دحون أنه كان يقول: لا يمين عليه إذا قال: أبيع من عروضي وأؤدي ديني، وكان يستدل يقول مالك رحمه في آخره سماع أشهب في كتاب الزكاة: وجل الناس ليس لهم؛ فقد قال الشارقي: وكان أبو علي الحداد يحالف في ذلك، ويقول: لابد له من اليمين أنه لا ناض عنده يؤدي منه دينه.
وكان القاضي أبو بكر بن زرب يرى اليمني في هذا على غير التجار، وهو تنويع حسن إن شاء الله.
المحبوس في الدين يسأل أن يعطي حميلاً حتى يبيع وكان قد أعطى الطالب رهنًا.
نأتي أكرمكم الله – الفتيا بخطوكم فنعتقدها، ثم يأتي من أفتيتم عليه بشيء يسألني معاودتكم المشورة استقصاء له وتشفيعًا، فنرى إجابتهم إلى ذلك لئلا يكون لأخذ علينا حجة، وقد ثبت علي ابن حمدين لإبراهيم بن كثير حق، وبيد إبراهيم رهن مقبوض بحقه، ويزعم إبراهيم أن هذا الرهن لا يستتبع له إلا بكلفة ومؤنة مطالبة، وسأل أن يؤخذ له بحقه من ابن حمدين.
فكشفتم عن الواجب في ذلك فأجبتموني أنه يقيم حميلا بالمال، ثم أجل عليه أجلاً أوسع عليه فيه ليبيع الرهن أو ما شاء بيعه من ماله؛ إذ كان من غير أهل الناض، فإن لم يجد حميلا بالمال حبسته حتى يقضي الله عنه ما عليه، فلم يجد حميلاً بالمال فصار محبوسًا منذ شهر، وخرج إلى منذ يومين بملطى يسأل وجهًا من وجهين: إما أن أقبل منه حميلاً بالمال فصار محبوسًا منذ شهر، وخرج إلى منذ يومين بملطي يسأل وجهًا من وجهين: إما أن أقبل منه حميلاً بالوجه، أو أخرجه لملطي في عرض أمواله، فما استباع منها قضى أثمانها عن نفسه، فلما رمت ذلك عند أهل الحبس، زعموا أنهم لا يجدوا ملطيا يثقون به، وابن حمدين يرى أنه ينتقص من حقه إن لم يقض له ما دعا إليه، فإن كان ما طلب حقًا له أنفذت ذلك، وكان الحق أو ما اتبع، في وإن رأيتم صونه في الحبس إلى أني قضى ما عليه الحبس تنفيذًا لقولكم، وقوفًا عند ما تفتون به في ذلك.
الجواب:
أما ابن حمدين ﵁ وأرضاك – فإن كثر في غير ما يجب له، ومن لم يجد حميلا فالحبس حميله، حتى يقضي ما عليه، وليس ينفذ الحق إلا هكذا، وأنت – والله نسأله
стр. 492
حياتك – ممن علمنا أنه لا يلين لأحد في الحق؛ فليكن بالحالة التي هو فيها حتى يقيم حميلاً ثقة. قال بذلك محمد بن غالب.
وقاله محمد بن وليد، وقال: ليس يلزم المرتهن بيع الرهن على حال إلا أن يشاء، وإنما تؤخذ الرهون وثيقة بالحق من الذي عليه لأداء ما عليه. وقاله ابن لبابة.
وقال عبيد الله بن يحيى: الذي رأينا أخذ حميل ثقة على ابن حمدين بالمال، أو يحبس حتى يقضي ويؤخر بيع رهنه، وقضاء ما عليه فإن الدوابي من بيع الرهن أمرت ببيع الرهن، وقضاء صاحب الحق حقه.
وقال محمد بن لبابة مثل ذلك: أن تأمر ببيع الرهن؛ لأن في كتاب ارتهان إبراهيم أنهم ألدوا؛ كان لإبراهيم بيع الرهن، فلا لدد أظهر من صار في الحبس ولا يظهر منه نظر.
وقال أيوب بن سليمان: الذي نعلمه من قول مالك وأصحابه: أن الراهن إذا لمي قض ما عليه باع السلطان الرهن وقضى المرتهن، فإن باع المرتهن وأصاب وجه البيع، مضى بيعه، ولا نعلم في شيء من قولهم في هذا الرهن حبسًا ولا حميلاً، وهذه أقاويلهم قائمة.
وقال سعد بن معاذ: مالك يقول: ليس إلى المرتهن ببيع الرهن إلا بأمر السلطان أو الراهن، فإذا أمرت – رضي الله عنك – بالبيع فلم يبيع وألَلدَّ؛ فالحبس واجب عليه أبدًا، حتى يؤدي؛ إذ هو من أهل الأداء؛ لأن عرضه فيه كفاية.
