← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

والبكاء من خشية الله تعالى؛ فذلك الذي تطفئ الدمعة منه أمثال البحور من النار (١). * تَنْبِيْهٌ: قال مكحول رحمه الله تعالى: أرق الناس قلوباً، أقلّهم ذنوباً (٢). وقال أبو معاوية الأسود رحمه الله تعالى: من أكثر لله الصدق، نَدِيَتْ عيناه، وأجابته إذا دعاهما (٣). وقال كعب رحمه الله تعالى: إن العبد لا يبكي حتى يبعث الله إليه ملكاً يمسح كَبِدَه بجناحه، فإذا مسح كَبِدَه بكى (٤). وقال فضيل رحمه الله تعالى: والله ما فاضت عينا عبد قط حتى يضع الله تعالى يده على قلبه، وما بكت عيناه إلا من فضل رحمة الله له (٥). روى هذه الآثار ابن أبي الدُّنيا في "البكاء"، وغيره.

стр. 877

٥٧ - ومنها: الحزن على ما فات من معصية، أو تقصير، أو فَزَعاً من عذاب الله، وفَرَقاً من أهوال يوم القيامة: روى الترمذي في "الشمائل"، وابن أبي الدُّنيا في كتاب "الحزن" عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السُّكوت، لا يتكلم في غير حاجة (١). وروى ابن أبي الدُّنيا، والطَّبراني في "الكبير"، والحاكم عن أبي الدَّرداء، والدَّيلمي عن معاذ ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الله يُحِبُّ كُلَّ قَلْبِ حَزِيْنِ" (٢).

стр. 878

وقال سعيد بن جبير (١) رحمه الله تعالى: الحزن في الدُّنيا تلقيح العمل الصَّالح (٢). وقال أبو معاوية الأسود رحمه الله تعالى: إن لكل شيء نتاجاً، ونتاج العمل الصَّالح الحزن (٣). وقال الحسن: والله إن أصبح مؤمن إلا حزيناً، وكيف لا يحزن المؤمن وقد جاء عن الله أنه وارد جهنم، ولم يأته أنه صادر عنها (٤). وقال مكحول رحمه الله تعالى: أوحى الله إلى موسى ﵇: اغسل قلبك، قال: يا رب! بأي شيء أغسله؟ قال: بالهم والحزن (٥). وقال صالح أبو شعيب رحمه الله تعالى: أوحى الله تعالى إلى

стр. 879

عيسى بن مريم ﵉: اكْحُلْ عينك بمأمول الحزن إذا ضحك البطَّالون (١). روى هذه الآثار ابن أبي الدُّنيا. وأما استعاذة النبي ﷺ من الهم والحزن في الأخبار الصحيحة: فالمراد بهما الهم والحزن الشاغلان عن الله تعالى، وعن العمل الصالح (٢). أي: الهم بالدنيا والحزن على فواتها، كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. أو الحزن على ما لم يجر به القضاء مما يريده العبد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٢٧]. * تَنْبِيْهٌ: الحزن تارة يوجب البكاء، وتارة يوجب الكَمَد، فتحسر الدمعة، والأول أروح للقلب، ومن ثَمَّ اختار بعض العارفين تفضيل الثاني. وأفضل الحزن ما كان داعياً إلى العمل الصالح. قيل للحسن: إن عندنا قوماً يبكون ليسوا بذاك، ونرى قوماً أفضل منهم لا يبكون؟

стр. 880

قال الحسن: أولئك تبكي قلوبهم (١). وقيل لعبد الله بن شميط رحمه الله تعالى: كان أبوك يبكي؟ قال: كان عمله يبكي (٢). وقال معاوية بن قُرَّة رحمه الله تعالى: بكاء العمل أحب إلي من بكاء العين (٣). رواهما ابن أبي الدنيا. وأياً ما كان الحزن مع بكاء أو كمد، فإنه من الأعمال الصالحة المكفرة للذنوب. قال أبو هريرة ﵁: إن العبد ليذنب الذنب، فإذا رآه الله قد أحزنه ذلك، غفر له من غير أن يحدث صلاة ولا صدقة. رواه ابن أبي الدنيا، وغيره (٤). وروى هو، والإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: "إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوْبُ الْعَبْدِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يُكَفِّرُهَا، ابْتَلاهُ اللهُ بِالْحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا عَنْهُ" (٥).

стр. 881

وهذا الحزن شامل للحزن على فقد الولد، ونحوه أيضاً. ٥٨ - ومنها: حسن الظن بالله تعالى لا سيما عند الموت . روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قَال اللهُ تَعَالَىْ: أَناَ عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِيْ بِيْ؛ إِنْ ظَنَّ خَيْراً فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ" (١). وأخرجه الطبراني، والحاكم وصححه، من حديث واثلة رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِيْ بِيْ فَلْيَظُنَّ بِيْ ما شاءَ" (٢). وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي ﷺ قبل وفاته بثلاث يقول: "لا يَمُوْتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ " (٣).

