيط حتى يناوله، وكان أهله يقولون له: نحن نكفيك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مُنَاوَلَةُ الْمِسْكِيْنِ تَقِيْ مِيْتَةَ السُّوْءِ" (١). وأخرجه - أيضًا - الطبراني، والبيهقي في "شعب الإيمان"، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٢). ٣٨ - ومنها: التلطف بالمرأة، وتحسين الخلق معها، واحتمال الأذى منها: قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اسْتوْصُوْا بِالنِّسَاءِ خَيْراً؛ فَإِنَّ الْمَرْأةُ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وإنَّ أَعْوَجَ مَا فِيْ الضِّلَعِ أَعْلاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيْمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتوْصُوْا بِالنِّسَاءِ خَيْراً" (٣). وفي رواية لمسلم: "وَكَسْرُهَا طَلاقُهَا" (٤).

стр. 841

قال أبو محمد التيجاني في كتاب "تحفة العروس": نبَّهَ ﷺ على الرفق بهن، ومداراتهنَّ، وأن لا يُتقصى عليهن في أخلاقهن، وانحراف طباعهن؛ فإن ذلك يؤدي إلى مفارقتهن. قال: ونظمَ الشاعر في هذا المعنى، فقال: [من الطويل] هِيَ الضِّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقيْمُهَا ... أَلا إنَّ تَقْوِيْمَ الضُّلُوْعِ انْكِسَارُهَا أَيَجْمَعْنَ ضَعْفاً وَاقْتِدَارًا عَلَىْ الْفَتَىْ ... أَليْسَ عَجِيْبًا ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا؟ ! (١) وقال الرشيد في قريب من هذا المعنى: [من الكامل] مَلَكَ الثَّلاثُ الْغَانِيَاتُ جَنَانِيْ ... وَحَلَلْنَ مِنْ قَلْبِيْ بِكُلِّ مَكَانِ مَا لِىْ تُطَاوِعُنِىْ الْبَرِيَّةُ كُلُّهَا ... وَأُطِيْعُهُنَّ وَهُنَّ فِيْ عِصْيَانِيْ

стр. 842

مَا ذَاكَ إِلاَّ أَنَّ سُلْطَانَ الْهَوَىْ ... وَبِهِ سَطَيْنَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي (١) ٣٩ - ومنها: الرفق بالخادم، والتلطف به، والإحسان إليه: روى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان آخر وصية رسول الله ﷺ : "الصَّلاةَ الصَّلاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " (٢). ورويا عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِخْوَانكُمْ خَوَلكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ فِتْنَةً تَحْتَ أَيْدِيْكُمْ؛ فَمَنْ كانَ أَخُوْهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَلْيُلْبِسْهُ مِنْ لِبَاسِهِ، وَلا يُكَلِّفْهُ مَا يَغْلِبُهُ، وَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ" (٣). وأخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه أيضًا (٤). وفي رواية لأبي داود: "مَنْ لاءَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوْكِيْكُمْ فَأَطْعِمُوْهُمْ مِمَّا تأْكُلُوْنَ، وَألْبِسُوْهُمْ مِمَّا تَلْبَسُوْنَ، وَمَنْ لَمْ يُلائِمْكُمْ مِنْهُمْ فَبِيْعُوْهُ، وَلا تُعَذِّبُوْا خَلْقَ اللهِ" (٥). وسنده صحيح.

стр. 843

وروى هو، والترمذي وحسنه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! كم نعفوا عن الخادم؟ فصمت عنه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "اعْفُ عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ مَرَّةً " (١). ٤٠ - ومنها: النفقة على العيال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وروى مسلم، والترمذي عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ دِيْنَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىْ عِيَالِهِ، وَدِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىْ دَابَّتِهِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَدِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىْ أَصْحابِهِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ " (٢). قال أبو قلابة رحمه الله تعالى: بدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يُعِفُّهُمُ الله به، أو ينفعهم الله به، ويغنيهم؟ (٣) قلت: إنما عظم أجر المنفق على العيال إذا أحسن النفقة عليهم؛ لأن الله تعالى قد استخلفه عليهم، فأحسن في خلافته، فاستوجب الإحسان، ومكافأته، والله الموفق.

стр. 844

وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن علي رضي الله تعالى عنه: أنه اشترى تمراً بدرهم، فحمله في ملحفة، فقالوا: نحمل عنك يا أمير المؤمنين؛ قال: أبو العيال أحقُّ أن يحمل (١). وروى الدينوري عن إبراهيم التيمي قال: لقي عيسى بن مريم ﵉ رجلًا، فقال له: ما تصنع؟ قال: أَتَعَبَّد، قال: من يعولك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبدُ منك (٢). وعن مسلم بن يسار ﵀: أن رُفقة من الأشعريين كانوا في سفر، فلما قدموا قالوا: يا رسول الله! ما رأينا أحداً بعد رسول الله ﷺ أفضل من فلان؛ يصوم النهار، فإذا نزلنا قام يصلي حتى نرتحل، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ يَمُوْنُهُ، أَوْ يَكْفِيْهِ، أَوْ يَسْعَىْ عَلَيْهِ؟ "، قالوا: نحن، فقال رسول الله ﷺ : "أَنْتُمْ أَعْبَدُ مِنْه" (٣). ٤١ - ومنها: الصدقة، وخصوصاً مما يحب: قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وروى الشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 845

قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ تَعَالَىْ إِلاَّ الطَّيِّبَ؛ فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِيْنِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيْهَا لِصَاحِبِها كَمَا يُرَبِّيْ أَحَدُكُمْ فَلُوَّهَ حَتَّىْ تَكُوْنَ مِثْلَ الْجَبَلِ " (١). وروى القُضاعي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الصَّدَقَةُ تَدْفَعُ مِيْتَةَ السُّوْءِ" (٢). بل روى الشيخان، وغيرهما من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "اتَّقُوْا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوْا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ" (٣). وروى صدْره الإمامُ أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والبزار، والطبراني في "الأوسط"، والضياء في "المختارة" عن أنس رضي الله تعالى عنه، والبزار عن النعمان بن بشير، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس، وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنهم (٤).
следующие страницы →