من ادعى بيع ثوب من إنسان وقال المدعي عليه: بل أمرني ببيعه:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ورثة ابن علي واليهودي، بأن قال ورثة ابن علي أن ابن علي باع من اليهودي درنكًا (١) وشقة، وبقي ثمنها عنده، وقال اليهودي: لم أشترهما منه؛ أنا دلال؛ أبيع لناس، فسألني بيعها، فبعت الدرنوك بثمن والشقة بثمن، وأوردت جميع ذلك عليه، وأخذت أجرتي منه.
فالذي يذهب إليه أصحاب مالك وسحنون معهم: أن القول قول اليهودي مع يمينه، وقالوا: كل من أقر بشيء في أمانته فلا يعدو إلى ذمته، ونسأل الله التوفيق، قال بذلك ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
الذي نص عن ابن القاسم في هذه المسألة بعينها خلاف ما ذهبوا إليه، وإشارتهم في جوابهم غنما هي إلى ما روي عن مالك وأصحابه في غير هذه المسألة، من ذلك ما في كتاب القرض من المدونة، فيمن له بيد آخر مال، فقال رب المال: هو قرض، وقال الذي هو بيده: إنما هو قراض، قال ابن القاسم: قال مالك: القول قول رب المال. يريد مع يمنه.
قال ابن القاسم: لأنه قال: أخذت مني المال على ضمان، وقال العامل: بل أخذته على غير ضمان، فهذا قد أقر له بمال وبدعي لا ضمان عليه فيه، فلا يصدق، فقال ابن حبيب في قراض الواضحة: إلى هذه رجع مالك، وأخذ به مطرف وابن الماجشون وأشهب وابن وهب بعد أن كان يقول: القول قول المقر؛ أنه قراض.
وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ، قال ابن حبيب: وبالذي رجع إليه مالك أقول، وروي انب وهب عن مالك في المبسوط مثل ما ذلك ابن حبيب عنه؛ أن القول قول رب المال.
وفي المدونة في كتاب الوكالات: قال مالك فيمن دفع إلى رجل ألف درهم ليشتري له بها حنطة فاشترى بها تمرًا، وقال: بذلك أمرتني؛ فالقول قوله، ورب المال مدع (٢). وقال أشهب في نوازل أصبغ في العتبية، قال أصبغ: إلى هذا رجع ابن القاسم بعد أن كان يقول: القول قول رب المال والمأمور مدع، قال أصبغ: وبه أقول.
стр. 422
وقد ظهر بهذا الذي أوردنا أن صاحب المال هو المصدق عند أكثر أصحاب مالك بخلاف ما قال ابن لبابة وصاحبه، وقول سحنون الذي أشار إليه هو مروي عنه فيمن قال لرجل: ادفع لي ثمن جاريتي التي بعتك، وقال المطلوب: بل أودعتنيها وتعديت عليها فوطئتها وأولدتها، وما بعتنيها؛ قال: رب الجارية مدع عليه مالاً ولا يصدق. ومقر أنها أم ولد لهذا المطلوب.
فولده منها أحرارا وتوقف هي، فإن ماتت عن مال أخذ منه المدعي ثمنها ويوقف باقيه، فإن رجع الذي أولدها إلى الإقرار بابتياعها يومًا ما أخذه، ويحد إن ثبت على إقراره بالتعدي في وطئها، وروي حسين بن عاصم عن ابن القاسم مثله، وهذه مسألة طويلة متفرعة على وجوه كثيرة في العتبية وكتاب ابن حبيب وغيرهما، تركت كتابها على وجوهها لطولها، ومع هذا فليست بنفس المسألة التي سئلوا عنها.
وأما التي سئلوا عنها فوري عيسى بن دينار عن ابن القاسم الذي فيه مسألة سحنون المتقدمة، قال في كتاب البراءة: وسألته عن رجل أتى إلى رجل فقال له: هات ثمن الثوب الذي بعتك، فقال: ما بعنيه، ولكن أمرتني أن أبيعه، فالقول صاحب الثوب، ويحلف أنه باعه منه، يريد لينفي دعواه الوكالة، فإن نكل عن اليمين حلف الآخر ويرئ.
قلت: فإن حلف صاحب الثوب أنه باعه منه واختلفا في الصفة، قال: يصف المشتري الثوب، ويحلف على صفته، ثم يقومه أهل البصر، ويغرم قيمته، قلت: فإن نكل، قال: يصفه صاحب الثوب وقومت الصفة وغرم المشتري، قال: وإن أتيا جميعًا بما يستنكر في الصفة ونكلا عن اليمين فالقول قول المشتري، قلت: فإن كانت قيمته أدنى من الثمن الذي باع به، قال: يقال للذي باع الثوب: اتق الله، إن كان أمرك ببيعه كما زعمت فادفع إليه بقة ثمن ثوبه ولا تحبسه، ولا يقض عيه بذلك؛ لأن صاحب الثوب يدعي أنه باعه منه.
هذا تفسير مسألة اليهودي وورثة ابن علي، وبها كان يجب أن يفتي إن كانا ذكراها.
من ادعى أنه ابتاع وقال المطلوب: بل رهنتنيه:
قرأت – وفقك الله – الشهادات الواقعة على مريم وسعيدة وحمدة وعلي ابن الماشطة، وفهمنا ما أدعاه ابن الماشطة من الاشتراط منهن اشتراءً محضًا وقول السناء أنهن
стр. 423
رهنه ولم يبعن منه شيئًا، وضربت لابن المشاطة آجالاً في إثبات ما ادعاه من الاشتراء منهنه، وانصرمت الآجال.
فالذي نرى أن يحلف النسوة في مقطع الحق بالله: إنهن ما يعن منه هذه الدار، ولا كتبن له اشتراءً أو إنما رهناها رهنًا، فإذا حلفن غرمن له الثمن الذي يقول إنه اشتراها به إذا كان في قيمة الدار ما يفي بذلك بعد يمينه إن أنكر العدة عليه، فإن نكل عن اليمين في العدة ردت اليمين في العدة على النسوة فحلفن على ما يذكرن من الرهن ويحاسبنه في الدار من الكراء.
وإذا لم يكن في قيمة الرهن مثل ما ادعى من الثمن وحلف النسوة على ما يذكرن لم يكن عليهن إلا ما يذكرن إلا أن زادت قيمة الرهن على ما قلن، وهو أقل مما يقول هو، فيحلف أيضًا هو ما ادعى، ويكون له عليهن من الثمن على قدر ما بغت الدار من الثمن، قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ومحمد بن وليد.
دعوى فيما يقرب من هذا المعنى:
فهمنا – وفقك الله – ما قام به عبدي الله بن مسور الطرطوشي عندك على موسى بن محمد بن موسى بن فطيس، وأثبت قبله من دين داين به موسى رحيمًا وعبيد الله، وكتب لهما به ذلك حق أقر فيه بدينهما على ما استجلبته وتيقنهما عليه بذلك، وفيه إرهان موسى لهما منيته وجنانه التي بشرقي مدينة قرطبة، وأن موسى قضاهما بعد دينهما وبقيت منه بقية خلصت لعبد الله، وأقر موسى الرهن بيده، وقدمه على بيعه إذا أوجب حقه، وثبت ذلك كله عندك.
وأعذرت في ذلك إلى رحيم وموسى، فلم يكن عندهما مدفع غير ما اعتل به موسى من فساد الصفقة، وما ادعاه من القضاء، وكلفته إثبات ما ذلك، وضربت لوكيله فيه آجالاً استبلاغًا في الإعذار إليه، فلم يأت بمدفع، وأحضر بينة شهدت لموسى فيما ادعاه من فساد الصفة لم تعرفهم، فلما طال تلومك فيه وبان لك عجزه عجزته بعجزه.
واستظهر فيما ادعاه موسى على عبد الله من فساد الصفقة بأن حلفته بالله في مقطع الحق: لما انعقدت صفقته على موسى على ما ادعاه من فسادها، ولقد انعقدت على الجواز وعلى ما انعقدت به في الظاهر ما دخل في الصفقة ولا بعدها ما يفسدها كما ذلك موسى، ولا قضاه من باقي دينه شيئًا، ونظرنا إلى ما عقدته من الحكم لعبد الله على
стр. 424
موسى.
وأردت معرفة رأينا في ذلك، فالذي عقدته – حفظك الله – هو الحق الذي لا يسعك أن تخلي منه شيئًا، والإشهاد به وجه القضاء الذي لا يحل خلافه، قاله ابن لبابة، وابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ، وأيوب ابن سليمان، ومحمد بن غالب.
دعوى في نحو هذا المعنى في دار ابن البراء:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ابن البراء وابن أخيه أحمد في الدار التي كانت ملكًا براء، وذكر ابن أحمد: أن عمته أخذت من أبيه أحمد ثلاث مائة دينار، ورهنت بذلك هذه الدار، وأنكر ذلك ابن البراء وذكر: أن الذي باعت أخته لمغرم السلطان لسبب اعترض فيه، وهذه الدار صيرتها إلى أخيها؛ لأنه شقيقها، وادعى رهنًا لم يصح.
فالذي نرى – والله الموفق – أن ابن أحمد قد أقر أنها رهن، والرهن غير بيع فوجب بذلك وعقلته هذه الدار، فإن صح ما قال من أنها رهن، لم يعرض له في حقه، فإما أن يفديها الورثة بالعدة التي رهنت بها ونقسم الدار، وإن عجزوا أمرت بالنداء عليها وبيعها، وقضى ابن أحمد بن البراء ما ثبت له، والعقلة للدار واجبة ثبت ما ذكره ابن البراء أو لم يثبت، لإقراره بالرهن، والرهن غير بيع، وإنما هي وثيقة بحق ادعى فيه، فاستعجل أيها القاضي العقلة لها فهو وجه النظر، ثم من استحق شيئًا قضى له به إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد، وأحمد بن أبي عيسى.
قال القاضي:
سؤال هذه المسألة غير بين، وجوابهم بالعقلة غير ظاهر، وفي مساع أصبغ عن ابن القاسم: فيمن ادعى في جارية عند رحل أنه رهنها وقال الآخر: اشتريته منك، وشهد لكل واحد على دعواه شاهدان، ولا يدري ما كان أولا؛ البيع أم الرهن؟ قال: الاشتراء أولى وأثبت؛ لأنه قد ثبت به أنها له، إلا أن يشهد للمدعي أنه رهنه إياها بعد الاشتراء، فيعرف أنها قد رجعت إليه.
ولسحنون في كتاب ابنه عن ابن القاسم مثله فيه أخذ، وقد قال بعض أصحابنا يقضي بأعدل البينتين، ولو لم تكن بينهما بينة؛ صدق الراهن مع يمينه؛ لأن المشتري قد أقر له بالملك وادعى الشراء، وكذلك في تكاؤ البينتين.
стр. 425
وفي وكلات المدونة: إن قال: رهنتنيها، وقال رهبا: بل أودعتكها، فالقول قول رهبا. وف يالرهون: وكذلك إن قال: أعرتكها. وفي الوديعة: إن قال: سرقتني، وقال الآخر: أودعتني؛ صدق، لأن ربها ادعى عليه بالفجور، وفي الجعل: إن قال: سرقته مني، أو قال: سرق مني، وقال الآخر: استعملتني، تحالفا، وقيل لرب المتاع: أعطه أجرته وخذ متاعك، فإن أبى؛ قيل للآخر: أعطه قيمة متاعه، فإن أبى؛ كانا شريكين، وقال غيره: لا يكونان شريكين والعمل مدع، ونحوه في أحكام الواضحة، ولو قال: أودعتكه، وقال الآخر: استعملتنيه؛ صدق وقيل: العامل مدع.
وقال فضل: إن قال: بعتنيه، وقال ربه: بل غصبتنيه، صدق الذي هو بيده، وكذلك إن قال: قارضتني، وقال الآخر: عسبتني، لأن ربه يدعي عليه باب فساد، وقد تقدم قبل هذا بقية هذا المعنى.
دعوى بين ابن أبي الحباب وابن القرشي في تبايع وكشف وامتناع من جواب بإقرار أو إنكار:
قام عندي – رحمنا الله وإياكم – معاوية بن هشام بكتاب ابتياع من محمد وعبدة ابني أحمد بن طاهر، فسأل أن يكشف إبراهيم زوج عبدة ووكيلها؛ إن كانت باعت من معاوية ما وصف بيعها له في ذلك الكتاب منه أم لا؟ فكشف له محمد بن إبراهيم فقال: ما أرد في الكتاب شيئًا حتى ينسخ لي وأقرأه على صاحبتي، فكتبت اليكم أسألكم: هل يجب له أن ينسخ له الكتاب أم لا؟ فكبتم إلي: إن مثل ذلك الكتاب لا يجب أن ينسخ لمحمد اختصار ما فيه، فقرئ عيه الكتاب، فقال عن زوجته بعد سماعه ما فيه: لا أرد فيه شيئًا حتى يقول وكيل معاوية إن كان ذلك الشراء لنفسه أم لغيره، ودعي محمد إلى شورى أهل العمل في قوله، فأردت معرفة رأيكم في الواجب في ذلك فاكتبوا إلي برأيكم في ذلك إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن وليد: فقرأت ما كتب به القاضي أكرمه الله، وحبس على المسلمين نظره، وفهمت ما سألت عنه وما ذكره فإنا كتبنا إليه بخطوط أيدينا؛ بأن لا ينسخ شراء معاوية لمحمد بن إبراهيم لاختصار ما فيه، بل يقرأ عليه، فكذلك قلنا وكتبنا به إليك، والذي نقول به في قول محمد: إنه لا يرد عن زوجته في شراء معاوية، أنها باعت منه أو لم تبع؛ حتى يقول معاوية إن الشراء إنما اشترى ما فيه نفسه أو لغيره، أن الرد على محمد
стр. 426
واجب قبل أن يرد عليه معاوية، فيما أحب محمد رد معاوية فيه؛ لأن معاوية هو ابتدأ كشف محمد، فلابد للمكشوف أن يرد فيما سئل عنه بإقرار أو إنكار، ثم يكشف هو عما بدا له، فإن كان لما يكشف عنه معنى؛ يجب على المكشوف عنه الرد فيما رد عليه.
