← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

إليهم، فقال: سبحان الله! هل تدرون ما مثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل، فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين، فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني أذى هذا المطر، فدخل، فإذا بيت لا سقف له، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير، فإذا أنتم أصحاب دنيا، وقام عنهم (١). وعن سالم بن أبي الجعد رحمه الله تعالى قال: قيل لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: إن أبا سعد بن منبه أعتق مئة محرر، فقال: إن مئة محرر من مال رجل لكثير، وإن شئتم أنبأتكم مما هو أفضل من ذلك؛ إيمان ملزوم بالليل والنهار، ولا يزال لسانك رطبا من ذكر الله (٢). وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: يا أبا عبد الرحمن! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع؛ لأن الله ﵁ يقول في كتابه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (٣). وفي رواية عبد الله في "زوائده": ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع (٤).

стр. 912

وأخرجه والده في "المسند" - مرفوعاً - دون قولهم لمعاذ: ولا الجهاد؟ إلى آخره (١). والأحاديث والآثار في فضل الذكر لا تحصى. ٧١ - ومنها: الإكثار من ذكر الموت، وقصر الأمل: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وروى الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والطَّبراني في "الأوسط"، والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه، وأبو نعيم عنه، وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قالوا: قال رسول الله ﷺ : "أَكْثِرُوْا ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذَّاتِ" (٢). زاد ابن حبان، والبيهقي في حديث أبي هريرة، والبزار في حديث

стр. 913

أنس: "فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحدٌ فِيْ ضِيْقٍ مِنَ الْعَيْشِ إِلاَّ وَسَّعَهُ، وَلا ذَكَرَهُ فِيْ سَعَةٍ إِلاَّ ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ" (١). وهاذم - بالذال المعجمة - أي: قاطع. وروى البخاري، وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: "كُنْ فِيْ الدُّنْيا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ، أَوْ عابِرُ سَبِيْلٍ". قال: وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (٢). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الموت"، والطبراني في "الصغير" عنه - أيضاً - قال: أتيت رسول الله ﷺ عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله! مَنْ أكيسُ الناس، وأحزم الناس؟ قال: "أكثَرُهُمْ ذِكْراً لِلْمَوْتِ، وَأَكْثَرُهُمُ اسْتِعْداداً لِلْمَوْتِ؛ أُوْلَئِكَ الأكيَاسُ، ذَهَبُوْا بِشَرَفِ الدُّنْيَا، وَكَرامَةِ الآخِرَةِ" (٣).

стр. 914

وروى ابن أبي الدنيا عن السدي في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]؛ قال: أيكم أكثر للموت ذكراً، وله أحسن استعداداً، ومنه أشد خوفاً وحذراً (١). قال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو العباس الثقفي قال: دخل أبو محمد اليماني على أبي النصر هاشم بن القاسم يعوده، فقال: [من مجزوء الرجز] ألْهَىْ جَهُوْلاً أَمَلُهْ ... يَمُوْتُ مَنْ جا أَجَلُهْ وَمَن دنَا مِنْ حَتْفِهِ ... لَمْ تُغْنِ عَنْهُ حِيَلُهْ وَكَيْفَ يَبْقَىْ آخِرٌ ... قَدْ ماتَ عَنْهُ أَوَّلُهْ (٢) وقيل: إن هذه الأبيات وجدت في صخرة منقورة عند قبر إبراهيم ﵇، وفيها بيت زائد، وهو: [من مجزوء الرجز] وَالْعَبْد لا يَصْحَبُهُ ... فِيْ الْقَبْر إِلا عَمَلُهْ (٣)

стр. 915

٧٢ - ومنها: زيارة القبور للرجال، والسَّلام على سكانها: روى مسلم عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "كُنْتُ نهيْتُكُمْ عَنْ زِيارَة الْقُبُوْرِ؛ فَزُوْرُوْهَا" (١). ورواه ابن ماجه عَن ابن مسعود ﵁ بنحوه، وزاد: "فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِيْ الدُّنْيَا، وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ" (٢). والحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه، وزاد: "فَإِنَّهَا تُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ، وَلا تَقُوْلُوْا هُجْراً (٣) " (٤). وروى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ كان يخرج كلما كان ليلتها من الليل إلى البقيع، فيقول: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِيْنَ، وَأَتاكُمْ ما تُوْعَدُوْنَ، غَدًا مُؤَجَّلُوْنَ، وَإِنا إِنْ شاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُوْنَ؛ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيع الْغَرْقَدِ" (٥). وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا الفضل بن جعفر، ثنا غزوان بن عبد الرحمن بن غزوان، قال: كنت جالساً مع أبي بالبصرة إذ أقبل شيخ على حمار في عنقه حبل ليف، والشيخ حافٍ عليه صوف، حتى وقف علينا،

стр. 916

فسلم على أبي، فأحفل أبي بالمسألة به، وقال: من أين أقبلت؟ فقال: فكرت في هذا العسكر ليلاً، فغدوت عليهم، فقلت: [من مجزوء الكامل] وَعَظَتْكَ أَجْداثٌ صُمُتْ ... وَبَكَتْكَ سَاكِتَةٌ خُفُتْ وَتَكَلَّمَتْ عَنْ أَعْظُمٍ ... تَبْلَىْ وَعَنْ صُوَرٍ سُبُتْ وَأَرتَكَ قَبْرَكَ فِيْ الْقُبُوْ ... رِ وَأَنْتَ حَيٌّ لَمْ تَمُتْ ثم ولى غير بعيد، ثم أقبل فقال: وَلَرُبَّمَا انْصَرَفَ الشِّمَا ... تُ فَحَلَّ بِالْقَوْمِ الشُّمُتْ وهذا الشيخ هو أبو العتاهية، والأبيات معروفة له (١). ٧٣ - ومنها: قيام الليل، والتهجد، وهو الصلاة بعد رقدة كما في الحديث: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]. وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]. وروى الإمام أحمد، ومسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ فِيْ اللَّيْلِ ساعَةً لا يُوَافِقُهَا عَبدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ فِيْهَا خَيْراً إِلاَّ أَعْطاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ" (٢).

