← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قال أبو محمد التيجاني في كتاب "تحفة العروس": نبَّهَ ﷺ على الرفق بهن، ومداراتهنَّ، وأن لا يُتقصى عليهن في أخلاقهن، وانحراف طباعهن؛ فإن ذلك يؤدي إلى مفارقتهن. قال: ونظمَ الشاعر في هذا المعنى، فقال: [من الطويل] هِيَ الضِّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقيْمُهَا ... أَلا إنَّ تَقْوِيْمَ الضُّلُوْعِ انْكِسَارُهَا أَيَجْمَعْنَ ضَعْفاً وَاقْتِدَارًا عَلَىْ الْفَتَىْ ... أَليْسَ عَجِيْبًا ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا؟ ! (١) وقال الرشيد في قريب من هذا المعنى: [من الكامل] مَلَكَ الثَّلاثُ الْغَانِيَاتُ جَنَانِيْ ... وَحَلَلْنَ مِنْ قَلْبِيْ بِكُلِّ مَكَانِ مَا لِىْ تُطَاوِعُنِىْ الْبَرِيَّةُ كُلُّهَا ... وَأُطِيْعُهُنَّ وَهُنَّ فِيْ عِصْيَانِيْ

стр. 842

مَا ذَاكَ إِلاَّ أَنَّ سُلْطَانَ الْهَوَىْ ... وَبِهِ سَطَيْنَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي (١) ٣٩ - ومنها: الرفق بالخادم، والتلطف به، والإحسان إليه: روى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان آخر وصية رسول الله ﷺ : "الصَّلاةَ الصَّلاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " (٢). ورويا عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِخْوَانكُمْ خَوَلكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ فِتْنَةً تَحْتَ أَيْدِيْكُمْ؛ فَمَنْ كانَ أَخُوْهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَلْيُلْبِسْهُ مِنْ لِبَاسِهِ، وَلا يُكَلِّفْهُ مَا يَغْلِبُهُ، وَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ" (٣). وأخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه أيضًا (٤). وفي رواية لأبي داود: "مَنْ لاءَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوْكِيْكُمْ فَأَطْعِمُوْهُمْ مِمَّا تأْكُلُوْنَ، وَألْبِسُوْهُمْ مِمَّا تَلْبَسُوْنَ، وَمَنْ لَمْ يُلائِمْكُمْ مِنْهُمْ فَبِيْعُوْهُ، وَلا تُعَذِّبُوْا خَلْقَ اللهِ" (٥). وسنده صحيح.

стр. 843

وروى هو، والترمذي وحسنه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! كم نعفوا عن الخادم؟ فصمت عنه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "اعْفُ عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ مَرَّةً " (١). ٤٠ - ومنها: النفقة على العيال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وروى مسلم، والترمذي عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ دِيْنَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىْ عِيَالِهِ، وَدِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىْ دَابَّتِهِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَدِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىْ أَصْحابِهِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ " (٢). قال أبو قلابة رحمه الله تعالى: بدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يُعِفُّهُمُ الله به، أو ينفعهم الله به، ويغنيهم؟ (٣) قلت: إنما عظم أجر المنفق على العيال إذا أحسن النفقة عليهم؛ لأن الله تعالى قد استخلفه عليهم، فأحسن في خلافته، فاستوجب الإحسان، ومكافأته، والله الموفق.

стр. 844

وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن علي رضي الله تعالى عنه: أنه اشترى تمراً بدرهم، فحمله في ملحفة، فقالوا: نحمل عنك يا أمير المؤمنين؛ قال: أبو العيال أحقُّ أن يحمل (١). وروى الدينوري عن إبراهيم التيمي قال: لقي عيسى بن مريم ﵉ رجلًا، فقال له: ما تصنع؟ قال: أَتَعَبَّد، قال: من يعولك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبدُ منك (٢). وعن مسلم بن يسار ﵀: أن رُفقة من الأشعريين كانوا في سفر، فلما قدموا قالوا: يا رسول الله! ما رأينا أحداً بعد رسول الله ﷺ أفضل من فلان؛ يصوم النهار، فإذا نزلنا قام يصلي حتى نرتحل، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ يَمُوْنُهُ، أَوْ يَكْفِيْهِ، أَوْ يَسْعَىْ عَلَيْهِ؟ "، قالوا: نحن، فقال رسول الله ﷺ : "أَنْتُمْ أَعْبَدُ مِنْه" (٣). ٤١ - ومنها: الصدقة، وخصوصاً مما يحب: قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وروى الشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 845

قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ تَعَالَىْ إِلاَّ الطَّيِّبَ؛ فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِيْنِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيْهَا لِصَاحِبِها كَمَا يُرَبِّيْ أَحَدُكُمْ فَلُوَّهَ حَتَّىْ تَكُوْنَ مِثْلَ الْجَبَلِ " (١). وروى القُضاعي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الصَّدَقَةُ تَدْفَعُ مِيْتَةَ السُّوْءِ" (٢). بل روى الشيخان، وغيرهما من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "اتَّقُوْا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوْا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ" (٣). وروى صدْره الإمامُ أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والبزار، والطبراني في "الأوسط"، والضياء في "المختارة" عن أنس رضي الله تعالى عنه، والبزار عن النعمان بن بشير، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس، وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنهم (٤).