وأقول: إن من لزمه الرد بإقرار أو إنكار فلم يرد؛ فالسوط حتى يرد، هذا قول مالك ﵀، وما يجب عندي على معاوية أن يرد إن كان ابتاع ذلك لنفسه أو لغيره؛ لأنه يقول: أنا قد اشتريت، فما سؤالك أنت: النفسي اشتريت أم لغيري؟ فإن قام علي قائم يدعي أني اشتريت ذلك له، فعلى ذلك القائم أرد عليك، والله نسأله التوفيق.
وقال ابن لبابة مثل ذلك، وهو أبين من أن يحتاج فيه إلى فتيا؛ لأن من كشفه خصمه عن كتاب قام به؛ لابد له من الإقرار والإنكار، وبقي من كلامه شيء غير معقول فتركته.
وقال أبو صالح: ليس لمن سئل أولا أن يسأل، حتى يرد فيما سئل عنه، فإذا رد، قيل له: سل عما بداك، وهذا مما لا يحتاج فيه إلى فتيا، وبه قال سعد بن معاذ.
دعوى أخرى أيضًا في ذلك بينهما وبين الحاجب سعيد بن السليم:
قام عندي – رحمكم الله – محمد بن إبراهيم المعروف وكيل زوجته بنت أحمد بن طاهر عنها، على سعيد بن السليم، في جنان بيد سعيد، وواضح الخصومة عندنا فيها محمد بن إبراهيم، وعبد الله وكيل سعيد، وتقاعد الوكيلان عندي مرارًا في ذلك، ثم إن معاوية بن هشام القرشي قام عندي بكتاب ابتياع للجنان التي فيها: قام محمد بن الحباب على سعيد، فقال معاوية: إني ابتعت هذه الجنان من زوجة ابن الحباب، وأراه قد ادعاها ملكًا لزوجته، وقام يخاصم فيها عنها، وأنا إن سوغته ذلك بعد معرفتي بقيامه وادعائه ذلك ملكًا لها، وهي بشرائي من زوجته، وسألني أن أكشف له محمد بن الحباب: هل باعته زوجة الجنان من معاوية؟
فلما كشف عن ذلك قال: لا أقر ولا أنكر حتى يقول معايوة إن كان ابتاعها لنفسه أم لغيره؟ ثم رجع ابن الحباب فقال: يا قاضي لا يجب أن توقفني عن زوجتي إن كانت باعت هذا الجنان من معاوية مما انتشبت فيه خصومتي عن زوجتي مع وكيل سعيد عندك وعند الناظرين.
فقال معاوية: أنا غير سعيد، فإن كنت أنت واضعت فهيا وكيل سعيد الذي أمر
стр. 427
القاضي وصاحباه بالنظر للمشكاة على الأربعة منهم، فأنا لست من الأربعة الذين صرف نظرهم إليه، وأنا واحد من المسلمين في مطلب أطلبه عند قاضي الجماعة، ومطلي عند زوجتك وأنت وكيلها، فرد علي، فإن أقررت عليها بالبيع مني، أشهد لي القاضي على ما ثبت من إقراراك عنها بالبيع وقبض الثمن، ليكون لي وثيقة على سالف الأيام، لأنك – وأنا قائم – تدعي مالي ملكًا لزوجتك بعد بيعها له مني، فاكتبوا لي رحمكم الله وأياكم فيما تحاجا فيه.
قال محمد بن وليد:
قرأت ما كتب به القاضي – وفقه الله – في كتابه هذا، وتدبرت حجة الرجلين، فالذي أقول به في ذلك – والله أسأله التوفيق -: أن على محمد بن إبراهيم الرد على معاوية عند القاضي وحده فيما كشف عنه معاوية؛ لأن معاوية يقول: أنا غير سعيد، الذي صرف الأمر – أعزه الله – انظر بينه وبين ظلمه إلى القاضي وصاحبه، وفق الله جميعهم. ومن ابتاع ريعًا من رجل، ثم نظر إلى ذلك الرجل بيعه من آخر، ويدعي فيه دعوى، ثم لم ينكر المبتاع على البائع؛ وهن بذلك شراء المبتاع، فتأكد بهذا عندي: أن من حق معاوية أن يرد عيه ابن الحباب – عن زوجته – هل باعت أم لا؟ وهذا أقول.
وقال ابن لبابة:
يلزم ابن الحباب الرد: هل باعت زوجة الحنان من معاوية أم لا؟ وقول ابن الحباب – حتى يقول معاوية: هل أشترى منها أم لا – عجز سديد، إنما يسأل السائل فيجاب فيما سأل، ثم إن كان للمسئول دعوى سأل عنها، فإما أن يقول المسئول: بل أنت قل هو ابتعت؟ فيصير المسئول سائلا قبل رده، وهذا جهل شديد لابد أن يرد عما سئل ثم يسأل عما شاء، وقال بذلك خالد بن وهب، وسعد بن معاذ.
وقال أبو صالح:
نظرت – أكرمك الله – في تجاوب معاوية وابن الحباب، فرأيت لكل وجهًا يجوز عليه خافه؛ إذ لا ينكر رجوع الشيء إلى بائعه بعد أن كان باعه، فإن كان الجنان بيد معاوية، فلا تباعه لابن الحباب أن يجيب معاوية فيما سأله عنه، إذ صارت الخصومة بينهما دون سعيد، ولا رد جوابه على معاوية حتى يجب فيما سأله عنه معاوية.
فإن أبي أن يجيب قبل له: إما أن تجيب وإما عزناك وقضينا معاوية، فإن أجاب
стр. 428
فوجب له سؤال معاوية: ألنفسه ابتاع أم لسعيد وبماله والحنان بيد معاوية، لم يضر سعيدًا ما أجاب به معاوية من ذلك، وإن كانت الجنان بيد سعيد ومعه ابتياع من معاوية أو لم يكن لم يضره؛ لأن لسعيد أن يقول لمعاوية: ابتعت منك ولم تبتع مني.
ولو قال سعيد: نعم ابتاع لي أو قامت بذلك بينة، لم يضر ذلك أيضًا حتى يثبت بينة على أصل غصب، وإن كانت الجنان بيد سعيد وقت النظر قيل لابن الحباب: هل عادت الجنان إلى ملك زوجتك بعد أن باعتها من معاوية، ثم خرجت عن ملكها إلى ملك سعيد أملا؟ فإن قال: لم تعد إلى ملكها بعد أن باعتها من معاوية؛ أثبت ذلك عليه ومضت الجنان معاوية من بعده، حتى تقوم بينة على ابتياع معاوية لسعيد وبينه على أن سعيدًا من أهل الغصب، وإن قال: عادت ملكها بعد البيع من معاوية ثبت عليه أيضًا البيع من معاوية، ووجبت عليه البينة برجوع ملكها إليه بعد البيع من معاوية.
قال القاضي:
هذه ألفاظ هجينة ومعان ركيكة وتطويل في غير معنى، وأعادوا الرد في موضع الجواب وهو لفظ عام غير مستعمل، وإنما يقابل السؤال الجواب، ويقال عن سئل: أجب سائلك بإقرارك أو إنكار إن كان في تداع أو استخبار. وقالوا في الجواب قبل هذا: إن أبي أن يرد فالسوط. قاله مالك، وإنما المعروف من قوله أنه يجير على الإقرار والإنكار ولا يترك وما أراد. رواه ابن كنانة عنه في سماع أشهب وقال في كتاب ابن المواز: يجبر بالسجن، وكذلك في كتاب محمد بن عبد الحكم، وقاله سحنون في كتاب ابنه.
وقال ابن حبي: في كتابه: إن أبي أن يتكلم أو قال لا أخاصمه إليك، قال لي القاضي: تكلم وخاصم، وإلا حلفته على ما ادعى قبلك وحكمت له عليك، فإن لم يتكلم أحلف الطالب وقضى له إن كان يستحق باليمين مع نكول المطلوب، وهذا كله اختصرت مسائله كراهة التطويل.
دعوى في مصحف:
فهمنا – وفقك الله – مقال المعلم الذي أتاك بالمصحف، وذكر أن محمد بن عبد البر بن لقيط أتى به منذ زمان ليصلحه له فأصلحه، ثم أتى فذكر أن المصحف ضاع وسأله إن وقع إليه أن يوقفه له، وأن امرأة وقفت به عليه فسامها به ثم قال لها: من أين وقع إليك هذا المصحف وأنا أعرفه لابن عبد البر؟ فقالت: إن لابن شهيد وإن وقع أمره إلى محمد
стр. 429
بن يحيى صاحب السوق، وأدخل ابن عبد البر عليه بينة، فلم يفصل فيه بشيء حتى مات.
فالذي ترى: أن تأمر بإيقافه وتبعث في ابن عبد البر وفي المرأة فتكشفها عن خبر هذا المصحف وتحملها فيه على ما يصح عندك لمن أثبته قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن أيمن، وغيرهم.
دعوى في بيع غلام وقال المطلوب: أمرني ببيعه:
قام عندي محمد بن الشامة فذكر أنه باع عبدًا من ابن عقيل النخاس، ,اقبضه العبد ولم يقبض منه الثمن، وحضر ابن عقيل فقال: قبضت منه مملوكًا أسود لأبيعه له ولم أشتره منه، وقد أبق مني.
فالقول – أكرمك الله – قول من منهما، فإنه حضرني بعض أهل العلم، وقال: القول قول صاحب المملوك.
وذكر ألفا مروية لعيسى عن ابن القاسم في رجل قال لرجل: ادفع لي ثمن الثوب الذي بعت منك، قال: ما بعته مني، ولكني دفعته إلي لأبيعه لك وقد ضاع مني، فقال ابن القاسم: القول قول رب الثوب الذي زعم أنه باع من الرجل، ويقال للرجل: صف الثوب الذي أقررت أنك قبضته، فإذا وصفه وصدقه رب الثوب قوم الثوب وغرم له قيمته. فما ترى أنت في ذلك.
قال أبو صالح:
فهمت ما ذكرته من خبرهما وما ذكره الرجل، والرواية كما ذلك لا اختلاف عندنا في ذلك، وهو قولنا ومذهبنا؛ فنفذ القضاء به موفقًا إن شاء الله. وإنما يستوصف قابض العبد إذا لم تكن له بينه على صفته، فأما إن كانت بينة على صفته فهو أحق من الوصف، إلا أن يرضى بترك البينة والرجوع إلى الصفة.
قال ابن لبابة: قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم أصح من هذه وبه نقول:
قال القاضي:
قد ذكرت رواية عيسى عن ابن القاسم قبل هذا في مسألة اليهودي ومخاصمته بكمالها، وزادوا فيها ههنا ما لم يقع في الرواية وهو قولهم: وقد ضاع مني.
وقول ابن لبابة: رواية أصبغ أصح، لا أعلم بهذه الرواية التي ذلك، وإن كان عني التي في سماع عيسى في رسم العربة: إذ قال رب الجارية: هات ثمن جاريتي هذه. وقد
стр. 430
ولدت. وقال الآخر: ما اشتريت ولكن زوجتنيها، لما وصل بها في هذا الرسم من رواية أصبغ – فليست مثل المسألة التي سئلوا عنها، وقد ذكرت قبل هذا في مسألة اليهودي قول سحنون في هذا.
دعوى في خندق بين فدائي رجلين حفر أحدهما فيه ما تشكى الآخر أذاه:
قام عندي – ﵀ – أحمد بن مروان، فذكر أن الخندق الكبير الجاري القديم بقلبقار، وكان حجزًا بين فدان لي وفدان لعبد الرحمن، وأحدث علي فيه حفر مؤديا للخندق القديم، وخندق في فداني.
وقال عبد الرحمن لست أعرف مما قال أحمد قليلا ولا كثيرًا والحفير الذي ادعى انه حفر في ماله ليس هو كما قال، إنما حفرت في مالي ومتاعي.
فالذي يجب في هذا – والله الموفق – أن أحمد قد أقر أن الخندق فاصل وحاجزين أرضه وأرض عبد الرحمن، ثم ادعى أن عبد الرحمن تعدى عليه وحفر في ماله، فعلى أحمد إقامة البينة على دعواه، وعليك – وفقك الله – إعانته لشهادة البينة، على أن يضعف عن طلب حقه. قاله يحيى بن عبد العزيز، وابن لبابة.
وقال أحمد بن بيحيى: يجب عونه وأن ترسل معه عدولا ينظرون إلى ذلك، لظهور ضعفه مع شهادة من شهد أنه ضعيف.
وقال أبو صالح: إذا جاء مثل هذا الإشكال من الدعوى أرسل القاضي من يفهمه ويأتيه بالصحيح منه؛ لأنه أمر يدرك ويفهم، وقد ركب عثمان بن عفان ﵁ في أمر أشكال، وقد ركب عندنا أيضًا أحمد بن زياد في أمر أشكل.
وقال سعد بن معاذ: البينة – أكرمك الله – على أحمد فيما ذلك أن عبد الرحمن حفر في فدانه، إلا أن يكون الحفر حادثًا يفهم بالوقوف إلى الخندق؛ فحينئذ ترسل من ينظر إلى ذلك فتعمل بما تقوم به البينة المرسلة المعاينة.
وقال به أيوب بن سليمان، إن ادعيا جميعًا الحفر الطري حتى يثبت لمن هو منهما.
