النظر في أسباب مواريث بني البراء بأمر الأمير أعزه الله
قرأنا – وفقك الله – ما كتب به الأمير – أعزه الله – من النظر بين بني البراء في مواريثهم، وأن تمسك عن انظر بينهم للمعدم، وأن تسمع من البينة فيه، وذكرت أن بينة شهدت عندك في دار من دور البراء أنها رهن لبعض القوم، وفيهم من يرجى تعديله، وذكر مدخلهم أن عنده من البينة سواهم. وقال: بعض: أن تدخل تلك الدار في الميراث معجلاً.
فالذي يجب فيه أن يستأنى في أمر هذا الدار، وتثبت فيها حتى ينكشف لكل حقيقة الأمر، وما يجب به انظر، قال عبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، وقال: ما بيع بيت مال المسلمين من التثبت فيه والاستنابة حتى تنكشف حقيقته وتنضح أسبابه، وقاله ابن وليد، وسعد بن معاذ، وابن لبابة، وغيرهم.
رغبة ابن حمدين أن يخرج من السجن لإحضار كتب يراها الفقهاء، وتوكيل على بيع منية مرهونة، وتنفيذ وصية:
إن الخصومة – أبقاكم الله – تبين عن كل دقيق، فإذا كثر لفظ قول الخصمين أو أحدهما ظهر المستور، وانتقلت الفتيا وصار نظري إلى التوقف بالحادث من كلام الخصوم، وهو الواجب على أن أتوقف عن الشبهة من الأمور، وقد أجبتموني في أمر ابن حمدين جوابًا عقدته بخطوطكم، وتوركت عليه.
فلما خرج ابن حمدين قلت له: إن الكتاب ينطلق بتوكيلهكما المرتهن على بيع الرهن، وأنا إن نظرت فلابد من ثبوت حوز المنية لمعرفة مواقف حدودها، وليكون ما يحتاز منها للوصية معقودًا وتسلط البيع على عين قائمة، فقد كان تنفيذ الوصية إلى حكم الورثة، فقال ابن حمدين: فليمض المرتهن على وكالته في بيع الرهن، فلا يحتاج القاضي إلى موافقة المعضل وهو يجد سبيلاً إلى غيره.
ثم ذلك أن بيده كتبًا فيها علل، وهي كثيرة في اللفظ، ولا أخالها عند العيان إلا أكثر اعتياضًا، وطالب الحق يطلب نظري والمحبوس يرغب في الانطلاق، وأنا مقصور على السنة، بحيث تقدمت أو تأخرت صرت، وأنتم الأئمة، وعن رأيكم أصدر، فاكتبوا إلي برأيكم في ذلك؛ لأعمل به إن شاء الله.
стр. 387
وكان فيما طلب ابن حمدين أن أكتب إلى أصحاب الحبس أن يطلقوه فيمضي إلى إخراج ما عنده من الوثائق التي أحببت أن تسمعوها وتجيبوا عليها فإن يكن من حقه فعلت إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن غالب: قرأنا ما كشف عنه القاضي – وفقه الله – والذي طلب ابن حمدين من الخروج بملطي ليحضر بالكتب من حقه إن شاء الله، إلا أنه إذا أخرج كتبًا بدت فيه معان توجب لبسًا وطولاً في النظر، وامتنع من أجل ذلك بيع الرهن لتحصيل الغلل، ولم يكن له مال غيره، فثبوت ذلك عندك وإطلاقه بالحميل واجب حتى يناظر في الكتب، ويقيم الحجة عن نفسه، وإن كان له مال غير هذا كان محبوسًا حتى يبيع من ماله ما يقضي به عن نفسه، لأن الوثائق تتخذ عدة لمن يكتبها، ليس أن يعني معها ويطول عناؤه، وقاله ابن لبابة.
طلب ورثة أبي ريان التجيبي باليمين أنه ما ورث عن أخيه شيئًا:
أشرتم علي رحمكم الله بوجوب اليمين على التجيي لورثة أبي ريان. إذا ادعى التجيي أنه لم يرث شيئًا عن أخيه الذي استودعه موسى بن زياد، إذ كان قاضيًا قطيعًا من تركة أبي ريان، فأوصت إلى التجيي بما أشرتم به من وجوب اليمين عيه، فقال عندي: ما أسقطها به عن نفسي، فقلت: وما ذلك؟ فقال: بينة عدل تشهد عندك أن أخي مات فقيرًا.
فقال ورثة ريان ليس هذا مما يسقط عنه اليمين، فإن البينة لا تعلم الغيب وإنما تشهد بموته فقيرًا في علمهم، وقد يملك ما لا تعمه البينة؛ من ناض يستتر، وجوهر مما تحويه البيوت، ونحن نقول: إنه هلك عن مالك وصل إلى التجيي، فعرفونا – وفقكم الله – هل يسقط اليمين عن التجيي ما ادعاه من البينة إن شهدت بما قال أم لا؟
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته في ذلك لا تسقط اليمين عن التجيي لو شهد له به عدول أهل قرطبة ألا ترى أن القاضي يحبس المفلس لدين يثبت عليه فيكشف له عدمه وتشهد بذلك بينة على علمها، ولابد من يمينه مع ذلك ما له عوض ولا فرض ولئن رزقه الله ليقضينهن ثم يطلقه القاضي في حبسه، وبذلك قضى أبو بكر وعمر ﵄، ووجبت اليمين، لأن الشهادة في ذلك على العلم، ولو كانت على البت كانت غموسًا.
وكذلك وارث الميت يحلف بالله ما صار إليه من تركته شيء، ولا وجد له مال،
стр. 388
ولا ورثته عنه، وكذلك يحلف التجيي إذا شهدت البينة أنا لا نعلم أنه تخلف مالا، هذا الذي ترى وانتهى إلينا علمه، قاله ابن لبابة.
في التعدي على أعوان القاضي والاستخفاف بهم:
قرأنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة عندك على بني السوسي باستخفافهم وتعديهم، فرأينا شهادات توجب عقوبتهم في انتهاكهم حرمة السلطان واستخفافهم بقضاء المسلمين، وتعديهم على الرسل وعلى الطالب لهم، وإذا لم يحم مثل هذا لمن تأمل أغلظ منه مما يقود إلى فتنة.
ونحن أشرنا عليكم أن توقف هؤلاء إن كانوا زرعوا هذه الأرض التي عقلت لقسمتها بين أهلها ونفذت فيها قضاء محمد بن سلمة قبلك عيهم، قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى.
وأرى أن تستبلغ في التغيير على بني السوس وتعاقبهم بأبلغ العقوبة. وقال بجميعه محمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، وابن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، وطاهر بن عبد العزيز ﵏ أجمعين.
دعوى خصم ابن حكم المدفع فيما قضى به عليه وهو حاضر:
كشفتنا – وفقك الله – عما قام به عندك محمد بن حكم على عبد الله بن محمد وثبوت ذلك الحكم عندك، وشاورتنا بعد ثبوته بالعدول من البينات فيما يجب عليك من النظر في ذلك، فأشرنا بأجمعنا إنك تبيح له المدفع في الشهود الذين شهدوا عندك على إشهاد محمد بن مسلمة إياهم إذا كان قاضيًا بقرطبة على ما ذلك في ذلك الكتاب وما أنفذ فيه القضاء على عبد الله بأبحت ذلك له بمشهدنا.
فذكر عبد الله أنه لم يدفع في الشهود الذين حكم بهم محمد بنن مسلمة عليه، وكان ردنا عليك بأجمعنا أن الحكم يظن أن محمد بن سلمة لم يحكم عليه إلا بعد إعذار يستبلغ فيه، فلو كان عنده يومئذ مدفع لحضره به، ولما نفذ القضاء عله يومئذ فتوقف عن اعتراض حكم ابن مسلمة، ونفذت ما اجتمع عيه ملؤنا، وأشهدت على ثبوت حكم ابن مسملة عندك إذا لم يدفع عبد الله في الشهود الذين ثبت بهم عندك نظر ابن مسلمة وحكمه، فكان هذا من النظر الواجب، والأمر اللازم الذي لا يحل غيره.
وكان مما أشرنا به عيك حيازة الحبس والأمر بقسمته بين أهله، ورأينا أجمعون أن
стр. 389
مثله ممن قد استربته بإنكار النحلة التي ثبتت عليه مما يجب أن يسقط به نظره لها، فكتب كله وأنفذته بالإشهاد عليه، قاله محمد بن غالب، وعبيد الله بن يحيى وابن لبابة، وأيوب بن سليمان ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ.
قال القاضي:
قد تقدمت مسألة ابني صلتان في اعتراض المحكوم عليهم في الحكم لهما وهي من هذا الأصل، وتقدمت مسألة القبلة في إنكار ما جهز به ابنته، وقولهم أشرنا بحيازة الحبس وقسمته بن أهله، يريد قسمة اعتمار وانتفاع لا قسمة تمليك لأبد، وهو وجه فيه تنازع وربما ذكرناه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
الشهادات بموت سماك بن محمد وعدة ورثته وملكه لدور بقرية فلان، واعتقال الملك لدعوى ابنه أنه كسبه مما لم يرثه عنه:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد بن فلان بن فلان الفلاني أنه يعرف سماك بن محمد، توفي فأحاط بوراثته في علمه ولداه محمد وأحمد وزوجة فلانة ابنة فلان، وأنه خمس دور بقرطبة، ويحوزونها بالوقوف إليها ولا يعلم ملكه زال عنها إلى أن توفي، وشهد محمد بن عبيد بمثل ذلك.
نظرنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة لابني سماك في هذا الكتاب، فرأيناها على عدة ورثة سماك، واختلف في العدة واجتمع شاهدا عدل على عدة ورثة سماك وابنه أحمد، وشهد شاهد عدل على معرفة عين سماك، ومعرفة ملك دوره على اختلاف شهادات في العدد، فيجب إذ قد ثبتت موت سماك وعدة ورثته بشاهدي عدلن وشهد شاهد عدل على ملك سماك بقية فلانة، أن يكلف حوز ملك سماك من القرية فيعتقل إلى أن يستكمل النظر في إثبات الملك لسماك.
وفيما ثبت من الورثة بعد الإعذار إلى محمد فيما ثبت عندك، وكذلك في الدور ما ثبت عندك منها يشاهد عدل وجب عقله بعد الإعذار إلى محمد في ذلك، ثم ينظر في استتمام النظر بما يجب، وإن ادعى محمد بن سماك كسبًا غير ميراث أبيه بالقرية، فإن كان مما حازه أحمد بن زيد منع من عمله؛ لأن العقلة أخذته، وإلا فلا يمنع من عمارته ما لم يجز، إلا أن يشهد آخر بمثل شهادة أحمد أنه لا يعلم لمحمد بها مالاً غير وراثة أبيه، فيمنع حينئذ من عمارة الجميع إلا أن يثبت كسبه، قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة وغيرهم
стр. 390
قال القاضي: انظر في هذا الجواب العقلة بشاهد واحد عدل، وقد ذكرنا التنازع فيه في أول الكتاب ببيان مقنع إن شاء الله، وفي الحكاية هنا عن شهادات الشهود تخليط، وكذلك قولهم في الجواب ما ثبت عندك منها بشاهد عدل وجب عقله بعد الإعذار إلى محمد؛ لأن الأعذار إنما يكون بعد العقلة ولأن ما شهد به واحد لا يقال فيه ثبتن إنما يثبت إذا انضافت إليه يمين الطالب أو شاهد آخر، وبالله التوفيق.
ملك بين منع بعضهم أكثره فلم يوجد من يحوزه، فشهد أنهم لا يعرفون لهم دخوًا في القرية إلا بسبب مورثهم، وفي المسألة التي فوق هذا من هذا المعني.
أعلمنا – وفقك الله – أن امرأة قامت عندك فزعمت أن زوجها توفي عن مال بقرية فلانة، وأن لها منه ابنًا وابنة، وأن الذي لزوجها بالقرية هذه أطل عليه من زعم أنه ناظر المال ينظر عليه، وقد بقيت بزعمها هي وابناها، فبقي لابد من نظر قاضي، وأثبتت عندك موت زوجها وعدة ورثته.
وقلت: إن هذا المال كان مجملاً كما توفي عنه سماك وهو كثير وافر، وحيازته صعبة على إلا أني أثبت بالبينة أن أبا زوجي هلك عن مالك كثير بهذه القرية، وأن ابنية – أبا شيبة وزوجي – أحاطا بوراثته مع أمهما، وأن ابنيه لا يعلم لهما مال بهذه القرية إلا ما ورثاه عن أبيهما سماك، ودعت إلى كشفنا عما يجب لها مع ثبوت دعواها هذه إن ثبتت لها.
فالذي نقول به: إن المنزل إذا عرف للأب، وإنما كان يغشاه الولد بسبب الأب، فهو على الملك الأول حتى يثبت به يبين به كل واحد منهما بنصيبه منه، فإن زعم أحد الفريقين أن له مالاً أحقته البينة ويجب حينئذ إن شاء الله أن يقال لهذا المدعي الإصلاح على الأيتام أن ادعى ذلك؟ لسنا نسألك إلا عن إصلاح من غيره، ولكن ما تقول في المال أجمع هو بينك وبين أخيك؟ فإن قال: نعم، فقد أنصف، وصدق ما قال أنه من أهل الإصلاح عليهم.
وإن أدخل حجة وانتقل إلى ادعاء ماله فأمض العقل عليه في الجميع إن حيز أو فيما حيز من ذلك، وامنعه العمل فيما لم يحز حتى يثبت له ما ادعاه، إلا أن يقول إنه يعلمه لغيره على معاملة، فيكشف عن ذلك، وأنت في كشف هذا ومثله عن الصغير ومن لا ناظر له في ثواب وأجر جزيل. قاله ابن غالب.