стр. 917

وروى الإمام أحمد عن بلال رضي الله تعالى عنه، والترمذي، والحاكم، والبيهقي عنه، وعن أبي أمامة ﵁، وابن السني عن جابر رضي الله تعالى عنه، والطبراني في "الكبير" عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، وابن عساكر عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه قالوا: قال رسول الله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَىْ اللهِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ، وَتَكْفِيْرٌ لِلسَّيِّاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا عن إسماعيل بن مسلم قال: قيل للحسن رحمه الله تعالى: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره نوراً (٢).

стр. 918

وعن أبي سعيد، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَيْقَظَ امْرَأتهُ، فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيْعاً، كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ اللهَ كَثِيْراً، وَالذَّاكِرَاتِ" (١). وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: بحسب الرجل من الخيبة - أو قال: من الشر - أن يبيت ليلة لا يذكر الله حتَّى يصبح، فيصبح وقد بال الشيطان في أذنه (٢). وروى الإمام أحمد، وابن حبان (٣)، والبيهقي عن أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ : أنه قال: "إِنَّ فِيْ الْجَنَّةِ غُرَفاً، يُرَىْ ظاهِرُها مِنْ باطِنِها، وَباطِنُها مِنْ ظاهِرِها، أَعَدَّها اللهُ تَعالَى لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعامَ، وَأَلانَ الْكلامَ، وَتابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّىْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيامٌ" (٤). وأنشد أبو سعيد في "الحدائق" لبعضهم: [من المنسرح] طُوْبَىْ لِعَبْدٍ بِعَيْشِهِ قَنِعَا ... فَالْتَحَفَ الزُّهْدَ وَارْتَدَى الْوَرَعا

стр. 919

وَكانَ لِلصَّالِحِيْنَ مُتَّبِعاً ... وَعَنْ جَمِيع الْفُضُوْلِ مُنْقَطِعا راقَبَ مَوْلاهُ خائِفاً وَجِلاً ... وَفِيْ رِضاهُ وَفَضْلِهِ طَمِعا أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ وَاسْتَعَذَلَهُ ... لمَّا رَأَىْ شَيْبَ رَأْسِهِ سَطَعَا طالَعَ دُنْياهُ ثُمَّ هاجَرَها ... فَلَمْ يَصِرْ بِالْغُرُوْرِ مُنْخَدِعا صامَ لِمَوْلاهُ ثُمَّ قامَ لَهُ ... قَدْ جَمَعَ الصَّوْمَ وَالْقِيامَ مَعًا * تنبِيْهٌ: قيل لعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: ما نستطيع قيام الليل، قال: أقعدتكم ذنوبكم (١). وقال الحسن رحمه الله تعالى: إن العبد ليذنب الذَّنب فيحرم به قيام الليل (٢). رواهما ابن أبي الدنيا. ٧٤ - ومنها: استحباب العزلة عند فساد الزمان، أو الخوف من الفتنة في الدين، والوقوع في حرام، أو شبهة: قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] وروى الشيخان عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال: "رَجُلٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ، وَمالِهِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ"، قال: ثم من؟ قال: "رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِيْ شِعْبٍ مِنَ الشِّعابِ

стр. 920

يَعْبُدُ ربهُ"، وفي رواية: "يَتَّقِيْ اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن إسماعيل بن أمية قال: قال عمر ﵁: إن في العزلة لراحةً من خُلاَّط السوء (٢). وعن حفص بن عاصم قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: خذوا بحظكم من العزلة (٣). وروى ابن أبي الدُّنيا في "العزلة" عن بكير، أو يعقوب بن الأشج: أن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهما: لزما بيوتهما بالعقيق، فلم يكونا يأتيان المدينة لجمعة، ولا لغيرها حتى ماتا بالعقيق (٤). وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أنه قال: والله لوددت أن بيني وبين الناس باباً من حديد؛ لا يكلمني أحد، ولا أكلمه حتَّى ألقى الله (٥).

стр. 921

وعن هشام بن عروة رحمهما الله تعالى قال: لما اتخذ عروة قصره بالعقيق قال له الناس: جفوت مسجد رسول الله ﷺ ، قال: إني لما رأيت مساجدكم لاهية، وأسواقكم غافلة، والفاحشة في فجاجكم فاشية، كان فيما هنا عفا أنتم فيه عافية (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وولده في "زوائده" عن خليد بن عبد الله العصري رحمه الله تعالى قال: المؤمن لا تلقاه إلا في ثلاث: مسجد يعمره، وبيت يستره، أو حاجة من أمر دنياه لا بأس بها (٢). ٧٥ - ومنها: التفرغ للعبادة، علماً، وعملاً، ونية: قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧، ٨]. وروى الحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: تلا رسول الله ﷺ : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] الآية، ثم قال: "يَقُوْلُ اللهُ تَعالَىْ: ابْنَ آدَمَ! تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِيْ أَمْلأْ صدْرَكَ غِنَى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وإِنْ لا تَفْعَلْ مَلأْتُ صَدْرَكَ شُغْلاً، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرك" (٣).