قال القاضي:
خبر عثمان الذي ذكره أبو صاح وقع في أقضية العتبية في سماع ابن القاسم في رسم تأخير صلاة العشاء. قال مالك: كان بين رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ خصومه في
стр. 431
أرض لهما قريبة من المدينة حتى ارتفع الشأن بينهما، فركب عثمان ﵁ في زمانه في ذلك، وركب معه رجال، فلما ساروا قال له رجل: إن عمر ﵁ قد قضى فيه، فقال عثمان: أنظر في أمر قد قضى فيه عمر ورجع.
وهكذا وقع في آخر الزكاة الأول من المدونة، وهو خبر حسن ذكره أبو عمر محمد ابن عبد الواحد الماوردي الزاهد المعروف بالمطرز في كتاب البواقيت له، عن الشعبي قال: أول من جرا جريا أي وكل وكيلا من الصحابة على ﵁، وكل عبد الله بن جعفر، فقيل له لم وكلت عبد الله وأنت سيد من سادات الناطقين؟ فقال: إن للخصومات فحمًا.
قال عبد الله: فنازعني طلحة في ظفير كان بين ضيعتين: ضيعة لعلي وضيعة لطلحة، وكان علي يحب أن يثبت الظفير وكان طلحة يحب أن يزال. قال: فتنازعنا الخصومة بين يدي عثمان وهو خيفة، فقال لنا: إذا كان عدًا ركبنا في الناس معكما حتى أقف على الظفيرا فأحكم بينكما معاينة.
قال عبد الله: فركب معنا من المهاجرين والأنصار، وكان معنا معاوية كان جاء زائرًا فتنازعنا الخصومة في الطريق، فقال معاوية: لو كان منكرًا لأزاله عمر. قال: فوالله ما خرج كلامه حسنًا حتى توجه الحكم لي، ثم وقف عثمان والناس معه على الظفير، فقال: يا هؤلاء، أخبرونا أكان هذا أيام عمر؟ قال: قلنا: نعم، قال: فدعونا كما كان أيام عمر. قال: فانصرفنا.
قال عبد الله: وجئت من فوري إلى علي، فقصت عليه القصة حتى بلغت إلى كلام معاوية، فضحك ثم قال: أتدري لم أعانك معاوية؟ قال: قلت: لا، قال: أعانك بالمناقية، قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الظفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته؛ فسر بذلك، ثم دعا بردائه ونعله، وقام معي حتى دخلنا على علي، فرحب به وقال: الظفير لك فاصنع به ما شئت، قال: قد قبلت وإنما جئت شاكرًا ولي حاجة ولابد من قضائها، فقال له علي: سل حتى أقضيها لك، قال طلحة: أحب أن تقبل الضيعة مني مع ما فيها من العلمان والدواب والآلة، فقال علي: قد قبلت. قال: ففرح طلحة، وتعانقا وتفرقنا.
قال عبد الملك: فوالله ما أدري أيهما أكرم في ذلك المجلس أعلى إذ جاء بالظفير أم طلحة إذ جاء بالضيعة بعد ضنه لمشاة؟.
стр. 432
وإن كان في هذه الحكاية بعض الخلاف عما حكام ملك، فإن المعنى المقصود منها متفق عليه وهو ركب القاضي مع الثقات في الأمر المشكل، وترك القاضي الاعتراض فيما قضى به غيره قبله.
وقولهم في مسألة الخندق: ويجب أن يحسن عون أحمد لضعفه، فذكر ابن حبيب في كتاب منهاج القضاة له عن مظرف وابن الماجشون نحوه.
قالا: ولا ينبغي للقاضي أن يلقن أحد الخصمين حجة قد عمي عنها لضعفه، بأن يقول له: قل: كذا وكذا، ولا بأس بأن يحتج بذلك هو عنه ويكلم خصمه ويعتد له به، حتى كأنه هو تكلم بذلك واحتج به.
وقال أشهب في غير كتاب ابن حبيب: وللقاضي أن يشتد على عضد أحدهما إذا رأى ضعفه عن صاحبه وخوفه منه، لينبسط أمله في الإنصاف ورجاء العدل، ولا بأس أن يلقنه حجة عمي عنها، وإنما يكره تلقين أحدهما حجة الفجور.
وقال روي أن النبي ﷺ قال: "من ثبت عيبا في خصومته حتى يفهمها ثبت الله قدمه يوم تنزل الأقدام" (١).
وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يلقنه حجة لا يعرفها. وقال سحنون في كتاب ابنه وفي المجموعة: ولا ينبغي أن يشد عضد أحدهما ولا يلقنه حجة.
وقول سحنون هذا هو الفقه، وما ذكره ابن حبيب حسن وقول أشهب ومحمد بن عبد الحكم ليس بشيء.
والقاضي مأمور بالعدل بين المتحاكمين فيما هو أخف من هذا، في النظر إليهما. والإقبال عليهما، وتسوية المجلس بينهما، ولا حجة لهما في الحديث الذي ذكره أشهب؛ لأنه قد يكون في غير القاضي، والله الموفق للصواب.
في امرأة ادعت أنها سبيت:
فهنا – وفقك الله – ما ذكره العريف سعيد من جلسه على باب داره وحضوره امرأة معها فارسان فسألها سعيد بمحضرهما عن خبرها، فقالت: إنها سبيت بحصن فلاي ثم سير بها إلى أشبيلية، فأضر بها الذي كانت عنده، فخرجت عنه وأقبلت إلى قرطبة،
стр. 433
فتقبض عليها هذان الفارسان، وأنهما يريدان بها إلى حصن بطليوس، فلما سمع ذلك الفارسان همزا هاربين وتركاها عنده، فوقفتها أربعة أشهر أو نحوها، فلم يأت لها طالب.
فنرى، والله الموفق للصواب، أن تطلق وتذهب حيث شاءت وتقيم حيث أحبت؛ إذ لم يأت لها طالب ولا مدع، وفي أقل من هذا التوقيت، كان يجب إطلاقها وتسريحها. قال أيوب بن سليمان، وابن لبابة، وابن وليد، وأحمد بن يحيى.
تداعيا مملوكًا بينهما: كشفنا القاضي – وفقه الله – عن رجلين أتياه ومعهما غلام، كل واحد منهما يدعيه ملكًا، وقال الغلام: كنت مملوكًا لابن نوبة، ونقلتني الأملاك حتى صرت إلى بائعي من ابن الحاسبة.
وأحضرت ابن نوبة فأثبت أنه كان مملوكًا له منذ ثلاثة أعوام، وأر بيعه من رجل حضر عندك، وأقر بابتياعه وبيعه من أحد هذين المتداعين فيه، وأعلمته بثبوت ملكه عندك لابن نوبة لثلاثة أعوام مضت، وعرفته بمن شهد في ذلك، وأجرت شهادته، فقال المدعي الثاني: ابتعته من فلان منذ شهرين.
وفلان هذا ليس من التداول ملك بعد ابن توبة، وأنه لا حجة عنده ولا مدفع، فوجب ملكه لابن توبة؛ لأنه أقدم تاريخًا ممن ألفى عنده، ولم يبق عليك بعد اتلإعذار إلا إحلاف المالكين له: ابن توبة ومن صار إليه بعده ببينة، فإذا أحلفا وجب القضاء به لمستحقه، وإن تعدى الذي خرج من يده على بائعه منه إذ أقر له بالبيع منه، ثم إن طلب حاجة فأنت من وراء نظرك بتوفيق الله لك. قاله ابن غالب، وعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن وليد.
تداع في دابة وإقالة:
فهمنا – وفقك الله – ما أدعاه قاسم أنه سرق منه برذون بمتاع له بالبيرة، وتعلق برجل يقال له أصبغ، وذكر أنه وجده عنده. وقال أصبغ: اشتريته من قوم ثم أقلوني، فالذي يجب في ذلك إذا أثبت قاسم فيما ادعاه؛ أن يتخذ على أصبغ حميل بإيقاف البرذون خمسة أيام إلى الجمعة، فإن أتى قاسم بشاهد عدل وجب عقل البرذون حتى يثبت بشاهد ثان، ويكون لأصبغ الموجود بيده البرذون أن يكلم أصحابه في الإقالة، فإن صحت له أعدى عليهم بالمال، وكان الكلام في البرذون بينهم وبين قاسم، وإن لم تثبت الإقالة مضى الكلام بين قاسم وأصبغ قاله ابن لبابة، وابن وليد.
стр. 434
قال القاضي:
وكان أبو عبد الله ابن عتاب يقول: لا تجب اليمين لمدعي الإقالة على المدعي عليه فيها، إلا أن يأتي بشبهة تقوى بها دعواه، وشاهدته بفني بذلك، وقال: في ذلك اختلاف.
وكذلك كان صاحب ابن قطان يفتي أنه لا يمين في ذلك إلا بشبهة، وأنا أرجح في ذلك، والفقه فيه لحاق اليمين في ذلك إلا أن الناس يبدوا باطلهم في دعوى ذلك إذا طلبوا بثمن المبيع منهم، ويجعلونه باباًا من أبواب اللدد والعدول عن الإنصاف.
فإن كان مدعي ذلك ممن يظن به طلب الباطل؛ كلف الشبهة، وإن كان ممن يظن به أنه محقق في دعواه لصلاح حاله وتنزهه عن الباطل؛ فاليمين لاحقة في ذلك إن شاء الله.
ومن لم يراع الخلطة في الدعوى ابتداء، وأوجب اليمين دونها؛ فاليمين في دعوى الإقامة على أصله أقوى للمعاملة المتقدمة بينهما التي يدعي الإقالة منها، والله أعلم بالصواب.
دعوى في قبالة إرجاء وإقرار وإنكار ويمين في ذلك المعنى:
فهمنا – وفقك الله – ما ثبت عندك من إقرار عمر بن سعيد القرشي وأمه بنت عباس القرشي بأنهما قبلا الإرجاء بثلاثمائة دينار من قوم، وأن عامرًا زوج در مولاة عباس التي كانت زوجته وهلك عنها، سألها أن يأخذ الإرجاء على القبالة كما كان قبلاها وأن يتقاضا تحت يده ويبرأ إلى ورثة عباس بباقي الثلاثمائة دينار.
وأنكر عامر زوج در أن يكون يعرف شيئًا من ذلك.
وضربت لهما في إثبات ما ادعياه من القبالة المذكورة آجالاً، وسعت عليهما فيها، فلم يأتيا بمدفع حتى مضت مدة بعد الأجل يجب في أقل منها التعجيز والحكم للطالب بما ثبت له.
فالذي نرى أن الحكم قد وجب للطالب بعد يمين عامر على ما أنكر، ويمين در أنها ما علمت أن زوجها قبض منها شيئًا مما ذكراه، ثم تعدى در بما ثبت لها من ذلك.
قاله محمد ابن لبابة، وقال ابن وليد مثله، إلا في عامر فلا يمين عليه إلا بثبوت الخلطة.
وقال عبيد الله بن يحيى: لا يمين إلا بخلطة، وقال أيوب بن سليمان: هذا جواب
стр. 435
مفرط من وثيقة ليس بينه وبينها نسب؛ إنما الدعوى بين عامر وزوج در، وبين عمر وأمة الرحمن في قبالة ادعياها عليه فأنكرها فلم يثبتا ما ادعيا، فوجب تعجيزهما عنه، ثم لا يمين على عامر، كقول مالك ﵀ فيمن شهدت عليه بينه غير عدلة بدعوى، لا يمين عليه؛ لأن غير العدلة كلاشيء هذا قول مال ﵁ نصًا.
وكذلك در أيضًا لا يمين عليها؛ لأنهما ادعيا أنهما أحلاها على زوجها بشيء، ولا ادعيا عليها أن زوجها قبض لها شيئًا منهما، فقران هذا الصك إلى الوثيقة محال. وإيجاب الإيمان على عامر ودر أحرى وأولى، والى الله أرغب في التوفيق.
وقال سعد بن معاذ: الذي قاله أبو صالح من قول مالك في المستخرجة وإليه قصد، وغيره من أصحابنا أوجبوا اليمين بغير بينة، وذهبوا إلى إحلاف زوجها على الحديث الذي جاء.
فالقاضي – وفقه الله – مخير في ذلك والله يوفقه وإيانا لصواب، فليتخير من ذلك ما يشاء فكل قد ورويناه، والحكم واجب لدر في المال بعد أن يتخير القاضي أي القولين أحب، قال أبو صالح: قد أجبت بما عندي، وليس أحد من أصحابنا يوجب يمينًا لمن جاء بغير بينة عدلة.
قال القاضي:
الذي ذكره أبو صالح من قول مالك، وقع في الشهادات في رسم الشجرة، ونصه: وسئل مالك عن الرجل يأتي بشهداء عدول على رجل بحق، فأثبت المشهود عليه أن بينهم وبينه عداوة، فترد شهادتهم عنه، أترى أن يحلف؟
قال: إذا ردت شهادتهم فهو بمنزلة من لم يشهد عليه، وكأنه رأى أن يحلف. قال سحنون مثله.
وفي رسم العتق من سماع عيسى مثله، وكذلك في كتاب ابن المواز، وقاله أشهب في تهاتر البينتين، ومنه في سماع حسين بن عاصم مثله، وفي النوادر، قال أبو بكر بن محمد: وقد قيل بحلف.
وجواب أبي صالح هذا أدل هذه الأجوبة على العلم.
وقولهم في السؤال: وضربت في إثبات ما أدعيا من القبالة آجالا، وسعت عليهما فيها، فلم يأتيا بمدفع؛ قول خلف، وإنما لاصواب: فلم يأتيا بشيء يوجب لهما نظرًا؛ لأنهما
стр. 436
كان طالبين لشيء لم يثبتاه، ومدعين لأمر لم يحققاه، فليس بموضوع مدافع.