стр. 846

* تنبِيْهٌ: لا تكون الصدقة مقبولة، ولا من أخلاق الصالحين حتى تكون من حلال؛ لقوله ﷺ : "وَلا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ" (١)؛ قال العلماء: يعني: الحلال. قال أبو مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: أربع لا يقبلن في أربع: السرقة، والخيانة، والغلول، ومال اليتيم؛ في الحج، والعمرة، والصدقة، والنفقة في سبيل الله (٢). وقال القاسم بن مُخَيمرة رحمه الله تعالى: من أصاب مالًا من مأثم، فوصل به رحماً، أو تصدق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع [به] ذلك كله في نار جهنم. رواهما الدينوري، وغيره (٣). * تنبِيْهٌ آخَرُ: روى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند

стр. 847

النبي ﷺ جلوسًا، فجاء سائل، فسأل، فناوله رجل درهماً، فأخذه رجل، فناوله إياه، فقال النبي ﷺ : "مَنْ فَعَلَ هَذَا كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الْمُعْطِيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً" (١). وروى الحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ بِلُقْمَةِ الْخُبْزِ، وَقَبْضَةِ التَّمْرِ، وَمِثْلِهِ مِمَّا يَنْفَعُ الْمِسْكِيْنَ ثَلاثَةً الْجَنَّةَ: صَاحِبَ الْبَيْتِ الآمرَ بِهِ، وَالزَّوْجَةَ الْمُصْلِحَةَ، وَالْخَادِمَ الَّذِيْ يُنَاوِلُ الْمِسْكِيْنَ" (٢). ٤٢ - ومنها: تعليم الأهل، والأولاد الأدب، وأمرهم بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن معصية الله، وتعليمهم ما يحتاجون إليه من ذلك: قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ﴾ [طه: ١٣٢]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤُوْلٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ الإِمَامُ رَاعٍ، وَمَسْؤُؤْلٌ عَنْ رَعِيتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِيْ أَهْلِهِ، وَمَسْؤُوْلٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأة رَاعِيَةٌ فِيْ بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْؤُوْلهٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِيْ مَالِ سَيِّدِهِ، وَمَسْؤُوْلٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (٣).

стр. 848

٤٣ - ومنها: رعاية حق الجار: قال الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهؤلاء، والنسائي، وابن ماجه عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "مَا زَالَ جِبْرِيْلُ يُوْصِيْني بِالْجَارِ حَتَّىْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" (١). وروى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن أبي شريح، وعن أبي هريرة ﵄: أن رسول الله ﷺ : قال: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَىْ جَارهِ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَسْكُتْ" (٢). * لَطِيْفَةٌ: روى أبو نعيم عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: أنه سمع رجلاً يقول: اللَّهُمَّ اغفر لي ولفلان، قال: من فلان؟ قال: جار لي أمرني أن أستغفر له، قال: قد غفر لك ولصاحبك؛ إن رسول الله ﷺ

стр. 849

سمع رجلاً يقول: اللَّهُمَّ اغفر لي ولفلان، قال: "مَنْ فُلانٌ؟ " قال: جاري أمرني؛ قال: استغفر لي، قال: "قَدْ غُفِرَ لَكَ وَلَه" (١). في هذا الحديث أن من تمام حق الجار الدُّعاء، والاستغفار، خصوصاً إذا طلب، وأن الدَّعاء للأخ بظهر الغيب مستجاب، وأن الدعاء من الإخوان مشروع محبوب. ٤٤ - ومنها: بر الوالدين، وصلة الأرحام: قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. وروى الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ : أيُّ العمل أحب إلى الله؛ قال: "الصَّلاةُ عَلَىْ وَقْتِهَا"، قلت: ثم أيٍّ؟ قال: "برُّ الْوَالِدَيْنِ"، قلت: ثمَّ أَيٍّ؟ قال: "الْجِهَادُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ" (٢). وفي حديثهما عن أبي هريرة ﵁: "وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٣). والأحاديث في ذلك كثيرة معروفة.

стр. 850

٤٥ - ومنها: برُّ أصدقاء الأب، والأم، والأقارب، وسائر من يندب بره، وإكرامه: قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وروى مسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيْهِ" (١). وهو، والبخاري عن أنس ﵁ قال: خرجت مع جرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله تعالى عنه في سفر، فكان يخدمني، فقلت له: لا تفعل، فقال: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئاً آليت أن لا أصحب أحداً منهم إلا خدمته (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي الدنيا عن خيثمة رحمه الله تعالى قال: كان عيسى ﵇ إذا دعا القراء قام عليهم، ثم قال: هكذا اصنعوا بالقراء (٣). ٤٦ - ومنها: إكرام آل بيت النبي ﷺ -: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: ارقبوا محمَّداً ﷺ في

стр. 851

أهل بيته. رواه البخاري (١). قال النووي: معنى "ارقبوا محمداً": راعوه، واحترموه، وأكرموه (٢). وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنِّيْ تَارِكٌ فِيْكُمْ خَلِيْفَتَيْنِ؛ كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتي؛ فَإِنَّهمَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّىْ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ" (٣). وروينا في "طبقات ابن السُّبكي"، وغيرها عن الربيع بن سليمان رحمه الله تعالى قال: خرجنا مع الشَّافعي رضي الله تعالى عنه من مكة نريد مِنًى، فلم ننزل وادياً، ولا نصعد شِعباً إلا وهو يقول: [من الكامل] يَا رَاكِبًا قِفْ بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى ... وَاهْتِفْ بِقَاعِدِ خَيْفِهَا وَالنَّاهِضِ سَحَراً إِذَا فاضَ الْحَجِيْجُ إِلَىْ مِنَىْ ... فَيْضا كَملتَطِمِ الْفُرَاتِ الْفَائِضِ