стр. 882

وروى الدينوري في "المجالسة" عن شعيب بن سليمان رحمه الله تعالى قال: أتى ذو القرنين مغيب الشمس، فرأى ملكاً من الملائكة كأنه يترجح في أرجوحة من خوف الله تعالى، فهاله ذلك، فقال له: علمني علماً لعلي أزداد إيماناً، فقال: إنك لا تطيق ذلك، قال: لعل الله أن يطوقني، فقال له الملك: لا تهتم لغَدٍ، واعمل في اليوم لغد، وإذا آتاك الله من الدنيا سلطاناً فلا تفرح به، وإذا صرفه عنك فلا تأس عليه، وكن حسن الظن بالله، وضع يدك على قلبك، فما أحببت أن تصنع لنفسك فاصنعه بأخيك، ولا تغضب؛ فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب، فرُدَّ الغضبَ بالكظم، وسَكّنْه بالتَّؤُدَة، وإياك والعجلة؛ فإنك إذا عجلت أخطأت، وكن سهلاً ليناً للقريب والبعيد، ولا تكن جباراً عنيداً (١). ٥٩ - ومنها: الورع، وترك الشبهات: روى الإمام أحمد عن أنس ﵁، وهو والنسائي عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، والطبراني في "الكبير" عن وابصة رضي الله تعالى عنه، والدارقطني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَىْ مَا لا يَرِيْبُكَ" (٢).

стр. 883

زاد أبو نعيم، والخطيب في حديث ابن عمر: "فَإِنَّكَ لَنْ تَجِدَ فَقْدَ شَيْءٍ تَرَكْتَهُ لِلَّهِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "كُنْ وَرِعاً تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعاً تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً، وَأَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِماً، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيْتُ الْقَلْبَ" (٢). وروى ابن أبي الدنيا، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: أَوْحَىْ اللهُ إِلَىْ مُوْسَى ﵇ أَنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ يَلْقَانِيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ ناَقَشْتُهُ بِالْحِسَابِ، وَفتَّشْتُهُ عَمَّا كانَ فِيْ يَدَيْهِ إِلاَّ الْوَرِعِيْنَ؛ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيْهِمْ، وَأُجِلُّهُمْ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣).

стр. 884

وروى الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : " [ثلاث] مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فَلا تَعْبَؤُوْا بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ؛ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَعَاصِيْ اللهِ، أَوْ حِلْمٌ يَكُفُّ بِهِ السَّفِيْهَ، أَوْ خُلُقٌ يَعِيْشُ بِهِ فِيْ النَّاسِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لا تنظروا إلى صلاة عبد ولا صيامه، ولكن انظروا إلى صدق حديثه إذا حدث، وإلى ورعه إذا أشفى، وإلى أمانته إذا ائتُمِنَ (٢). وقال: حدثني محمد بن الحسين، قال: أنشدني إبراهيم بن داود بن شداد رحمه الله تعالى قوله: [من المنسرح] الْمَرْءُ يَزْرِيْ بِلُبِّهِ طَمَعُهْ ... وَالدَّهْرُ قِرْنٌ كَثِيْرَةٌ خُدَعُهْ وَالنَّاسُ إِخْوَانُ كُلِّ ذِيْ نَشَبٍ (٣) ... قَدْ خابَ عَبْدٌ إِلَيْهِمُ ضَرَعُهْ وَالْعَبْدُ إِنْ كانَ عَاقِلاً وَرِعاً ... أَخْرَسَهُ عَنْ عُيُوْبِهِمْ وَرَعُهْ

стр. 885

كَمَا الْمَرِيْضُ السَّقِيْمُ يَشْغَلُهُ ... عَنْ وَجَعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَجَعُهْ (١) ٦٠ - ومنها: الزهد في الدنيا، وإيثار التقلل منها ، وإيثار الفقر على الغنى، وحمل النفس على الرضى بما قسم لها، والنظر إلى من هو دونها في الدنيا، وإلى من هو فوقها في عمل الآخرة: قال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. قال وهب بن مُنبِّه رحمه الله تعالى: مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين؛ إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى. رواه أبو نعيم في "الحلية" (٢). وروى ابن ماجه، وحسنه النووي (٣)، عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: دُلَّني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: "ازْهَدْ فِيْ الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيْمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ" (٤).

стр. 886

وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "انْظُرُوْا إِلَىْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوْا إِلَىْ مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوْا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ" (١). ولفظ البخاري: "إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَىْ مَنْ فَضُلَ عَلَيْهِ فِيْ الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَىْ مَنْ هُوَ أَسْفَلَ منه" (٢). وروى أبو نعيم، والخطيب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَظَرَ فِيْ الدُّنْيَا إِلَىْ مَنْ فَوْقَهُ، وَفِيْ الدِّيْنِ إِلَىْ مَنْ تَحْتَهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ صابِراً وَلا شَاكِراً، وَمَنْ نَظَرَ فِيْ الدُّنْيَا إِلَىْ مَنْ تَحْتَهُ، وَفِيْ الدّيْنِ إِلَىْ مَنْ فَوْقَهُ، كَتَبَهُ اللهُ صابِراً شاكِراً" (٣). والمعنى: أنه إذا نظر إلى من تحته - أي: دونه - في الدنيا عظمت نعمة الله عليه، فيشكرها، بخلاف ما لو نظر إلى من فوقه، فقد يستقل ما أنعم الله عليه، فيهلَك بكفران النعمة التي لله عنده، وإذا نظر إلى من فوقه في الدين يتحرى الازدياد من الخير، وذلك يحتاج إلى صبر، كما