وكنا نقول: من خطأ الناقل لا من خطتهم لولا أن تكلفهم حكاية ما جرى عند قاضيهم وسؤاله لخم بألفاظ غير مهذبة، ومعان غير منتمة، ومقاطع غير صحيحة ولا مفهومة أشد عليهم من هذه اللفظة وحدها، ولولا أن أبا صالح منهم بين بعض ما في السؤال ما بان مراد من ذلك المقال، وكذلك أكثر مسائلهم، وقد نبهنا على كثير منها والذي تركناه أكثر.
وقد كان يكفيهم أن يقولوا فهمنا ما خاطبتنا به، والجواب كذا، وينقل السؤال بتكلف كتاب هذه المسائل الجامع لها أولا وهو القاضي ابن زياد النازلة بين يديه على ما ذكرنا في يصدر كتابنا هذا، والهدى من الله تعالى.
دعوى بين ورثة ابن بسيل في مال بقرية غليب، ادعى بعضهم أنه ماله من غير سبب موروثهم، وقد تقدم هذا المعنى فيما كتبنا:
فهمنا – وفقك الله – ما قام به مروان على إبراهيم بن حمدون بن بسيل، وكشف القاضي إياه عما بيده من مال حمدون بن بسيل بقرية بني غليب، وبعد أن أثبت موت حمدون، وعدة ورثته، والمعنى الذي حاز بهلمروان أن يكشفه عن ذلك، وما قاله إبراهيم: إن مال أبيه حمدون وليس بيده منه شيء، وإنما هو بأيدي عرفاء أنزلوا عليه، وأن الذي يعتمره بهذه القرية ماله وملكه ليس من مال حمدون ولا بسببه، وما أشهد به الشهود من أنهم لا يعرفون لأحد من ورثة حمدون بقرية غيب ملكًا بغير سبب حمدون.
فيجب فيما ادعاه إبراهيم ملكًا أن يثبته؛ لما ثبت أن دخول ورثة حمدون بقرية غليب بسبب حمدون لا بغير سبيه، فإن أثبت شيئًا نظرت فيه، وإن كان كما قال مروان من انصرام الآجال المضروبة على إبراهيم في ذلك وجب إخراج إبراهيم عما بيده من القرية ورده إلى جميع ورثة حمدون إلا أن يدعي بينة قريبة ومدفعًا معجلاً على ما يراه القاضي، وأكثر ذلك أيام الجمعة. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وغيرهما.
دعوى ويمين التهمة في المدعي:
قال أبو صالح: قرأت – وفقك الله – ما كشفت عنه عبد الله بن مفرح وأخته وإنكارهما جميعًا الكشف.
وفي كشفهما أن أصبغ بن حارث ذلك أن ما في الكشف أخرجته ابنته زينب إلى
стр. 437
دار خالتها فاطمة على العصيان لها منها، وأن لك كان من ماله، ولم يزل ذلك في دار أخته حتى أخرجها عبد الله بن مفرح إلى داره، وحجب أباها عنها حتى ماتت عنده وعند أخته فاطمة.
فالجواب: أنه إن كان عبد الله وفاطمة ممن يقع عليه مثل هذا وممن لا يدع عن بسط يده ويأخذ ما ليس له، وممن يجحد حقًا عليه؛ وجبت اليمين عليهما في مقطع الحق.
وإن كان بغير هذه الصفة، ممن لا يقع عليهما مثل هذا اللفظ فيهما وصلاح معروف منهما؛ فلا يمين عليهما إلا أن يأتي بوجه يوجب حقًا ويلزم حقًا أو يلزم يمينًا سوى ما في الكشف فيصير إلى ما تبين من ذلك. وقال به ابن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد.
يهودي ادعى في غلام خدمة على أنه مملوكه:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه اليهودي والغلام الذي أسلم وأخرج من عند اليهودي فادعى العلام أنه إنما خدمه على أنه جر ابن حرين، وإنما لما أراد الخروج عنه أمسكه حتى صاح، وأخرجه القاضي من عنده.
وقول اليهودي: هو عبدي وابتعته من يهودي من أهل طلبطلة منذ أربع سنين.
فيجب في ذلك أن يؤجل الغلام فيما ادعاه من بينته ما رجى له شيء يستأت عليه؛ فإذا ظهر عجزه، وطلب الغلام يمين اليهودي من أنه لم يكن عنده على معنى الخدمة بالحرية، ولكن على معنى المملكة له؛ وجب ذلك له، فإذا حلف؛ أمر القاضي ببيع الغلام ودفع ثمنه إلى اليهودي. قال بذلك: ابن لبابة، وابن غالب، وابن وليد.
قال القاضي:
في العتق الثاني من المدونة؛ قال ابن القاسم: من كان بيده صبي صغير، وقال: هذا عبدي، فلما بلغ الصغير، قال: أنا حر، وما أنا لكل بعبد؛ لم يقبل قوله، وهو عبد إذا كانت خدمته معروفة وحيازته إياها معلومة.
قال: ولو كان الصبي يعرب عن نفسه، فاقل سيده: أنت عبدي، وقال الصبي: بل أنا حر؛ فهو كالأول إن كان قبل ذلك في يده يختدمه وهو في حوزة لم ينفع الصبي قوله وهو عبد.
وإن كان إنما هو متعلق به، لا تعلم منه قبل ذلك خدمته له ولا حوزة وإياه؛ فالقول
стр. 438
قول الصبي.
على هذا النص كان يجب أن يكون جواب الشيوخ في مسألة اليهودي؛ فيقولوا إن كانت خدمة الغلام معلومة الأعوام التي ذكرها اليهودي صدق اليهودي.
وأراهم إنما عموا في تصدق اليهودي على قول الغلام: إنما خدمته على أني حر ابن حرين؛ فأعملوا إقراره له بالخدمة.
وكان يلزمهم كشفه عن هذه المدة التي أقر بخدمته فيها فلعلها لم تكن إلا الأيام أو الأشهر، ومثل هذا لا يجب أن يحكم عليه في بالرق، بل يجب أن يكلف البينة مدعى ملكه.
وفي كتاب ابن سحنون وغيره: من أجر إنسانًا من آخر، ثم قال الأجير: أنا حر، فهو مصدق؛ لأنه قد تكون له الخدمة عليه فيؤاجره، ألا ترى لو كان يخدمه، فقال: أنا حر صدق! لأن الخدمة ليست إقرارًا بالرق، إلا أن تطول الخدمة حتى يخرج من حد الإجارة.
وهذا يبين معنى ما في المدونة أنه إنما ذلك في الخدمة الطويلة والمدة البعيدة، مع أنه لا يكاد يخفي على الجيران المصاقبين ابتياع من جارهم للمملوك ولا لما هو أحقر منه، فإذا لم يستدع ذلك عند جيرانه ولا سمعه أهل موضعه فكذبه في دعواه ظاهر، وكلامه باطل، وكلف إثبات دعواه وإلا سقطت.
وإذا أبطلوا إنكار الغلام لدعوى اليهودي وأعملوا دعوى اليهودي في ملكه له، فكان ينبغي أن يكون جوابهم: ألا يسمع قول الغلام حتى يأتي بشبهة أو لطخ في حريته، على ما رواه ابن القاسم عن مالك في سماعه في رسم المناع والحيوان في العبد يدعي الحرية ويذكر بينه غائبة، والجارية تدعي ذلك.
قال: لا يقبل قول العبد، إلا أن يأتي ببينه، أو أمر يشبه فيه وجه الحق، فإن أتى بذلك رأيت ذلك له، واستحب في الجارية أن يوقف صاحبها عنها – يريد عن خدمة العبد – وإن كان مأمونًا أمر بالكف عنها، وإن كان غير مأمون وجاءت بأمر أقوى في الشهادة كالشهادة العدل وضعت على يدي ارمأة، وأجل فيه الشهران والثلاثة.
وفي كتاب ابن حبيب: قال أشهب: سأل ابن كتانة مالكًا لابن غانم عن عبد ادعى حرية، وأن له بينة بموضع كذا، فطلب السيد منه حميلاً وهو لا يجده؟
стр. 439
قال: إن جاء بلطخ وشبهة فأمكنه ن الخروج يأتي ببينة بعد حميل لسيدة، فإن لم يأت بحميل؛ سحن، ووكل من يقوم بأمره، وكتب إلى الموضوع الذي ذلك، وهذا إذا أثبت السيد ملكه إياه وحوزه له. وإن لم يثبت ذلك؛ حيل بينه وبين لإنكار العبد الرق.
قال أصبغ: فإذا الكتاب في أمره بما يستوجب به الرفع رفعه مع سيده، وإن بعد المكان، وكذلك الجارية.
وكل هذا خلاف ما أفتوا به في مسألة اليهودي.
ومسألة ادعاء العبد الحرية متكررة في مواضع بمعان متقاربة، وتركت اجتلابها عن نصوصها كراهة التطويل.
دعوى في فدان غلب صاحبه عليه وحيز أو عين:
فهمنا – وفقك الله – ما قام به العطار على النصرانيين في الفدان فحجر بحردة ودعواه الغلبة، وثبوتهما بما شهد به الشهود فيه، وقول النصرانيين: إنهما اشتراه من نصرانيين، وقول وكيلهما: هذا الفدان المعارض فيه ليس الذي شهدت به البينة على الاسترعاء في الإكراه.
فيجب في ذلك أن تحوز البينة اليت شهدت في هذا الفدان، أو تقول: إن الفدان الذي وقعت فيه المعارضة هو هذا بعينه، أو يقول الوكيل: إنه هو بعينه، أو يحوز الفدان غير هذه البينة أنه هو المقوم فيه فتسقط حينئذ الحيازة؛ فإن ثبت أنه هو وجب للعطار استرجاعه بما ثبت له من الإكراه إلا أن تكون للنصرانيين حجة عند الإعذار إليهما. قاله ابن لبابة وغيره.
مشورة أخرى في هذه القصة:
تكشف – وفقك الله – زكريا وعثمان النصرانيين عن الفدان المحدود في كتاب الاسترعاء؛ فإن أقرا أنه الفدان الذي تعارضوا فيه بعينه؛ نظرت في الشهادات الواقعة في الاسترعاء على ما يجب إن شاء الله.
وإن أنكراه وذكر أنه غير الذي أوقعت فيه المعارضة ورضى العطار بأيمانهما؛ حلفا في كنيستهما بالله الذي لا إله إلا هو: ما هذا الفدان المحدود في هذا الكتاب بالفدان الذي يطالبهما به، ولا هو الذي وقع في كتاب المراضاة، فإن حلفا برئا من طلب العطار.
وإن نكلا؛ فإن كان القاضي ممن يرى اليمين مع الشاهد؛ لم يكن لهما الرد؛ لأن
стр. 440
العطار، عليه وجبت اليمين فردها.
وإن كان لا يرى اليمين مع الشاهد؛ فالنصرانيان إذا نكلا؛ رد اليمين على العطار؛ فإن حلف؛ نظرت في هذا بما يجب، وإن نكل؛ سقطت طلبته عنهما. قاله ابن لبابة، وابن وليد.
دعوى في زرع:
قام عندي – رحمكم الله – خشنة فذكر أنه أفع زرع فدان زوجته الذي بغربي بمحشر الدمشق وأقر له بعد حصاده في أندر ابن معصب.
ولما أراد درسه منعه منه محمد بن قاسم، وحضر عندي محمد بن مصعب وأقر ابن مصعب بما ذكره خشنة، وقال: إن محمدًا ادعى فيه إذا أراد خيشنة درسه.
وقال محمد: بل أنا أنزلت الزرع في أندر ابن مصعب وهو لي، فكلفته البينة بعد أن أمرت باعتقال ما حصل في الزراع، وضربت له آجالاً واسعة، وتلومت عليه بعدها، قلم يأت بسبب يوجب له الزرع، وطال التأني فيه وسألني خيشنة إطلاق يده عليه.
فهمنا – وفقك الله – ما ذكره خيشنة وابن قاسم واتفاقهما أن الزرع في أندر ابن مصعب وإقرار ابن مصعب أن خيشنة أنزله فيه ابن قاس؛ فالذي يجب فيه أن إقرار ابن مصعب بالزرع الذي في أندره لخيشنة يوجب الزرع لخيشنة وإطلاق يده عليه قاله محمد بن وليد، وعبد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وسعد ابن معاذ
قال القاضي:
هذا الجواب صحيح إن كانت المرأة صدقت الزوج فيما ادعاه عنها، وحفت على ذلك، وأما إن أنكرت مقالته وتبرأت من الزرع فإنه لابن قاسم إذ لا مدعي له سواه.
وإن كان لم يتعرف ما عندها ولا ثبت توكيلها لزوجها فلا يصح في الزرع حكم، ويوقف حتى تعلم بذلك فتدعيه وتحلف؛ فيكون لها أو تنكل عن اليمين؛ فيحلف ابن قاسم ويأخذه.
وفي كتاب الشهادة من المدونة: إذا تداعى رجلان زرعاً في أرض رجل، وأقام أحدهما بينة، ورب الأرض لا يدعي الزرع؛ فإنه يستيرئ ذلك، ويقال لهما: زيدا بينه، فإذا طال زمن الاستثناء وتكافأت البينات؛ حكم لهما به وكان بينهما – يريد بعد أن يحلفا.
стр. 441
وإن نكل أحدهما؛ أخذه الآخر الحالف، وإن كان الزرع في يد واحد منهما كان أولى به إذا أقام البينة. يريد وقد أقام الآخر بينه وتكافأت، وإن لم يقم واحد منهما بينة كان للذي هو بيده.
قال ابن القاسم: ولو ادعى رب الأرض الزرع ترك بيده، ولو أقر رب الأرض به لأحدهما وقد استوت حالهما في تداعيهما كان للذي أقر له به رب الأرض مع يمينه؛ لأنه لو ادعاه لنفسه لكان له. وفي كتاب الولاء من المدونة ما يدل على ذلك.