стр. 852

إِنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمّدٍ ... فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أَنِّيَ رَافِضيْ (١) ٤٧ - ومنها: محبة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وتقديم من له التقدم منهم، والرضى عنهم، ومعرفة شرف مقدارهم، وذكر مناقبهم، والكف عما شجر بينهم. قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية. ومن كان هذا وصفهم وجب حبهم. وقال عبد الرحمن بن زيد العَمِّي، عن أبيه: أدركت أربعين شيخاً كلهم يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَحَبَّ جَمِيْعَ أَصْحَابِي، وَتَوَلاَّهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، جَعَلَهُ اللهُ مَعَهُمْ فِيْ الْجَنَّةِ" (٢). وقال جابر بن عبد الله ﷺ : قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَىْ جَمِيع الْعَالَمِيْنَ سِوَىْ النَّبِيِّيْنَ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَاخْتَارَ لِي مِنْ أَصْحَابِي أَرْبَعَة: أَبُوْ بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵃؛ فَهَؤُلاءِ خَيْرُ أَصْحَابِي، وَأَصْحَابِي كُلُّهُمْ خَيْر، وَاخْتَارَ أُمَّتِي عَلَى سائِرِ الأُمَمِ" (٣).

стр. 853

وقال أيوب السختياني رحمه الله تعالى: من أحب أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقد أقام الدين، ومن أحب عمر رضي الله تعالى عنه فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان رضي الله تعالى عنه فقد استنار بنور الله، ومن أحب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب محمد ﷺ فقد برئ من النفاق (١). وقال أبو زرعه الرازي رحمه الله تعالى: سمعت قَبيصة بن عقبة رحمه الله تعالى يقول: حب أصحاب النبي ﷺ كلهم سنة (٢). وقال مسروق رحمه الله تعالى: حب أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما، ومعرفة فضلهما من السنة (٣). وقال عبد العزيز بن جعفر اللؤلؤي رحمه الله تعالى: قلت للحسن رحمه الله تعالى: حب أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما سنة؟ قال: لا، فريضة (٤). وقال الشعبي رحمه الله تعالى عنه: إن حساناً ﵃ قال في النبي ﷺ ، وفي أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما: [من المنسرح]

стр. 854

ثَلاثَةٌ بَرَزُوْا بِفَضْلِهِمُ ... نَضَّرَهُمْ رَبُّهُمْ إِذَا نُشِرُوا فَلَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ لَهُ بَصَر ... يُنْكِرُ تَفْضِيْلهمْ إِذَا ذُكِرُوا عَاشُوْا بِلا فُرْقَةٍ ثَلاثَتُهُمْ ... وَاجْتَمَعُوْا فِيْ الْمَمَاتِ إِذْ قُبِرُوا (١) خرج هذه الأخبار، والآثار اللالكائيُّ في "شرح السنة". والوارد في الباب لا يكاد يحصر إلا أنَّا اقتصرنا على هذه النبذة لعزتها. ٤٨ - ومنها: توقير العلماء ، والأكابر، وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم، والترحم على من مات منهم، والاستغفار لهم. روى أبو داود، وعلَّقه مسلم في مقدمة "صحيحه"، وصححه الحاكم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أَمَرَنا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ فِيْ مَنازِلِهِمْ (٢). وروى الإمام أحمد - بإسناد جيد - عن عبادة بن الصامت رضي الله

стр. 855

تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنْ أمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيْرَنَا، وَيرْحَمْ صَغِيْرَنَا، وَيعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ" (١). وروى الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخاً لِسِنِّهِ، إِلَّا قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ" (٢). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ثابت البُنَاني رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى عِمران بن حُصَين رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا نُجيد! ألا ترى إلى أبي بَرزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه يلبس الصوف؟ قال: يرحم الله أبا برزة، وإننا مثل أبي برزة؟ قال: ثم انطلق إلى أبي برزة، فقال: يا أبا برزة! ألا ترى إلى عمران بن حصين يلبس الخَزَّ؟ قال: يرحم الله أبا نجيد، وإننا مثل أبي نجيد؟ (٣) قلت: فكذلك ينبغي حمل حال العلماء على الكمال خصوصاً من بعضهم لبعض، إلا أن يتظاهر أحدهم بمعصية، فيجب الإنكار عليه.

стр. 856

٤٩ - ومنها: زيارة أهل الخير، ومجالستهم، وصحبتهم، ومحبتهم، وطلب زيارتهم، وطلب الدعاء منهم، وزيارة المواضع الفاضلة . وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في ذلك زيادة على هذا. ٥٠ - ومنها: الحب في الله، والحث عليه: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]. وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والإمام مالك، والترمذي عنه، أو عن أبي سعيد، ومسلم عنهما، قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِيْ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نشَأَ فِيْ عِبَادةِ اللهِ، وَرَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّىْ يَعُوْدَ إِلَيْهِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِيْ اللهِ، فَاجْتَمَعَا عَلَىْ ذَلِكَ وَافْتَرَقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّيْ أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِيْنَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّىْ لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ" (١).