стр. 391
وقال ابن لبابة: وجه ابتداء النظر في هذا الذي رفعته المرأة أن تأمر بإحضار هذا الأخ فتكشفه عما رفعته، فإن أر به كان كما أفتى أبو عبد الله بن غالب، وإن أنكر جميع ما رفعت كلفت المرأة البينة على ما ذكرت، فإذا ثبت وجب عقل المال وإخراج هذا الأخ عنه والإعذار إليه، فإن جاء بمدفع نظرت فيه بما يجب ويظهر لك، وإن لم يأت بمدفع نظرت لأيتام بما يظهر لك من حقهم إن شاء الله. وقال أيوب بن سليمان بمثل ذلك، وعبيد الله بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز.
قال القاضي:
أراد ابن لبابة أن يعرب فأعجم، فليته سلم فيسلم فلم يأت بشيء زائد على ما ذكره المفتي قبله، بل أخطأ في قوله وجه ابتداء النظر فيما رفعته أن تأمر بإحضار هذا الأخ.
ولا يجب رفعه بإجماع من أئمة علماء المذهب إلا بعد إثبات الموت وعدة الورثة، فإن قيل: إن هذا قد ثبت على ما ذلك في السؤال، قيل: فلم يزد شيئًا على ما تضمنه قبله، وكلاهما قد قصر في الإعراض عن ذلك زوجة سماك إذا لم يلزما القاضي كشفها ولا الإعذار فيما ثبت إليها، وإن كانت منيته فكان ينبغي أن يكتفي بوجوب ثبوت موتها.
وكذلك أغفلا أن يشيرا عليه بالتقديم لليتيمين من ينظر لهما، ويتكلم عنهما، وإن كان قد ثبت أن لهما وصايا من أبيهما، فكان يلزم إحضاره وكشفه عما عنده في هذا المطلب، وهذا كله نقصان من وجوه الحكم إلى غير ذلك مما تركنا ذكره لئلا يطول الكتاب.
وفي مسائل القاضي أبي بكر ابن زرب:
من هذا المعنى قال: هذه مسألة ينبغي لكم أن تحفظوها. الرجل يتخلف ملكًا في قرية فيزعم بعض ورثته أن له ملكًا فيها، ملك ذاك بغير الميراث؛ بابتياع أو غيره، كان القول قوله مع يمينه فيما يقربه من جملة ما في القرية من تركه المتوفي، وإن لم يعلم ذلك وعلم أنه لم يكن له فيها ملك خالص بغير ذلك الميراث، فجميع ذلك موروث إلا أن يقيم البينة على أنه كان له فيها ملك خالص بغير ذلك الميراث، وكذلك الرجل تشهد عليه بينة أنه غصب ملك الرجل بقرية، ولا يعلم أن له بتلك القرية ملكًا غير الذي شهد عليه بغصبه، ويزعم أن له فيها ملكًا فإنه يحال بينه وبين ذلك المال، ويكلف إقامة البينة على أن
стр. 392
له فيها ملكًا غيره، فإن أقام بينة وإلا أخرج عنه، وإن شهدت عله بينة بالغصب، ولم يعرف الملك المغصوب، ولا علم إن كان له في القرية غيره أم لا، فإنه يقال له: أبرز الملك المغصوب المشهود به عليك، واحلف أن لك الباقي، ويكون ذلك لك.
سئل القاضي أيضًا عمن هلك وترك بنين وبنات وأرضين وقرى وعقارًا، فتزوج البنون والبنات، وخرج كل واحد إلى داره، وملك البنون جميع العقار، وكانت تحت أيديهم، واكتسبوا أرضًا لأنفسهم وعقارًا غيرها أضافوه إلى ما بأيديهم من أملاك أبيهم، وملكوا ذلك عشرين سنة، وكانوا يعطون البنات مقدار أنصبائهن من غلة مواريثهن عن أبيهن طول هذه المدة، ثم أراد جميعهم قسمة ما تخلفه أبوهم. وقال البنون: بعض هذه الأملاك من كسبنا وقال البنات: بل جميعها موروثة عن أبينا.
فقال: إذا كان دخول البنين في القرى بسبب ميراثهم في أبيهم فعليهم إثبات ما يدعونه من الاكتساب الزائد على الموروث، فإن عجزوا عن ذلك حلف البنات على إنكار ذلك أو رددن اليمين على إخوتهم إن شاء الله.
دعاوى بني أبي عبدة في قرية أكتسل وثبوت تحبيس فيها، وهي من المعنى الذي فوق هذا:
من أحكام ابن زياد فهمنا – وفقك الله – ما تداعى فيه بنو عبد الله بن أبي عبدة من قرية أكتسل، وثبوته كتاب عبد الله بتحبيس ملكه بها على ابنتيه البكرين، ودعوى الكبيرين من بنيه أن المال مالهما من غير سبب أبيهما، وما شهد به عندك من أنه لا يعلم الشهود لبكر وعبد الغافر ملكًا بهذه القرية غير ما ذكره عبد الغافر في شهادة الشاهد، فيجب في ذلك أن تأمر هذين الكبيرين بغثبات ما ادعيا أنهما استفاداه.
فإذا أثبتا كانا ا؛ ق ممن شهد أنه لا يعلم لهما بها ملكًا؛ لأن من علم أولى ممن لم يعلم، وإنما وجب عليهما إثبات ما ذكرناه بشهادة الشهود أنهم لا يعلمون لهما بهما ملكًا، فبهذا يدفعون عن القرية إلا بما يجوز به الطعن في تحبيس أبيهما، والمدفع فيه. قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة.
دعوى ابتياع فيه محاباة وتوليج:
قامت عند القاضي – وفقه الله – حجاجة بابتياع من عمه لها لما في الكتاب الذي قامت به، وفيه أن بعض الثمن قصاص من حق أقرت لها به، واقتضاء البعض بمحضر من
стр. 393
شهد ذلك ممن أجزت علمه، فالصفقة تامة في البيوع إن لم تكن فيه محاباة، فإن كانت فيه محاباة كانت في الثلث.
ثم إن ثبت عندك من العمة في اللصوق بها، وتباعد ما بين العمة وابن أخيها الوارث، سقط الإقرار في المقاصة، وأخذت حجاجة بتلك العدة من الثمن، وهذا إن كان قد ثبت عندك أن هذا الفعل كان في المرض، ومضى لها المقبوض الثابت قبض العمة له، وقد وقعت عندك شهادات من قبلت في حين كتابنا هذا الجواب بتباعد ما بين أبي أخي كنزة وبينهما، ويتقارب ما بين حجاجة وعمتها، وإنها كانت منها بسبيل خدمة وقيام حتى وجب الاتهام ووقعت الظنة بمثل هذه الحال، فأمض النظر – وفقك الله – لهذه الشهادات بما في صدر جوابنا، فهذا الذي نقول به. قاله ابن لبابة، وابن غالب، ويحيى بن عبد العزيز.
رجلان تداعيا غلاماً:
سألت – وفقك الله – في المملوك الذي تداعى فيه الرجلان وأتيا به وبثباته، كل واحد منهما يدعي أنه مملوكه، فالذي يجب أن تأمر بإيقافه في الحبس، أو بيد من تثق به حتى يثبته أحدهما فتحكم به لمن اثبته بعد الإعذار إلى صاحبه. قاله عبيد الله، وابن لبابة، ومحمد بن وليد.
رجل ادعى خادمًا في ملك ابن حفصون:
وقد تقدم هذا المعنى قبل هذا في مسائل العتق: قرأت – وفقك الله – بطاقة ابن أثلة المرفوعة إلى الأمير – أطال الله بقاءه – المصروفة إليك المكتوب في ظهرها أمره إياك بالنظر له بواجب الحق ولازم السنة، وفهمنا دعواه في النصرانية بما نطقت به بطاقته، فألفيناه قال إنه كان يملكها في حصن بياشتر، وأن ابن حفصون أخذها وزوجها، ثم انتقلت إليه بنظر القائد، وصرف فروة لهما إليه مني، وأحببت أن تعلم ما عندنا فيما رفعه ابن أثلة، لتنظر له بنظرك للعامة التي قلدك الله النظر لها من الحق والعدل.
فالذي نقول به إن بياشتر وما انضوى إلى المرتد ابن حفصون من الحصون التي تجاوره، أو نأت عنه موضع فساد ودار حرب، ومن ملك هناك مملوكًا أو مملوكة لم يستحكم له الملك كما يستحكم لمن ملك في موضع الطاعنة، وحيث تجوز أحكام ولاة الأمير أكرمه الله، إلا أن ابن أثلة كان من قوله في البطاقة إن هذه النصرانية ليست الآن في
стр. 394
يده، وإنما هي بيد غيره، وذلك أنه قال: إن ابن حفصون أخذها فأزال ملكه عنها وزوجها فأقر بأخذها، وكونها تحت زوج بعد ما ادعاه من كونها بيده، فما ترى له مقالاً فيها بدعوى ملكها، ولو أقرت له بذلك.
فإن أثبت بالبينة ملكًا صحيحًا لا ليس فيه وجب الحكم له بها على ما جرت به أحكامك في هذا ومثله، والاستقصاء لمن حكمت له وإن لم يأت بذلك، فما ملكه ابن حصفصون ليس بملك ينعقد، وهي على الحرية والإطلاق لمن علق الملك بالوجهين جميعها.
احدهما: أنها ملكت بدار الحرب، وحيث تجري أحكام الشيطان.
والثاني: إقرار بان أثلة أنها بيد غيره، وأنها تحت زوج.
فلا أرد قوليه هذين بدعواه التي تثبت بالإطلاق واجب، فما أجلته ووسعت عليه في ضرب الآجال له في البينة بما تقدم من فتيانا عندك في هذا غير مرة، وقد حكمت بحمل البينة على كل من ادعى ابتياعاًا في مملوك أو أمة بموضع الفتنة، وحيث لا يتسلط الحق، وحررت بذلك غير واحدة، وكان ذلك فتيانا وما عقدنان لك بخطوطنا، وقد وجب لهذه مثل ذلك، فاطلق سبيلها إلى الحرية التي عليها جميع من ادعى الملك بهذه والأمكنة فإنك إذا فصلت وافقت الحق وقضيت به، وفصلت بعدل وشفعت به نظرك المحمود منك، إن شاء الله تعالى. قاله أيوب بن سليمان، ومحمد بن غالب، وعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ، وأحمد بن يحيى.
وقال أيوب بن سليمان:
نظرت فيما كشف القاضي وفقه الله عنه في شأن النصرانية، المحكوم لها بالحرية على ابن أثلة في إرجاء الحجة لها إذ كان غائبًا أو اتخاذ حميل عليها إلى حضور ابن أثلة، فالذي نقول به: إن الحكم على الغائب أن ترجأ له الحجة، وليس اتخاذ الحميل على هذه المطلقة بواجب ولا لازم، وقال ابن لبابة، وابن وليد جميعهم. كذا وقعت في الجزء الرابع من أحكام ابن زياد.
في امرأة ادعت على رجل أنه غرب ولدها:
فهمنا – وفقك الله – ما كان من تظلم امرأة عندك من أهل ترجيلة من رجل أخذ ولدها صغيرًا وغربه عنها، وأقر الرجل بتغريب الصبي، وادعى أنها امرأته تزوجها بقرطبة، وصدقته المرأة في دعوى نكاحها، ولم يثبت عندك التناكح، وقالت المرأة: إنما نحي عنها
стр. 395
الولد لتبيح له نفسها بلا نفقة بقيمها لها ولا عائدة يعود بها عليها، وأمرت بحبسه إلى أن يحضر الصبي إذ لم تأمن زواله فتصير المرأة بذلك إلى اتباعه والخروج معه إلى حيث أحب، والمساعدة له على ما أراد، شفقة على ولدها، وأحببت أن تعلم هل تشردك عليه بالسجن صواب.
فالذي نقول به أن الذي فعلته من ذلك واب ورشد، وقد أجمعنا لقاضي أن له أن ينظر باجتهاده نظره بمثل هذا وشبهه، فزاد الله القاضي رشدًا وتوفيقًا. فما نظر إلا بالحق، وقد شهدنا نظره في ذلك، ورأينا من لفظ الترجيلي وتسلطه ما كان يجب به أدبه فضلا عن حبسه. قاله محمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن لبابة.
قال القاضي:
ذكروا أن الترجيلي ادعى أن هذه المرأة زوجته، وأنه تزوجها بقطربة، وصدقته امرأة، وقالوا: ولم يثبت عندك التناكح، فليت شعري ما الذي منع منه القاضي ومنعهم من كشفها عن موضع تناكحهما، والولي العاقد له بينهما، والشهود عليهم بذلك، فإن بان له كذبهما، وأقرا بان ذلك الولد منهما، أو به حق له بها، أو وطئه إياها؛ أقام الحد عليهما، على ما في المدونة وغيرها في حامل قالت: استكرهت، لم تصدق وحدث، بخلاف لو كانا طارئين، وهذا مننهم تقصير، وبالله التوفيق.
دعوى في دار ثبت نصفها لمصابيح وذكر نحله لم تثبت على العبدي المطلوب بها:
فهمنا – وفقك الله – ما أردت معرفته فيما ثبت من نصف الدار التي فيها العبدي لمصابيح، وطلب العبدي عقلة نصف الدار التي تسكنها كنته بزيعة إذ ثبت عندك أنها للعبدي، وقيم عليه بنحلة شطرها، وادعى عليه في النصف الثاني بنحلة لم تثبت، فالذي نرى أن العقل قد وجب في شطري الدار، حتى يبدو لورثة مصابيح قسمة النصف الذي ثبت لها، ويؤجل القائم عن فاطمة في إثبات نحلته إياها الشطر الثاني الذي لم يقر به العبدي.