ولأشهب في المجموعة، وفي كتاب ابن سحنون تداعيا أرضًا أو دارًا، وقال كل واحد منهما إنها له وفي يده، والدار بيد غيرهما، فأقر أنه اكتراها من أحدهما أو استعارها منه؛ كانت الذي: أقره هذا، إلا أن يقيم الآخر بينه فتكون له، إلا أن يقيم الآخر أيضًا بينة فتكون لأعدلهما، فإن
تكافأتا كانت للمقر له بعد أن يحلف، ولا يمين مع المقر؛ إذ لو رجع عن إقراره لم يصدق، وإن كان شاهدًا فالشاهد لا يحلف، وإن تداعيا عبدًا في أيديهما، والعبد لا يتكلم، فمن قامت له بينة منهما به كان له، وإن أقاما جميعًا بينة قضى بأدلهما، وإن تكافأتا كان بينهما بنصفين، وإن كان العبد كبيرًا يتكلم أسأله حتى أسالهما البينة فإن أقاماها كان لأعدلهما، وإن تكافأتا فهو لمن أقر له العبد منهما بالملك.
قال القاضي: وتب إلى من مالقة بمسألة من هذا المعنى، في جمال عيه رزق زينب ادعى رجلان كل واحد منهما أن الزق له استأجره على جمله، والحمال ينكرهما ويدعه لنفسه أو أقر لأحدهما أو لهما.
فجاوبت في ذلك:
إن ادعا الحمال لنفسه كان له بعد أن يحلف لكل واحد منهما على تكذيب دعواه؛ وإن أقر به لأحدهما كان لمقيم له مع يمينه إن لم تقم للآخر بينة، وإن أقر أنهما جميعًا أسلماه إليه واستأجراه عليه على جملة، حلف كل واحد منهما واقتسماه، ومن نكل منهما أخذه الحالف، وسواء كان حامله معروفًا بالحمل على الناس أو غير معروف بذلك؛ إذا ادعاه ملكًا لنفسه فهو أوى مع يمينه لكونه في يديه وحوزة من مدعيه باستئجاره عليه.
هذا معنى ما جاوبت به، وكله على الأصل الذي قدمناه من المدونة وغيرها، وعلى ما في أحكام ابن زياد ﵀ في الزرع، وإن كنت قد رأيت في مسألة الزرع التي في المدونة قد كتب عليهما في حاشية كتاب: أن رب الأرض لو أقر بالزرع لأحد متداعية لم
стр. 442
ينتفع بذلك، وأراه عن أبي عمر الأشبيل أحمد بن عبد الملك، وهو خطأ لا يلتفت إليه. قال في تلكل المعلقة: والزرع، بخلاف لو كان بيده ثبوب فأدعاه رجلان، وقال الذي هو بيده: هو لهذا منهما. هذا كان يكون لمقر له، ولا فرق بين الزرع وما هو ممسكه بيده، والله الموفق للصواب.
مسألة أخرى في تداع زرع من أحكام ابن زياد:
فهمنا – وفقك الله – ما طلبه خلصة من الزرع الذي في أرض أخته الموروثة، وذكر أن زوجها وههيأ الفتى زرعها بزوج المرأة زوريعتها، فالذي يجب فيه أن تكشف وهيأ عنه فإن أقر أنه زرع بزوج المرأة وزريعتها لنفسه؛ فازرع له ويكون عليه كراء حصته خلصة من الزوج، وكراء الأرض مع حصته من الزريعة، وإن أنكر الزوج والزريعة حلف بالله – أن ذلك ليس لمرأة منه شيء، ويحلف أيضًا أنه ما زرع إلا لنفسه، ثم يكون عليه كراء حصته من الأرض. قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
قولهم: ويحلف أيضًا أنه ما زرع إلا لنفسه بعد يمينه أنه لا شيء منه للمرأة؛ ضعيف، لا وجه؛ لأن خصلته لم يذكر ذلك في دعواه، إنما زعم أن وهبًا زرع بزوج المرأة وزريعتها، فإذا حلف أن ذلك لا شيء للمرأة فيه؛ انقطعت دعوى خلصة، ولم يبق له على وهب ما يحلفه عليه في هذا، ولو ادعى خصته أنه إنما زرعه على سبيل المزارعة والشركة بينه وبين المتوفاه، وأنكر وهب أن يكون لها فيه شيء، وحلف على أن الزوج والزريعة لا شيء للمرأة منه لكان كافيًا فيما يلزم أن يحلف، ولم يحتج إلى تلكل الزيادة.
ولو ادعى أيضًا خلصة أن ذلك إنما زرعه على أن لها منه انصف أو الثلث لما لزمته يمين في هذا، لأنها عطية لم تشهد المرأة بقبولها، فذلك الوجه الذي زادوه أن يوجد له معنى، ولو كان له معنى ولحقت فيه اليمين لم يكن عليه تكرار اليمين فيه، إنما كان تدخله اليمين الأولى أن الزوج والزريعة له لا شيء منه لها، وما زرع ذلك إلا لنفسه هكذا كانت تكون اليمين ولحقت في ذلك يمين، لأن الدعاوى إذا اجتمعت للطالب على المطلوب، إنما يحلف فيها يمينًا واحدةً لا يمينًا لكل دعوى، فهذا شاهدت العمل به، وفيه تنازع تركت ذكره لطوله.
стр. 443
من قال: إنما اشتريت منك غيره واشترطت خياره:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه الغنوى والمشتري منه، وما ادعاه المشتري من اشتراطه عند الابتياع أنه إنما يشتري لغيره وأنه استثنى رضى المشتري له، وأنكر الغنوي لما قال من أنه اشتراه لغيره واشتراط الخيار، فيجب في ذلك أن أثبت المبتاع ما ذكره أخذ به، وإلا حلف الغنوي بالله ما اشترط عليه شيئًا ولا باع منه إلا لنفسه لا لغيره كما ذلك، إلا أن يثبت الغنوي أن المشتري اشترى لنفسه فتسقط اليمين عنه، إلا أن يقول المبتاع إن هذا الشرط كان بينهما لم تطلع عليه بينة، فإن قال ذلك فلابد من اليمين ولا معنى للبينة، لأنه قد يشترط مثل هذا ولا تحضر بينة، فإذا حلف الغنوي وجب له ثمن الثوب على المبتاع، وإن نكل عن اليمين فله ردها على المبتاع، فإن
حلف انفسخ ما بينهما إن لم يقبل المبتاع له، وإن نكل لزمت اليمين. قال محمد بن لبابة، ومحمد بن وليد، وأحمد بن يحيى، وعبيد الله بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ.
قال القاضي:
عند آخر تاب العيوب من المدونة: من اشترى سلعة من رجل وقال لفان: اشتريتها لا لنفسي، فعليه إحضار الثمن إن كان نقدًا وهو في النسيئة عليه إلى أجله. قال ابن القاسم: لأن النقد عليه، وإن اشترى لغيره إلا إن قال للبائع: النقد لك على الذي اشترى له ليس لك على منه شيء؛ فيكون حينئذ للبائع على الأمر، فإذا كان النقد على المشتري لغيره – كما قال ابن القاسم – والمبتاع له مسمى والبائع بذلك مقر، فما ألزم هؤلاء الغنوي في يمينه ولا باع منه إلا لنفسه لا لغيره، وهو ينكر والمبتاع له غير مسمى.
ثم أكدوا ذلك بأن قالوا: إلا أن يثبت الغنوي أن المشتري اشترى لنفسه، فكلفوه العناء فيما لا يلزمه ولا يستفيد به فائدة، هو يقول: نعم اشتريت لزيد، أد أنت الثمن وصير المبيع لمن شئت فيلزم المشتري أداء الثمن، كما قال ابن القاسم ﵀ إنما يلزم البائع أن يحلف ما باع منه إلا بإلزام بخيار لا غير، على ما في كتاب الوكلات من المدونة.
وقولهم: إلا أن قال المبتاع: كان هذا الشرط بيني وبينك ولم تطلع عليه بينة، فلا بد من اليمين كلا غير صحيح؛ لأن البينة إنما عن شهدت بحضور التساوم ابتداء بينهما والعقد دون خيار، فلا يمين على البائع في ذلك للمبتاع، إلا أن قال المبتاع بعد الافتراق: جعلت إلى الخيار؛ ففي اليمين حينئذ نظر.
стр. 444
دعوى في مبارأة ووضع كالئ وغير ذلك:
فهمنا – وفقك الله – ما نازع فيه بن أمية وزوجه عائشة ودعواها أنه بارأها وأخذ لها خادمًا ونصف دار، ووضعت عنه كالئها في المبارأة لضرر ذكرته، ووقع ذكره في كتاب، وأنكر ابن أمية ذلك من دعواها المبرأة، وقال: إنها وضعت كالئها عنه، وأن بذلك عنده نسخة يطلبها، فما ألزم بالنسخة زعم أنه لم يجدها، وزعم أن إقرارها بالوضع يجزئه، فالذيث يجب على يحيى بن أمية أن يحلف بالله ما بارأها كما ذكرت، ولا عنده النسخة التي ذكرت كما ذلك، إلا على معنى المبرأة – فإذا حلفت لم يلزمها الوضع، ولم يلزم الزوج المبرأة إلا أن يقيم البينة عليهما. قال بذلك ابن لبابة، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، ويحيى بن عبد العزيز، وعبد الله بن يحيى.
قال القاضي:
انظر كيف أفتوا بوجوب اليمين عليه في دعواها المبرأة، وذلك لا يلزم عند مالك وأصحابه إلا بشاهد تقيمه على ذلك، على ما المدونة والموطأ وغيرهما.
دعوى ابن عيسى على زوجه وختنته ومصالحتهما له، ووضع كالئ ومبرأة بعد الوضع وادعاء ضرر وجهل:
قام الدلال بن عيسى على زوجه وأمها مدعيًا عليهما أنهما أخذتا له سبعين مثقالا ذهبًا قرمونية فأنكرتاه، ثم اصطلحوا عن ذلك بعشرين مثالاً تؤدي كل واحدة نصفها، وعقد عليها بذلك عقدًا، وكتب على الزوجة عقدًا آخر أنها وضعت عنه كالئ صداقها وأسصقطته عنه، ثم بارأها بعد شهر أو نحوه، وطلبها وأمها بالعشرين مثقالا، فادعت الجهل، وقالت الزوجة: إنه أضر بها وأنها إنما التزمت له ذلك لإضراره بها.
وكتبت عقدًا بسماع الشهود من النساء أنه كان يضربها ولم يقلع عن ذلك إلى أن باررأها.
فأفتى ابن عتاب وابن القطان
إن عقدا الضرر ضعيف والذهب لازمه لهما، قال أحدهما: ويؤجلان في إحضار العشرين مثقالا ثلاثة أيام، وأفتى الآخر بخمسة عشر يومًا.
قال ابن عتبا: ويحلف الطالب أنه لم يضربها. قال لي: وهذه اليمين استحسان قلت له: ولم لم يبطل عقد الضرر مطلبه قال: لأنها قد رضيت بالصلح والتزمته عن دعواه وأشهدت بذلك، وإنما ينفع الضرر في الطلاق، وقلت له: وما الذي يمنع من نفعه في وضع
стр. 445
الصداق إن كان الوضع قبل الطلاق، قال: لو استزرعت أنها إنما تضعه لإضراره بها غير طيبة بذلك نفسها؛ نفعها ذلك. قلت له: فإذا وضعت على المبرأة ثم أثبتت الضرر أليس ينفعها وإن لم تسترع؟ قال: بلى. قلت: فأي شيء هذا مما تقدم، هذا تناقض! قال: ليس فيه تناقض، وكله يرجع إلى أصل واحد.
في امرأة أقرضت زوجها دنانير إلى أجل فطلقها قبل الأجل، فادعت أن ذلك التأخير إنما كان من أجل الزوجية:
نزلت هذه المسألة بقرطبة: أسلفت زوجها ثلاثين دينارًا ذهبًا، وأنظرته بها خمسة أعوام أو ثلاثة – الشك مني -، ثم طلقها بعد عام ونصف من تاريخ السلف. فزعمت أنها إنما أسلفته وأنظرته استدامة لعصمتها معه، ورجاء في حسن صحبته لها.
وكان التحاكم فيها عند أحمد بن بقي، فشاور في ذلك فأفتى ابن عتاب القول قول المرأة فيما ادعته من ذلك، وتحلف ثم تأخذ حقها منه حالاً، وبذلك أفتى الشيوخ فيها قبل هذا: أن القول قولها مع يمينها؛ إذ هو الظاهر من أمر النساء أنهن يفعلن ذلك، فهو كالعرف الذي يصدق فيه من ادعاه.
وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ ذكره مال في الموطأ وغيره -: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته ويرجع فيها إذا لم يرض منها – فحكم ﵁ بما دلت عيه الحال، فكذلك هذه.
وكان قد خالفه فيها أبو عمر بن القطان، فجمعت حينئذ مسائل تدل على صحة جواب الشيخ ابي عبد الله فيها، من ذلك في كتاب الوكالات من المدونة: إذا قال المقرض: قرض حال، وقال المستقرض: بل هو إلى أجل كذا.
قال ابن القاسم: القول قول المقرض ويأخذه حالا، يريد ويحلف؛ فصدقه لأنه فعل معروفًا، فهو فيه مصدق، بخلاف لو كان الدين من معاملة، وادعى الغريم أجلاً قريبًا، وقال ربه: بل هو حال، فالغريم مصدق مع يمينه، إلا أن يكون لأهل تلك السلعة أمر يتبايعون عليه قد عرف، فالقول قول مدعيه. وكذلك من قول مالك في كتاب الرهون: إذا قال المبتاع – وقد فاتت السلعة -: ابتعتها إلى أجل كذا، وادعى أجلاً قريبًا، صدق، وإن قال ابن القاسم: لا يصدق المبتاع في الأجل ويؤخذ الثمن حالاً.