стр. 857

وفي "حلية أبي نعيم" عن الوليد بن عتبة قال: قلت لأبي صفوان بن عوانة: لأي شيء يحب الرجل أخاه؟ قال: لأنه رآه يحسن خدمة مولاه (١). قلت: وهذا يدل على أن محبة الأخ في الله راجعة إلى محبة الله، ولذلك كان له بها هذا المقام العظيم، فلو تحاب اثنان في غير ذات الله، ولا إطاعته، لم يكونا من هذا القبيل، بل قد يكون تحابهما وبالاً، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]؛ وهم أهل التحاب، والتخالل في الله تعالى. وقال مسلم بن يَسَار رحمه الله تعالى: ما شيء من عمل إلا وأنا أخاف أن يكون دخله ما أفسده عليَّ؛ ليس الحبَّ في الله (٢). وقال: مرضت مَرْضَةً فلم يكن في عملي شيء أوثق في نفسي من قوم كنت أحبهم في الله. رواهما أبو نعيم (٣). * تنبِيْهٌ: محل الحب في الله أهل طاعته وخدمته، والعمل بشريعة النبي ﷺ وسنته، ومحل البغض في الله أهل معصيته ومخالفته، والإعراض عنه، ومخالفة الشرع والسنة.

стр. 858

وقد يكون البغض في الله على ترك ما هو الأولى، وفعل المكروه زجراً عنه، وحملاً للنفس على شدة البغض للمعاصي ببغض من يفعل المكروه. روى ابن أبي شيبة عن يحيى البَكَّاء قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو يطوف بالكعبة، فلقيه رجل من مؤذني الكعبة، فقال: إني لأحبك في الله، فقال ابن عمر: إني لأبغضك في الله؛ إنك تحبس صوتك لأخذ الدَّراهم (١). وروى عبد الرزاق عنه قال: رأيت ابن عمر يسعى بين الصَّفا والمروة - ومعه ناس - فجاءه رجل طويل اللحية، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إني لأحبك في الله، فقال: إني لأبغضك في الله، فغضب الرجل، وقال لأصحابه: ألا تعجبون؟ قلت: إني لأحبك في الله، فقال لي: إني لأبغضك في الله؟ فكأن أصحاب ابن عمر لاموه، وكلموه، فقال: إنه يبغي (٢) في أذانه (٣)، ويأخذ عليه أجراً (٤). وعن الضَّحَّاك بن قيس رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا قال له: إني

стр. 859

أحبك لله، قال له: ولكنني أبغضك لله، قال: لِمَ؟ قال: أنك تبغي (١) في أذانك، وتأخذ الأجر على كتاب الله (٢). * تَنْبِيْهٌ: نظم الإمام أبو شامة السبعة الذين في ظل العرش المذكورين في الحديث: أنا شيخ الإسلام الوالد إجازة - إن لم يكن سماعاً -: أنا جماعة من شيوخنا عن العلامة أبي الفضل ابن حجر العسقلاني الحافظ، عن أبي إسحاق التنوخي، عن أبي الهدى بن أبي شامة، عن أبيه، قال: أنشدنا أبي لنفسه: [من الطويل] وَقَالَ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَىْ إِنَّ سَبْعَةً ... يُظِلُّهُمُ اللهُ الْكَرِيْمُ بِظِلِّهِ مُحِبٌّ عَفِيْفٌ ناَشِئٌ مُتَصَدِّقٌ ... وَبَاكٍ مُصَلٍّ وَالإِمَامُ بِعَدْلِهِ (٣) ولاشك أن هذه الخصال السبعة كلها من خصال الصالحين. وكذلك وردت أحاديث، وآثار أخرى في خصال أخر يظل الله تعالى أصحابها في ظله يوم القيامة، وكلها - أيضاً - من خصال الصالحين. وقد جمعها شيخ الإسلام ابن حجر الحافظ المشار إليه في "جزء"،

стр. 860

وذَيَّلَ على بَيْتَيْ أبي شامة بأبيات أخرى. ثم جاء الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى فزاد أشياء أخرى على ما زاد ابن حجر، وجمع في ذلك مؤلفاً، وذَيَّلَ على أبيات ابن حجر، وأوصلها إلى سبعين خصلة (١). ثم استدرك شيخ الإسلام الوالد عليها أربع عشرة خصلة، وذَيَّلَ على أبياتها. وجمعت في ذلك "جزءًا" لخصت فيه جميع الأحاديث، والآثار الواردة في ذلك، وقد أحببت أن أثبت هذه الأبيات مجردة عن الأدلة: قال الحافظ ابن حجر، وأخبرنا به والدي عن مشايخه عنه: [من الطويل] وَزِدْ سَبع أَظْلالٍ غَازٍ وَعَوْنُه ... وإِنْظَارُ ذِيْ عُسْر وَتَخْفِيْفُ حِمْلِهِ وَحَامِيْ غُزَاةٍ حِيْنَ وَلَّوْا وَعَوْنُ ذِيْ ... غَرَامَةِ حَقٍّ مَعْ مُكَاتِبِ أَهْلِهِ (٢)

стр. 861

ثم قال - أيضا - رحمه الله تعالى: [من الطويل] وَزِدْ مَعَ ضِعْف سبعتين (١) إِعَانَةٌ ... لأخرْقَ مَعْ أَخْذٍ بِحَق وَبَذْلِهِ (٢) وَكُرْهُ وُضُوْءٍ ثُمَّ مَشْي لِمَسْجِدٍ ... وَتَحْسِيْنُ خُلْقٍ ثُمَّ مُطْعِمُ فَضْلِهِ وَكافِلُ ذِيْ يُتْمٍ وأرملةٌ وهت ... وَتاجِرُ صِدْقٍ فِيْ الْمَقَالِ وَفِعْلِهِ (٣) وَحُزْنٌ وَتَصْبِيْرٌ وَنُصْحٌ وَرَأْفَةٌ ... فَرَبِّعَ بِهَا السَّبْعَاتِ مِنْ فَيْضِ فَضْلِهِ (٤) وقال الحافظ جلال الدين السيوطي - وأخبرنا به والدي شيخ الإسلام بالإجازة، والإذن عنه -: [من الطويل]