стр. 922

وروى الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم عن أبي الدَّرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَفَرَّغُوْا مِنْ هُمُوْمِ الدُّنْيا ما اسْتَطَعْتُمْ؛ فَإِنَّ مَنْ كانَتِ الدُّنْيَا كثَرَ هَمِّهِ أَفْشا اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَمَنْ كانَتِ الآخِرَةُ أَكْثَرَ هَمِّهِ جَمَعَ اللهُ لَهُ أُمُوْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِيْ قَلْبِهِ، وَمَا أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَىْ اللهِ إِلاَّ جَعَلَ اللهُ قُلُوْبَ الْمُؤْمِنِيْنَ تَفِدُ إِلَيْهِ بِالْوِدّ، وَالرَّحْمَةِ، وَكانَ اللهُ إِلَيْهِ بِكُلِّ خَيْرٍ أَسْرَعَ" (١). وقوله في الحديث: "أكبر همه" بالباء الموحدة. وفي نسخة صحيحة من "الحلية": (أكثر) بالمثلثة، وكلاهما صحيح. وروى أبو نعيم عن أبي موسى الطرسوسي رحمه الله تعالى قال: ما تفرغ عبد لله ساعة، إلا نظر الله إليه بالرحمة (٢). ٧٦ - ومنها: الاختلاط. بالناس لحضور جمعهم وجماعاتهم، وحضور مشاهد الخير، ومجالس الذِّكر معهم، وعيادة مرضاهم ،

стр. 923

وشهود جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وإفشاء السَّلام فيهم، وتشميت عاطسهم، وزيارة صالحيهم، وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء، وصبر على الأذى. لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وللأحاديث الواردة في فضل ذلك؛ فإن لم يكن بتلك الصفة= وما أعز من يتصف بها في زمانك هذا وأنت بعد تمام عشرة قرون كل قرن مئة عام، وقد عددت عدة أعوام من القرن الحادي عشر من هجرة سيد البشر ﷺ = فليس له أن يختلط بالناس إلا للضرورة التي أشرت إليها. وعولت في أبيات قلتها قديماً عليها: [من الكامل] هَذَا زَمانُ الصَّبْرِ لَمْ يَعْرِفْ بِهِ ... وَبِحالِهِ إِلَّا اللَّبِيْبُ الْحَاذِقُ خانَ الأَمِيْنُ بِهِ وَخانَ الْواثِقُ ... وَنَأَىْ الصَّدِيْقُ بِهِ وَمانَ الصَّادِقُ فَعَلَيْكَ فِيْهِ بِعُزْلَةٍ مَحْفُوْظَةٍ ... عَنْ كُلِّ ما لا يَرْتَضِيْهِ الْخالِقُ إِلاَّ لِعِلْمٍ أَوْ لِهَمِّ مَعِيْشَةٍ ... فَاخترْ لِصُحْبَتِكَ الَّذِيْ بِكَ لائِقُ

стр. 924

فَلَئِنْ لسَمِعْتَ وَصِيَّتِيْ وَنَصِيْحَتِيْ ... فَلأَنْتَ حَقًا فِيْ الْقِيامَةِ سابِقُ وقولنا: فاختر لصحبتك الذي بك لائق؛ أي: إنك إذا احتجت إلى الاختلاط بالناس فلا تخالط إلا من يليق بك من المؤمنين دون الفاسقين والمنافقين. قال رسول الله ﷺ : "لا تُصاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِناً، وَلا يَأْكُلْ طَعامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ". رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه (١). وروى الطبراني - ومن طريقه أبو نعيم - عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: "يَا عَلِيُّ! اسْتَكْثِرْ مِنَ الْمَعارِفِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ؛ فَكَمْ مِنْ مَعْرِفَةٍ فِيْ الدُّنْيا بَرَكَةٌ فِيْ الآخِرة"، فمضى علي، فأقام حيناً لا يلقى أحداً إلا اتخذه للآخرة، ثم جاء من بعد، فقال له رسول الله ﷺ : "ما فَعَلْتَ فِيْما أَمَرْتُكَ؟ " قال: قد فعلت يا رسول الله، فقال له النبي ﷺ : "اذْهَبْ فَابْلُ أَخْبَارَهُمْ"، فأتى على النبي ﷺ وهو منكس رأسه، فقال له النبي ﷺ

стр. 925

وتبسم: "ما أَحْسِبُ يَا عَلِيُّ ثَبَتَ مَعَكَ إِلَّا أَبْنَاءُ الآخِرَةِ"، فقال له علي: لا والذي بعثك بالحق، فقال له النبي ﷺ : "الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدَوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِيْنَ، يَا عَليُّ! أَقْبِلْ عَلَىْ شَأْنِكَ، وَامْلِكْ لِسانَكَ، وَاعْقِلْ مَنْ تُعَاشِرُ مِنْ أَهْلِ زمَانِكَ، تَكُنْ سالِماً غانِماً" (١). وقوله: "واعقل من تعاشر"؛ أي: تعرف من تعاشره قبل معاشرته؛ فإن كان من أبناء الآخرة فعاشره، وإلا فلا تحفل به. أو المعنى: تعرف حال من تعاشره حتى تعاشره بما يليق به من ملاءمة، ومودة، أو مداراة، وحلم، وصبر، واحتمال أذى، وغير ذلك. وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "الْمُؤْمِنُ الَّذِيْ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِيْ لا يُخَالِطُ النَّاسَ". رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه (٢). وروى الأولان، وحسنه الترمذي، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، والإمام أحمد، والترمذي، والبيهقي عن معاذ رضي الله تعالى عنه، وابن عساكر عن أنس رضي الله تعالى عنه قالوا: قال رسول الله ﷺ : "اتَّقِ اللهَ ما اسْتَطَعْتَ، وَأتبعِ السَّيِّئةَ