стр. 446
ففي الذي في كتاب الوكالات دليلان: أحدهما: تصريح الفرق بين القرض وغيره بتصديق المقرض في دعوى حلوله، وكذلك يجب أن تصدق المرأة لأنها مقرضة. والدليل الثاني: أن من ادعى المعروف صدق، ولأن العرف كالشاهد له في دعواه، والمتعارف من أحوال النساء فيما يوسعن به على أزواجهن من أموالهن أنهن إنما يرون بذلك استجلاب مودة الأزواج واستدامة عصمتهن معهم، وتغمر مسرتهم.
فإذا وقع الطلاق واستحالت أنفسهن عن ذلك إلى ضده، هذا الذي لا يعرف غيره، وارتفع السبب الموجب لتوسعتهن عليهم، وإذا ارتفع السبب الموجب المعروف فلصاحبه الرجوع فيه، على ما في نوازل سحنون في جامع البيوع في الذي يبتاع البعير فيسرق، أو الرأس فيستغله ويخاف الوضيعة فيه، يذكر ذلك للبائع، فيقول له: لا بأس عيك، قح حط الله عنك من ثمنه خمسة دنانير، ثم يصيب البعير أو بيع الرأس دون وضيعة. قال سحنون: فلا شيء للمشتري من الوضيعة، إن قد عوفي بما خافه، وفي سماع يحيى عن ابن القاسم في كتاب آخر نظيره.
كما أنهن أيضًا لما عرف من أحوالهن عند بغضهن لأزواجهن إرادة الفرق لم يضرها دعوى الطلاق في ميراثه عند موته ورآه لها، مع ما ادعته قبل ذلك من طلاقهما، وأعطاها مالا كانت قد تبرأت منه، وسمع منها تكذيبًا لنفسها عند وجوبه لها بموت زوجها، هكذا في سماع سحنون في كتاب طلاق السنة.
وكذلك أيضًا صدقها مالك ﵀ في الدعوى في رسم يشرب خمرًا، إذا ادعت أنها إنما وهبت لزوجها في مرضه ميراثًا منه؛ لأنه توعدها إن لم تفعل ذلك أن يضيق عليها، ولا يدعها تأتي أهلها ولا يأتونها. قال مالك ﵀: وليست المرأة في ذلك كغيرها من الوراثة، ولم يكلفها ﵀ بينة على دعواها؛ إذ هو معروف بين الزوجين أن الزوج يسومها هذا وشبهه، وفي المسألة أشهر عليها بالهبة لميراثها منه، ولم يصرها ذلك عنده.
وليس يعارض ما ذكرناه ما فيه سماع أسبغ وسماع سحنون: في التي تضع عن زوجها صداقها على أن لا يطلقها ويقبل ذلك، ثم يطلقها بعد وقت يرى أنه لم يعجل فيه: أن الوضيعة ماضية؛ لأن الوقت في هذه المسألة غير محصور، والزمنان فيه غير محدود، فصار الرجوع فيه إلى اجتهاد المفتي حسبما يراه.
وفي مسائلهم كثيرًا لا يرون فيه العام ونحوه طولاً من ذلك، وهو مما يشاكل هذا
стр. 447
الباب – قول مالك في سماع ابن القاسم فيمن غاب عن امرأته إلى موضع يعرف ويبعث إليها بنفقتها وأمرها، وقال: أما الحين فإني أرى أن يحتبس عنها ويبعث بنفقتها إليها. قال ابن القاسم في مساع عيسى: الحين الأمد القريب فيما السنتين والثلاث، وأما إذا تطاول ذلك فأرى أن يقضي لها على له فلم ير السنتين والثلاث في هذه المسألة طولاً، فكيف بسنة ونص؟! ومع ذلك فلا يقع في وهم متوهم منصف أن تكون المرأة تنتظره مدة يطلقها دونها ويعجل فراقها قبلها، ويس قولها: إنما أسلفته استدامة لصحبته وجميل عشرته من باب الحرام، فيقال: القول قول الزوج لأنه مدعي الحلال؛ إذ ليس في دعواها تلك إنما ادعت أنها أنظرته لوجهه فها وجهه، فإذا قد حال بينها وبينه الطلاق فلها الرجوع في الإنطار. وكذل قال ابن عمر في ذكره أقسام السلف، فسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك فليس لك إلا وجه صاحبك.
وقد يوجد في مسائلنا ما يقيل فيه قول مدعي الحرام إذا كان ما ادعاه معروفًا في البلد، كما أن دعوى المرأة في هذا متعارف، ويس فيه حرام.
هذا كله على نصه جمعته حينئذ في ورقة كاغد، وحملتها إلى ابن عتاب، وصارت عنده قبل فصول جوابه في المسألة، ورأيت جوابه بعد ذلك، وقد ذلك فيه التي ذكرتها من رسم بشرب خمرًا.
وقال ابن شهاب في آخر السفر الثالث من البخاري فيمن قال لامرأته: هبي لي بعض صداقك أو كله ثم لم يمكث إلا يسيرًا حتى طلقها، فرجعت فيه، قال: يرد إليها إن كان خلبها، وإن كانت أعطته عن طيب نفس منها ليس في شيء من أمره خديعة جاز؛ قال الله : (فَإن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) (النساء: ٤)، وفي هذا دليل ما قلناه إن شاء الله تعالى.
وكان ابن مالك قد وافقه في تعجيل السللف للمرأة، وأخبرني بذلك واستدل على صحته بما في سماع أصبغ عن ابن القاسم فيمن أعطى امرأته عطاء بعد دخوله بمها فألقى النكاح مفسوخًا ففرق بينهما، قال: له الرجوع فيما أعطاها؛ لأنه أعطاها على الثبات والغنى عنه والجمال لنكاحه والعشرية بينهما فيه، فلم يقر عليه، وذلك إذا كان الفسخ بحدثان العطية، فأما إن كان زمان ذلك قد طال السنتين والسنين قبل الفسخ ثم فسخ، فلا أرى له فيه شيئًا، وإن أدركه بعينه كالخادم بعينه والمنزل بعينه؛ لأن الذي أعطى قد
стр. 448
رسخ حتى استمتع منه واستمتع بعطيته فيه، فالفسخ كطلاق حادث منه هاهنا.
هذا نص قول ابن القاسم فيها، وهو دليل ظاهر لمسألة القرض.
وكذلك يدل على صحة جوابها ما في سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن ابنته أمة فأراد سيدها بيعها وتغريبها، فقال الأب لرجل: اشترها وأعينك في ثمنها بمائة دينار، فاشتراها بثمن كبير واستعان بهذا المائة فيه، ثم أراد بيعها بإثر ذلك، فقال الأب: إنما أعنتك بالمائة لما رجوت من حبسك إياها. قال: ينظر فإن
راى أنه إنما أعانه لهذا الوجه، فهو كالشرط؛ يرد المائة على الأب؛ وإن كان إنما أعانه على وجه الصلة؛ حلت له الأمة، ولم يرد المائة، وفي هذه المسألة والتي قبلها طول اختصرناه، وأتينا بالدليل فيه؛ والله الموفق للصواب، ومن الحجة لابن القطان: قول النبي ﵇: "المسلمون عند شروطهم (١) ولم يخص"
وقال ربيعة في كتاب الخيار: من أسلف رجلاً سلفًا، فليس له أن يعجله إن سمي له أجلا إلا إلى أجله؛ لأن ذلك معروف.
стр. 449
باب الإقرار
مسألة من ابتاع وأقر أن يده عارية في الابتياع:
من أحكام ابن زياد: فهمنا - وفقك الله - ما تنازع فيه بنو حفص وابن الأسوار، في الكتاب الذي وقع باسم ابن كليب بابتياعه من ابن الأسوار، وأقر ابن الأسوار فيه بالانتقاد من ابن كليب، وأقر ابن كليب أن الابتياع لحفص وبماله، وأن يده كانت فيه عارية، ثم أقر ابن كليب أنه لم يكن نقد ابن الأسواري شيئًا، كما ذلك في كتاب الشراء وإنما نقده حفص.
فالذي يجب في ذلك إذ قد عجز ابن الأسوار فيما أدعاه أن بيعه كان على الإكراه، بعد أن ضربت له آجالا وسع عليه فيها وأعذرت إلى ابن كليب فيما ثبت من إقراره بالابتاع لحفص، فلم يدفع ذلك بشيء، فقد وجب الإشهاد لبني حفص، إذ قد ثبت عندك عدة ورثة حفص على ما ثبت لهم في شراء ابن كليب، وتقطع حجة ابن الأسوار عنهم في المنزل، وتأخذ لابن الأسوار ابن كليب بالثمن الذي أقر أنه لم ينقده وتعديه به عليه. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان.
إقرار ابن الأصبغ القرشي بالابتياع لزوجه مصابيح، وإنكار ورثتها ذل وطلبهم إياه بالثمن:
فهمنا - وفقك الله وسددك - ما قام به ورثة مصابيح على ابن الأصبغ القرشي زوجها في إقراره بابتياعي الدار التي بداخل مدينة قرطبة بينه وبينها بالسواء، ونقد نصف الثمن من مالها والنصف الثاني من ماله، وطلب ورثتها منه ما قال أنه دفع من مالها، وقالوا: إنهم لم يعلموا أنها علمت بالابتياع ولا كان بأمرها في علمهم، وقول القرشي إنها سكنت معه الدار زمانًا طويلاً وهدمت وباعت النقض، ومثلها لا يخفي عليها ما ابتيع لها إلى ما تركت من الهدم وبيع النقض.
فالذي نراه في ذلك - والله الموفق للصواب - أنه إذا لم يثبت رضي مصابيح، وإنما هو كظن لبروزها وملكها؛ لم تجز عليها حكومة برضى، إلا أن يثبت عليها بذلك ورضاها، وأكثر ما كان يلزمها لو كانت باقية اليمين، وكذلك يلزم البائع من ورثتها المالك لنفسه اليمين وورثته وورثتها، لما علم أن مصابيح علمت بهذا الابتياع ولا رضيت به، فإذا حلف وجبت له حصته من الثمن على ابن الأصبغ. قال عبيد الله بن يحيى، ومحمد
стр. 450
ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ.
ونرى – وفقك الله – ألا تعجل بما أشرنا به وبجمعنا وتثبت، ثم تنفذ ما يظهر الله لك بعد الاستقصاء والإجماع والمناظرة. قاله ابن لبابة.
وقال عبيد الله بن يحيى: ليس مثل مصابيح كان يغيب عنها شيء مما كان ينظر به زوجها، وقال ابن وليد وابن لبابة وأيوب بمثله، وقال سعد بن معاذ بمثل قولهم وفتياهم.
قال القاضي:
كذا وقع في الأصل الذي كتبته منه وهو اختلاط منهم، وما زاد عبيد الله ليس بشيء، وجوابهم الأول صحيح ليس في الفقه غيره، ولا تعطي الصول سواه.
من أقر بمال كان عنده أن صاحبه وهبه له وأنه فرقه في سبيل الخير وأنكر ورثة الرجل دعواه وطلبوا المال:
فهمنا – وفقك الله وسددك – ما قام به الرجل بكتاب كتبه رجل قد توفي، وفيه ذكر نفقات أنفقها في سبيل الخير، وأحب القائم بالكتاب إثبات تلك النفقة لعله ذكرها، وفيه أن تلك النفقات أنفقها من مال وهبه إياه رجل سماه، فوق ورثة ذلك الرجل على الكتاب فقالوا: قد كان وقع إلينا خير هذا المال ولم يكن هبة، وإنما كان جعله عندك على وجه لتقوم بحفظه إما وديعة أو قرضًا، وفي الورثة صغار وكبار قد أخذتهم ولاية القاضين وسألك القائم عنهم النظر لهم وأحببت أن تعرف هل يصح في مثل هذا دعوى لأحد، ولم يقر بالهبة على وجه الإقرار، وإنما جاء إقراره في خير مستجلب لغير الهبة وقلت: إنك وقفت الكتاب فإن
يجب في مثله نظر أبحت الكتاب، للطالبين، وإلا منعتهم من طلب ما لا يجب لهم.
وقد علمت ما قيل فيمن أقر بقبض مال من رجل على وجه الشكر له في ذلك أن إقراراه يسقط إذا لم يقص إلى الإقرار بالمال صراحًا، فإن
لم يكن هذا عندك مثله فعرفني رأيك، وهذا لم يجتلب منكرًا، وإنما اجتلب ذلك نفقاته، ووقع ذلك الهبة في المال ليعرف من استنكر إنفاقه ذلك في الوجوه التي ذكرها أنه إنما أنفق من تلك الهبة.
الجواب في هذا:
وفقك الله – عن مسألة الرجل المقر بهبة المال له وتحديجه العدة له، وذكره عن نفسه ما سلبها فيه، واستهلكها له من طريق الخير ووجوه الاحتساب، وما قام به عليه وطالبه
стр. 451
فيه ورثة الذي ادعى أنه وهبه المال المستهلك فيما زعم أنه وجهه له ووضعه فيه: أن إقرار المقر لما ذكره من ذلك لازم له وواجب عليه مأخوذ به، قد أقر بالقبض وأدعى الهبة، فعلى اليد ما أخذت، وفي الذمة وجوب ما أتلف مدعي الهبة، إذ من يصح بأكثر من قوله، ولم يكن لها ثواب ولا رده، والأصل في هذا حديث النبي ﷺ الذي رواه سمرة بن جنب عنه ﵇، "على اليد رد ما أخذت (١) "، فالضمان لازم للمقر.