стр. 862

وَزِدْ مَعْ ضِعْف (١) مَنْ يُضِيْفُ وَعونه (٢) ... لأَيْتَامِهَا ثُمَّ الْقَرِيْبَ بِوَصْلِهِ وَعِلْمٌ بِأَنَّ اللهَ مَعْهُ وَحُبُّه ... لإِجْلالِهِ وَالْجُوْعَ مِنْ أَهْلِ حَبْلِهِ وَزُهْدٌ وَتَفْرِيْجٌ وَغَضٌّ وُقُوَّةٌ ... صَلاةٌ عَلَىْ الْهَادِيْ وَإِحْيَاءُ فِعْلِهِ وَتَرْكُ الرّبا (٣) مَعْ رَشْوَةِ الْحُكْمِ وَالزِّنَا ... وَطِفْلٌ وَرَاعِيْ الشَّمْسِ ذِكْراً وَظِلّهِ وَصَوْمٌ وَتَشْيِيعٌ لِمَيْتٍ عِيَادَةٌ ... فَسَبعٌ بِهَا السَّبْعَاتُ يَا زَيْنَ أَهْلِهِ (٤) وقال أيضاً: [من الطويل] وَزِدْ سَبْعِتين الْحُبُّ لِلَّهِ بَالِغًا ... وَتَطْهِيْرُ قَلْبِكَ وَالْغَضُوْبُ لأَجْلِهِ

стр. 863

وَحُبُّ عَلِي ثُمَّ ذِكْرُ إِنَابَةٍ ... وَأَمْر وَنهي وَالدُّعَاءُ لِسُبْلِهِ وَمِنْ أَوَّلِ الأَنْعَامِ يَقْرَا ثَلاثَةً (١) ... وَمُسْتَغْفِرُ الأَسْحَارِ يَا طِيْبَ فِعْلِهِ وَبِرٌّ وَتَرْكُ النَّمِّ وَالْحَسَدِ الَّذِيْ ... يَشِيْنُ الْفَتَىْ فَاشْكُرْ لِجَامعِ شَمْلِهِ (٢) وقال أيضا: [من الطويل] وَزِدْ سَبْعَةً قَاضِيْ حَوَائِجِ خَلْقِهِ ... وَعَبْدٌ تَقِيٌّ وَالشَّهِيْدُ بِقَتْلِه وَأَمٌّ وَتَعْلِيْمٌ أَذَانٌ وَهِجْرةٌ ... فتمَّتْ بها السَّبْعُوْنَ مِنْ فَيْضِ فَضْلِهِ (٣) وقال شيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى: [من الطويل] وَزِدْ سَبْعَةً لِلنَّاسِ مَنْ هُوَ حَاكِمٌ ... كَحُكْمٍ لِنَفْسٍ وَالصَّدِيْقِ وَأَهْلِهِ

стр. 864

كَذَاكَ اقْتِصَادٌ للِإمامِ وَمَنْ بَكَىْ ... إِذَا ذُكِرَ الرَّحْمَنُ خَوْفاً لأَجْلِه قِرَاءَةُ قُرْآنٍ تِلاوَتُهُ وَمَن ... يُعَلِّمُهُ طِفْلاً وَفَازَ بِحَمْلِهِ عِمَارَةُ بَيْتِ اللهِ إِطْعَامُ جَائِعٍ ... بتنبيهِ إِشْبَاع لَهُ عِنْدَ أَكْلِهِ ثم قال أيضاً: [من الطويل] وَزِدْ سَبْعَةً مَنْ حَبَّ لِلَّهِ خَلْقَهُ ... وَكَفُّ يَدٍ وَالطَّرْفِ عَنْ غَيْرِ حِلِّهِ وَتَنْفِيْسُ كَرْبٍ عَنْ غَرِيْمٍ وَمُخْبِرٌ ... لِشَخْصٍ بِحُبٍّ فِيْ الإِلَهِ بِقَوْلهِ وَمَنْ بَرِئَتْ أَيْدِيْهِمُ ثُمَّ تَاجِرٌ ... أَمِيْنٌ فَهَذَا مَا ظَفِرْتُ بِنَقْلِهِ وقلت: وتمت به الخصال الموجبة للإظلال إحدى وتسعين خصلة، يورف الله بفضله على ذويها ظلَّه: [من الطويل] وَزِدْ سَبْعَةً أَنْ تُؤثرَ الاختفاءَ والـ .... ـحُمُوْلَ لإصْلاحِ الْفُؤَادِ وَعَدْلِهِ