وقد روى ابن القاسم عن مالك: أن المرتهن ليس إليه بيع الرهن دون السلطان، وأنت قد أمرت الراهن بالبيع ولم يفعل، وهو من لدد؛ فالحبس عليه واجب، إلا أن تقوم له بينة بالعجز في البياع، إن كان الرهن بموضع يمتنع من البيع، فيكون ذلك عذرًا، وإن أقام حميلا، فجميع ما عليه أطلق من الحبس. وقال يحيى بن عبد العزيز بمثل قول محمد ابن غالب ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
هذه الأجوبة كلها عند التحصيل غير سليمة من الاعتراض، ومنع من بسطه كراهة التطويل، والمنع في اتفاقهم على سحنه، ولا مانع من الحكم ببيع رهنه، وإنصاف المرتهن من ثمنه، وهو جواب أبي صالح.
ولو قالوا: يحضر المرتهن الرهن، ويحضر الراهن، فإن اتفقا على عين الرهن قبل
стр. 493
للراهن: أقض حق المرتهن وافتك رهنك، فإن امتنع وكل به وأخرج الرهن إلى السوق واستقصى في ثمنه وبيع بمحضره، وقضى الراهن دينه، وإن شح ببيع الرهن ووعد بالأداء من غيره أجل في ذلك أجلا ق ريبًا، وأخذ بالحميل إليه، فإن أنصف وإلا بيع الرهن كما ذكرنا، وفي هذا الحميل لابن القاسم وغيره من المتأخرين خلاف.
كتبت إلى شيوخنا بقرطبة سنة ست وخمسين وأربع ومائة في المطلوب بمال ثبت عليه يسأل التأخير ينظر فيه وهو ذو أصول مأمونة فيسأله الطلب حميلاً بمال، هل يلزمه ذلك أم بالوجه على ما يفتي به فقهاء طليطلة ملائه، ويحتجون بما رواه أبو زيد عن ابن القاسم في كفالة العتبية، فيمن عليه دين وله مال غائب يعلم غرماؤه ذلك فقالوا: أعطنا حميلاً حتى يقدم مالك – قال: ليس يلزمه ذلك إلا أن يخافوا أن يهرب أو يغيب.
فكتب إلى الشيخ أبو عبد الله ابن عتاب:
يلزمه إقامة حميل بالمال لا بالوجه – كان ذا أصول أو لم يكن – وبه جرى العمل ورواية أبي زيد ضعيفة خارجة عن الأصول، والمسألة التي قبلها كذلك، وكثير من روايته كذلك. إلى هنا انتهى جوابه.
ثم تكلمت معه عند اجتماعي به فقال: يلزمه الحميل، ولو كان قد رهن الطالب رهنًا وقبضه منه، أو كان على يدي عدل، وهذا كان مذهب الشيوخ – يريد ما تقدم من قولهم الذي قلناه من أحكام ابن زياد.
وأفتى أبو مروان بن مالك:
إذا كان المطلوب معروف العين مشهورًا مع ما ذكرت من ظهور ملائه بين الوفر ظاهره، فلا أرى الحميل بالأمر اللازم، وإنما معنى الحميل التوثق للطالب بحمالة من هو أوثق من مطلوبه، وهو لم لم يثق فأعطى جميع حاله كحال المطلوب في سؤالك؛ لم يكن للطالب إياه، فما معنى الحمالة ههنا؟ وإنما كان سحنون يرى على قاتل الخطأ الحميل لتشهد البينة على عينة في رجل غير مشهور – هذا معناه عندنا.
وقولهم في نص الرواية: إن كان الذي يدعي مالا ولا مال للمطلوب ظاهرًا، أعداه القاضي بحميل، كان قد ناشيه الخصومة أولا – يدل على ما ذهبت إليه في جوابي هذا. وبالله التوفيق. هاهنا انتهى جواب ابن مالك ﵀.
ولسحنون في كتاب ابنه أنه كان يحبسه ما لم يعط حميلا لخصمه إذا وجب عليه
стр. 494
حميل، وكتب إليه في رجل بعث معه بما ليوصله إلى رجل فيتعدى فيه فينفقه، ثم يعترف به عند الحكم ويقول: هذا ريعي أبيعه، فيعرض فلا يجد من يشتريه، فطلب منه الطالب حميلا بوجهه؛ هل ذلك ع ليه؟ وهل يحبس إذا لم يجد حميلاً؟
فكتب: لا حميل على هذا ولا حبس، إذا بدل من نفسه هذا، ولم يتهم، وإنما يحبس المفلس يتهم أن يخفي مالا، قيل له: فإن أعرضه فلم نجد من يشتري، وزعم الطالب أنه يقول للمشترين: لا تشتروا. وأرأيت إن قال للحكم: بع أنت ربعي وادفع إليه؟ قال سحنون: يدعو الحكم إلى ضيعته وينشدها ويستقصي، ثم يبيع بالخيار، عسى أن يزيد زائد، فإن لم يجد إلا ما أعطى باع وأعطى الطالب حقه. هذا من قول سحنون، لو احتج به ابن مالك لكان أبين وأظهر فيما ذهب إليه، وهو نحو رواية أبي زيد، وكله خلاف ما ذهب إليه ابن عتاب والشيوخ قبله.