стр. 926

الْحَسَنَةَ تَمْحُها، وَخالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (١). أنشدنا شيخ الإسلام والدي لنفسه عقب إملائه لهذا الحديث: [من الرمل] اتَّقِ اللهَ تَعَالَىْ ما اسْتَطعْـ ... ـتَ وَأتبعْ سَيِّئَاتٍ حَسَنَةْ خالِقِ النَّاسَ بِخُلْقٍ حَسَنٍ ... ذا الْحَدِيْثُ التِّرْمِذِيْ قَدْ حَسَّنَهْ وله في المعنى ما كتبه لولده الشيخ المحقق العلامة العارف بالله تعالى الفهامة شهاب الدين أحمد رحمه الله تعالى وصية له، وهي من أنفع الوصايا، وأليقها بهذا المقام: [من الكامل] السْمَعْ بُنَيَّ وَصِيَّتِيْ وَاعْمَلْ بِهَا ... تَبْلُغْ مِنَ الْخَيْرِ الْجَزِيْلَ الْمُنْتَهَىْ

стр. 927

لا تَعْتَمِدْ فِيْ حاجَةٍ إِلاَّ عَلَىْ ... مَوْلَىَ تُقَدِّسْ مَجْدَهُ وَتُنَزِّهَا وَارْفَعْ إِلَىْ الرَّحْمَنِ كُلَّ مُلِمَّةٍ ... وَاخْضَعْ إِلَيْهِ تَمَسْكُنًا وَتألُّهَا وَاخْشَ الْمُهَيْمِنَ وَأْتِ ما يَرْضَىْ بِهِ ... وَاحْذَرْ تَكُنْ مِمَّنْ بِدُنْيَاهُ الْتَهَىْ وَاتْبَعْ هُدَىْ خَيْرِ الأَنامِ وَهَدْيَهُ ... وَأَطِعْ أَوَامِرَهُ وَحُدْ عَمَّا نهىْ وَتَجَنَّبِ الْمَحْظُوْرَ جَهْدَكَ وَاجْتَنِبْ ... مَكْرُوْهَ أَفْعالٍ وَإِنْ تَكُ مُكْرَها وَالْخَلْقَ خَالِقْهُمْ عَلَىْ حَذَرٍ وإنْ ... تَصْحَبْ فَأَهْلَ الدِّيْنِ مِنْ أَهْلِ النُّهَىْ وَلَئِنْ جَنَحْتَ إِلَىْ اعْتِزالِكَ عَنْهُمُ ... أُعْطِيْتَ عِزًّا مِنْ إِلَهِكَ مَعْ بَهَا وَاقْنَعْ تَكُنْ حُرًّا بِدَوْلَتِهِ زَهَىْ ... وَاطْمَعْ تَكُنْ عَبْداً بِذِلَّتِهِ وَهَىْ

стр. 928

وإِذا حَصَلْتَ عَلَىْ الْمَرامِ مِنَ اللَّهَىْ ... فَاقْصُرْ فَكافٍ كُلُّ ما سَدَّ اللَّها وَاحْبِسْ زِمامَ النَّفْسِ مِنْ غُلَوائِهَا ... فَالنَّفْسُ تَطْلُبُ كُلَّ شَيْءِ مُشْتَهَى وَبقَدرِ ما نالَتْ تُحَاسَبُ فيْ غَدٍ ... فَاقْنع بِما تُعْطَى فَذَلِكَ حَسْبُها

стр. 929

فَصْلٌ وإذا احتجت إلى الاختلاط بالصالحين، توظفت عليك وظائف هي من أخلاق الصَّالحين وصفاتهم، وجميعها داخل في المخالقة المأمور بها في الحديث؛ كالتواضع، وخفض الجناح للمؤمنين، وتحسين الخلق معهم، والحلم عليهم، والتأني، والرفق بهم، وعدم الحنق والغضب منهم إلا إذا انتهكت حرمات الشرع، فيتعين الغضب لله تعالى، والانتصار لدينه لا للنفس، والعفو والإعراض عن الجاهلين، واحتمال الأذى، وإذا كنت والياً على أمر من أمور المسلمين تأكَّدَ في حقك الرفق برعاياهم، والنصيحة لهم، والشفقة عليهم، والتباعد عن عتبهم، والذب عن أعراضهم ودمائهم وأموالهم، والاهتمام بمصالحهم، والحذر من الغفلة عنهم، والإهمال لهم، ومراعاة العدل فيهم، وفيما بينهم، والتحرز عن الظُّلم، ولو في شيء قليل، وإذا اتخذت عليهم وزيراً أو عاملاً أو والياً أو قاضياً، تحرَّيتَ أن يكون عادلاً صالحاً، وحذرته من ظلمهم، وإهمال مصالحهم، والتحجب عنهم، وإذا أمكنك أن تكون مأموراً لا أميراً فهو أحب وأولى. وإياك من سؤال الإمارة، وطلبها؛ فإنك توكل إليها، كما ورد في