стр. 865

وَأَمْرٌ بِمَعْرُوْفٍ وَنَهْيٌ عَنِ الَّذِيْ ... هُوَ الْمُنْكَرُ الْمَذْمُوْمُ صَاحِبُ فِعْلِهِ وَأَنْ لا تُمَارِيْ ثُمَّ ذِكْرُ اللِّسَانِ وَالـ ... ـفُؤَادِ مَعًا فَاظْفَرْ بِفَائِضِ وَبْلِهِ وَمَنْ يُعْطَ حَقًّا يَقْبَلِ الْحَقَّ أَوْ يُرَىْ ... عَنِ الْحقِّ مَسْؤُوْلاً يَفُوْزُ بِبَذْلِهِ عَسَىْ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِيْنَ يُظِلُّه ... إِذَا هَاجَ حَرُّ الْجَمْع يَوْماً بِأَهْلِهِ ثم قلت: وتمت بها ثمانية وتسعين خصلة غير حب ذوي الإظلال: [من الطويل] وَزِدْ سَبْعَةً مِنْهَا ثَلاثٌ تُنَالُ مِنْ ... أَعَزِّ كِتَابٍ مُطْلَقًا وَأَجَلِّه وَفَاءٌ بِنَذْرٍ ثُمَّ خَوْفُ قيامةٍ ... وَبَذْلُ الطَّعَامِ مَعْ مَحَبَّةِ أَكْلِهِ مَرِيْضٌ وَمَنْ لِلْعِلْمِ وَالْحِلْمِ جَامعٌ ... وَحُبُّ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَىْ قَصْدَ فَضْلِهِ وَحُبُّ ذَوِيْ الأَظْلالِ مِنْها لأنَّ مَنْ ... أَحَبَّ مَعَ الْمَحْبُوْبِ فِيْ دَوْحِ ظِلِّهِ

стр. 866

بذا عُدَّ أسماءُ الْمُهَيْمِنِ وافَقَتْ (١) ... فَدُوْنَكَ جَمْعا مَا ظَفِرْتَ بِمِثْلِهِ ثم وقفت على حديث أخرجه هنَّاد بن السَّري، وعبد الله بن المبارك؛ كلاهما في "الزهد"، والبيهقي في "البعث"، موقوفاً على أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة وأعمالهم تظلهم (٢)؛ يعني: الأعمال الصالحة؛ فإن الأعمال السيئة لا ظل لها، ولا شك أن ظل الأعمال من ظل الله وفضله، وقد سبق قوله ﷺ : "يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ" (٣). قلت مشيراً إلى ذلك: [من الطويل] وَكُلُّ فَتًى فِيْ ظِلِّ أَعْمَالِهِ إِذَا ... دَنَتْ شَمْسُ يَوْمِ الدِّيْنِ مِنْ رُوْسِ أَهْلِهِ أتىْ عَنْ أَبِيْ مُوْسَىْ الْحَدِيْثُ كَمَا رَوَىْ ... أولو الْفَضْل مِثْلُ الْبَيْهَقِيِّ لأَصْلِهِ

стр. 867

فَيُرْجَىْ لِكُلِّ الْمُؤْمِنِيْنَ أَظِلَّةٌ ... وَكُلُّ فَتًى تُلْفِيْهِ فِيْ ظِلِّ فِعْلِهِ ٥١ - ومن خصال الصَّالحين: أنهم إذا تواخوا في الله تعالى تعارفوا بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، وبلدانهم لأداء الحقوق، لا لاتباع العورات، ونحو ذلك؛ فين الأول من أخلاق الصَّالحين، والثاني من أخلاق المنافقين . قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]. وروى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَعَلَّمُوْا مِنْ أنسَابِكُمْ مَا تَصلُوْنَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِيْ الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِيْ الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فيْ الأثَرِ" (١). وروى ابن أبي شيبة، والبخاري في "تاريخه"، والترمذي عن يزيد ابن نعامة (٢) الضبي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا آخَىْ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْألهُ عَنِ اسْمِهِ، وَاسْمِ أِبيْهِ، وَمِمَّنْ هُوَ؛ فَإِنَّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ" (٣).

стр. 868

٥٢ - ومنها: إخبار العبد من يحب بأنه يحبّه: وروى الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم عن المقدام بن معدي كرب ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ أنَّهُ يُحِبّهُ" (١). رواه الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه بلفظ: "فَلْيَأتِهِ فِيْ مَنْزلهِ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبّهُ" (٢). وروى البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ؛ فَإِنَّهُ يَجِدُ مِثْلَ الَّذِيْ يَجِدُ لَه" (٣). وفي هذا الحديث دليل على ما هو مستقر في نفوس العارفين أن القلب يدل على القلب، فإن كان في قلبك محبة لأخيك، ففي قلبه مثلها لك.

стр. 869

قال أبو جعفر محمد علي الباقر رحمه الله تعالى: اعرف المودة في قلب من أحبك بما لَهُ في قلبك. رواه أبو نعيم (١). ٥٣ - ومنها: البغض في الله، والعداوة في الله؛ أي: لأجله: روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، والخرائطي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ : "أَوْثَقُ عُرَىْ الإِيْمَانِ الْحُبُّ فِيْ اللهِ وَالْبُغْضُ فِيْ اللهِ" (٢). وأخرجه الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولفظه: "أَوْثَقُ عُرَىْ الإِيْمَانِ الْمُوَالاةُ فِيْ اللهِ، وَالْمُعَاداةُ فِيْ اللهِ، وَالْحُبُّ فِيْ اللهِ، وَالْبُغْضُ فِيْ اللهِ" (٣). وفي "سنن أبي داود" بإسناد حسن، عن أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَىْ لِلَّهِ،