فإن ثبت لها ولم يكن للعبدي مدفع في ذلك أطلقت يد فاطمة في ذلك الشطر، وإن عجزت عن إثبات الخلطة نظرت في ذلك بما يجب إن شاء الله، والدار لم يعتقل نصفها بدعوى النحلة أنها كلها تعتقل بالخروج عنا، من أجل أن العبدي قد ورث في ولادة ابنه ابنه، إلا أن يبدو لورثة ولادة القسم فيقسم بينهما، ولا يجوز القسم في النصف الذي هو
стр. 396
لولادة حتى يخرج منه الثلث الذي عهدت به ولادة في كتاب وصيتها الثابتة عندك إن كان مما يحتمل القسم، ويعطي الورثة قيمة ذلك الثلث من أموالهم فيكون ذلك لهم ويقتسمون النصف، وإن لم يؤامن التقاسم وجب اعتقالها كما قلنا بالخروج عنها، وإن أراد الورثة إعطاء القيمة قومها رجلان من أهل المعرفة بالقيم فيما قوماها به كان ذلك ثمنها، ولا ينظر إلى من يزيد على ذلك. قاله محمد بن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ.
دعوى بين ابن الحراني وابن أبي البهلول:
فهمنا – وفقك الله – ما أظهره ابن الحراني من الكتاب الذي فيه أن ابن أبي البهلول قال إن الذي في صدر كتابه هو آخر دعواه، فاحتملت هذه اللفظة أن يرد بها آخر حقوقه، وأن يردي آخر دعواه وإن يكون آخر دعواه غير ما نظر فيه من الربعة الأقفزة التي ثبتت عندك بإقرار ابن الحراني بها، فترى أن يحلف ابن أبي البهلول: بالله الذي لا إله إلا هو ما أردت آخر حقوقي في غير ما نظر فيه من الأربعة الأقفزة، فإذا حلف وكلت على ابن الحراني حتى يبرز له أرضًا لأربعة أقفزة، ولابن أبي البهلول: رد اليمين على ابن الحراني، فيحلف أن ردها عليه بالله الذي لا إله إلا هو لقد دخلت هذه الأربعة القفزة فيما قطع عني من دعواه، وأنها داخلة في حدود الأرض، إذ وجدتها قد عورت.
فإن حلف هكذا سقطت عنه الأربعة الأقفزة وكراؤها من يوم إقراره عند محمد بن سلمة، إذ كان قاضيًا بقرطبة، وذلك في عقب ربيع الآخر من سنة تسع وثمانين ومائتين السنين التي زرع فيها الأربعة الأقفزة، قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان.
في دعوى بينهما أيضًا:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه منصور وابن الحراني من طلبة منصور، وكشف ابن الحراني عن المنزل الذي وصفه في الرق الذي يريد كشف عنه، وقول ابن الحراني سمي طلباته كلها، فالجواب في ذلك أنه إن كان ابن الحراني قال: جميع دعوياتك في المنزل وغيره فليس ذلك، وله أن يكلمه فيما سأله، ولا يضمه إلى الخصومة في غير المال، يطلب من حقوقه ما شاء، ويسكت عما شاء.
وإن كان إنما قال له: هل لك في القرية دعوى غير ما ذكرته في الابتياع، وعنه
стр. 397
يكشفني، فذلك له، فإذا قال: جميع دعاوي في هذا المنزل أنه لي بابتياعي ليس لي فيه دعوى غيرها، لزم ابن الحراني الانكشاف فيه بالإقرار والإنكار. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وأحمد بن أبي عيسى.
دعوى ثالثة بينهما في أرض:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ابن أبي بهلول وابن الحراني، من اليمين التي طلبها ابن الحراني من منصور أنه قد علم بارتهانه، وقول منصور بن أبي بهلول لابن الحراني: فهل قبضت ما ارتهنت؟ فقال ابن الحراني: لا ولكني بعت بتوكيل الراهن لي على البيع، فقال منصور: متى بعت؛ أقبل شرائي أم بعده؟ فقال ابن الحراني: قبل اشترائك وقد علمت أنت ذلك، ولكن احلف لي أنك لم تعلم بارتهاني ووكيل ابن أبي بهلول لي على البيع قبل اشترائك.
فالذي نراه – والله الموفق للصواب – أن اليمين تجب على منصوب أنه لم يعلم بالرهن الذي ذكره عمرو، ولا بتوكيل ابن أبي بهلول له على البيع، فإذا حلف سقط عنه ما ادعاه عمرو الحراني، فإن نكل حف عمرو: لقد علم منصور بالارتهان والبيع، فإن حلف صار ما ذلك أنه كان رهنًا بعد أن يظهره ويجوزه، ويكون الأربعة أقفزة أو نحوها لدين عمرو على ابن أبي بهلول، ولغيره ممن ثبت على ابن بهلول دينًا، ولابد من إظهاره هذه الأرض وإبرازها وعقلها، إلى أن يأمر القاضي ببيعها لأهل الدين إن شاء الله، إلا أن يأتي منصوب ببينة أن يبيع عمرو لهذه الأرض من ابن دحون لبعد تاريخ اشتراء منصور هذا من ابن أبي بهلول، فتسقط اليمين عن منصور، قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد، ومحمد بن غالب.
دعوى بين هشيمة وابن عمها من بين مزين، في أحقال بقرية شيتمة البربر:
فهما –وفقك الله – ما ذكرته هشيمة بنت سعيد بن مزين قامت بعد أن ثبت عندكم موت أبيها وعدة ورثته، فذكرت أن محمدًا ابن عمها جعفر يعترضها في أحقال من أرض أبيها سعيد بقرية شيتمة البربر، وسألته النظر لها وحضرت بمحمد فسمع دعواها وأنكر اعتراضها في يأحقال من مال أبيها، وقال: إنه في نصيبه بهذه القرية من ميراث أبيه جعفر، فقالت له هشيمة: فهل بيدك في هذه القرية أحقال من مال محمد بن سعيد بن مزين، فقال: بيدي أحقال ابتاعها أبي من محمد بن سعيد أخي ودخوله في هذه القرية
стр. 398
وجميع ورثة أبي بسبب ميراثنا له.
فهذه الأحقال يجب لجماعتنا فيها الميراث حتى يثبت انفراد محمد بها بما يوجب إثباتها له، وطلبت أن تعتقل الأحقال على محمد بن جعفر، أو يثبت أنها لم تكن مال سعيد أو يثبت أنها صارت لبائعها محمد بن سعيد بغير أبيه سعيد، فقلت: أكرمك الله إنه شهد عندك شاهدان عرفتهما انهما يعرفان بيد سعيد بن مزين مالاً بقرية شيتمة البربر، ويعرفان القرية بعينها، ولا يقفان على حايزة ما كان بيد سعيد منها، ويعرفانه يملكه حتى مات وتركه ميراثًا لورثته.
وفي شهادتهما أن جعفر بن يحيى أشهدهما على ابتياع أحقال بهذه القرية من محمد ابن سعيد، وفي شهادتهما أيضًا أن جعفرًا لم يدع في مال سعيد بهذه القرة في علمهما غير الذي ابتاعه من محمد بن سعيد، وشهد عنده خالد بن وهب وغيره في معرفة أرض سعيد، ثم صرف عنك النظر في أمر هشيمة وخصمها نحو ستة عشر شهرًان ثم أعيد إليك، وأمرت بالنظر بنيهما، فسألت هشيمة أن ينفذ لها ما كان شهد به عندك قديمًا في أرهما، فأمرتها بإعادة الشهود، إذ كان نظرك لها مستأنفًا، وأحببت أن تعرف إن كان ما أمرتها به واجبًا عليك أم لا؟ وهل يجب اعتقال تلك الأحقال وتكليف محمد بن جعفر ما طلبت هشيمة أن تكلفه؟ وهل يجب عليه أن يثبت ابتياع أبيه جعفر للأحقال التي ذلك الشهيدان أنه أقر عندهما بابتياعها من محمد ابن سعيد؟
فلم يقم عندك محمد بن سعيد ولا أحد عنه على ولد جعفر بشيء، فالذي نقول به والله الموفق للصواب: أن ما أمرت به هشيمة من إعادة البينة صواب واجب إن شاء الله، ولا يجب أن نكلف ابن جعفر أن يثبت ابتياع أبيه من محمد بن سعيد ما ذلك ابتياعه منه، إذ لم يقم عليه في ذلك محمد بن سعيد ولا أحد عنه، ولا يجب اعتقال الأحقال لقول هشيمة أنها من مال أبيها، إلا أن تثبت عندك أن محمدًا لم يدخل القرية إلا بسبب أبيه سعيد، أو يشهد عندك عدل أنها من مال سعيد ويحوزها الشاهد، فيجب عندك ذلك اعتقال الأحقال بعد الإعذار إلى من وجب أن يعذر إليه فيه. قاله أيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة.
قال القاضي:
قد تقدم من قولنا أن حشو كلامهم كثير، وفي أجوبتهم تقصير، وإن كان لهم تقدم
стр. 399
ومكانه معلومة، وإنما نحن بشر، والنقصان فينا غير ينكر، وهذه المسألة، وما أفتوا به من ذلك المعنى الذي نبهنا عليه وأشرنا إليه، والرغبة في الإعراب عن الصواب تحمل على ذلك سقوطهم في السؤال والجواب، فمن ذلك في هذه المسألة قولهم: فهمنا أن هشيمة قامت بعد أن ثبت عندك مموت أبيها وعدة ورثته، وإنما صوابه أن هشيمة قامت عندك وأثبتت موت أبيها ووراثته ورافقت إليك ابن عمها فلانًا.
أو كانوا يقولون أن هشيمة أثبتت عندك موت أبيها ووراثته، وقامت على ابن عمها فلان في كذا أو نحوها، مما يقتضي أن قيامها كان بسببه ثبوت موت أبيها، وأما على ما سطروه فغنما يعطي أنها لم تكلف هي إثبات موت أبيها وعدة ورثته، وإنما أثبته مثبت، ثم قامت هي مازعة لابن عمها دون أن تكلف هي إثبات ذلك، وطريقة الحم التي بها مضى العمل أن على كل من طلب حقًا بسبب ميت أن يكلف إثبات موته وعدة ورثته، وإن كان موته مشهورًا عند الحكم وغيره، وسلكوا هذا السبيل في جوابهم، فقالوا: فيجب عند ذلك اعتقال الأحقال بعد الإعذار، وهذا محال، إنما الإعذار بعد الاعتقال.
وقد تقدم لهم نحو هذا المقال، وإنكارنا له هناك أبين ومن ذلك قولهم: ما أمرت به هشيمة من إعادة البينة صواب واجب، بل ذلك تكليف غير واجب، وإلزام غير لازم، إذ لا فائدة في إعادة الشهادة فيما قد شهد به عنده، إذ هو نفس المطلوب عند ذلك القاضي بعينه، وهو باق على خطته لم يعزل عنها، ولا حل سواه فيها، وقد كان يلزمه إذ أمر بترك النظر فيما بينهما ألا يأتمر حتى يعزل إن كان قد بان لها حق قبل خصمها، ولا ينظر في قول الأمير.
وهكذا ذكره ابن حبيب عن أصبغ في كتابه، وأما إن كان أمره بالكف عن النظر بينهما قبل أن يلوح الحق لطالبه في مبتدأ أمرهما فله أن يدعهما، وفي هذا الجواب الاعتقال بشاهد واحد، وقد ذكرناه بما فيه من التنازع في أول الكتاب والله الموفق للصواب.
مشورة أخرى في أمر بني مزين:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه جعفر بن يحيى، وهشيمة ابنة سعيد بن يحيى، ومن إقرار جعفر أنه إذا ثبت ملك سعيد كما ذكت البينة، وادعى أحد ورثة سعيد ملكًا مستفادًا غير ما ورث عن أبيه، فعليه إثبات غير ما ورث مما استفاد، وإلا فالمال للمورث، هذا الذي أدركنا عليه أحكام القضاة ببلدنا. قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
стр. 400
وقال يحيى بن عبد العزيز: نظرنا إلى إقرار جعفر أنه لا حق له بهذه القرية إلا ما اشتراه من محمد بن سعيد، فإن كان أحد يقوم عن محمد أو يقوم بنفسه قيل لجعفر أو لورثته: قد أقررت لمحمد فأثبت ما ادعيت عليه، وقد يملك الابن مع أبيه، وقد يشتري من الأجنبيين مما لم يرثه عن أبيه.
وقال سعد بن معاذ بمثل قول يحيى بن عبد العزيز، وقال أحمد بن يحيى بمثل قول ابن لبابة، وقال عبيد الله بمثل قول ابن عبد العزيز، وقال بذلك يحيى بن عبيد الله.
مشورة أخرى في أمرهم: فهمنا ما شهد به الشهيدان من أنهما يعرفان بيد سعيد بن مزين مالاً بقرية شتيمة ويعرفان القرية بعينها، ولا يفان على حيازة المال الذي كان بيد سعيد منها، ويعرفان ذلك في ملكه حتى مات وتركه ميراثًا لورثته، وفي شهادتهما أن جعفر بن مزين أشهدهما على ابتياع أحقال بهذه القرية من محمد بن سعيد بن مزين، ولم يدع جعفر في شيء من مال ورثة سعيد بهذه القرية غير الذي ابتاعه من محمد ابن أخيه سعيد، وفي شهادتهما أنهما يعرفان ورثة سعيد بن مزين وهم بنوه محمد وهشيمة ورقية وفاطمة لا يعلمان له وارثًا غيرهم، وأنهما يعرفانهم بالعين والاسم والنسب.
فالذي يجب في ذلك أن تحمل ولد جعفر إثبات ما زعم أبوه جعفر أنه اشتراه إذا ثبت عندك إقرار جعفر بذلك، وثبت عندك قول ورثة جعفر إنه هو على ميراث بقرية شتيمة عن أبيه فيما زعم أنه لا ملك له غير ميراثه عن أبيه جعفر، وقال جعفر: إني اشتريت من ابين أخي لم يدع غيره، فعليه إثبات اشتارء أبيه وحيازته، فإذا حازه وجب له، إلا أن يكون لمحمد بن سعيد في ذلك مدفع، قاله ابن لبابة وابن وليد، وقال أيوب: شهادة الشهيدين فيما زعما أنهما عرفاه بيد سعيد ساقطة حتى يحوزه غيرهما، لا اختلاف وفي هذا بين أصحابنا.