وأما مسألة الشكر فعلى ما ذكره القاضي في كتابه، وهو قول مالك ﵀، إذا كان من المقر على جهة الشكر ومعنى الحمد والثناء: أن ذلك ساقط عنه غير واجب عليه، وبه نقول: وليس هذا من معنى ذلك ولا من طريقه، وهذا إقرار ودعوى لا يسقطها إلا طول الزمان وتفاوت الحالات بين الواهب والموهوب له.
قال القاضي:
في كتاب الوديعة في سماع يحيى من قول ابن وهب فيمن أودع رجلاً دنانير، وعهد إليه فيها ألا يدفعها إلا إلى من أتى بأمارة أعلمه بمها لم يطلع عليها غيره، فأتى رجل بتلك الأمارة فدفع إليه المال، ومات المودع رب المال، فقال ورثته لمودع: ما صنعت بمالنا؟ فقال: صنعت به الذي أمرني أبوكم وليس علي أن أخبركم بما أمرني به – أنه يخلف: لقد فعل به الذي أمره به في المال لم يتعده إلى غيره ويبرأ.
قال يحيى: وسألت عنه ابن القاسم فقال مثله، والمعنى أنهم صدقوه في الأمارة، وأن أباهم أمره بذلك، فلذلك حلف أنه فعل ما أمره به وبرئ، وأما لو كذبوه في دعواه كلها وطلبوا مالهم لكان ذلك لهم، وهو نحو الجواب الذي فوق هذا.
ولابن القاسم في المدونة: أن أتى المودع من زعم أن ربها أمره بأخذها، فصدقه ودفعها إليه فضاعت؛ ضمن الدفع، ثم له أخذها من القابض.
وقال أشهب في كتابه: لربها أخذها ممن شاء منها، ثم لا رجوع لمن أخذها منه على الآخر.
стр. 452
وفي الإقرار لابن المواز: لو جاءه بكتابه أو بأمارة فدفعها إليه وهو يعرف خطة وأمارته، فصدق كتابه ودفعها إلى الرسول، ثم أنكر ربها، فليحلف: أنه ما أمره ولا كتب بذلك إليه وأنه لا يحق له عليه، ثم يغرم له الدافع، ثم يرجع هو على القابض منه، ولا يمنعه من ذلك تصديقه فيما أتى به ولا معرفته بصحة ما جاء به وشهادته بصدقه.
قال محمد: والذي جاءه الكتاب وإن عرف خطه وأمارته له ألا يدفع إليه وديعة الغائب، ولا حقا له عليه.
وقال ابن عبدوس: إن دفعها إلى الرسول، ثم اجتمع مع ربها فأعلمه بذلك فسكت ثم طلبه بعد، فإنه يحلف: ما أمر فلانًا بقبضها، وما كان سكوته رضا بقبضه، ثم يغرمه، ولو كان علم بقبضه فجاء إلى الدافع فقال: كلم فلانا القابض يحتال في المال كان رضي بقبضه؛ فليطالبه به والدافع بريء.
وأما مسألة الشكر التي ذكرها القاضي والمفتي فهي محذوفة، إنما في شهادات المدونة، ولقد قال مالك في الرجل يقر لقوم أن أباهم كان أسلفه مالاً وأنه قضاه إياه: إنه إن كان الذي ادعى من ذلك أمرًا حديثًا من الزمان والسنين غير متطاول، لم يصدق إلا ببينة قاطعة على القضاء، وإن كان قد تطاول زمان ذلك أحلف المقر وكان القول قوله، وعلى هذا تصح المسألة.
وبيانها في كتاب ابن حبيب قال: عن أصبغ عن ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول في الإقرار السلف وقضائه على وجه الشكر والثناء: لا يلزم المقر وهو مصدق فيه طال زمانه أو قصر إن كان إقراره لحي، فإن كان إقراره لميت، فإن
كان لما قد بعد وطال زمانه فكذلك، وإن كان فيما وقته قريب أخذ بإقراره، وفرق بين الحي والميت في هذا أن الميت لو كان حيًا لعله يكون عنده ما يحق به حقه سوى إراره ذا، والحي قائم بحجته محيي لحقه، سوى إقرار هذا إن كانت بيده من ذلك وثيقة. ألا ترى أن الميت يقول عند موته: لي على فلان كذا وكذا، فلابد من أن يحلف فلان ذلك إن جحد، وإن لم تعرف بينهما مخالطة ولو ادعى ذلك حي لم يحلف له إلا بمخالطة تعرف.
وقال: سمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: كل من أقر بحق عند قوم في مساق حديث بحديثهم أو شكر به أحدًا أو أثنى به عليه، لما قد مضى من سلف وغيره من الحقوق، ثم ادعى المقر له ذلك، وقالك قد أسلفته كما ذلك ولم أقض، وقال الآخر قد
стр. 453
قضيته، وإنما ذكرت إحسانه إلي وأثنيت به عليه؛ فلا يلزم ذلك المقر إذا كان على هذه الجهة، ولا ينبغي للقوم أن يشهدوا بذلك، فإن
جهلوا فشهدوا بذلك على جهته، وكما كان ساقه لم يجز للسطان أن يأخذه به، وهكذا سمعنا مالكًا يقول وجميع أصحابنا.
قال ابن الماجشون: ولو قال ذلك عند السلطان لم يصدق حتى يأتي بالمخرج، وفرق بين ذلك أنه ما كان من أمر إنما جره الحديث والقصة والخير على حال الشكر والذم، فلا يؤخذ به أحد، ولو ناكره حقه فقاعده عند السلطان فقال: أسلفني وقضيته، كان عليه المخرج لأن هذا إقرار بحق وادعاء بقضاء في موضع الإقرار والدعوى والفصل والبينات. وقال لي مطرف وأصبغ مثل ذلك.
وفي سماع سحنون: قال ابن القاسم: من قال كان لفلانة على دينار فتقاضاه مني أسوأ التقاضي، فلا يجزي خيرًا، فقال المقر له: ما تقاضيت شيئًا، قال: الدينار على المقر وليس هذا كالمقر على الشكر، وهذا خلاف ما تقدم من كتاب ابن حبيب.
وفي سماع عيسى عن ابن القاسم من لقي رجلا فقال: أشهد أني قبضت من فلان مائة دينار كان لي عليه فجزاه الله خيرًا، فإنه قد أحسن قضائي فلا شيء لي عليه، فأعلم بذلك الشاهد المشهود له بأنه قضى فقال: كذب بل أسلفته إياها، فالقول قوله مع يمينه أنه أسلفه إياها، إلا أن يأتي الآخر بالبينة أنه تقاضها في دينه. قال ابن القاسم: وهي بينة قال أبو حمزة: كذلك قال المخزومي.
أقر بعدة وادعى قضاء بعضها، وشك في قضاء بعضها حتى يحاسب عنها:
نظرنا – أكرم الله الأمير – فيما أقر به طاهر بن فتوح لقمرة مولاة المنذر ﵀ وادعائه قضاء عشرين دينارًا منها، وقال في مائة وخمسة وعشرين منها: أظن أني قضيتها إلا شيئًا سأحاسبك بها.
فأما ادعاؤه قضاء العشرين فعليه فيها البينة، وإلا حلفت قمر ما اقتضتها منه، ولها رد اليمين عليه فيها، فإن حلف برئ منها، وإن نكل غرمها، وأما المائة وخمسة وعشرون فإنه على المحاسبة، فإذا أتى بها كشفت قمر عنها، فإن أقرت بها وإلا حلفت وغرمها، ولها أيضًا رد اليمين عليها فيها، فإن
حلف برئ إن نكل غرم إن وجد حاضرًا، وإن لم يوجد حاضرًا أو حلفت قمرًا على حقها؛ بيع لها الرهن الموضوع، ثم وفيت حقها منه.
قال ذلك أجمع وأفتى به: عبيد الله، وابن لبابة، وابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز،
стр. 454
وسعد بن معاذ، ومحمد بن أحمد بن يحيى، وأيوب بن سليمان.
قال القاضي:
انظر قوله: أظن أني قد قضيتها لو اقتصر عليه ولم يصل به لأشياء سأحاسبك بها؛ للزمه غرم هذا العدد دون يمين الطالبة، على ما قاله ابن المواز: إنما اليمين مع تحقيق الدعوى، فلو قال لك رجل: أظن أن لي عليك دينارًا فأحلف لي، وبينهما مخالطة؛ لم تلزمه يمين؛ إذا لم يحقق دعواه، وكذلك لا يمين على من ادعى عليك دعوى صحيحة، إذا لم يحقق البراءة منها، فيغرم حتى ينكر إنكارًا بينًا فيحلف، وقد مر هذا المعنى – وفيه تنازع – وفي كتاب ابن حبيب، وفي موضع آخر من كتاب ابن المواز فتأمله.
إقرار مكتري حمام لقوم بالحمام:
فهمنا – وفقك الله – ما كشفنا عنه من إقرار متقبل الحمام المنسوب إلى عثمان أنه بيده لأحمد بن محمد ابن وليد ولورثة أخيه، وأنهم هم المدخلون له فيه؛ فيجب أن تكشف هذا المقر كيف هو بينهم: أعلى السواء أم على غير ذلك؟ فما أقر به كان كذلك، إلا أن يدعي المقر لهم غير ما أقر به من هو بيده؛ فيكلف المدعي البينة على دعواه. قال بجميع ذلك ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
إقرار باكتراء دار ودعوى سلف:
نظرنا – أكرمك الله – في إقرار هشام بن سالم باكترائه الدار التي يربض الرصافة من رملة بنت أخيه، وادعائه أنه قد قضاها جميع كرائها إلى أن خرج عنها، وأن له قبلها عشرة مثاقيل سلفًا، ثم نظرنا في إنكاره الإقرار بالاكتراء وبإشهاده به على نفسه، وادعائه أنه إنما سكنها عشر سنين على سبيل المتعة، وقال: إني كافأتها.
فالذي نقول به: إن ثبت عليه إقراره بالاكتراء بعد لين، ولم يكن عنده مدفع فيهما أخذ بجميع الكراء، بعد أن تحلف رملة: أنها ما قبضت منه كراء ولا كافأها بشيء، وما ادعاه من السلف إن شهدت له بينة عدلة ولم يكن فيها مدفع عند رملة؛ أدت ذلك إليه، وإن لم تكن له بينة حلفت رملة ما أسلفها شيئًا مما ادعاه عليها، ولها رد اليمين عليه فيه، وإن أقام بالمتعة بينة؛ لم تقبل منه إذا ثبت عليه الإقرار بالاكتراء لإذابه بينة المتعة، ويؤخذ بكراء العشر سنين، إلا أن تثبت رملة أنه سكنها أكثر من ذلك، فتؤخذ به، وإلا فيمينه فيما ادعته زائدة، ولو رد اليمين عليها في ذلك، ويجب عليه اليمين أن إنكاره لم يكن فيما
стр. 455
أدعاه على رملة من السلف في الإقرار الذي أنكره، وأنه إنما أنكر ما ذلك عنه من الإقرار بالاكتراء. قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد.
امرأة أقرت بمال لها ولغيرها:
ما أخرجته – وفقك الله - أم ولد ابن علي وثبت عندك أنه خرج عن يدها بوعيد، فلو ادعت جميعه كان لها، وما أطلقت دعواها منه وقالت إنه لغيرها؛ فهو لمن أقرت له به، كما كان ما أدعته لنفسها لها؛ لأن من كان بيده شيء فهو له، وإن أقر به لغيره فهو لمن أقر له.
إلا أنا ألقينا هذه كشفت عن أصل أوجبت قضية ثانية، زعمت أن أصل ما أقرت للصبية به كان لجدها، وأنه وهبه لها ووهبت هي ذلك للصبية فوهن الإقرار بوهن الأصل، إلا أن يقيم بينه عدل على أن محمد بن فلان وهبها إياه فيكون إقرارها به حينئذ جائزًا، وما لم يثبت فإنه يرجع ميراثًا لورثة محمد بن علي إن شاء الله تعالى. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وابن غالب، وابن وليد.
قال القاضي:
قد تقدم من هذا فيم معنى الهبة وما يشبهه في مسألة على وجه الشكر، وتقدمت مسائل الإقرار بما في يده لغيره مستوعبة في مسألة التداعي في الزرع.
مريض أقر لبناته بحق ورثته ومعهن عاصب:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات التي شهد بها على إقرار محمد بن يحيى لبناته في مرضه الذي توفي فيه، وقول عبد العزيز بن يحيى أن ذلك الإقرار ساقط وأن لعاصبه أن يأخذ حصته من المال الذي أقر به لهن، ولنن اليمين على هذا العاصب: أنه ما يعرف هذين الكتابين اللذين قمن بهما. قال بذلك عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ويجب على القاضي الإشهاد للعاصب على سقوط الكتابين. وقاله أيوب بن سلميان، ويحيى بن عبد العزيز.
في إقرار الأب بتصيير مال إلى ابنه عن دين كان له عليه بإقراره:
فهمنا – وفقك الله – ما كشفت عنه من إقرار محمد بن العرض الذي ذكره من بيع الكرم بالدين الذي كان لابنه عنده، وإقراره في ذلك الكتاب أنه قبض الكرم لابنه إذا
стр. 456
كان يلي النظر له، وقوله في الكتاب الثاني الذي فيه إقراره أنه تبرأ بالكرم إلى ولده، فلم يأت بها أن يكلف إظهار الكرم، فإن ثبت على ابنه دين بيع لغرمائه، وإن لم يكن عليه دين فهو لورثته، وما فضل منه كان لورثته أن يبيع لغرمائه، وكذلك تسلك في كل شيء أقر أنه أصاره إلى ابنه بالعوض، قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن وليد.