стр. 887

قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]؛ فالعمل الصالح يحتاج إلى صبر عليه. بخلاف ما لو نظر إلى من هو دونه في الدين، فيرى لنفسه مزية عليه، فيهلك بالعُجْب والكِبر وغيرهما. وروى الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي في "الشعب" عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، لا أعلمه إلا رفعه، قال: "صَلاحُ هَذهِ الأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِيْنِ، وَيَهْلِكُ آخِرُهَا بِالْبُخْلِ وَالأَمَلِ" (١). وسبق هذا الحديث برواية أخرى في اليقين، وهذه الرواية أتم؛ ألا ترى أنه عمم فيها أن صلاح الأمة بالزهد واليقين من غير تقييد بأول الأمة؟ (٢). وروى أبو نعيم عن الربيع قال: قال الشافعي ﵁: عليك بالزهد؛ فإن الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على الناهد (٣).

стр. 888

وقلت: [من السريع] عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ الرَّضِيْ ... قَوْلٌ لأَهْلِ الزُّهْدِ كالشَّاهِدِ ازْهَد فَإِنَّ الزُّهْدَ لِلزَّاهِدِ ... أَبْهَىْ مِنَ الْحَلْي عَلىْ النَّاهِدِ وروى ابن أبي الدنيا في "المداراة" عن أيوب السختياني رحمه الله تعالى قال: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي النَّاس، والتجاوز عما يكون منهم (١). وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: جعل الله الشر كله في بيت، وجعل مفتاحه حُبَّ الدنيا، وجعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا (٢). * تَنْبِيْهٌ: نقل القشيري عن الإمام أحمد قال: الزهد على ثلاثة أوجه: - ترك الحرام: وهو زهد العامة. - وترك الفضول من الحلال: وهو زهد الخاصة. - وترك ما يشغل عن الله تعالى: وهو زهد العارفين (٣)، انتهى.

стр. 889

ولقد أحسن من قال: [من الطويل] وَمَا الزُّهْدُ إِلاَّ فِيْ انْقِطَاعِ الْخَلائِقِ ... وَمَا الْوَجْدُ إِلَّا فِيْ وُجُوْدِ الْحَقَائِقِ وَمَا الْحُبُّ إِلاَّ حُبُّ مَنْ كانَ قَلْبُهُ ... عَنِ الْخَلْقِ مَشْغُوْلاً بِرَبِّ الْخَلائِقِ (١) ٦١ - ومنها: إيثار الجوع، وخشونة العيش، والاقتصار على اليسير من المأكول، والمشروب، والملبوس، وغيرها من حظوظ النفس: قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١] إلى آخر السورة. وقالت عائشة ﵂: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض (٢). رواه الشيخان. ولهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: أخرجت لنا عائشة ﵂ كساء وإزاراً غليظًا (٣)، قالت: قُبض رسول الله ﷺ في هذين (٤).

стр. 890

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوْتاً" (١). قال النووي: قال أهل الغريب: معنى قوتاً: ما يسد الرَّمَق (٢). وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: من ضبط بطنه، ضبط الأخلاق الصالحة. وعن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: كان ناس من بني إسرائيل يتعبدون بمكان، حتى إذا كان فِطْرُهم، قام عليهم قائم، فقال: لا تأكلوا كثيراً فإنكم إذا أكلتم كثيراً نمتم كثيراً، وإذا نمتم كثيراً صليتم قليلاً (٣). وروى أبو نعيم عن شميط بن عجلان رحمه الله تعالى قال: يا ابن آدم! إنما الدنيا غداء وعشاء، فإن أخرت غداءك إلى عشاءك، أمسى ديوانك في ديوان الصالحين (٤). ٦٢ - ومنها: القناعة، والاقتصاد في المعيشة، والنفقة، والتعفف عن السؤال من غير ضرورة: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].

стр. 891

وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وروى مسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ" (١). وروى هو، والبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . "لَيْسَ الْغِنَىْ عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَىْ غِنَىْ النَّفْسِ" (٢)؛ والَعرَض - بفتح المهملتين -: المال. وروى أبو داود عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يَتَكَفَّلُ لِيْ أَنْ لا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟ "، قال: فقلت: أنا. فكان ثوبان ﵁ لا يسأل أحداً شيئاً (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن محارب بن دِثَار رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ أُمَّتِيْ مَنْ لا يَسْتَطِيْعُ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَهُ، أَوْ مُصَلاَّهُ مِنَ الْعُرْيِ، يَحْجُزُهُ إِيْمَانُهُ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ؛ مِنْهُمْ أُوَيْسٌ الْقُرَنِيُّ، وَفُراتُ بْنُ حَيَّانَ الْعِجْلِيُّ" (٤).