وأما شهادتهما على جعفر بالإقرار بالابتياع من محمد بن سعيد فغير ضائر لورثته جعفر لأنه إنما اقر أنه ابتاع من محمد ولم يقل من محمد بن سعيد ما كان ورثة من أبيه سعيد، وقد يكون للوالد والولد المال في القرية الواحدة وهذا أكثر من أن يحصى.
وقد يمكن أن يكون جعفر ابتاع بهذه القرية بعد هذا الإقرار مالا من غير محمد بن سعيد إلا أن يكون أشهدهما أنه مما ورثه عن أبيه سعيد، وليس على ولد جعفر إثبات شيء مما اشتراه أبوه؛ لأن البائع من أبيه لم يدع بشيء، ولأن الشركاء لمحمد بن سعيد لم
стр. 401
يثبتوا أن الذين باع محمد كان من أبيهم.
فعلى المدعي فيما بيد ولد جعفر إثبات حيازة مال سعيد، فإذا ثبت فادعى ولد جعفر شيئًا منه، نظر حينئذ بما يجب له وعليه.
وقال عبيد الله بن يحيى: فهمت وفقك الله جواب الرجلين في أمر سعيد بن مزين وما ذهبا إليه أن شهادة الشهيدين اللذين شهدا عنك على التوارث يوجب لهما المال بغير حوز، وفي هذا اختلاف بين أهل العلم.
وقال: إن ولد سعيد لا يجب له أخذ شيء إلا بأن تحاز له دعواه، فإن كان ثبت عندك أن سعيدًا لم يزل يعتمر الأحقال التي ابتاعها فلا حوز أوضح من هذا، فإن لم يثبت اعتمارًا فيه له فلابد من الحوزة.
قال القاضي: بقي من كلام عبد الله نحو سطور، وقع في حاشية الورقة فتشرمت وانقطع لامه لذلك وليته لم يتكل؛ لأنه هذى وظن أنه أجاب وأفتى، قال: فهمت جواب الرجلين في أمر سعيد بن مزين إلى آخر الفصل فإن كان عني بالرحلين؛ ابن لبابة، وابن وليد، فذلك وهم وغلط؛ لأن جوابهما ليس فيه شيء مما ذكره عنهما، إلا أن يكون ترجم عما في نفوسهما، فذلك شيء انفرد به العليم الخبير بذات الصدور لا إله إلا هو السميع البصير.
وقال في آخر ذلك الفصل في اختلاف بين أهل العلم: ولا عالم يقول فيما أعلم أن من بيده ملكًا بوجه شبه في ميراث أو ابتياع وشبهة تخرج عنه وتنزع منه بشهادة لا حيازة معها، هذا لو كانت الشهادة بنفس الملك، فكيف وهو لم يقل عن الرجلين إلا أنهما قالا إن شهادة الشاهد بالتوارث توجب لهما المال بغير حوز؟
وهذا كله غير معقول وغير واقع وتحت تحصيل؛ لأن الشهادة بالتوارث لا توجب مالاً بحوز ولا بغير حق والحمد له، وقوله: توجب لهما، هذه التثنية لا معنى لها في شيء من هذه المألة إذ ليس فهيا اثنان مخصوصان بمعنى، فيرجع الضمير إليهما، وإنما أراد والله أعلم لهم يريد الورثة، فأخطأ، وكله خطأ ومنه قوله: وقالا: إن ولد سعيد لا يجب له أخذ شيء غلا بأن تحاز له دعواه، والدعوى لا تحاز؛ لأن الدعوى اسم الادعاء والادعاء فعل، وهو مصدر ادعى يدعي.
وإن كان قد يخرج لهذا وجه على ما يجوز في اللسان لو كان قابله من أهله وقصده
стр. 402
ووصله بقوله، فإن كان قد ثبت عندك اعتمار سعيد للأحقال الحقال التي ابتاعها وهذا اختلاط لأنه ليس في المسألة لا في جوابها أن سعيد ابتاع أحقالا إنما في المسألة أن جعفر بن مزين أشهد أنه ابتاع أحقالا بقرية شتيمة من محمد بن سعيد، وأظنه ﵀ كان في حين هذا الجواب ذاهلاً عنه لأمر شغل بالله وكدر حاله؛ لأنه لو لم يخطئ إلا في الفقه لحمل على الجهل.
وأما إحالته لمعنى السؤال وألفاظ المفتيين فليس له تأويل غير عزوب التحصيل بقلبه الذهول، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وبالجملة فإن أبا مروان ﵀ لم يكن من أهل العلم ولا وصف به، وغنما عول فيما حمل منه على أبيه يحيى بن يحيى لم يعرج على غيرهن فبقى صفر اليدين منه وقد سئل في بعض مجالسه عن النعامة فقال: طير من طيور الماء، وكان بالحضرة عبد الله بن غانم فقال في ذلك:
هذب الزمان بفوة العلماء ... وبقيت في ظلماء وفي عمياء
وأتى طعام رتع من بعدهم ... لا فرق بينهم وبين الشياء
فإذا سألت عن النعام أسدهم ... علمًا يفسره بطير الماء
ذلك هذا كله عنه أبو محمد بن عبد البر في تاريخه قال: وتوفي عبد الله بن يحيى في شهر رمضان لعشر مضين منه سنة ثمان وتسعين ومائتين، فلم يزل - بعد الصدر الأول المنتخبين ﵃ يتكلم في العلم من لا رسوخ له فيه ولا بصر عنده به.
هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن ﵀ يبكي ويقول حين سئل: أبكاني أنه اتسفتى من لا علم له، وقال لبعض من بقي ههنا أحق بالسجن من السراق وجناية هذا على الأمراء في إشارتهم بذلك إلى من لا فقه له ولا سبقت له عناية على حسب ما يحملهم عليه هواهم وتزينه لهم وزراؤهم اعتناء بالجهال وإزراء بأهل العلم وقد صدق ابن المبارك في قوله:
وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
والله تعالى حسيبنا وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولو ذكرت من هذا ما شاهدته وما بلغني لطال معه الكلام، وخرجنا عن الغرض الذي قصدنا فيه، وجواب ابن لبابة وابن وليد في هذه المسألة ليس بشيء، وجواب أبي صالح أيوب بن سليمان جواب صالح، وقوله فيه:
стр. 403
إن من شهد في أصل ولم يحزه حازه شهود آخرون، وهو كلام صحيح لا خلاف فيه كما ذلك.
قال يحيى بن يحيى في سماعه في رسم المكاتب من كتاب الاستحقاق عن ابن القاسم وسألته عن الأرض تستحق بالعدول ولا يثبتون حوزها فشهد على حوزها من الجيران غير العدول: أيتم بذلك الحكم لمدعيها مع يمينه؟ فقال: لا يشهد في الحوز وغيره إلا العدول، ولا أرى أن يتم لهم استحقاقهم إلا بالعدول.
وعن ابن القاسم في المجموعة مثله، وفي العتبية في الأقضية في رسم تاخير صلاة العشاء عن مالك، فإن كانوا عدولاً ثبتت شهادة شهود املك بهم، وبهذا شاهدت القضاة مرارًا، وأفتى ابن مالك في جنة شهد شهود لرجل بابتياعها إلا أنهم لم يعرفوها، وعرفها غيرهم أن العارفين بها يشهدون عند احكم بمعرفتها ثم يحوزونها، فتهيأ في ذلك عقدان: عقد بمعرفتهم لها، وعقد بحيازتهم إياها، قال لي: وهو حسن وبه رأيت العمل.
قال القاضي: وهذا فضل لا يحسنه كثير من القضاة والحكام، ويجهلون كيفية تهذيبه.
حيازة في مال ابن مزين:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة من حيازة مال ابن مزين، فرأينا شهادات اجتمعت على أحقال بقطع من الشهادة لسعيد بن مزين، ورأينا شهادات وقعت بأمر ملتبس جعل الحد في بعضها سهام بنات سعيد، فأشكل الأمر إذا لم تقل البينة أنا نعرف هذه الأحقال مالا لبنات سعيد بشيء يصفونه.
فرأينا – وفقك الله – أن يكون نظرك ناجزًا فيما لم تختلف فيه البينة، ولم تشك في شيء منه، ويبقى النظر في الملتبس حتى تأتي منه على غاية لقطع الشك فيه، وذلك أن يعذر إلى من يجب الإعذار إليه في الشهادات التي لا لبس فيها، قال بذلك ابن وليد، وأيوب بن سليمان.
ورأينا حقلاً منها انفرد فيه حائز واحد، وقال بذلك محمد بن غالب، وقال محمد بن لبابة فيما اجتمع فيه عدلان وما كانت الحيازة على حيازة والد وولد؛ فلا يجوز ذلك، وقاله أبو صالح، وابن غالب، وابن وليد، وقال: إذا قال القاضي إن شهادة الأب كانت قبل الولد عنده؛ سقطت الآخرة، وقال عبيد الله بن يحيى: شهادة الوالد والولد جائزة إذا
стр. 404
لم يجز أحدهما إلى صاحبه في شهادة شيئًا
قال القاضي: تنازعهم في شهادة الأب والابن في شيء واحد قد سبقهم إليه أصحاب مالك، ذلك ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أن شهادة الأب مع ابنه جائزة، ولايتهم أحدهما أن يرد إتمام شهادة الآخر، قال ابن الماجشون: ويجوز نقل الأب شهادة ابنه، ولا يجوز له تعديله.
ولأصبغ في العتبية: لا تجوز شهادة أحدهما على شهادة الآخر، فقال: وكل من لا يجوز لكل تعديله فلا يجوز لك أن تشهد على شهادته، وإن كان المشهود على شهادته عدلا، وفي منتخب ابن لبابة عنه في شهادة الأب مع ابنه أنه كرهها، وعن سحنون أنه أجازها.
في حيازة ما حكم به قاضي:
حكم القاضي محمد بن سلمة بمال الطالب، ثم قام بعد الحكم بن عبد الله يعترض في ذلك، فقال محمد بن غالب: حكم محمد بن سلمة يمضي، ودعوى ابن عبد الله على ختنه بالاعتراض في مالله الذي خلص ملكه له لا يوجب على المال المحكوم فيه بدعواه شيئًا.
فإذا جاءت الدعوى منه مبهمة، ولم يقل بتصريح أنه يعترض في المال المحكوم فيه، فإن حكم محمد يتوجه به رجلان بأمر القاضي، ويحضر اللذان بهما تثبت الحايزة، فيحزان ذلك، فإن كانت دعوى هذا القائم في داخل ما حازه فلا مقال له، وإن كان خارجًا عن ذلك ابتداء الخصومة فيه، ومضى القسم على الغائب المتورك ويوقف له نصيبه إلى أن يحر فيأخذه، وقال عبيد الله وسعد بن معاذ أو محمد بن وليد.
إذا حازت البينة بعض ما شهدت به فدعا القائم إلى تحليف المطلوب فيما قصرت البينة عن حيازته.
فهمنا – وفقك الله – ما سأله ابن سليمان لنفسه ولأخته زهرة من إحلاف يوسف ابن عيسى، وسلمه وسعدونة على ما قصرت عنه حيازة بينتهما التي شهدت على ملك جدها ابن رزق مما وقع وصفه في الكتاب الذي كشفوا عنه، فذكروا أنه لخم وبأيديهم، فحاز الشهود بعض تلك الأحقال ولم يقفوا على حيازة ما بقي، فالذي يجب في ذلك أن يحلفوا بالله الذي لا اله إلا هو أن الأحقال التي ذلك عبد الله أنها من مال رزق، ووصفها
стр. 405
في الكتاب، ملك متصير إليهم بالميراث عن أبيهم ولا يعلمون لعبد الله بن رزق فيها ملكًا ولا لأحد.
حيازة وعقله في الأملاك المذكورة في هذه المسألة:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة لعبد الله بن سليمان، الواقع عن نفسه في ميراثه عن أمه – أمة العزيز – فيما ورثته أمه عن أبيها عبد الله بن رزق، وإثباته عدد الورثة، على تناسخ الوراثات عن عبد الله بن رزق، وإثبات ما شهد له به من ملك عبد الله بقرية دجال، من عقل ذلك بعد أن أثبت عينه إلى أن ينظر القاضي فيه بما يجب إن شاء الله تعالى.
فالذي يجب أن يوجه الشهود لحيازة ما شهدوا به عليه من مال عبد الله بقرية دحالن فإذا حيز ولم يعارض فيه غير ورثة عبد الله رفع إلى القاضي فنظر فيه بما يجب إن شاء الله قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
حيازة ما أقر المطلوب بعد إنكاره بحدوده:
فهمنا – وفقك الله – ما طلبته امة الخالق من إيقاف عقبة على حيازة الدار والجنان والكرم الذي طلبته به، وجحدها إياه، ثم رجع إلى الإقرار بحدود خافت أمة الخالق إلى أن ترجع إلى الإنكار ثانية، فلا يوجد من يحوزها لها، فالذي طلبت من ذلك حقها يؤمر بحيازة ذلك بمحضر من العدول يعاينون الحيازة ويكونون شهودًا على عينها، قال ابن لبابة، وسعد بن معاذ، ومحمد بن وليد.
قوم ادعو أملاكًا بيد قريب لهم، فاحتج بالاعتمار بمحضرهم، وأثبت ذلك بشهودهم:
كتبت بها إلى أبي عبد الله بن عتاب في قوم قاموا على قريب لهم في أرض وشجر بيده، وادعوا ذلك وأثبتوا موت أبيهم ووراثته ومله لثلث تلك الأرض، والشجر، إلى أن توفى وراثهم، ذلك وأنهم لم يفوتوه إلى حين قيامهم، وحيز الملك وأعذر إلى المطلوب.