قال القاضي: وتتم هذه المسألة بما نورده من وجوهها إن شاء الله. قال ابن حبيب: قلت لمطرف وابن الماجشون: من قال: اشهدوا أني قد بعت من ولدي هذا لولد له صغير أو كبير داري هذه بكذا وكذا دينارًا، كانت له في يدي من ميراثه من أمه أو من عطية أعطيها أو من شيء يصفه. فقالا: إذا رشح لذلك وجهًا أو سب له سببًا يعرف؛ فذلك جائز مع يمين الكبير، وإن لم يعرف ما قال ولا رشح له وجهًا ولا سبب له سببًا يعرف، لم يجز ذلك على وجه البيع، وكان بسبيل العطية فيما حيز وفيما لم يحز.
قال: وكذلك لو قال: أشهدوا أن لوالدي هذا على مائة دينار دينًا صارت له على من كذا وكذا، وذلك لا يعرف؛ فذلك لا يجوز إلا أني رشح أو يسبب أمرًا يعرف له به مال، فيجوز ذلك للولد مع يمينه، وكذلك لو أقر له بدين لا يعرف لم يجز ذلك، وهو قول علمائنا.
وقد سئل أصبغ عن ذلك فقال مثله، وقال فضل بن سلمة: انظر في هذه الرواية حيث يقول، وكان سبيله سبيل العطية فيما حيز وفيما لم يحز.
وقال ابن القاسم في المدونة: إقراره في الصحة بدين لوارث جائز، وإنما يتهم في إقراره في المرض إلا في الزوجة إذا كان الذي بينهما متفاقمًا، وله ولد من غيرها.
وذك أصبغ في سماعه في غير الزوجة إذا كان ما بينه وبينها متفاقمًا – مثل هذا، وأما إقراره، لوارث في الصحة فرواية أصبغ جوازه كما في المدونة أن إقراره لولده وولد ولده بدين جائز في الصحة، ثم زاد أصبغ إلا أن يقر لولده الرضيع ولا يعرف بكسب ولا فائدة من ميراث دخل عليها صار إلى أبيه، أو سبب ولا هبة من أحد أو شبهها، فهو توليج حينئذ وهدر.
وكذلك أن أقر لكبير من المال بما لا يشبه ولا شبه أسباب شيء من هذه الوجوه فيه بطل كله، وكان توليجًا في الحياة لبعد الممات.
فإن فضل: فانظر في هذا وفي ورواية ابن حبيب، إن كان أراد هذا المعنى. وفي
стр. 457
الوصايا في سماع اصبغ ونحوه في كتاب ابن المواز: فيمن أقر عند موته أن هذا لابنه مما ورثه عن أمه ولا بينة فيه. قال ابن القاسم: فإن كان يعرف لها مال أو عرض وكان أمرًا بينًا قبل قوله، وإلا لم يجز.
وفي الصدقات في أواخر توازل أصبغ فيمن أشهد وهو صحيح أنه اشترى لابنه هذه الدار بألف دينار من مال ابنه في زعمه، ويشهد أنه إنما كريها ويعتلها له وباسمه، ثم يموت على ذلك وهو صغير في حجره، ولا يعلم لابنه مال من وجه من الوجوه، ثم مات الأب؛ فهو توليج وهو ميراث بين الورثة، كمن قال في مرضه: كنت أعتقت عبدي هذا في صحتي، ولا يقول: أنفذوه فهو باطل.
وفي سماع حسين بن عاصم: سألت ابن القاسم عمن أشهد في صحته: أني قد بعت منزل هذا من امرأتي أو ابني أو ولد ابني بمال عظيم، ولم ير أحد من الشهود الثمن، ولم تزل الأرض بيد البائع إلى أن مات، قال: لا يجوز هذا، وليس هذا بيعًا، إنما هو توليج وخدعة ووصية لوارث. كذا أدخلها ابن أبي زمنين في كتابه المشتمل.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، فيمن باع ولده الصغير أو الكبير أو أجنبيًا داره التي يسكنها بثمن خفيف، مثل أن يبيعها بعشرة وهي ثمن مائة ولا تزال في يده حتى يموت – قالا: ليس هذا بيعًا، وهي من باب العطية التي لم تقبض، وهي باطل وترد الدنانيير إلى ربها، وهو في الأجنبي أبعد تهمة إلا أن ذلك كله مردود، ما لم يشبه أن يكون ثمنًا أو مقاربًا أو مشكلاً، فيمضي على وجه البيع. وقاله أصبغ.
وفي رسم الشجرة من كتاب الصدقة من رواية عيسى عن ابن القاسم: من باع ابنه اصغير أرضًا بعشرة مثاقيل، وهي ثمن مائة فلا تزال في يد الأب حتى يموت فهي موروثة، وللولد العشرة.
وفيه عن مالك فيمن ولي ابنه حائطًا اشتراه منذ زمن بثمن يسير، وثمنه اليوم كثير وله ولد غيره – قال: إن حازه فهو له حائز. وفي رسم ذلك حق: إن اشترى لابنه الصغير في حجره غلامًا وأشهد بذلك، ثم مات الأب بعد بسنة فهو لابن، ولا يدخل فيه الوراثة، وإقراره الصحيح لوراثه بدين في الدعوى في رسم البراءة.
وفي التفليس في سماع أشهب، وفي سماع سحنون، وعنه في كتاب ابنه مما كتب به إلى شجرة فيمن باع وربعه من بعض ورثته بمائة دينار، ويقبض خمسة دنانير بمحضر البينة
стр. 458
ويشهد أنه قبض الجميع، أو كان المشتري أجنبيًا فكتب إليه، ينظر الحكم فإن
استراب أمرًا، وخاف أن يكون قد عمل على ما لا ينبغي نظر فيه وكشف وسأل، والفعل في امرض أضعف، فإن
صح الأمر ولم يكن الريع معروفًا، ولا غرفته البينة، إلا أنه محدو في كتاب الشراء؛ فلا يجوز البيع إلا أن يكون في الكتاب إقرار المشتري بالقبض والمعرفة، فينظر فيه.
وكتاب إليه شرحبيل فيمن أقر لابنين له في حجرة بدارين محدودين، وأشهد بذلك فكتب إليه: هذا الإقرار أحدثه الناس، وهو وليجة محملة عندنا محمل الصدقة إذا كانت الداران معروفتين بملك الأب، - يريد ولا يعرف للابنين مال وهو الحائز لهما؛ فذلك جائز، إلا فيما سكن فيه هو مردود من ذلك.
رجل صير لامرأته في كالئها نصف دار سكناه معها وسكناها معًا إلى أن مات فيها:
كتب بها من بطليوس وذكر في السؤال أنه كان تصييرًا ناجزًا، وكان قد اختلف فيه عندهم، فقال بعضهم: إن التصيير كالصدقة والهبة لا ينفذ، إذا لم يخل المصير الدار من نفسه حتى مات، وقال بعضهم: بل التصيير كالبيع لا يحتاج فيه إلى حيازة ولا إخلاء.
فأفتى فيها شيوخنا ابن عتاب وابن القطان وابن مالك بجواز التصيير، وأنه كالبيع لا كالهبة بعد أن كان. قال ابن عتاب منهم لمن حضره من أصحابه: لا يجوز التصيير، ثم قال لي: ما رأيك فيها ولم يعلمني بما تقدم من قوله لأصحابه، فقلت له: رأي فيها أن ذلك نافذ جائز، وليس في القبض أقوى من سكناها في الدار، فأنفذ جوابه بعد ذلك أن التصير جائز نافذ.
وتكلمت فيها مع ابن مالك فقال لي: الأمثل فيها عندي جوازه، وهو الصواب والله أعلم، لأن من قول مالك رحمه فيمن وهب أجنبيًا جزءًا من ماله مشاعًا، واعتمر الموهوب له مع الواهب حتى مات أنه جائز، وفيه اختلاف ذكره ابن ابي زمنين في وثائقه، وأعلمني أبو عمر بن القوي أنه كان المفتي بإجازته، وأخبرني غير أن أبا محمد بن الغلاس كان الذي عندهم ببطلان التصيير لسكنى الزوج المصير في الدار حتى مات، وحكي أنه رآه فتوى لابن المكوي.
ومن هذا المعنى: رجل أقر في صحته بدين لزوجته وباع به منها دار سكناه معها، ووصل سكناه فيها فلم يخرج عنها إلى أن مات:
كتبت بها إلى أبي عمران وأبي بكر بن عبد الرحمن بالقيروان، وقال السائل: هل
стр. 459
يجوز هذا البيع إذا لم تقبض المرأة الدار منه وتنفرد بها دولة، وقد علمت ما نهى عنه من الكالئ بالكالئ، وقد روي ابن القاسم من مالك أن لا يأخذ في دينه دارًا يسكنها أم ترى أن ذلك جائز؛ لأنها دار معينة ولا يدخلها الدين بالدين، على ما قال في بعض الكتب، إنما ذلك في المضمونين جميعًا، وأما إن أخذ سلعة بعينها عن دين وتأخر القبض فيها، فذلك جائز، قاله في كتاب الآجال.
وقال كتاب البيوع الفاسدة: ألا خير فيها، وذكر يحيى بن عمران الجواز فيها أحسن، وكذلك روي أحمد بن خالد عن ابن وضاح عن سحنون، وكان بعض شيوخنا يقول: معنى التي في الآجال أن السلعة كانت حاضرة المجلس، والتي في البيوع الفاسدة لم تكن حاضرة المجلس، فاختلف الجواب فيهما لأنهما مسئلتان. بين لنا ذلك مأجورًا إن شاء الله تعالى.
فأفتى أبو بكر بن عبد الرحمن:
الجواب عندي أن ذلك إذا لم يشترط عليها أن يسكن فيها، إلا أنها لو شاءت أخرجته، وهذا مخالف لمن فسخ دينه في كراء أرض أو مسكن دائرًا أو خدمة عبد، أو في سلعة غائبة؛ لأن هؤلاء لا يقدرون على قبض ما فسخوا فيه حقوقهم؛ والزوجة قد قبضت الدار وإنما أبقت زوجها ليسكن فيها رفقًا به من غير إيجاب وجب له عليها.
وقد روي أشهب عن مالك رحمه أن له أن يأخذ بدينه دارًا يسكنها وجعل أوائل السكنى قبضًا لجميعه، ولم يرده من الدين بالدين. وبالله التوفيق.
وجاوب أبو عمران:
إذا بقي الزوج ساكنًا في الدار إليها بدينها فسد الدفع، كما ودفع الرجل داره إلى غريمه وبقي الدافع ساكنًا فيها؛ كان ذلك دينًا بدين، وهو بمثابة سلعة ممنوعة من قابضها في أن يقبضها إلا بعد أيام.
وأما مسألة كتاب الآجال فهي محمولة على حضور السلعة، وأن الذي له الدين كان قادرًا على قبضها قبل دخول بيته فاختار تركها إلى أن يخرج من البيت، ألا تراه قال: ويقبضها إذا خرج، فأما لو كان قبضها إذا خرج يتعذر والرجل الذي دفع الدار لا يتأتى أن تقبض منه امرأته الدار إلا بعد انتقاله، والانتقال عمل، وقد يتعذر عليه موضع ينتقل إليه فيضرب في ذلك أجل، وهذا على مذهب ابن القاسم.
стр. 460
وسكناها مع الزوج ليس قبضًا، كما لو تصدق عليها بدار وهما ساكنا فيها لم يكن سكناها معه لها قبضًا؛ إذ ليس عليها أن تسكنه، فملا بقي ساكنًا لم يتبين الحوز، بل بقيت ساكنة على الملك المقتدم، وسكناها هي فيها على أصل ما كانت تسكن معه قبل ذلك بحق الزوجية دون حق الكفاية، فكذلك أيضًا سكناها مع الزوج في دار قبضتها منه بدين لها عليه، وهو على الوجه المتقدم من وجوب سكناها عليه بحق عصمة الزوجية.
وأما تصويب سحنون ويحيى لمسألة الآجال، فمعنى ذلك أنها أفسر وأبين، ومسألة البيوع الفاسدة محمولة على السلعة الغائبة، أو ما قصدا به التراضي وإن حضر المجلس.
قال الشاهد:
شهد الشهود على إقرار الزوجين بالتقابض في هذا التصيير، ولم يشهدوا بمعينته، وقد قال بعض المفتين: لا يجوز التصيير إلا ببينة إلا ببينة تعاين قبض المرأة للدار وتنفرد بها، كبقبض الرهن والصدقات، لابد من معاينة القبض فيها، ولا ينتفع بالإقرار في ذلك دون معاينة، وخالفه غيره، فقال: إقرارهما جائز: كإقرارهما بالصرف والتناجز فيه، وإن لم يعرف صدق قولهما فهو جائز حتى يعرف خلافه، وقال غيرهما في التصيير: هو جائز لازم لا يضر سكناه معها في الدار، وسكناها معه فيها قبض، وإن كان الزوج انتفع بذلك قبض وهو جائز.
فجاوب أبو عمران:
إن القول قولهما في التقابض؛ إذ القول قول من يدعي الصحة ما لم يتبين خلافه كالمسلم والمسلم إليه يتقاران فيه بالتناجر، أو يدعي أحدهما التناجز أو قرب الدفع من العقد، ويقول الآخر بعد طول، فلا يقبل قول مدعي الفساد وهو الدين بالدين، فلا يكون سكناها مع الزوج قبضًا، كما لو تصدق عيها بدار وسكنها معه، لم يكن سكناها معه فيها قبضًا؛ إذ ليس عليها هي أن تسكنه، وكرر الكلام بمثل ما تقدم.
وجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن:
قد شرح الجواب عن أخذها للدار من زوجها أنه جائز، ولا يضرها سكنى الزوج فيها، وكذلك ما تقارا عليه من القبض والأخذ، ولا يشبه هذا ما قاله صاحبنا أنه كالرهن والصدقة؛ لأن الرهن شرط الله تعالى فيه القبض، فقال عز من قائل: (فرهان مقبوضة) (البقرة: من الآية ٢٨٣) وكذلك جاء الحديث عن الفاروق وعلي رضي الله