стр. 892

وروى أبو نعيم عن مِسْعر رحمه الله تعالى: أنه قال: [من البسيط] اقْبَلْ مِنَ الدَّهْرِ يَوْماً مَا أتاكَ بِهِ ... وَاصْبِرْ لِرَيْبِ زَمَانِ السُّوْءِ إنْ عَثَرا ما لامْرِئ فَوْقَ ما يَجْرِيْ الْقَضَاءُ بِهِ ... فَالْهَمُّ فَضْلٌ وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ صَبَرا يَا رُبَّ سَاعِ لَهُ فِيْ سَعْيِهِ أَمَلٌ ... يَفْنَىْ وَلَمْ يَقْضِ مِنْ تَأمِيْلِهِ وَطَرا مَا ذَاقَ طَعْمَ الْغِنَىْ مَنْ لا قُنُوْعَ لَهُ ... وَلَنْ تَرَىْ قَنِعاً ما عِشْتَ مُفْتَقِرا وَالْعُرْفُ مَنْ يَأْتِهِ يَحْمَدْ عَوَاقِبَهُ ... ما ضَاعَ عُرْفٌ وَإِنْ أَوْلَيْتَهُ حَجَرا (١) وما أحسن قولَ أبي العتاهية من أبيات: [من البسيط] واِذَا قَنِعْتَ فَأَنْتَ أَيْسَرُ مَنْ مَشَىْ ... إِنَّ الْفَقِيْرَ هُوَ الَّذِيْ لا يَقْنَعُ وَإِذَا طَلَبْتَ فَلا إِلَىْ مُتَضَايِقٍ ... ما ضَاقَ عَنْهُ فَرِزْقُ رَبِّكَ أَوْسَعُ

стр. 893

وقال أيضاً: [مجزوء الرمل] أَنْتَ ما اسْتَغْنَيْتَ عَنْ ... صاحِبِكَ الدَّهْرَ أَخُوْهُ فَإِذَا احْتَجْتَ إِلَيْه ... سَاعَةً مَجَّكَ فُوْهُ (١) وروى أبو نعيم عن محمد بن الأوزاعي رحمهما الله تعالى قال: قال لي أبي: لو قبلنا من الناس كل ما يعطونا لَهُنَّا عليهم (٢). * تَنْبِيْهٌ: سيأتي أن الاقتصاد من أخلاق الأنبياء ﵈. وفي حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الاقْتِصَادُ نِصْفُ الْعَيْشِ". رواه الخطيب (٣). وأخرجه الديلمي، لكن قال: "التَّدْبِيْرُ نِصْفُ الْعَيْشِ" (٤). وروى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال:

стр. 894

قال رسول الله ﷺ : "مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِيْ مَعِيْشَتِهِ" (١). قلت: ومما يدخل في التدبير والرفق: ادخار قوت العيال سنة، كما فعله النبي ﷺ (٢)، بخلاف شراء الطعام عند الحاجة إليه من السوق؛ فإن فيه تنغيصاً للعيش، وربما ارتفع السعر، وربما لا يكون الثمن حاضراً. ومن هنا قال داود لابنه سليمان ﵉: يا بني! أتدري ما جهد البلاء؟ قال: لا، قال: شراء الخبز من السوق، والانتقال من منزل إلى منزل. رواه الخطيب عن يحيى بن [أبي] كثير (٣). ٦٣ - ومنها: قبول ما يفتح الله به من غير سؤال، ولا تطلُّع نفس: روى الشيخان: أن رسول الله ﷺ قال لعمر ﵁: "إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَتَمَوَّلْهُ، فَإِنْ شِئْتَ كُلْهُ، وَإِن شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ" (٤). قال سالم بن عبد الله بن عمر: فكان عبد الله لا يسأل أحداً (٥).

стр. 895

قالت شيوخ الصوفية رحمهم الله تعالى: الفقير لا يسأل، ولا يرد، ولا يدخر (١). قلت: لكن يعرف مِمَّن يقبل، وكيف يقبل؛ فإن كان المعطي ظالماً، فالأولى أن لا يقبل من ماله زجراً له، وإذا عرف صاحب المال المدفوع إليه فالأولى أن يقبله، ويرده إلى مالكه وإذا لم يعرف مالكه، وقبله؛ فإن كان له ضرورة سدها، وصرف الباقي في مصرف الأموال الضائعة، وإذا قبل فلا يقبل بذلٍّ، ولا شَرَه نفس، ويدعو للمعطي بما لا حرج فيه، ويكفيه أن يقول له: جزاك الله خيراً، أو: تقبل الله منك، وإذا قدر على المكافأة كافأه، ولا يخفى الورع في ذلك كله على بصير. * تَتِمَّةٌ: روى ابن جهضم عن حذيفة المرعشي رحمه الله تعالى قال: إياكم وهدايا الفجار والسفهاء؛ فإنكم إذا قبلتموها ظنوا أنكم قد رضيتم فعلهم (٢). ٦٤ - ومنها: الأكل من عمل اليد، والكسب الطيب: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال

стр. 896

رسول الله ﷺ : "لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَىْ ظَهْرِهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَداً فَيُعْطِيَهُ، أَوْ يَمْنَعَهُ" (١). وروى البخاري عن المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ داوُدَ ﵇ كانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِه" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: قال داود ﵇: إلهي! أي رزق أطيب؟ قال: ثمرة يدك يا داود (٣). وروى أبو نعيم عن أبي بكر الجوهري رحمه الله تعالى قال: وجد في صخرة منقورة مكتوباً عليها: كل بيمينك من عرق جبينك، فإن ضَعُفَ يقينك فاسأل المولى يعينك (٤). وما أحسن ما أنشده ابن أبي الدنيا في كتاب "القناعة" لبعضهم: [من الوافر] لَنَقْلُ الصَّخْرِ مِنْ قُلَلِ الْجِبَال ... أَخَفُّ عَلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرِّجَالِ

стр. 897

يَقُوْلُ النَّاسُ كَسْبُكَ فِيْهِ عارٌ ... فَقُلْتُ: الْعَارُ فِيْ ذُلِّ السُّؤَالِ (١) * تَنْبِيْهٌ: إنما يكون المحترف والمكتسب من الصالحين إذا راعى في كسبه واحترافه ما يجب عليه مراعاته من علم البيع والشراء، وسائر المعاملات التي يحتاج إليها، والحذر من العقود الفاسدة، والمنهي عنها، ومن الغش والخديعة، والأيمان الفاجرة، وكثرة الحلف، وكثرة الكلام فيما لا يعنيه مما لا يزيد في الرزق ولا ينقص، كمدح السلعة، ومع مراعاة النصيحة لمن يعامله، والمحافظة على الآداب الشرعية في ذلك كله. وقد روى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى في قوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] قال: والله لقد كانوا يتبايعون في الأسواق، فإذا حضر حق من حقوق الله رفعوا ما في أيديهم، وبدؤوا بحق الله تعالى حتى يقضوه، ثم رجعوا إلى تجارتهم. وروى أبو بكر بن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون، فإذا سمعوا النداء ألقوا ما في أيديهم، وقاموا إلى المسجد (٢).

стр. 898

وروى عبد الرزاق، وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ثم دخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١). وروى الطبراني، والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه رأى ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا أمتعتهم، وقاموا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن قتادة قال: قال سليمان النبي ﵇: عجباً للتاجر كيف يخلص؟ يحلف بالنهار، وينام في الليل (٣). ٦٥ - ومنها: الكرم، والجود، والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]

стр. 899

وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "قالَ اللهُ تَعالَىْ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ" (١). وروى الطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، والبيهقي، وآخرون عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ كَرِيْمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، وُيحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا" (٢). ولقد أحسن القائل: [من الطويل] وَيُظْهِرُ عَيْبَ الْمَرْءِ فِيْ النَّاسِ بُخْلُهُ ... وَيَسْتُرُهُ عَنْهُمْ جَمِيْعاً سَخَاؤُهُ تَغَطَّ بِأَثْوَابِ السَّخَاءِ فَإنَّنِيْ ... أَرَىْ كُلَّ عَيْبٍ وَالسَّخَاءُ غِطَاؤُهُ (٣) وروى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه" عن محمد بن بشر المصيصي قال: نا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَجَافَوْا عَنْ زَلَّةِ السَّخِيِّ؛ فَإِنَّهُ إِذَا عَثَرَ أَخَذَ الرَّحْمَنُ بِيَدهِ".

стр. 900

ثم أنشد محمد بن بشر لنفسه: [من الخفيف] كُنْ سَخِيًّا وَلا تُبَالِ ابْنَ مَنْ كُنْـ ... ـتَ فَمَا النَّاسُ غَيْرُ أَهْلِ السَّخَاءِ لَنْ يَنَالَ الْبَخِيْلُ مَجْدًا وَلَوْ نَا ... لَ بِيَافُوْخِهِ (١) نُجُوْمَ السَّمَاءِ (٢) وَهُنا لَطائِفُ: - إحداها: روى أبو نعيم عن وهب قال: إن أجود الناس في الدنيا من جاد بحقوق الله تعالى، وإن رآه الناس بخيلاً فيما سوى ذلك، وإن أبخل الناس من بخل بحقوق الله، وإن رآه الناس كريماً فيما سوى ذلك (٣). وهذا لا شبهة فيه، بل إذا بخل بحقوق الله وجاد بغيرها، لم يخرج عنه اسم البخيل، وازداد اسماً آخر، وهو المسرف. - الثانية: روى البيهقي في "الشعب" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: أنه دخل على رابعة العدوية رضي الله تعالى عنها فقالت له: يا سفيان! ما تعدون السخاء فيكم؟ قال: أما عند أبناء الدنيا فالذي يجود

стр. 901

بماله، وأما عند أبناء الآخرة فالذي يجود بنفسه، فقالت: يا سفيان! أخطأتم فيها، فقال سفيان: فما السخاء عندك رحمك الله؟ قالت: أن تعبدوه حباً له، لا لطلب جزاء ولا مكافأة. ثم أنشأت تقول: [من المنسرح] لَوْلاكَ مَا طابَتِ الْجِنَانُ وَلا ... طَابَ نَعِيْمٌ بِجَنَّةِ الْخَلَدِ قَوْمٌ أَرَادُوْكَ لِلْجِنَانِ فَنَا ... لُوْها وَقَلْبِيْ سِوَاكَ لَمْ يُرِدِ (١) - الثالثة: روى أبو نعيم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: من سئل بالله فأعطى، كُتب له سبعون أجراً (٢). قلت: إنما ضوعف أجره لأنه إنما أعطى إجلالاً لله تعالى، وصيانة لاسمه أن يذكر في طلب حاجة هو قادر على قضائها فلا يقضيها. - الرابعة: روى ابن جهضم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: أن رجلاً قال له: يا أبا علي! من أسمح الناس؟ فقال: من جاد بماله تبرعاً، وتنزه عن مال غيره تورعاً.