فأثبت عقدًا باعتماره إياه ثمانية عشر عامًا بمحضرهم لا يغيرون ولا ينكرون، شهد له بذلك الشهود الذي ثبتت بهم للقائمين ما ذكرناه، وشهد بعضهم باعتمار أحد عشر عامًا، وفي شهادتهم أن المعتمر غرس بعض تلك الأملاك، وقطع شعراءها، وكسر صخورها، هل شهادتهم للفريقين إسقاط لها؟
فكتب إلى شهادتهم للفريقين جائزة لا يضرها اجتماعها في ها لأنهم شهدوا في
стр. 406
الأمرين بعلمهم، ورأوا اعتمارًا يحتمل أن يكون بابتياع أو إرفاق أو توكيل، وليس يلزمهم الكشف عن ذلك، ولم تبين القرابة، ولو بينت لكان الجواب أوضح، وقطع المعتمر وغرسه بعلم القائمين حيازة في ذلك الشيء بعينه، وليس يلزم المطلوب أن يقول: من أين صارت الأملاك بيده، إلا أن طلبه الطالب بذلك، هل صارت اله بسببه، أو بسب مورثه، فيلزمه الجواب عنه على ما جرى به الاصطلاح عندنا. والله أعلم بحقيقة الصواب.
قال القاضي: في هذه المسألة فصول؛ منها:؛ حيازة الأربين بها هل هي كحيازة الأجنبيين فما حازه بعضهم على بعض؟ ومنها: شهادات الشهود لمن حيز عليه ملكه بمحضره، ثم قام بعد مدة هل يسقطها سكوتهم؟ ومنها: كشف المطلوب عن الوجه الذي صارت به هذه الأملاك إليه، ومنها: تفويت بعض الملك هل هو كتفويت للجميع أم لا؟
وهذا كله محتاج إلى شرح وتفصيل وبسط طويل، وفي جميعه تنازع تركت اجتلابه كراهة التطويل.
مسألة ابن دهمة في دعوى ورثته بجنة حيزت في مغيبهم وحضوهم على موضعها وهو في موضع خصمهم:
رجل ابن دهمة هذا عن بياسة في الفتنة إلى سرقسطة مدة، وتوفي بها هو وبعض بنيه، ثم رجع ابناه عبد الله وأخوه إلى بياسة تاجرين، واقاما بها نحو عشرين عامًان ثم انصرفا إلى بياسة واستوطناها، والجنة بيد إنسان يعتمرها.
فقال عبد الله منها يطلبها، وأثبت المغيب والموت والوراثة واتصال الملك في الجنة، وحيزت، وأعذر إلى المطلوب فقال: هي ملكي، وادعى مدفعًا أجل فيه، فأثبت انصراف هذا القائم وأخيه إلى بياسة، وإقامتهما بها الأيام المذكورة وهو يعتمر الجنة، ولم يحركاه فيها.
وقال شاهد واحد إنه خاصماه فيها ثمن انصرفا، وأثبت أيضًا وثيقة بسماع مستفيض أنه ابتاعها من القائموأخويه منذ ثلاثين عامًا، وأثبت ايض أن هذا القائم قال بين يدي حكم قبل هذا: هبك بعت أنا وأخي أمنا لم تبعظ وأظهر أيضًا وثيقة الابتياع، وليس فيها إلا شاهد واحد حي، وكتبت بذلك إلى قرطبة، وقلت هل قوله هبك بعت أنا وأخي هل هو إقراظ وكيف إن قالا: نحن نمضي البيع، أعطنا الثمن.
فجاوب ابن عتاب: قول القائم هبك بعت أنا وأخي أمنا لم تبع؛ إقرار منه على
стр. 407
نفسه بالبيع، ولا قيام له في ذلك إلا بسبب أمه إن كانت توفيت بعد البيع، ولا يبلط قيامه بسبها انصرافه تاجرًا؛ لأنه كان مسافرًا وليس لهما طلب المطلوب بالثمن لإنكارهما البيع، ويحلف لقد ابتاع منهما ووفاهما الثمن، فإن كان موت أمهما قبل البيع، فما ورثاه عنها داخل في البيع، وإن كان بعده فلهما القيام ورثاه عنها، والله أسأله التوفيق.
وجاوب ابن القطان: ما أثبته المقوم عليه من الابتياع بالسماع الفاشي يوجب القضاء على القائمين إن لم يكن عندهم مدفع، وقول الطالب: هبك أني وأخي بعتك، ليس بإقرار يقضي به؛ لاحتمال اللفظ، ولا يقضي باحتمال، ولا شيء للقائم من الثمن بعد يمين المطلوب لبعد مدة الابتياع وبالله التوفيق.
مطلوب وقف على أملاك بيده من أين صار إليه:
فقال عندي بالوجه الذي صارت به إلى وثائق غائبة، ثم طولب عند حكم آخر غير الذي قال عنده هذه المقالة بإحضار تلك الوثائق، فأنكر تلك المقالة، وقال: إنما قالت إنها أملاك وبيدي، وثبتت عليه المقالة الأولى، هل يزلمه إضارها أم لا؟
كتبت إلى ابن القطان فكتب إلي: لي على الموقف إحضار الوثائق؛ إذ لم يكن للحكم أن يسأله من أين صارت له الأملاك؟ إلا أن يكون الموقف معروفًا بالغصب والتسور والاستطالة والقدرة على ذلك، ولا يكل من لم يكن بهذه الصفة أكثر من أن يقول هي ملكي وبيد، وقد تقدم في الورثة قبل هذه في هذه المعنى.
دعوى في شركة وإظهار بينة بعد قطع الدعاوى وبين المطلوب:
قام عند صاحب السوق بقرطبة رجل، فقال: إن الزرع الذي بقرية فلانة بيني وبين هذا السواء، تشاركنا في زراعته وإقامته، وكانت البقر والدواب التي بها تولينا هذه الزرع بيننا، وأنكر الآخر دعواه وقال: لا حق له فيه، وإنما هو زرعي، فحلف هذا المدعي عليه، وانعقد بينهما كتاب في آخره ممن أشهد كل واحدة منهما أنه لم يبين لواحد منهما قبل صاحبه دعوى، ولا تبعة، ولا علقة يمين بوجه من الوجوه كلها قديمها وحديثها.
ثم قام المدعي ببينة شهدت له أنه وذلك المطلوب أقرا عنده المرة بعد المرة أن البقر والزرع الذي بقرية كذا الذي زرعها في السنة كذا مشترك بينهما، وثبت هذا عند الحكم فشاور فيه.
فأفتى بان عتاب: هذه المسألة الخلاف فيها مشهور بين التابعين فمن بعدهم،
стр. 408
واختلف قول مالك فيها؛ فروى ابن القاسم عنه أنه إذا أخاف المدعي المدعي عليه، وهو عالم ببينة، فلا قيام له بعد ذلك، وإن حلف هوهو لا يعلم بها فله القيام.
قال سحنون: والقول قوله إنه لم يعلم ببينته مع يمينه، وروي أشهب وابن نافع عن مالك في كتابالمذيان والتفليس فيمن قضى رجلا دينًا كان له عليه، وأشهد على ذلك شاهدين، ثم جاءه يتقاضاه الدين فقال: قد قضيتك وأشهدت عليك فلانًا، فقال: ما قضيتنيه، فقال: أتحلف وأعطيك؟ فحلفن فأراد أن يأتي عيه بالشاهدين، أترى ذلك بعد يمينه ورضاه؟
قال مالك: نعم أرى ذلك، فليأت بها، واحتج من ذهب إلى هذه الرواية بما روى عن عمر ﵁، وعن شريح ﵀ أنهما قالا: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة، ومن خالف هذا القول تأول قولهما على غير هذا التأويل، وقال: لما اشترط اليمين الفاجرة، ولم يقولا اليمين فقط دل على أنهما لم يريدا إلا الفاجرة، ولا يوقف على اليمين.
وبرواية ابن القاسم أقول: يحلف سعادة بالله ما عرف شهوده حين تحليفه لفرج، فإذا حلف على ذلك؛ وجب الحكم بما اجتمع عليه شهادة الشهيدين إن شاء الله تعالى، ولا يضر سعادة إشهادهما على أنفسهما أنه لميبق لواحد منهما قبل صاحبه دعوى ولا تبعة ولا يمين ولا علقة بوجه من الوجوه قديما وحديثها؛ لأن ظاهر هذا الإشهاد لم يقصدا فيه إلى إسقاط البينة.
فإن أدرك اجتهادك إلى الأخذ بتحليف سعادة أنه ما علم ببينته، فعرفه بما يروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من حلف على يمين كاذبة لقي الله وهو عليه غضبان (١) " ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا﴾ (آل عمران: ٧٧) إلى آخر الآية.
رد دعوى ورثة ابن لبيب البيطار على زوجته أنها أخفت بعض تركته:
وشاور الفقهاء في يذلك صاحب المدينة بقرطبة محمد بن هشام بن عيسى الحفيد، يا سادتي وأوليائي ومن أحسن الله عنهم الدفاع، وأدام بهم الامتناع: قام محمد وعبد الودود
стр. 409
ابنا أحمد بن عبد الرحمن بن منهال الجذامي – من ورثة عبد الله بن لبيب البيطار – يدعيان على مسعدة زوجة مورثهم عبد الله بن لبيب؛ أنها أخذت من تركته أشياء تلوح لكمن في استرعاء أدرجته طي خطابي هذا إليكم، مؤرخ بجمادي الآخر سنة تسع وخمسين وأربع مائة. استبدت بها دون سائر الورثة.
فكلفتهما إثبات موت عبد الله المذكور ووراثته، فأثبتا ذلك عندي على ما تضمنه عقد الاسترعاء في كتاب مؤرخ بجمادي المذكور أدرجته طي هذا الخطاب، فاستحضرت مسعدة ووقفاها عندي على ما ضمنه عقدة الاسترعاء المذكور، فأنكرت ما فيه، وأن يون استقر بيدها شيء من ذلك، وثبت قولهما بذلك عندي في مجلس النظر، وثبت عندي الاسترعاء بشهادة إبراهيم، وعبيد الله، وعيسى، من شهدائه على عينها، وأعذرت إليها فهم، ولم يكن عندها مدفع، وثبت قولها بذلك عندي.
ودعيت إلى الفصل بينهم بالوجب، فلم يسعني إلا مشاورتكم، فخاطبتكم بكتابي هذا مدرجًا طيه كتاب الاسترعاء والوراثة، لتشيروا علي بما أعتمد عليه وأنفذه بينكم موفقين مأجورين إن شاء الله تعالى، والسلام.
وكان في عقد الاسترعاء المذكور أن شهوده استوصفوا رضا مولاة لبيب بحضرة مسعدة زوجة عبد الله عما تخلفه من الناس، وحيث استقر بعد وفاته فذكرت أنها أحضرت حينئذ مال ابنه عبد الله قدرًا فيه سبع مائة دينار دراهم قاسمية، وقدرين غير مملوءين فيهما قراريط، وخريطة فيها دراهم ضرب المرية زنتها ستة أرطال، وثلاث صحاف حنثمية فها قراريط قرطبية، وثلاث قديرات صغار مملوء بدراهم قاسمية، غير ما احضرته مع ذلك مما سرقه أخو مسعدة في مال لبيب، وأحضره عند التشدد في مجلس الوزير ابن جهور من الصفة المذكورة، ووضع جميع ذلك، حاشي اقدر المذكور أولا – بأمر عبد الله بن لبيب في تابوت في بيت سكناه مع زوجة مسعدة، واتفق عليه بمحضر مسعدة.
وصار القفل بيدها؛ إذا كان عبد الله معتلا، وكان وصف رًا لهذا بحضرة مسعدة لا تنكر عيها شيئًا، فسألها الشهود عن القدر المذكور، فقالت: رأيتها في بيتي، فقلوا لها: فأين ذلك؟ فقالت: لا أدري.
فجاوب ابن عتاب: سيد تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، فرأيت في عقد
стр. 410
المورث والوراثة أن من جملة الورثة يتيمًا يجب أن يقدم عليه، وأن يها وصية، وهذا إنما هو إلى القضاة أو من إليه النظر في أحكام القضاء لا إلى غيرهم، ووقفت على ما تضمنه الاسترعاء من إنكار مسعدة لما وقفت عليه، وإعذارك إليها، في حالة لا يلزمها فيه إقرار ولا إنكار للمستفيض المتحد عليها به من التوقيف السمج القبيح بالأجعال المؤلمة والنفات الموجعة بالمياومة.
وكون المراقبين عليها معا في الدار التي تعتمد فيه، ومداخلين لها فيها، وهذا أمر أحدثه الهالك إبراهيم في أحكام الدين، واخترعه ,أنفذه على المسلمين، وقد قال النبي ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعه عليها إلى اليوم القيامة لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من اتبعه عليها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا (١) ".
فبادر إلى إزالة الترقيب والتوكل ساعة تقف على جوابي؛ إذ لا يجوز بقاء ذلك ساعة من نهار، وهذا غير جائز إن يعمل في حيازة الأموال، فكيف في المواريث؟
والاسترعاء الذي أعذرت فيه ضعيف جدًا وغير بين، إذ خلط فيه ما كان في حياته وبعد مماته وغير ذلك، فمن ضعفه: ما حكي شهوده عن أنفسهم فيه أنهم استوصفوا رضا عما تخلفه لبيب وحيث استقر.
وليس هذا سبيل الشهود؛ لأنهم إذا كانوا هم الذين استوصفوا وتصرفوا في ذلك فذلك يوهن الشهادة، وذكروا أنه وضع جميع ذلك – حاشي القدر – بأمر عبد الله بن لبيب في تابوت في بيت سكناه مع زوجة مسعدة، وأقل عليه بمحضر مسعدة، ولم يقولوا من فعل ذلك، وصار مفتاح القفل بيدها، إذ كان عبد الله بحال علة، فأثبتوا أولا أن ذلك بأمر عبد الله، ثم ناقضوا آخرًا في مقالهم بأن عبد الله كان عليلا، وقالوا: إن المفتاح صار عند مسعدة، ولم يقولوا من صيره بيدها أعيد الله صيره بيدها أم هم؟ ولم يبينوا على أي وجه صار بيدها؟ ولا أنها أشهدتهم على شيء من ذلك وهذا كله اختلاط من المقال.