стр. 930

الحديث (١)، وإن قلدتها من غير طلب منك أعنت عليها. وقد روى ابن أبي الدُّنيا في "العقوبات" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "لَنْ تَهْلَكَ الرَّعِيَّةُ - وإِنْ كانَتْ ظالِمَةً مُسِيْئَة - إِذا كانَتِ الْوُلاةُ هادِيَةً مَهْدِيَّة، وإنَّمَا تَهْلَكُ إِذا كانَتِ الْوُلاةُ ظَلَمَةً مُسِيْئَة" (٢). وهذا يستدل له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] أي: أمرنا زعماءها وأكابرها بالطَّاعة، فعصوا، وفسقوا. قال عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: إذا لم يل الوالي لله، ولم يؤد المولى ما عليه من حق الله، فاحذروا مكر الله وأخذه، فقد أَحَقَّ الشر عليكم. رواه ابن أبي الدُّنيا أيضاً. وإذا كنت موليًا فعليك بطاعة ولاة الأمور، ولو كان عبداً حبشياً، في غير معصية الله تعالى، وإيّاك أن تطيعهم ولو في قليل منها، إلا أن تخاف على نفس أو عرض أو مال. قال رسول الله ﷺ : "عَلَىْ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فِيْما أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ لما رواه الشيخان عن ابن

стр. 931

عمر رضي الله تعالى عنهما (١). وقد استوفى النووي رحمه الله تعالى أدلة هذا الفصل في كتابه (٢) وغيره، وتقدم الكلام على بعضها، ولعل بقيتها نذكرها - أو أكثرها - في أثناء كتابنا هذا. وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "المداراة" قال: حدثني محمَّد بن الحسين قال: حدَّثني الأصمعي قال: لما حضرت جدي علي بن الأصمع الوفاة جمع بنيه فقال: أي بَنِيَّ! عاشروا الناس معاشرةً إن غبتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم (٣). وروى أبو نعيم عن محمَّد ابن الحنفية رحمه الله تعالى قال: ليس بحكيم من لم يعاشر بمعروف من لا يجد من معاشرته بداً، حتى يجعل الله له فرجاً ومخرجاً (٤).

стр. 932

فَصْلٌ ومن الوظائف التي تتوظف على من يخالط الناس: استعمال الآداب الشرعية في محالِّها؛ فإنه بذلك يتشبه بالصالحين في مخالطتهم الناس ﵃، فعليك أن تتشبه فيها إذا أردت اللحاق بهم، وإلا كنت حاكياً عنهم لا متشبهاً بهم. وما أحسن ما أنشده القاضي الماوردي في "أدبه" لمحمد بن كناسة: [من الكامل] مَا مَنْ رَوَىْ أَدَباً وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ... ويَكُفَّ عَنْ زيْغِ الْهَوَىْ بِأَدِيْبِ حَتَّىْ يَكُوْنَ بِما تَعَلَّمَ عامِلاً ... مِنْ صالح فَيَكُوْنَ غَيْرَ مَعِيْبِ وَلَقَلَّمَا تُغْنِيْ إِصابَةُ قائِل ... أَفْعَالُهُ أَفْعَالُ غَيْرِ مُصِيْبِ (١)

стр. 933

والأدب عبارة عن حمل النفس على ما يُطلب ويُستحسن شرعاً، وليس المراد به ما استحسنه الأعاجم والمترفون؛ فإن هذا قد يخالف الشريعة والسنة، كاستعمال الأخونة، ورفع الطعام عن الآكلين، وارتفاع الآكل عن الطعام، وقيام الخدمة على الرؤوس وهم يأكلون، وكإطالة الأذيال، وقيامهم بين يدي كبرائهم، وركوعهم لهم إذا دخلوا عليهم، والقيام لهم عند دخولهم وخروجهم، وعند شربهم وعطاسهم دون التلفظ بالتشميت، وتقبيل الأرض بين أيديهم دون الابتداء بالسَّلام المسنون، إلى غير ذلك من آدابهم؛ فليس ذلك من الأدب في شيء، وقد نهينا عن التشبه بالأعاجم، كما سيأتي الكلام على ذلك في القسم الثاني من الكتاب. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في "الرسالة": حقيقة الأدب اجتماع خصال الخير، ومقتضاه أنه لو تأدب في حالة، وترك الأدب في حالة لم يكن أديباً حتى يعطي كل حال وكل مقام ما يستحقه من الأدب، كما قيل: [من الطويل] إِذَا نَطَقَتْ جاءَتْ بِكُلِّ فَصاحَةٍ ... وإِنْ سَكَتَتْ جاءَتْ بِكُلِّ مَلِيْحِ (١) قلت: وقد وقعت الإشارة إلى طلب الأدب من العبد في كل حال بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ

стр. 934

أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ فإنه إذا كان مطلعاً على ما في النفوس، عليماً بما تخفي الصدور، فاطلاعه على الظواهر أظهر. على أنه قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: ٧]؛ فأنت في ظاهرك وباطنك بمرأى منه ومسمع، فلا ينبغي لك أن تخل بأدب مطلوب ظهوره على ظاهرك، أو حصوله في باطنك في حال أصلاً، سواء كان الأدب بينك وبينه، أو بينك وبين خلقه، والله الموفق. وقال أبو الحسين النوري رحمه الله تعالى: من لم يتأدب للوقت، فَوَقْتُهُ مَقْتٌ. وعقد الجد شيخ الإسلام الجد رضي الله تعالى عنه في "الجوهر الفريد في أدب الصوفي والمريد" بقوله: [من الرجز] مَنْ لَمْ يَكُنْ ذا أَدَبٍ فِيْ الْوَقْتِ ... عادَ عَلَيْهِ وَقْتُهُ بِالْمَقْتِ فيتعين مطالبة النفس بالأدب في كل حين؛ لأنه قد لا يوافق أخلاقها فيحملها عليه، ولا يسامحها في شيء منه وإن قل؛ فإن الحاجة إلى الأدب شديدة الاهتمام. ومن ثم قال الإمام عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه: نحن