стр. 870

وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيْمَانَ" (١). وروى أبو نعيم، والخطيب عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أَوْحَىْ اللهُ إِلَىْ نبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ﵈ أَنْ قُلْ لِفُلانٍ الْعَابِدِ: أَمَّا زُهْدُكَ فِيْ الدُّنْيَا فَتَعَجَّلْتَ رَاحَةَ نَفْسِكَ، وَأَمَّا انْقِطَاعُكَ إِلَيَّ فَتَعَزَّزْتَ بِيْ، فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيْمَا لِيْ عَلَيْكَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ! وَمَاذَا لَكَ عَلَيَّ؟ قَالَ: هَلْ عَادَيْتَ فِيَّ عَدُوًّا؟ أَوْ هَلْ والَيْتَ فِيَّ وَلِيًا؟ " (٢). وروى الإمامان ابن المبارك، وأحمد؛ كلاهما في "الزهد" عن أبي غالب، قال في وصية عيسى ﵇: يا معشر الحواريين! تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إليه بالمقت لهم، والتمسوا رضاه بسخطهم، قالوا: يا نبيَّ الله! فمن نجالس؟ قال: جالسوا من يزيد في أعمالكم منطقه، ومن يذكركم بالله رؤيته، ويزهدكم في دنياكم عمله (٣). وفي "الإحياء": إن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: يا ابن عمران! كن يقظاناً، وارتد لنفسك إخواناً، وكل خِدْنٍ لا يوافقك

стр. 871

على مسرتي لا تصحبه؛ فإنه لك عدو (١). وقال داود ﵇ مثله، إلا أنه قال: وارتد لنفسك أخداناً، وكل خِدْنٍ لا يوافقك على مسرتي فلا تصحبه؛ فإنه لك عدو، ويقسى قلبك، ويباعدك مني (٢). ٥٤ - ومنها: إجراء أحكام الناس على الظاهر، وكِلَةُ سرائرهم إلى الله تعالى: روى البخاري عن عتبة بن عبد الله بن مسعود قال: سمعت عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أَمِنَّاهُ، وقرَّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأْمَنْهُ، ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة (٣). ٥٥ - ومنها: الخوف، والرجاء، واعتدالهما، أو ترجيح الخوف إلا عند الموت، فيرجح الرَّجاء . قال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ

стр. 872

عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠ - ٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَىْ أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ بِمِثْلِ ذَلِكَ" (١). وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوْبَةِ مَا طَمعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ" (٢). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، والبيهقي في "الشعب" عن ثابت البناني رحمه الله تعالى، [عن مطرف] (٣) قال: لو وَزَنَ خوف المؤمن رجاءه، ما رجَحَ أحدُهما على صاحبه (٤). وعن شعبة قال: لو وُزِنَ خوف المؤمن ورجاؤه، ما زاد خوفه على رجائه، ولا رجاؤه على خوفه (٥).

стр. 873

وروى البيهقي عن أبي علي الروذاباري رحمه الله تعالى قال: الخوف والرجاء كجناحي الطائر؛ إذا استويا استوى الطائر، وتم طيرانه، وإذا انتقص واحد منهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا جميعاً صار الطائر في حد الموت، لذلك قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا (١). وروى ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: الخوف أفضل من الرجاء ما كان الرجل صحيحاً، فإذا نزل الموت، فالرجاء أفضل من الخوف (٢). وهذا اختاره الغزالي في "الإحياء" (٣). على أنهم مجمعون على ترجيح جانب الخوف في حق المتضمخ بالآثام؛ وقد قيل: [من مجزوء الكامل] الْخَوْفُ أَوْلَىْ بِالْمُسِيْ ... ءِ إِذَا تألَّهَ وَالْحَزَنْ وَالأَمْنُ يَصْلُحُ لِلتَّقيْـ ... ـيِ وَلِلنَّقِيِّ مِنَ الدَّرَنْ (٤) * لَطِيْفَةٌ: روى أبو نعيم عن أبي حمزة الثمالي: أنه أتى علي بن الحسين

стр. 874

رحمهم الله تعالى فانتهى به إلى حائط له، فقال له: يا أبا حمزة! ترى هذا الحائط؟ قلت: بلى يا بن رسول الله، قال: فإني اتكأت عليه يوماً وأنا حزين، فإذا رجل حسن الوجه، وحسن الثياب ينظر في وجهي، ثم قال لي: يا علي! يا بن الحسين! ما لي أراك كئيبا حزيناً؟ أَعَلَى الدنيا؟ هو رزقٌ حاضرٌ يأكل منه البَرُّ والفاجر، فقلت: ما عليها أحزن، هو كما تقول، فقال: أَعَلَى الآخرة؟ هو وعدٌ صادقٌ تَحَكَّم فيه ملك قاهر، قلت: ما على هذا أحزن لأنه كما تقول، قال: وما حزنك يا علي يا بن الحسين؟ قلت: في الخوف من فتنة ابن الزبير، فقال لي: يا علي! هل رأيت أحداً سأل الله فلم يعطه؟ قلت: لا، قال: فخاف الله فلم يَكْفِهِ؟ قلت: لا، ثم غاب عني، فقيل لي: يا علي! هذا الخضر ﵇ (١). وقوله: (فخاف الله) تقديره: فهل رأيت أحداً خاف الله فلم يَكْفِهِ ما خاف منه؟ ومن خاف من عذاب الله أو من غيره خشيةَ أن يسلطه الله عليه، كفاه الله تعالى ما خاف منه. ٥٦ - ومنها: البكاء من خشية الله تعالى، أو شوقاً إلى لقائه، وخصوصاً عند تلاوة القرآن: قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]