والعجب من الشهود كيف ذهب عيهم هذا ولم يحرزوا الشهادة فيه، ورأيت أحدهم قد استثنى أمر المفتاح، والأمر في ذلك واحد، والذي يلزم مسعدة اليمين بالله عز
стр. 411
وجل، أنها ما غابت على شيء من تركة زوجها، ولا عندها شيء من تركته ولا عند غيرها بسببها؛ لا بوديعة منها لذلك ولا بغيرها من الأسباب.
وهذه اليمين كانت تلحقها دون الاسترعاء، فبهذا جرت الأحكام قديمًا في هذا وأشباهه، ولا سبيل إلى العدول عنها، ولا الخروج منها، والسلام عليكم ورحمة الله. قاله محمد بن عتاب.
وجاوب ابن القطان: سيد قرأت كتابك وما ضمنت خطابك من استرعاء وإنكار، فرأيت في ذلك ريبًا ظاهرًا، وتهمًا بينة مكشوفة، إذ كان ذلك كله وهي آمنة ن غير إكراه ولا ضغط، وعلى ذلك يدل كتاب الاسترعاء؛ لأن شهوده معروفون بالخير والعدالة، وذلك كله موجب للتشدد على الزوجة مسعدة؛ إذ ثبت عليها إنكارها لما وقع، وسكوتها وإقرارها أنها رأت القدر المذكورة في يبيتها، وقولها: لا أدري علامة سوء، يوجب ذلك كله التشدد عليها، وللوارثين ذلك المالكين لأمورهما طلب حقهما.
فإذا ظهر شيء قسم ذلك قسم ذلك وقدم حينئذ للصغير من يقسم عليه ويقبض حصته، وليس صغر الصغير ويتمه مما يمنع الوارثين طلب حقهما وإثباته، والذي كان من انتهاب مال لبيب البيطار معلوم، وما شاع من ظهور ماله مشهور غير منكور، ولهذا وشبهه وما أثبت في الاسترعاء وإنكار مسعدة: وجب ما ذكرته، والله يبين الحق ويظهر بحسن النية فيه وفي إظهاره، بعزته إن شاء الله تعالى.
ولم أتكلم في أمر الترقيب، ولا جاوبت فيه؛ إذ لم أخاط به ولا شاع أن ذلك كان في حال إقرار أو إنكار، ولا يحسن الجواب إلا فيما يجب والسلام.
وجاوب ابن مالك: سيدي ووليي، ومن أرشده الله إلى ما يرضاه، وعصمه فيما يتولاه: تدبرت خطابك والاسترعاء المدرج طيه، فأبدا لي ريبة مسعدة، وأنها مسترابة متهمة، واليمني في هذا موضوعه في كتاب الله على المريب المتهم، هل أخفى شيئًا من التركة؟ وهذا قوله سبحانه ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم﴾ (المائدة: ١٠٦) وقد اختلف عن مالك في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟
والقول بأنها محكمة أصح، وعليه أكثر الأمة، وإن كان في أحكام إسماعيل: راسخ مذهبنا أنها منسوخة، وهو عندي قول واه، تبدو عليه هجنة؛ لأن قائله يزعم أن ناسخها قوله ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (البقرة: ٢٨٢) ﴿وأشهد ذوي عدل منكم﴾
стр. 412
(الطلاق: ٢) والمائدة إنما نزت بعد هذا، فكيف يتقدم الناسخ على المنسوخ لولا فتور التحصيل، ولو سلمنا نسخها ما منع من احتجاجنا بها وجوه، منها: أن مالكًا قد احتج في المدونة إذ سئل عن مسألة بآية لم يختلف في نسخها وزوال حكمها، وهذا يطول شرحه وجلبه.
والجواب في مسألتك إن تحلف مسعدة ومن اتهم، لا سيما وقد تقصبت واستبرأت، وقد خاب من حمل ظلما وتقد خيانة، فإن نكت عن اليمين؛ فالتشدد بالسجن وغيره، وبذلك أفتى عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأبو صالح، ومحمد بن وليد، ولعلماء الأندلس.
حملنا الله وإياكم على الصواب، برحمته، والسلام سيدي ورحمة الله وبركاته.
قال القاضي:
في قوله: وبذلك أفتى عبيد الله، وابن لبابة، ومن ذلك معهما، وقد ذكرنا ذلك عنهم من أحكام ابن زياد، في صدر الكتاب، وفي باب الأيمان، وفي الحقوق والتهم هناك، مستوفي كثير المسائل، وقوله: وقد احتج مالك في المدونة على مسألة بآية منسوخة، يريد قول مالك في يالنصرانية لها أخ مسلم ويخطبها مسلم، وإن كانت من نساء أهل الجزية، فلا يجوز للأخ أن يعقد نكاحها وماله ومالها، قال الله ﵎: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ (الأنفال: ٧٢).
وفي الواضحة:
هذا إن تشاح أهل دينها في ذلك، وإلا فإن يلي عقد نكاحها مسلم خير من أن يليه كافر، وقال ابن القاسم في سماعه إن كانا معتقين فله أن يلي العقد عليها، وأما الآية فذكر أبو جعفر بن النحاس في كتابه عن قتادة في قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ (الأنفال: ٧٢) قال: وكان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وكان من أسلم ولم يهاجر لم يرث أخاه، فنسخ ذلك ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (الأنفال: ٧٥).
قال ابن عباس: آخى النبي ﷺ بين أصحابه، فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (الأنفال: ٧٥). فتوارثوا بالنسب، قال أبو جعفر: فقال العلماء: إن هذه الآية ناسخة للتي قبلها، وذكر عن عكرمة نحوه. وأما قول ابن مالك في آية الوصية في سورة المائدة: إن قول من قال: إنها منسوخة قول واهٍ
стр. 413
تبدو عليه هجنة، فكان ينبغي له أن يتعداه إلى سواه مما هو أحسن لفظًا وأجمل مقطعًا؛ لجلالة قائله ورسوخهم في العلم.
فقد حكى أبو جعفر في كتاب الناسخ والمنسوخ ذك عن زيد بن أسلم ومالك ابن أنس والشافعي وأبي حنيفة، وقال في كتاب المعاني له عن إبراهيم النخعي أيضًا أنه قال: إنها منسوخة نسختها ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (الطلاق: ٢) وقد ذلك الشيخ فيها أبو بكر محمد بن الحسين في كتاب المشاكل له، وإن كان لم يسم قائله.
وما قاله هؤلاء العلماء وأئمة الفقهاء، واتبعهم عليه من الخلف مثل القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره، ليس بطلق فيه القول مثل هذا التهجم، ولا ينكر بأقبح الذكر، إذ توقيرهم علينا واجب، وحقهم لنا لازم، وحسب المنكر له العدول عنه، وترك القول به، إذا كان لذلك أهلا وكان معه من العلم إدراك يميز به صحة ما يختاره ويميل إليه.
وإنما يستسهل الإنسان هذا اللفظ وشبهه في المتسمين بالعلم من المتأخرين المتكلفين لما لا يحسنون، وفقنا الله أميع، واستظهار على أحكام الآية بأن الناسخ لا يكون قبل المنسوخ لا يسلم له، فقد نسخ قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (البقرة ٢٤٠) الآية، وهي في التلاوة بعد الناسخة، مع أن في الآية خمسة أقوال أحدهما نسخها والثاني قول ابن عباس: إنها محكمة على ظاهرها في السفر.
وقاله شريح: تجوز شهادة أهل الكتاب في وصية المسلم في السفر، وقاله ابن المسيب، وسعيد بن جبير، وعبيدة وابن سيرن، وغيرهم.
وتركنا ذلك مما قيل فيها لئلا نخرج عن غرضنا في هذا الكتاب وبالله التوفيق.
شورى فيما تخلف إبراهيم بن محمد المعروف بابن السقا قيم دولة ابن جمهور بقرطبة.
شاور صاحب أحكام قضاء الجماعة بقرطبة سراج بن عبد الله – وفقه الله – من حضرة من أهل العلم أرشدهم الله فيما يذكر بعد هذا من أموال الهالك إبراهيم بن محمد بعد أن ثبت عنده موته، وأن المحيط بميراثه في علم من ثبت ذلك عنده ابنه الصغير محمد.
ولم يلف له ناظرًا فقدم لنظر له محمد بن مطرف بن كوثر، وسألهم عن الواجب
стр. 414
في تركته هل تنفذ منها وصيته، ويرث سائرها ورثته أم لا؟ إذ قد ثبت عنده استطالته في الأموال بغير حق، واقتطاعه إياها واستبداده فيها دون واجب، وقلة ذا يده وتفاهة وفرة يوم ولي النظر في أموال المسلمين، وأنه هلك في تولية ذلك، وهو عظيم الوفر واسع الجدة بين الإكثار.
وكذلك شاورهم فيمن اتصل بالهالك من قرابته وخاصته، وشاركه في قبض أموال المسلمين وجديها على يديه ممن ثبت عند إقلاله وتفاهة يده يوم تولى ذلك، وثبت عنده عريض غناه وكثرة ذات يده يوم أزيح عن ذلك منهم سالم أخو الهالك إبراهيم، ومحمد بن أخت الهالك إبراهيم، وسهره يحيى بن وهب، وأعلمهم أنه قد ثبت عنده هلاك محمد بن أخت الهالك، وأن المحيطين بميراثه في علم من ثبت بهم ذلك عنده بنوه الأصاغر يحيى وإبراهيم وعبد الملك وأبو يحيى، وأنه لم يلف لأصاغر ذلك ناظرًا من قبل أب ولا قاض.
فقدم للنظر لهم جدهم يحيى ويوسف بن أحمد بن عبد العزيز القيسني، وأعذر فيما وجب أن يعذر فيه من جميع ما ذلك في هذا الكتاب إلى من وجب أن يعذر إليه بما وجب، فلم يكن عند من أعذر إليه في ذلك مدفع، وأقر عنده سالم ويحيى المذكوران أن جميع ما بأيديهما من الأموال والرباع والعبيد وما بنياه من المنازل، إنما هو من مال المسلمين، حاشا الدار التي يسكنها يحيى منهما الآن بحاضرة قرطبة بحومة مسجد الغلباطي وحاشا الحانوت التي بيد سالم، وكان لمتجره بسويقة ابن سليمان.
وثبت إقرارهما بذلك عنده في مجلس نظره، واستفسر الفقهاء عن الواجب في ذلك كله، فقالوا: نرى والله الموفق للصواب إذ قد ثبت عندك ما ذكرت، وأعذر على حسب ما وجب أن جميع تركة الهالكين إبراهيم ومحمد لمسلمين إلا ما صح ملكه لهما، وأن جميع ما أقر به سالم ويحيى لازم لهما فيما أقرا به. قال بذلك محمد بن عتاب، وأحمد بن محمد، وموسى بن هذيل، وعبيد الله بن مالك.
قال القاضي:
أخبرني ابن مالك ﵀ قال: كتبت هذه الشورى عند الوزير ابن جهور وبمحضر القاضي سراج والفقهاء في سنة خمسين وأربعمائة التي قتل فيها إبراهيم بن محمد بن يحيى، وكلهم قد درج رحمنا الله وإياهم.
стр. 415
شورى في دار بين شركاء، بعضهم يسكنها وباقيهم يسأل أخلاءها ليبيعها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد سؤال لصاحب الأحكام بقرطبة: يا ساداتي، لورثة خلف بن سعيد دار بعضهم فهيا وبضعهم خارج عنها، فأراد الخارجون عنها تسويقها وبيعها، وقالوا: لا يمكن تسويقها إلا بإخلائها، ودعا ساكنها إلى عزم كرائها على الإباحة للتسويق، فأبى ذلك الخارجون عنها.
فجاوب أبو عبد الله ابن عتاب:
سيدي ووليي، الذي أفتى به سيوخنا قديمًا، وحكم به في ذلك/ أن الدار التي لا تحتمل القسمة، وتنازع الورثة فيها – كما ذكرت – تخلي من جميعهم لتسوق خالية، إلا أن يوجد من يكتريها من غير الورثة على شرط التسويق، فتكري منه إذا أمن منه الميل إلى بعض الورثة، ولم يكن من ناحية أحدهم ولا من سببه، وبهذا أقول.
وجاوب أبو عمر بن القطان:
سيدي ووليي بقاء الدار دون كراء ضرر على من يذهب إلى ارتفاق بنصيبه إن كانت دارًا يكرى مثلها، فوجه العمل أن يقال لهم: إن أنفقتم الآن على التقاوم في الكراء إلى أن ينفذ البيع فيها فتقاوموها، ثم يسكنها من أراد، وإن أبيتم أخليت منكم ثم أشيدت للكراء، كما تشاد الدور للبيع.
فإذا بلغ كراؤها ثمنًا ما كان لمن أراد السكنى أن يضم كراء أصحابه بما بلغت ويسكن الدار، إلا أن يزيد عليه من شركة، فالزائد أحق، والإشادة للكراء على شرط التسويق للبيع، إلا أن يثبت في ذلك من الساكن فيها من الورثة ضرر يخل بالبيع، أكريت من غيره، وإن ثبت عندك أن تسويقها للبيع خالية أفضل من مسكونة وأوفر لثمن؛ أخليت إن شاء الله تعالى ..
وجواب أبي مروان ابن مالك:
سيد، إن كانت هذه الدار لا تحتمل القسمة بينهم لضرر، فلا أجد فيما أظهره الله إلي من العلم على مذهبنا إلا ما قاله الفقيه أبو عمر حفظه الله، أعرف أنه الحاصل في ذلك من مذهبنا، كما يعرف الناس أبناءهم.
قال القاضي:
هكذا وجدت هذه المسألة على النص من أولها إلى آخرها بخط أبي مروان رحمه الله
стр. 416
في آخر بعض أسفاره من مختصر المدونة وقد تقدم، هذا المعنى على نحو ما أفتى به ابن عتاب، وكان جوابه مقنعًا لو كان إنصاف وائتلاف ولم يكن تناكر واختلاف، واليه يرجع ما أطال أبو عمر الكلام فيه، والله الموفق للصواب.