стр. 935

إلى قليل من الأدب، أحوج منا إلى كثير من العلم (١). وبيانه: أن العلم محبوب للنفس كله، وهي متطلبة إلى التلبس به أبداً، كما قال النبي ﷺ : "مَنْهُوْمانِ لا يَشْبَعانِ: طالِبُ عِلْمٍ، وَطالِبُ دنْيا". رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه (٢). بخلاف الأدب؛ فإنه خلف هوى النفس غالباً، ومن ثم سميت عقوبة العبد على الأدب تأديباً وأدباً. ثم الأدب لا يتيسر من جهة النفس حتى يعاشر أهل الأدب، ويخالطهم، ويذل لهم، ويغتنم صحبتهم قبل فوات أحيانهم، وتغيب أعيانهم. ومنذ زمان طويل قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: طلبنا الأدب

стр. 936

حين فات المؤدبون. رواه عنه القشيري في "الرسالة" (١). وحكى عنه فيها تلك المقالة، وذكر فيها - أيضاً - القصة المعروفة عن الجنيد رضي الله تعالى عنه: أن السَّرِيَّ السَّقَطِيَّ رحمه الله تعالى استقضاه في حاجة، فقضاها له سريعاً، قال: فلما رجعت إليه ناولني رقعة، وقال: هذا لمكان قضاء حاجتك لي سريعاً، فقرأت الرقعة فإذا فيها: سمعت حادياً يحدو في البادية: [من الرجز] أَبْكَيْ وَما تَدْرينَ ما يُبْكِيْنيْ ... أَبْكِيْ حِذَارَ أَنْ تُفَارِقِيني وَتَقْطَعِيْ حَبْلِيْ وَتَهْجُرِيْنيْ (٢) وقد أنزل الله تعالى نبيه ﷺ من الأدب بالمنزلة العليا، وخصه منه بالآية الكبرى حتى صار أهلاً لمناجاته، ومشافهته في ليلة الإسراء التي خصه بها دون سائر الأنبياء، ثم حفظ عليه الأدب في تلك الحالة، كما وصفه به في قوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]، ثم أمره بحفظ الأدب في سائر أحيانه بألطف الإشارة في قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩]؛ عبر بالقيام عن مطلق الحركة؛ أي: حين تتحرك في أي أمر كان، وفي أي وقت كان، فاحفظ الأدب فيه؛ فإني مطلع عليك في سائر حركاتك وفي صلاتك.

стр. 937

فالأدب الذي يكون به العبد متشبهاً بالصَّالحين هو الأدب الذي أدَّب الله به نبيه ﷺ ، وأمره أن يؤدب به النَّاس. روى العسكري في "أمثاله" عن علي رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أَدَّبَنِيْ رَبِّيْ فَأَحْسَنَ تأْدِيْبِي" (١). ورواه ابن السمعاني من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وزاد فيه: "ثُمَّ أَمَرَنِيْ بِمَكارِمِ الأَخْلاقِ، وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية" (٢). روى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ أَمَرنيْ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مِمَّا عَلَّمَنِيْ، وَأَنْ أُوَادِبَكُم"، الحديث (٣). وروى البيهقي في "الشعب" عن سمُرة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "كُلُّ مُؤْدِبٍ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَىْ مآدبه، وأدب اللهِ الْقُرآنُ فَلا تَهْجُرُوْهُ" (٤).

стр. 938

وروى الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ يُؤْدِبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ" (١). قلت: الصاع في الحديث مبهم، فيحتمل أن يكون المراد صاعاً من طعام، وهو المتبادر، ويحتمل أن يكون صاعاً من ذهب أو دُرٍّ، والأدب في نفس الأمر أنفس من ذلك، فلا عَدَّ فيه، والله الموفق. وروينا في "رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري" رحمه الله تعالى عن أبي نصر الطوسي رحمه الله تعالى قال: الناس في الأدب على ثلاث طبقات: أما أهل الدنيا أكثر آدابهم في الفصاحة، والبلاغة وحفظ العلوم، وأسمار الملوك، وشعر العرب. وأما أهل الدين فأكثر آدابهم في رياضة النفوس، وتأديب الجوارح، وحفظ العهود، وترك الشهوات. وأما أهل الخصوص فأكثر آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة

стр. 939

الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواقف الطلب، وأوقات الحضور، ومقامات القرب (١). وقد ذكر الإمام النووي في كتاب الآداب من "رياضه" جملة ينبغي أن نشير إليها، ونأتي مع الاختصار عليها مع ما فتح الله به، وضُمَّ إليها: ١ - فمنها: الحياء . روى البخاري عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْحَيَاءُ لا يَأتِيْ إِلَّا بِخَيْرٍ" (٢). وروى مسلم، وأبو داود عنه - أيضاً -: أن رسول الله ﷺ قال: "الْحَيَاءُ خَيرٌ كُلُّهُ" (٣). وذكر الماوردي عن الرياشي قال: يقال: إن أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه كان يتمثل بهذا الشعر: [من البسيط] وَحاجَةٍ دُوْنَ أُخْرَىْ قَدْ سَنَحْتُ لَهَا ... جَعَلْتُهَا لِلَّتِيْ أَخْفَيْتُ عُنْوَاناً إِنِّيْ كَأَنِّي أَرَىْ مَنْ لا حَيَاءَ لَهُ ... وَلا أَمَانَةَ وَسْطَ الْقَوْمِ عُرْيَانَا (٤)