стр. 875

قال النووي في، "الأذكار" في آداب التلاوة: ويستحب البكاء؛ يعني: عند تلاوة القرآن، والتباكي لمن لا يقدر على البكاء؛ فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين، ثم تلا الآية (١). وروى الترمذي وحسنه، وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَلِجُ النَّارَ مَنْ بَكَىْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّىْ يَعُوْدَ اللَّبَنُ إِلَىْ الضِّرْعِ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِيْ مِنْخَرَيْ عَبْدٍ أَبَداً" (٢). وروى ابن أبي الدنيا عن صالح المُرِّي رحمه الله تعالى قال: بلغني عن كعب رحمه الله تعالى أنه كان يقول: من بكى خوفاً من الله من ذنب غفر له، ومن بكى اشتياقاً إلى الله تعالى أباحه النظر إليه - تبارك اسمه - يراه متى يشاء (٣). وعن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى: أنه كان يقول: البكاء من سبعة أشياء: البكاء من الحزن، والبكاء من الوجع، [والبكاء من الفزع]، والبكاء من الفرح، والبكاء من الشكر، والبكاء من الرياء،

стр. 876

والبكاء من خشية الله تعالى؛ فذلك الذي تطفئ الدمعة منه أمثال البحور من النار (١). * تَنْبِيْهٌ: قال مكحول رحمه الله تعالى: أرق الناس قلوباً، أقلّهم ذنوباً (٢). وقال أبو معاوية الأسود رحمه الله تعالى: من أكثر لله الصدق، نَدِيَتْ عيناه، وأجابته إذا دعاهما (٣). وقال كعب رحمه الله تعالى: إن العبد لا يبكي حتى يبعث الله إليه ملكاً يمسح كَبِدَه بجناحه، فإذا مسح كَبِدَه بكى (٤). وقال فضيل رحمه الله تعالى: والله ما فاضت عينا عبد قط حتى يضع الله تعالى يده على قلبه، وما بكت عيناه إلا من فضل رحمة الله له (٥). روى هذه الآثار ابن أبي الدُّنيا في "البكاء"، وغيره.

стр. 877

٥٧ - ومنها: الحزن على ما فات من معصية، أو تقصير، أو فَزَعاً من عذاب الله، وفَرَقاً من أهوال يوم القيامة: روى الترمذي في "الشمائل"، وابن أبي الدُّنيا في كتاب "الحزن" عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السُّكوت، لا يتكلم في غير حاجة (١). وروى ابن أبي الدُّنيا، والطَّبراني في "الكبير"، والحاكم عن أبي الدَّرداء، والدَّيلمي عن معاذ ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الله يُحِبُّ كُلَّ قَلْبِ حَزِيْنِ" (٢).

стр. 878

وقال سعيد بن جبير (١) رحمه الله تعالى: الحزن في الدُّنيا تلقيح العمل الصَّالح (٢). وقال أبو معاوية الأسود رحمه الله تعالى: إن لكل شيء نتاجاً، ونتاج العمل الصَّالح الحزن (٣). وقال الحسن: والله إن أصبح مؤمن إلا حزيناً، وكيف لا يحزن المؤمن وقد جاء عن الله أنه وارد جهنم، ولم يأته أنه صادر عنها (٤). وقال مكحول رحمه الله تعالى: أوحى الله إلى موسى ﵇: اغسل قلبك، قال: يا رب! بأي شيء أغسله؟ قال: بالهم والحزن (٥). وقال صالح أبو شعيب رحمه الله تعالى: أوحى الله تعالى إلى

стр. 879

عيسى بن مريم ﵉: اكْحُلْ عينك بمأمول الحزن إذا ضحك البطَّالون (١). روى هذه الآثار ابن أبي الدُّنيا. وأما استعاذة النبي ﷺ من الهم والحزن في الأخبار الصحيحة: فالمراد بهما الهم والحزن الشاغلان عن الله تعالى، وعن العمل الصالح (٢). أي: الهم بالدنيا والحزن على فواتها، كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. أو الحزن على ما لم يجر به القضاء مما يريده العبد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٢٧]. * تَنْبِيْهٌ: الحزن تارة يوجب البكاء، وتارة يوجب الكَمَد، فتحسر الدمعة، والأول أروح للقلب، ومن ثَمَّ اختار بعض العارفين تفضيل الثاني. وأفضل الحزن ما كان داعياً إلى العمل الصالح. قيل للحسن: إن عندنا قوماً يبكون ليسوا بذاك، ونرى قوماً أفضل منهم لا يبكون؟

стр. 880

قال الحسن: أولئك تبكي قلوبهم (١). وقيل لعبد الله بن شميط رحمه الله تعالى: كان أبوك يبكي؟ قال: كان عمله يبكي (٢). وقال معاوية بن قُرَّة رحمه الله تعالى: بكاء العمل أحب إلي من بكاء العين (٣). رواهما ابن أبي الدنيا. وأياً ما كان الحزن مع بكاء أو كمد، فإنه من الأعمال الصالحة المكفرة للذنوب. قال أبو هريرة ﵁: إن العبد ليذنب الذنب، فإذا رآه الله قد أحزنه ذلك، غفر له من غير أن يحدث صلاة ولا صدقة. رواه ابن أبي الدنيا، وغيره (٤). وروى هو، والإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: "إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوْبُ الْعَبْدِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يُكَفِّرُهَا، ابْتَلاهُ اللهُ بِالْحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا عَنْهُ" (٥).
следующие страницы →