مسألة زوجة الشرقي في قيامها عليه في مغيبة بحق طلبت به وكيله فأقر لها به:
قامت عند صاحب الأحكام محمد بن الليث فاطمة التي كانت زوج محمد بن أحمد الشرقي إلى أن طلقت نفسها في مغيبة بشرط المغيب، وادعت أنها كانت دفعت إليه قبل مغيبه مائة مثقال يبتاع بها خادمًا، وأنها كانت أسلفته مدى قمح، ثم رغب منها أن تأخذ منه فيه ثمانية عشر مثالا، ولم يؤدها إليها، ولا ابتاع لها المملوكة.
ووقفت على ذلك عند ابن الليث محمد بن أحمد الباغاي إمام الفريضة بعد أن ثبت عنده أنه وكيل الغائب ابن الشرقي على طلب حقوقه كلها وقبضها والإقرار والإنكار وقبض مستغلاته توكيلاً تامًا مفوضًا، أقامه فيه مقام نفسه في يعقد مؤرخ بنصف المحرم سنة تسع وخمسين وأربع مائة.
وكان ابتداء العقد: توكل فلان بن فلان على كذا وكذا، ثم قال: شهد على إشهاد المتوكل والموكل على أنفسهما إلى التاريخ، ثم قال: وكان إشهادهما على التوكيل المذكور قبل تاريخه، بعام أو نحوه في علمهم، فأقر الوكيل محمد على الغائب ابن الشرقي للزوجة فاطمة بدعواها.
وقال: إنه حق قبل موكله، وتقيد إقراره في أسفل التوقيف وشهد لها بالمائة مثقال شاهدان أهما سمعا الغائب يقر لها بها، فقبل الحكم أحدهما، وطلبت فاطمة أن تنصف من ذلك من ثمن المملوكة المبيعة على الغائب في غيبته، لشكواها الضيقة، وأنها لا نفقة معها، وطلب الوكيل قبض الثمن الموقف عن أمر الحكم على يدي ثقة ارتضاه الحكم لذلك، واحتج الوكيل في طلبه لذلك بما في عقد الوكالة من أنه وكيله على فقبض حقوقه، فشاور ابن الليث في ذلك كله.
فأفتى بن عتاب:
تصفحت خطابك ونظرك الذي نظرته في يأمر المملوكة، وبيعها صحيح، وما وقفته للغائب، فلا سبيل إلى إخراجه عن من وقفته على يديه إلى بتوكيل الغائب على قبضه توكيلاً ينص فيه على قبضه، وأما بالتوكيل الذي أدرجته فلا، وكذلك لا سبيل إلى قبض
стр. 417
فاطمة ما ادعته، لتوفقك عن قبول أحد شاهديها، فيبقى ثمن المملوكة عند من وقفته بيده إن شاء الله تعالى.
وأفتى بن القطان:
أما التوكيل المذكور، فللموكل محمد بقض جميع حقوق موكله الغائب بقوله: إنه وكيله على قبض كل ما وجب له من حقوقه، ويبرأ المقبوض منه بقبض الوكيل، وقد نزل مثل هذه المسألة في رجل وكل رجلا على قبض حقوقه، ووقع للموكل بعد ذلك ميراث، فلم يختلف حينئذ أحد من شيوخ الفقهاء، وهم متوافرون أن له قبض ما وجب لموكل، وإذا لم يثبت عندك لفاطمة ما يوجب لها حقا فلا شيء لها في مال الغائب.
وأفتى أبو محمد بن أبي عبد الصمد:
ما ادعته المرأة فاطمة من المائة مثقال قبل الغائب ليبتاع لها بها خادمًا إنما هو في أمانة الغائب، وليس بدين ثابت في ذمته، ولا يعدي في مال الغائب بما هو في أمانته، وما ادعته من بقاء ثمن القمح الذي كانت سلفته إياه عليه فهو دعوى ما لا يجوز؛ لأنه فسخ دين في دين، ولا يقضي لها بشيء من ذلك في مال الغائب للوجه الذي ذكرنا.
وما دعي إليه الوكيل من قبض ثمن المملوكة الموقفة للغائب، فذلك له واجب؛ لأنه من حقوق الغائب أن شاء الله تعالى.
وأفتى ابن مالك سيدي ووليي، ومن وفقه الله وسده، أراك إنما اعتمدت فيما ذكرته لنا من مغيب ابن الشرقي على ما ثبت عندك فيه ولا تاريخه، إذا لم تعرفنا به، فإن كان فيما ثبت عندك بعد مغيبة واتصال غيبته وتاريخ الشهادة بمغيبة قريب جدًا، فذلك الذي يبيح العمل بالوكالة.
فإن كان إيقاع الشهادة بالمغيب قد بعد عهده فنبغي أن تعاد الشهادة إلي باتصال غيبته، ثم إن الوكالة المدرجة إلينا يبدو فيها أن الموكل ابن الشرقي لم يشهد على نفسه في العقد المدرج إلينا منتسخة، ولا أرى الكتاب، وإنما لقن ما فيه من حفظ الشهود على وجه الاسترعاء إلا بأن ينص لك الشاهد معانيها من حفظه كما يزعم القائم أن من حفظهم كتبت، وأما أن يقول لك: هذه شهادتي أشهد بها عندك، فتعلم له عيها، فلا يجوز لك، ولا يسعك ذلك في مثل هذا، فالله الله في الاهتبال بأمور الناس والنظر لنفسك.
فإذا عزم الأمر وحق العمل بالوكالة بتهذيب ما ذكرنا واستبرأته أنصفت فاطمة مما
стр. 418
توقف لغائب، إما بإعمال إقرار وكيله عليه، وإما بأنه شاهد لها فتحلف معه بما يجب، وهذا بين بما في الموطأ وبيانه، ولها شاهد آخر مقبول سوى الموقف عنه، ويقبض الوكيل ما بقي للغائب بعد إكمال ما قلت لك وإحكامه على ما يجب إن شاء الله تعالى.
قال القاضي:
جواب أبي عبد الصمد في ترك ادعاء فاطمة بما ثبت لها في أمانة زوجها ومن المعاملة الفاسدة جهل لا يلتفت إليه، وأما ابن عتاب فإنما أفتى بأن لا يقبض الوكيل ثمن مملوكة المبيعة على موكله؛ لأنه كان قبل له إن الوكيل غير مأمون عليه، فرأى من النظر إبقاءه في مكانه، وضع ذلك الوكيل من ضعف الوكالة.
تداعى ابن الدباغ وعمر في بئر سانية وصهريجها، وفي المقاسمة فيها:
اختصم عند صاحب الأحكام بقرطبة ابن الليث محمد بن محمد بن عتبة المعروف بابن الدباغ مع عمر بن محمد بن عمر في بئر سانية وصهريجها في جنة بالرملة.
وأظهر أحمد كتاب تقاسم في الجنة عقده أبوه ومحمد والد عمر أن السانية والصهريج بين محمد بن عمر ومحمد بن عتبة بنصفين، وجحد عمر الاشتراك، وادعى أنهما لها خالصان، فأنكر عقد التقاسم، واحتج بكونهما بيده وسفيه لجنته بهما، فأثبت محمد عقد المقاسمة، وحيرت بئر السانية والصهريج، وأجل عمر في المدفع، ثم دعا أحمد إلى تحليف عمر أنه ليس عنده من عقد المقاسمة نسخة إذ كان في الذي أظهره والكتاب نسختان.
فأفتى ابن عتاب: أن اليمين لاحقة له أن ما عنده نسخة من المقاسمة واعلم هل بها وخالفه ابن القطان وابن مالك، فقالا لا يمين عليه، إذ قد ثبت الكتاب الذي بيد القائم، ثم اتصل الخصام بينهما، وكان أحمد أثبت عقد المقاسمة بثلاثة شهود، وحازوا القطيع الذي فيه البئر ودورها وصهريجها وأعذر إلى عمر في ذلك، فجرح احد الشهود بعداوة بينهما متصلة، وأنهما لا يتكلمان، وشهد لهم بذلك شهود غير مبرزين، إلا أنهم مقبولون.
وبدا من أحد شاهدي المقاسمة الباقيين ما أوجب التوقف في شهادته، وأثبت كتاب استرعاء تضمن معرفة شهوده بالبئر والصهريج في اعتمار محمد بن عمر، وكونهما في ملكه يسقى منها ويتصرف إصلاح آلتها مدة عشرة أعوام اتصل آخرها بوفاته، وصارا في اعتمار المقوم عليه عمر أزيد من اثني عشر عامًا بمحضر القائم ومشاهدته لا بغي عليه؛ إلى
стр. 419
أن بلغهم قيامه يطلب فيها نصيبًا في تاريخ شهادتهم سنة ثمان وخمسين.
وأثبت أحمد عقد استرعاء بان البئر والصهريج كانا معطلين مدة خمسة عشر عامًا، وأنهما في ملك محمد بن عتيبة ابنة ومل محمد بن عمر بنصفين، ولم يزد الشهود على هذا، وكان قد تقيد من مقال أحمد أنه أعار ذلك عمر وحيز ذلك، وأعذر فيه إلى كل فريق على ما وجب، فلم يأتيا بشيء غير ما ذلك، وشاور الحكم فيها.
فأفتى ابن عتاب:
الذي أحاطه العلم وجرى به العمل والحكم في التجريح بالعداوة أنها تكون بشهادة من يزكي من الشهداء، ولا يشترط في أهل التبريز في العدالة من غيرهم، وإنما يطل بالتبريز غير العداوة من وجوه التجريح، ولا أعلم في هذا خلافًا، وذكرت أنه طرأ عيك، وانتهى إليك ما أوجب التوقف باقي شهود المقاسمة، فإذا كان هذا فلا معنى للاشتغال بالسؤال عن الجواب عنها.
ورأيت الكتب المدرجة قد عريت من تحديد الجنة التي فيها البئر والصهريج وإنما أشير إليها في كل كتاب إشارة لا تنحصر ولا تنضبط، ولا يتوجه الحكم في ذلك إلا بالتحديد البين والتعريف المعلوم المكشوف، فيجب تحديد ذلك على المعهود من التحديد، ولا يكتفي من ذلك بما في كتاب المقاسمة لما ذكرته في خطابك من توقفك من باقي شهودها.
وأما في شهادة الشهداء في الاسترعاء الذي ذكرت أنه لم يكن عندهم من يد فيها، ففي إعمال هذه الشهادة اختلاف؛ فمن الفقهاء من يرى ترك إعمالها مع بقاء الشهود وحيازتهم، وإعمالها عند فقدهم وذهابهم، وعدم السبيل إلى استفسارهم، ولكنهم إذا قالوا عندك لا مزيد فيها عندك فلا يجب إعمالها.
والذي يجب في هذه القصة – والله أعلم بحقيقة الصواب – أن يحلف كل واحد على تحقيق ما يدعيه، فإن حلفا كان مشتركًا بينهما على ما قاله مالك ﵀ فيمن ادعى شيئًا أنه له، وادعى غيره أن له منه نصفه، وما شهد به لعمر في استرعائه، ولأحمد في عقده غير عامل لالتباسها وإشكالها، ولكنهما مدعيان يدا لكل واحد منهما، فإن نكل أحدهما فللحالف ما حلف عليه.
стр. 420
وأفتى ابن القطان:
أما كتاب المقاسمة، فلا حجة فيه لمظهره لبطلانه بعد ثبوته، وكذلك عقده بتعطيل البئر والصهريج، والذي أثبته عمر، والذي تقيد من قول أحمد أنه أعاره ذلك؛ يوجبان القضاء لعمر بذلك الأمر حالة؛ لأن الاسترعاء والمقال يوجبان بدًا لعمر إلا لو أثبت ما ذكره في مقاله وما شهد به من الملك لا في القائم ولا في المقوم عليه فلا يتلفت إلى ذلك لنقصانه إن شاء الله.
قال القاضي:
قول أبي عبد الله في جوابه على ما في السؤال عن شهود الاسترعاء بتعطيل البئر والصهريج خمسة عشر عامًا، وأنها في ملك ابن عتبة وابن عمر بنصفين، ولم ترد شهادتهم على هذا، وفي إعمال هذه الشهادة اختلاف، ذهب إلى ما في المدونة في كتاب الشهادات عن مالك فيمن شهدت له بينته بداية أو غيرها أنه شيئه لا يعلمونه باع ولا وهب أنه يستوجب بهذه الشهادة ذلك، ويحلف ما باع ولا وهب ولا خرج عن يده بوجه ويأخذه.
زاد في كتاب العارية عن ابن القاسم: فإن لم يشهدوا أنهم لا يعلمونه باع ولا وهب. حلف أنه ما باع ولا وهب، وقضى له فأمضى ههنا شهادتهم، ولم يقولوا: لا نعلمه باع ولا وهب ولا قال، يعادون ويستفسرون إن كان حضروا.
وفي شهادات المغرب عن أشهب: أن هذه الشهادة إنما تمضي إذا لم يوجد سبيل إلى سؤالهم، وأما إن حضروا فسئلوا فأبوا أن يقولوا: لا نعلمه باع ولا وهب فشهادتهم باطل.
ومثل هذا شهادتهم في عدة الوراثة؛ لابد أن يزيدوا: لا نعلم له وارثًا غيرهم، ولا يشهدون في هذا ولا الأول على البت ولا وارث له غيرهم ولا أنه شيئه لم يبعه ولا قوته، كذا في المدونة في سماع أشهب في شهادات العتبية، وفيه خلاف في كتاب ابن حبيب وكتاب أبي فرج لبعض أصحاب مالك، أن الشهادة بذلك لا تكون إلا على البت لا على العلم، ولهذا تبيين، وفيه تنوع تركناه لطوله.
وجواب ابن القطان في هذه المسألة أظهر من الجواب الثاني، وليس أيضًا يبعد في النظر، والله أعلم بالصواب.