стр. 940

قال النووي: قال العلماء: حقيقة الحياء خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق (١). انتهى. قلت: وهذا مفهوم من الحديث: "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كلامِ النُّبُوَّةِ الأُوْلَىْ: إِذا لَمْ تَسْتَح فَاصْنَعْ ما شِئْت". رواه الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، وابن ماجه من حديث أبي مسعود البدري ﵁، والإمام أحمد من حديث حذيفة ﵁ (٢). وأنشدوا في المعنى: [من الوافر] وَرُبَّ قَبِيْحَةٍ ما حالَ بَينيْ ... وَبيْنَ رُكُوْبِها إِلاَّ الْحَياءُ وَكانَ هُوَ الدَّواءَ لَهَا وَلَكِنْ ... إِذا ذَهَبَ الْحَياءُ فَلا دَواءُ إِذا لَمْ تَخْشَ عاقِبَةَ اللَّيالِيْ ... وَلَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا تَشاءُ فَلا وَاللهِ ما فِيْ الْعَيْشِ خَيْرٌ ... وَلا الدُّنْيا إِذا ذَهَبَ الْحَياءُ

стр. 941

يَعِيْشُ الْمَرْءُ ما اسْتَحْيَى بِخَيْرٍ ... وَيبْقَىْ الْعُوْدُ ما بَقِيَ اللِّحَاءُ وروى الإمام أحمد، والترمذي، والأستاذ أبو القاسم القشيري، والحاكم، والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن نبي الله ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: "اسْتَحْيُوْا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَياءِ"، قالوا: إنا نستحي يا نبي الله، قال: "لَيْسَ ذاكَ، وَلَكِنَّ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَياءِ فَيَحْفَظُ الرَّأْسَ وَما وَعَىْ، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَما حَوَىْ، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وْالْبِلَىْ، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِيْنَةَ الدُّنْيَا؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ" (١). قلت: لم يقبل منهم ﷺ دعوى الحياء، بل بين لهم أن الحياء ليس بالدعوى، بل ببذل المجهود في طلب مرضاة المعبود بالاشتغال به دون الاشتغال بشيء سواه.

стр. 942

وقال القشيري: سمعت الأستاذ أبا علي الدَّقاق رحمه الله تعالى يقول: الحياء ترك الدعوى بين يدي الله تعالى (١). قال: وسئل الجنيد رحمه الله تعالى عن الحياء، فقال: رؤية الآلاء، ورؤية التقصير يتولد منهما، حالة تسمى الحياء (٢). أي: حالة تبعث على شكر الآلاء، وتنزيه النفس عن التقصير في حق ذي النعماء. ٢ - ومنها: إنجاز الوعد، وحفظ العهد، ويدخل فيه صيانة الأسرار: قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وروى مسلم عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أتى عليَّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا، فبعثني في حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: وما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تخبرْ بسر رسول الله ﷺ أحداً. قال أنس رضي الله تعالى عنه: والله لو حدثت به أحداً لحدثتك به يا ثابت (٣).

стр. 943

* تنبِيْهٌ: إذا كان سر الخلق مأموراً بحفظه العبد، ممنوعا من إفشائه؛ فما ظنك بسر الحق ؟ فمهما أَسَرَّ الله تعالى إلى عبد من عباده بشيء من أسراره إلهاماً في اليقظة، أو في المنام، أو أطلعه على غيب من غيوبه، فليس له إفشاؤه إلا إذا أذن له في الإفشاء. وقال أبو بكر الشبلي رحمه الله تعالى: رأيت رب العزة في المنام، فسألته عن الحسين بن منصور (١) رحمه الله تعالى، فقال: إنه عبد من عبيدي استودعته سرًا من أسراري، فأذاعه، ففعلت به ما ترى (٢). وأنشدوا: [من البسيط] مَنْ سارَرُوْهُ فَأَبْدَىْ السِّرَّ مُشْتَهِرَا ... لَمْ يَأمَنُوْهُ عَلَىْ الأَسْرارِ ما عاشَا

стр. 944

وَجانبُوْهُ فَلَمْ يَسْعَدْ بِقُرْبِهِمُ ... وَأَبْدَلُوْهُ مَكَانَ الأُنْسِ إِيْحَاشاً لا يَصْطَفُوْنَ مُذِيْعاً بَعْضَ سِرِّهِمُ ... حاشا وِدَادَهُمُ مِنْ ذَلِكُمْ حاشا وتقدم قول السهروردي المعروف بالشاب الظريف رحمه الله تعالى: بِالسِّرِّ إِنْ باحُوْا تُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ ... وَكَذا دِماءُ الْبائِحِيْنَ تُباحُ (١) وقد أُخِذَ بفتواه، فقتل بحلب في كلام به فَاهَ، وقصة قتله مشهورة، وفي كتب التاريخ مذكورة (٢). ٣ - ومنها: المحافظة على ما اعتاده من الأوراد: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]. وروى الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ! لا تَكُنْ