стр. 902

وهذا كلام صحيح، مقتضاه أن من أخذ من أموال الناس ظلماً، وأعطى آخرين منه، وإن أعطى الألوف، فليس من الجود في شيء؛ فإنه لم يَجُدْ بمال نفسه، بل بمال غيره، والتصرف في مال الغير بلا حق حرام؛ وإن غلط أهل الدنيا في إطلاق الكرم، والجود على فعله، وقالوا: فلان نهَّابٌ وَهَّابٌ. * تَنْبِيْهٌ: التبجح بالكرم، وقوله: سأكسوك، سأعطيك، وقوله لمن شكى إليه غرامة، أو نحوها: لا بأس عليك، تعال أعطيك، وأفعل معك، ونحو ذلك، ليس من الكرم في شيء حتى يفعله، بل سبق الفعل أولى من سبق القول، فإن قصر فعله عن قوله، كان ذلك شر أنواع البخل. وأنشد المبرد لمسلم: [من الطويل] لِسَانُكَ أَحْلَىْ مِنْ جَنَىْ النَّخْلِ مَوْعِداً ... وَكَفُّكَ بِالْمَعْرُوْفِ أَضيَقُ مِنْ قُفْلِ تَمَنَّىْ الَّذِيْ يَأتِيْكَ حَتَّىْ إِذَا انْتهَى ... إِلَىْ أَمَدٍ ناَوَلْتَهُ طَرَفَ الْحَبْلِ (١)

стр. 903

٦٦ - ومن خصال الصالحين، وأخلاقهم: الإيثار، والمواساة ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]: قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وروى البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا، ولو شاء لشبع، ولكنه كان يؤثر على نفسه (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عثمان رضي الله تعالى عنه: أنه كان يخطب فقال: إنا -والله- قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، فكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن ناساً يعلموني به عسى أن لا يكون أحدهم رآه قط (٢). ويجمع بين هذا الحديث والذي قبله: بأنه ﷺ كان تارة يؤثر على نفسه، وتارة يواسي من عنده.

стр. 904

وروى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِيْ الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِيْ الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِيْ الثَّمَانِيَةَ" (١). قلت: هذا الحديث يظهر الحكمة في المواساة، والفائدة فيها، وذلك أن العبد إذا واسى (٢) أخاه في قدر كفايته من الطعام وغيره بحيث شاطره إياه، ويجتزئ بقدر نصف الكفاية، فإن الله تعالى يكافئه؛ بأن يجعل ذلك النصف كافياً له كما لو استوفاه؛ فإنه كما جعل كفايته في هذا القدر قادر على أن يجعلها في قدر نصفه، ثم يجعل الله ثواب مساواته لأخيه في قدر كفايته نافلة له على وزان قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. فمن واسى أخاه في طعامه لم يفته من كفايته شيء، ويكون ثواب الله تعالى ورضاه عنه فائدة له زائدة، ونافلة عليه عائدة، ولا يعرف ذلك إلا محقق، والله الموفق. وأما الإيثار فإنه إنما يكون ثقة بخلف الله تعالى، ولا شك أنه أبلغ من المواساة، إلا أن المواساة أيسر، والإيثار إنما يتيسر في أوقات دون أوقات. وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: كان

стр. 905

بالمدينة أهل بيت ذوو حاجة عندهم رأس شاة، فأصابوا شيئاً، فقالوا: لو بعثنا بهذا الرأس إلى أحوج منا، قال: فبعثوا به، فلم يزل يدور بالمدينة حتى رجع إلى أصحابه الذين خرج من عندهم (١). وروى أبو نعيم عن مسعر بن كدام رحمه الله تعالى أنه خرج يوماً إلى الجبان، فإذا هو بأعرابي يتشرق في الشمس، وهو يقول: [من الكامل] جَاءَ الشِّتَاءُ وَلَيْسَ عِنْدِيْ دِرْهَمُ ... وَلَقَدْ يُخَصُّ بِمِثْلِ ذاكَ الْمُسْلِمُ وَتَقَاسَمَ النَّاسُ الْجِبابَ وَغَيْرَهَا ... وَكَأَنّنَيْ بِفِنَاءَ مَكَّةَ مُحْرِمُ فنزع مسعر جبته، فأعطاه إياها (٢). وروى أبو الحسن بن جهضم عن أبي عامر الأسدي قال: سئل سفيان الثوري عن المواساة، فقال: هذا طريق قد نبت عليه العوسج (٣). يشير إلى قلة المواساة فضلاً عن الإيثار في أهل زمانه، فكيف بالزمان الذي بعده إلى الآن؟

стр. 906

٦٧ - ومنها: التواضع، وخفض الجناح: قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]. وروى مسلم، والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مالٍ، وَما زادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا، وَما تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ" (١). وروى إسحاق الختلي في "ديباجه" عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: إن الله يحب العالم المتواضع، ويبغض العالم الجبار، ومن تواضع لله ورَّثه الله الحكمة (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن هشام بن حسان رحمه الله تعالى قال: ذكروا التواضع عند الحسن وهو ساكت، حتى إذا أكثروا عليه قال لهم: أراكم قد أكثرتم الكلام في التواضع، قالوا: وأي شيء التواضع يا أبا سعيد؟ قال: يخرج من بيته فلا يلقى مسلماً إلا ظن أنه خير منه (٣). وروى البيهقي عن ابن المبارك: أنه سأل عن التواضع، فقال: التكبر على الأغنياء (٤).