ويمين من استحق شيئًا متنوعة متنازع فيها، وأرجو أنها تأتي في غير هذه المسألة فنبينها إن شاء الله تعالى وهو المنعم بالهدى.
стр. 421
من ادعى بيع ثوب من إنسان وقال المدعي عليه: بل أمرني ببيعه:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ورثة ابن علي واليهودي، بأن قال ورثة ابن علي أن ابن علي باع من اليهودي درنكًا (١) وشقة، وبقي ثمنها عنده، وقال اليهودي: لم أشترهما منه؛ أنا دلال؛ أبيع لناس، فسألني بيعها، فبعت الدرنوك بثمن والشقة بثمن، وأوردت جميع ذلك عليه، وأخذت أجرتي منه.
فالذي يذهب إليه أصحاب مالك وسحنون معهم: أن القول قول اليهودي مع يمينه، وقالوا: كل من أقر بشيء في أمانته فلا يعدو إلى ذمته، ونسأل الله التوفيق، قال بذلك ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
الذي نص عن ابن القاسم في هذه المسألة بعينها خلاف ما ذهبوا إليه، وإشارتهم في جوابهم غنما هي إلى ما روي عن مالك وأصحابه في غير هذه المسألة، من ذلك ما في كتاب القرض من المدونة، فيمن له بيد آخر مال، فقال رب المال: هو قرض، وقال الذي هو بيده: إنما هو قراض، قال ابن القاسم: قال مالك: القول قول رب المال. يريد مع يمنه.
قال ابن القاسم: لأنه قال: أخذت مني المال على ضمان، وقال العامل: بل أخذته على غير ضمان، فهذا قد أقر له بمال وبدعي لا ضمان عليه فيه، فلا يصدق، فقال ابن حبيب في قراض الواضحة: إلى هذه رجع مالك، وأخذ به مطرف وابن الماجشون وأشهب وابن وهب بعد أن كان يقول: القول قول المقر؛ أنه قراض.
وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ، قال ابن حبيب: وبالذي رجع إليه مالك أقول، وروي انب وهب عن مالك في المبسوط مثل ما ذلك ابن حبيب عنه؛ أن القول قول رب المال.
وفي المدونة في كتاب الوكالات: قال مالك فيمن دفع إلى رجل ألف درهم ليشتري له بها حنطة فاشترى بها تمرًا، وقال: بذلك أمرتني؛ فالقول قوله، ورب المال مدع (٢). وقال أشهب في نوازل أصبغ في العتبية، قال أصبغ: إلى هذا رجع ابن القاسم بعد أن كان يقول: القول قول رب المال والمأمور مدع، قال أصبغ: وبه أقول.
стр. 422
وقد ظهر بهذا الذي أوردنا أن صاحب المال هو المصدق عند أكثر أصحاب مالك بخلاف ما قال ابن لبابة وصاحبه، وقول سحنون الذي أشار إليه هو مروي عنه فيمن قال لرجل: ادفع لي ثمن جاريتي التي بعتك، وقال المطلوب: بل أودعتنيها وتعديت عليها فوطئتها وأولدتها، وما بعتنيها؛ قال: رب الجارية مدع عليه مالاً ولا يصدق. ومقر أنها أم ولد لهذا المطلوب.
فولده منها أحرارا وتوقف هي، فإن ماتت عن مال أخذ منه المدعي ثمنها ويوقف باقيه، فإن رجع الذي أولدها إلى الإقرار بابتياعها يومًا ما أخذه، ويحد إن ثبت على إقراره بالتعدي في وطئها، وروي حسين بن عاصم عن ابن القاسم مثله، وهذه مسألة طويلة متفرعة على وجوه كثيرة في العتبية وكتاب ابن حبيب وغيرهما، تركت كتابها على وجوهها لطولها، ومع هذا فليست بنفس المسألة التي سئلوا عنها.
وأما التي سئلوا عنها فوري عيسى بن دينار عن ابن القاسم الذي فيه مسألة سحنون المتقدمة، قال في كتاب البراءة: وسألته عن رجل أتى إلى رجل فقال له: هات ثمن الثوب الذي بعتك، فقال: ما بعنيه، ولكن أمرتني أن أبيعه، فالقول صاحب الثوب، ويحلف أنه باعه منه، يريد لينفي دعواه الوكالة، فإن نكل عن اليمين حلف الآخر ويرئ.
قلت: فإن حلف صاحب الثوب أنه باعه منه واختلفا في الصفة، قال: يصف المشتري الثوب، ويحلف على صفته، ثم يقومه أهل البصر، ويغرم قيمته، قلت: فإن نكل، قال: يصفه صاحب الثوب وقومت الصفة وغرم المشتري، قال: وإن أتيا جميعًا بما يستنكر في الصفة ونكلا عن اليمين فالقول قول المشتري، قلت: فإن كانت قيمته أدنى من الثمن الذي باع به، قال: يقال للذي باع الثوب: اتق الله، إن كان أمرك ببيعه كما زعمت فادفع إليه بقة ثمن ثوبه ولا تحبسه، ولا يقض عيه بذلك؛ لأن صاحب الثوب يدعي أنه باعه منه.
هذا تفسير مسألة اليهودي وورثة ابن علي، وبها كان يجب أن يفتي إن كانا ذكراها.
من ادعى أنه ابتاع وقال المطلوب: بل رهنتنيه:
قرأت – وفقك الله – الشهادات الواقعة على مريم وسعيدة وحمدة وعلي ابن الماشطة، وفهمنا ما أدعاه ابن الماشطة من الاشتراط منهن اشتراءً محضًا وقول السناء أنهن
стр. 423
رهنه ولم يبعن منه شيئًا، وضربت لابن المشاطة آجالاً في إثبات ما ادعاه من الاشتراء منهنه، وانصرمت الآجال.
فالذي نرى أن يحلف النسوة في مقطع الحق بالله: إنهن ما يعن منه هذه الدار، ولا كتبن له اشتراءً أو إنما رهناها رهنًا، فإذا حلفن غرمن له الثمن الذي يقول إنه اشتراها به إذا كان في قيمة الدار ما يفي بذلك بعد يمينه إن أنكر العدة عليه، فإن نكل عن اليمين في العدة ردت اليمين في العدة على النسوة فحلفن على ما يذكرن من الرهن ويحاسبنه في الدار من الكراء.
وإذا لم يكن في قيمة الرهن مثل ما ادعى من الثمن وحلف النسوة على ما يذكرن لم يكن عليهن إلا ما يذكرن إلا أن زادت قيمة الرهن على ما قلن، وهو أقل مما يقول هو، فيحلف أيضًا هو ما ادعى، ويكون له عليهن من الثمن على قدر ما بغت الدار من الثمن، قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ومحمد بن وليد.
دعوى فيما يقرب من هذا المعنى:
فهمنا – وفقك الله – ما قام به عبدي الله بن مسور الطرطوشي عندك على موسى بن محمد بن موسى بن فطيس، وأثبت قبله من دين داين به موسى رحيمًا وعبيد الله، وكتب لهما به ذلك حق أقر فيه بدينهما على ما استجلبته وتيقنهما عليه بذلك، وفيه إرهان موسى لهما منيته وجنانه التي بشرقي مدينة قرطبة، وأن موسى قضاهما بعد دينهما وبقيت منه بقية خلصت لعبد الله، وأقر موسى الرهن بيده، وقدمه على بيعه إذا أوجب حقه، وثبت ذلك كله عندك.
وأعذرت في ذلك إلى رحيم وموسى، فلم يكن عندهما مدفع غير ما اعتل به موسى من فساد الصفقة، وما ادعاه من القضاء، وكلفته إثبات ما ذلك، وضربت لوكيله فيه آجالاً استبلاغًا في الإعذار إليه، فلم يأت بمدفع، وأحضر بينة شهدت لموسى فيما ادعاه من فساد الصفة لم تعرفهم، فلما طال تلومك فيه وبان لك عجزه عجزته بعجزه.
واستظهر فيما ادعاه موسى على عبد الله من فساد الصفقة بأن حلفته بالله في مقطع الحق: لما انعقدت صفقته على موسى على ما ادعاه من فسادها، ولقد انعقدت على الجواز وعلى ما انعقدت به في الظاهر ما دخل في الصفقة ولا بعدها ما يفسدها كما ذلك موسى، ولا قضاه من باقي دينه شيئًا، ونظرنا إلى ما عقدته من الحكم لعبد الله على
стр. 424
موسى.
وأردت معرفة رأينا في ذلك، فالذي عقدته – حفظك الله – هو الحق الذي لا يسعك أن تخلي منه شيئًا، والإشهاد به وجه القضاء الذي لا يحل خلافه، قاله ابن لبابة، وابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ، وأيوب ابن سليمان، ومحمد بن غالب.
دعوى في نحو هذا المعنى في دار ابن البراء:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ابن البراء وابن أخيه أحمد في الدار التي كانت ملكًا براء، وذكر ابن أحمد: أن عمته أخذت من أبيه أحمد ثلاث مائة دينار، ورهنت بذلك هذه الدار، وأنكر ذلك ابن البراء وذكر: أن الذي باعت أخته لمغرم السلطان لسبب اعترض فيه، وهذه الدار صيرتها إلى أخيها؛ لأنه شقيقها، وادعى رهنًا لم يصح.
فالذي نرى – والله الموفق – أن ابن أحمد قد أقر أنها رهن، والرهن غير بيع فوجب بذلك وعقلته هذه الدار، فإن صح ما قال من أنها رهن، لم يعرض له في حقه، فإما أن يفديها الورثة بالعدة التي رهنت بها ونقسم الدار، وإن عجزوا أمرت بالنداء عليها وبيعها، وقضى ابن أحمد بن البراء ما ثبت له، والعقلة للدار واجبة ثبت ما ذكره ابن البراء أو لم يثبت، لإقراره بالرهن، والرهن غير بيع، وإنما هي وثيقة بحق ادعى فيه، فاستعجل أيها القاضي العقلة لها فهو وجه النظر، ثم من استحق شيئًا قضى له به إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد، وأحمد بن أبي عيسى.
قال القاضي:
سؤال هذه المسألة غير بين، وجوابهم بالعقلة غير ظاهر، وفي مساع أصبغ عن ابن القاسم: فيمن ادعى في جارية عند رحل أنه رهنها وقال الآخر: اشتريته منك، وشهد لكل واحد على دعواه شاهدان، ولا يدري ما كان أولا؛ البيع أم الرهن؟ قال: الاشتراء أولى وأثبت؛ لأنه قد ثبت به أنها له، إلا أن يشهد للمدعي أنه رهنه إياها بعد الاشتراء، فيعرف أنها قد رجعت إليه.
ولسحنون في كتاب ابنه عن ابن القاسم مثله فيه أخذ، وقد قال بعض أصحابنا يقضي بأعدل البينتين، ولو لم تكن بينهما بينة؛ صدق الراهن مع يمينه؛ لأن المشتري قد أقر له بالملك وادعى الشراء، وكذلك في تكاؤ البينتين.
стр. 425
وفي وكلات المدونة: إن قال: رهنتنيها، وقال رهبا: بل أودعتكها، فالقول قول رهبا. وف يالرهون: وكذلك إن قال: أعرتكها. وفي الوديعة: إن قال: سرقتني، وقال الآخر: أودعتني؛ صدق، لأن ربها ادعى عليه بالفجور، وفي الجعل: إن قال: سرقته مني، أو قال: سرق مني، وقال الآخر: استعملتني، تحالفا، وقيل لرب المتاع: أعطه أجرته وخذ متاعك، فإن أبى؛ قيل للآخر: أعطه قيمة متاعه، فإن أبى؛ كانا شريكين، وقال غيره: لا يكونان شريكين والعمل مدع، ونحوه في أحكام الواضحة، ولو قال: أودعتكه، وقال الآخر: استعملتنيه؛ صدق وقيل: العامل مدع.
وقال فضل: إن قال: بعتنيه، وقال ربه: بل غصبتنيه، صدق الذي هو بيده، وكذلك إن قال: قارضتني، وقال الآخر: عسبتني، لأن ربه يدعي عليه باب فساد، وقد تقدم قبل هذا بقية هذا المعنى.
دعوى بين ابن أبي الحباب وابن القرشي في تبايع وكشف وامتناع من جواب بإقرار أو إنكار:
قام عندي – رحمنا الله وإياكم – معاوية بن هشام بكتاب ابتياع من محمد وعبدة ابني أحمد بن طاهر، فسأل أن يكشف إبراهيم زوج عبدة ووكيلها؛ إن كانت باعت من معاوية ما وصف بيعها له في ذلك الكتاب منه أم لا؟ فكشف له محمد بن إبراهيم فقال: ما أرد في الكتاب شيئًا حتى ينسخ لي وأقرأه على صاحبتي، فكتبت اليكم أسألكم: هل يجب له أن ينسخ له الكتاب أم لا؟ فكبتم إلي: إن مثل ذلك الكتاب لا يجب أن ينسخ لمحمد اختصار ما فيه، فقرئ عيه الكتاب، فقال عن زوجته بعد سماعه ما فيه: لا أرد فيه شيئًا حتى يقول وكيل معاوية إن كان ذلك الشراء لنفسه أم لغيره، ودعي محمد إلى شورى أهل العمل في قوله، فأردت معرفة رأيكم في الواجب في ذلك فاكتبوا إلي برأيكم في ذلك إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن وليد: فقرأت ما كتب به القاضي أكرمه الله، وحبس على المسلمين نظره، وفهمت ما سألت عنه وما ذكره فإنا كتبنا إليه بخطوط أيدينا؛ بأن لا ينسخ شراء معاوية لمحمد بن إبراهيم لاختصار ما فيه، بل يقرأ عليه، فكذلك قلنا وكتبنا به إليك، والذي نقول به في قول محمد: إنه لا يرد عن زوجته في شراء معاوية، أنها باعت منه أو لم تبع؛ حتى يقول معاوية إن الشراء إنما اشترى ما فيه نفسه أو لغيره، أن الرد على محمد