стр. 945

مِثْلَ فُلانٍ؛ كانَ يَقُوْمُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيامَ اللَّيْلِ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى: أن سليمان ﵇ قال لابنه: يا بُنَيَّ! ما أقبح الخطيئةَ مع المسكنة، وأقبح الضلالةَ بعد الهدى، وأقبحُ من ذلك رجل كان عابداً فترك عبادة ربه (٢). قلت: إنما كان حالُهُ أقبحَ لأن العبد إذا أقبل على الله أقبل الله عليه، فإذا أعرض أعرض عنه، ولا يليق الإعراض إلا عن من يَمَلُّ ويُمَلُّ، وهو لا يَمَلُّ ولا يُمَلُّ. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. نزلت هذه الآية - كما في "الصحيحين" - في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه؛ كان ينفق على مِسْطَح بن أُثَاثة لقرابته منه، وفقره، ثم حلف أن لا ينفق على مسطح شيئاً بعد الذي قال لعائشة رضي الله تعالى عنها ما قال، فأنزل الله الآية، فلما قرأها رسول الله ﷺ على أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: بلى إني أحبُّ أن يغفر الله لي، فرجع

стр. 946

إلى مسطح نفقته، وقال: لا أنزعها عنه أبداً، وكفَّر عن يمينه (١). وفي ذلك إشارة إلى أن من أخلاق الصَّالحين وآدابهم، الانقياد لأمر الله تعالى، وإيثار أمره على حق النفس، والتكفير عن اليمين إذا كان غيرها خيراً منها. وقد روى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَىْ يَمِيْنٍ، فَرَأَىْ غَيْرَها خَيْراً مِنْها، فَلْيَأْتِ الَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ" (٢). ٤ - ومنها: الْحِلْم، وكظم الغيظ، واحتمال الأذى، والعفو عن الناس، والصفح الجميل عنهم، والإحسان إليهم، والإعراض عن الجاهلين: قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢].

стр. 947

وروى مسلم، والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: لأشج عبد القيس: "إِنَّ فِيْكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُوْلُهُ: الْحِلْمُ وَالأَناَةُ" (١). وروى الخطيب عن أنس رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْحَلِيْمُ سَيِّدٌ فِيْ الدُّنْيَا، وَسَيِّدٌ فِيْ الآخِرَةِ". وروى أبو نعيم، وغيره عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ قالَ: يا عِيْسَىْ! إِنّيْ باعثٌ مِنْ بَعْدِكَ أُمَّةَ إِنْ أَصابَهُمْ ما يُحِبُّوْنَ حَمِدُوْا وَشَكَرُوْا، وإنْ أَصابَهُمْ ما يَكْرَهُوْنَ احْتَسَبُوْا وَصَبَرُوْا، وَلا حِلْمَ وَلا عِلْمَ، قالَ: يا رَبِّ! كَيْفَ يَكُوْنُ هَذَا وَلا حِلْمَ وَلا عِلْم؟ قَالَ: أُعْطِيْهِمْ مِنْ حِلْمِيْ وَعِلْمِيْ" (٢). قوله: "وَلا حِلْمَ وَلا عِلْمَ"؛ أي: لا حلم تحلم ودعوى، ولا علم تعلم ودعوى، بل حلماً وعلماً مفاضين عليهم من فيض فضل ليس لهم فيه حول ولا قوة. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى

стр. 948

قال: قال الأحنف بن قيس رضي الله تعالى عنه: إني لست بحليم، ولكن أتحالم (١). ٥ - ومنها -وهو أعم مما قبله -: حسن الخلق: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وروى الإمام أحمد، والنَّسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أسامة بن شريك رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سئل: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: "خُلُق حَسَن" (٢). وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُمْ إِسْلامًا أَحاسِنُكُمْ أَخْلاقًا إِذَا فَقُهُوْا" (٣). وروى ابن ماجه، والحاكم وصححه، عن ابن عمر ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا" (٤).

стр. 949

وروى المستغفري في "مسلسلاته"، وابن عساكر في "تاريخه" عن الحسن بن عليٍّ رضى الله تعالى عنهما: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ أَحْسَنَ الْحُسْنِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ" (١). وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَبيَّ ﷺ قال: "أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى إِبْراهِيْمَ ﵇: يا خَلِيْلِيْ! حَسِّنْ خُلُقَكَ وَلَوْ مَعَ الْكُفَّارِ، تَدْخُلْ مَداخِلَ الأَبْرارِ؛ فَإِنَّ كَلِمَتِيْ سَبَقَتْ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ أَنْ أُظِلَّهُ فِيْ عَرْشِيْ، وَأَنْ أُسْكِنَهُ حَظِيْرَةَ قُدُسِيْ، وَأَنْ أُدْنِيَهُ مِنْ جِوارِيْ". ٦ - ومنها: الرفق: روى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّة مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ" (٢). ورواه ابن أبي الدُّنيا في "ذم الغضب"، والحكيم الترمذي، والخرائطي في "مكارم الأخلاق"، وأبو نعيم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ولفظه: "يَا عائِشَةُ! إِنَّه مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ خَيْرِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ"، الحديث (٣).

стр. 950

وروى مسلم عنها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: "يَا عائِشَةُ! إِنَّ اللهَ رَفِيْق يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِيْ عَلَىْ الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِيْ عَلَىْ الْعُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِيْ عَلَىْ ما سِوَاه" (١). ورواه البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود عن عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه، وابن ماجه، وابن حبان عن أبي هريرة ﵁، والإمام أحمد، والبيهقي عن علي بن أبي طالب ﵁، والبزار عن أنس رضي الله تعالى عنه، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه كلهم بلفظ: "إِنَّ اللهَ رَفِيْق يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِيْ عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِيْ عَلَى الْعُنْفِ" (٢).
следующие страницы →