стр. 907

وعنه أنه قال: من التواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا حتى يعلم أنه ليس لك فضل عليه لدنياك، وأن ترفع نفسك عند من هو فوقك في دنياه حتى يعلم أنه ليس له لدنياه فضل عليك (١). ٦٨ - ومنها: التنافس في أمور الآخرة، والاستكثار مما يتبرك به: قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]؛ معناه كما قال الثعلبي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله تعالى. وروى البخاري، وغيره، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "بَيْنَا أيُّوْبُ ﵇ يَغْتَسِلُ عُرْياناً فَخَرَّ عَلَيْهِ [رِجْل] (٢) جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوْبُ ﵇ يَحْثِيْ فِيْ ثَوْبِهِ، فَنَاداهُ ربُّهُ : يَا أيُّوْبُ! ألَمْ كُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرى؟ قَالَ: بَلَىْ وَعِزَّتكِ، وَلَكِنْ لا غِنَىْ لِيْ عَنْ بَرَكَتِكِ" (٣). * فائِدَةٌ: ربما غلط قوم فظنوا الحسد منافسة، أو المنافسة حسداً، والفرق بينهما أن الحسد تمني زوال النعمة عن المحسود مع طلب حصولها للحاسد، أو دونه، والمنافسة طلب حصول مثل تلك النعمة للمنافس

стр. 908

من غير تمني زوالها عن المغبوط، ويقال لهذا: غِبْطة، وَحَسَدُ الْغِبْطة أيضاً. قال الماوردي في "أدب الدين والدنيا": المنافسة طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم، والحسد مصروف إلى الضرر؛ لأن غايته أن يعدم الفاضل فضله من غير تفسير الفضل له. ثم قال: والمنافسة -إذن- فضيلة؛ لأنها داعية إلى اكتساب الفضائل، والاقتداء بالأخيار الأفاضل (١). قال: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الْمُؤْمِنُ يَغْبِط، وَالْمُنَافِقُ يَحْسُدُ" (٢). وقال الشاعر: [من السريع] نافِسْ عَلَىْ الْخَيْرَاتِ أَهْلَ الْعُلا ... فَإِنَّمَا الدّنْيَا أَحَادِيْثُ كُلّ امْرِئٍ فِيْ شَأْنِهِ كادحٌ ... فَوَارِثٌ مِنْهُمْ وَمَوْرُوْثُ (٣) ٦٩ - ومنها: أخذ المال من وجهه، وصرفه في وجوهه المأمور بها شرعاً: وهو معنى الشكر من الغنى.

стр. 909

بل من أخلاق الصالحين الشكر على كل نعمة كما سبق، والحمد على كل حال. ومعنى الشكر: صرف جميع ما أنعم الله به على العبد من النعم المشتمل عليها الإنسان؛ كالبصر والسمع واليد وغيرها، فيما خلق له من طاعة ونحوها، وهو المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وأقل مراتب الشكر أن لا يعصى الله بنعمه، كما أجاب به الأستاذ أبو القاسم الجنيد من سأله عنه (١). وفي معناه أنشدوا: [من الوافر] أَنَالَكَ رِزْقَهُ لِتَقُوْمَ فِيْهِ ... بِطَاعَتِهِ وَتَشْكُرَ بَعْضَ حَقِّهْ فَلَمْ تَشْكُرْ أَيَادِيَهُ وَلَكِنْ ... قَوِيْتَ عَلَىْ مَعَاصِيْهِ بِرِزْقِهْ ولا شك أن صرف المال في وجهه الشرعي بعد أخذه من وجهه - أيضاً - لا يعدو عن واجب، ومستحب، أو مباح؛ إن لوحظت فيه النية صار طاعة أيضاً، وبه يحصل شكر نعمة المال. روى الشيخان، وغيرهما عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حَسَدَ إِلاَّ فِيْ اثْنَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرآنَ فَهُوَ يَقُوْمُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وَآناءَ

стр. 910

النَّهارِ، وَرَجُلٌ آتاهُ اللهُ مالاً فَهُوَ يُنْفِقُهُ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ" (١). والآناء: الساعات. ولا يقال: (أنفق) إلا في الخير، كما تقدم. ٧٠ - ومنها: الإكثار من ذكر الله تعالى، والرغبة في مجالس الذكر، والتنزه عن مجالس اللهو والظلم وذكر الدُّنيا: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. وروى مسلم، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة، وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهما: أنهما شهدا على رسول الله ﷺ إنه قال: "لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُوْنَ اللهَ إِلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ، وَغَشِيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِيْنَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيْمَنْ عِنْدَهم" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: أنه دخل المسجد، فنظر إلى نفر قد اجتمعوا جلوساً، فرجا أن يكونوا على ذكر على خير، فجلس إليهم، فإذا بعضهم يقول: قدم غلام لي فأصاب كذا وكذا، وقال الآخر: أنا جهزت غلاماً لي، فنظر

стр. 911

إليهم، فقال: سبحان الله! هل تدرون ما مثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل، فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين، فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني أذى هذا المطر، فدخل، فإذا بيت لا سقف له، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير، فإذا أنتم أصحاب دنيا، وقام عنهم (١). وعن سالم بن أبي الجعد رحمه الله تعالى قال: قيل لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: إن أبا سعد بن منبه أعتق مئة محرر، فقال: إن مئة محرر من مال رجل لكثير، وإن شئتم أنبأتكم مما هو أفضل من ذلك؛ إيمان ملزوم بالليل والنهار، ولا يزال لسانك رطبا من ذكر الله (٢). وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: يا أبا عبد الرحمن! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع؛ لأن الله ﵁ يقول في كتابه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (٣). وفي رواية عبد الله في "زوائده": ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع (٤).

стр. 912

وأخرجه والده في "المسند" - مرفوعاً - دون قولهم لمعاذ: ولا الجهاد؟ إلى آخره (١). والأحاديث والآثار في فضل الذكر لا تحصى. ٧١ - ومنها: الإكثار من ذكر الموت، وقصر الأمل: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وروى الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والطَّبراني في "الأوسط"، والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه، وأبو نعيم عنه، وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قالوا: قال رسول الله ﷺ : "أَكْثِرُوْا ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذَّاتِ" (٢). زاد ابن حبان، والبيهقي في حديث أبي هريرة، والبزار في حديث

стр. 913

أنس: "فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحدٌ فِيْ ضِيْقٍ مِنَ الْعَيْشِ إِلاَّ وَسَّعَهُ، وَلا ذَكَرَهُ فِيْ سَعَةٍ إِلاَّ ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ" (١). وهاذم - بالذال المعجمة - أي: قاطع. وروى البخاري، وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: "كُنْ فِيْ الدُّنْيا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ، أَوْ عابِرُ سَبِيْلٍ". قال: وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (٢). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الموت"، والطبراني في "الصغير" عنه - أيضاً - قال: أتيت رسول الله ﷺ عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله! مَنْ أكيسُ الناس، وأحزم الناس؟ قال: "أكثَرُهُمْ ذِكْراً لِلْمَوْتِ، وَأَكْثَرُهُمُ اسْتِعْداداً لِلْمَوْتِ؛ أُوْلَئِكَ الأكيَاسُ، ذَهَبُوْا بِشَرَفِ الدُّنْيَا، وَكَرامَةِ الآخِرَةِ" (٣).

стр. 914

وروى ابن أبي الدنيا عن السدي في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]؛ قال: أيكم أكثر للموت ذكراً، وله أحسن استعداداً، ومنه أشد خوفاً وحذراً (١). قال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو العباس الثقفي قال: دخل أبو محمد اليماني على أبي النصر هاشم بن القاسم يعوده، فقال: [من مجزوء الرجز] ألْهَىْ جَهُوْلاً أَمَلُهْ ... يَمُوْتُ مَنْ جا أَجَلُهْ وَمَن دنَا مِنْ حَتْفِهِ ... لَمْ تُغْنِ عَنْهُ حِيَلُهْ وَكَيْفَ يَبْقَىْ آخِرٌ ... قَدْ ماتَ عَنْهُ أَوَّلُهْ (٢) وقيل: إن هذه الأبيات وجدت في صخرة منقورة عند قبر إبراهيم ﵇، وفيها بيت زائد، وهو: [من مجزوء الرجز] وَالْعَبْد لا يَصْحَبُهُ ... فِيْ الْقَبْر إِلا عَمَلُهْ (٣)

стр. 915

٧٢ - ومنها: زيارة القبور للرجال، والسَّلام على سكانها: روى مسلم عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "كُنْتُ نهيْتُكُمْ عَنْ زِيارَة الْقُبُوْرِ؛ فَزُوْرُوْهَا" (١). ورواه ابن ماجه عَن ابن مسعود ﵁ بنحوه، وزاد: "فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِيْ الدُّنْيَا، وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ" (٢). والحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه، وزاد: "فَإِنَّهَا تُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ، وَلا تَقُوْلُوْا هُجْراً (٣) " (٤). وروى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ كان يخرج كلما كان ليلتها من الليل إلى البقيع، فيقول: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِيْنَ، وَأَتاكُمْ ما تُوْعَدُوْنَ، غَدًا مُؤَجَّلُوْنَ، وَإِنا إِنْ شاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُوْنَ؛ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيع الْغَرْقَدِ" (٥). وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا الفضل بن جعفر، ثنا غزوان بن عبد الرحمن بن غزوان، قال: كنت جالساً مع أبي بالبصرة إذ أقبل شيخ على حمار في عنقه حبل ليف، والشيخ حافٍ عليه صوف، حتى وقف علينا،
следующие страницы →