غريم طال سجنه فسأل القاضي أن يطلقه:
فهمنا – وفقك الله – من سجن ابن أبي البهلول وما سأل من إطلاقه؛ إذا طال حبسه لامتحانك ملاءة من عدمه، وقلت: إنك امتحنته ببينة عدلة؛ شهدت بعدمه، فالذي يجب إذا صح عندك عدمه أن يطلق من حبسه بعد يمينه بالله: ما له عرض ولا قرض، ولئن رزقه الله تعالى مالاً ليؤدين، ثم يقال لغريمه: إن زعمت أن له مالاً فأثبته تقضي منه دينك؛ في قد وجب إطلاقه، ولا يحل حبسه بعد هذا الامتحان.
قال ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز
قال القاضي: هذا ألصل في كتاب المديان من المدونة، وفي سماع عيسى، وفي سماع أبي زيد، وفي كتاب ابن حبيب، وغيره.
في غريم غيب وجهه وسأل طالبه من القاضي رسولاً يعينه في طلبه:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته بما نظرت به لابن أيوب على ابن حامد، وسجلت به عليه من ثبوت دين ابن أيوب، وأن إسحاق بن حامد لما أخذه الحكم غيب وجهة وذكر طالبه ابن أيوب الصانع أن ابن حامد تظاهر ببعض المواضع، وسأل ابن أيوب أن يعطي رسولا يعينه على طلب ابن حامد وجليه إليه.
فالذي يجب في ذلك عندنا: أن يعطي ابن أيوب رسولاً يعينه على طلب ابن حامد
стр. 495
وجلية إليك، فإذا قرب إليك طلبته بقضاء دين ابن أيوب معجلا، فإن أبى من غرمه معجلا أمرت بحبسه حتى يؤديه.
وهكذا قال مالك في كتاب القضاء في البيوع من موطأ ابن وهب: سمعت مالكًا يقول في الرجل يكون عليه الدين، وهو موسر للقضاء فلا يقضي – قال مالك: يحبسه الإمام حتى يقضي دينه.
وابن حامد حسن المركب والملبس ظاهر الماء، وأحد الولاة فإنه ادعى أنه عديم وأنه ليس من أهل الناض، وسأل أن يؤجل بحميل بالوجه أو مال، فلا يقبل منه الحميل ويحبس حتى يقضي ما لزمه لابن أيوب من الدين من الحبس، أو يثبت عدمه عندك من الحبس؛ فتأمر عند ذلك بإحلافه في مقطع الحق: بالله لاذي لا إله إلا هو ما له مال غيبه، ولئن رزقه الله مالاً ليؤدين منه دين ابن أيوب، فإذا حلف أطلق، وإن أثبت أنه ليس من أهل اناض وثبت له ملك دار أو ريع؛ أمرت من يبيع من ذلك بقدر دين ابن أيوب.
وفي كتاب أقضية سحنون: سألت سحنونًا عن الرجل يجب عليه الحق بحكم حاكم به عليه، فيقول: أنا فقير، وليس ظاهر فقير، ويأتي بشهود على أنه فقير، لم يزكوا عند الحكم؛ هل ترى أنه يأخذ عليه حميلاً حتى يزكي شهوده؟ أم يحبسه الحكم حتى يزكيهم؟ قال سحنون: بل الحبس في السجن حتى يزكى شهوده.
وبما قال مالك وسحنون رحمهما الله في هذا القول، وبه نشير على القاضي أكرمه الله، في ابن حامد وابن أيوب، ونسأل الله تعالى للقاضي العون ما قلده، والتوفيق فيه. قاله محمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة.
وقال خالد بن وهب: الفتيا المعروفة من مالك وأصحابه: ما قد كتبت به إلى القاضي – وفقه الله – وقال أشهب: وسأل ابن كمنانة مالكًا لان غانم: عن الرجل يتعدى على غريمه في دين له عليه: أيحبس له؟ قال: نعم، اكتب إليه يحبس له بالمعروف، إلا أن يكون معروفًا بأن لا شيء له، فلا يحبس.
قال ابن القاسم عن مالك: وإذا تبين الألداد للقاضي من الغريم حبسه، قال سحنون: نعم ويؤديه بالضرب الوجيع.
قيل لابن القاسم: ما قول مالك في الألداد؟ قال مالك ﵀: إذا كان له مال فاتهمه السلطان أن يكون غيبه؛ فإنه يحبس أبدًا حتى يوفي ما عليه من الدين، أو يتبين
стр. 496
للقاضي أنه لا مال له فيطلقه ويحلفه بالله، على ما تقدمت به الفتيا قبلي ولا حمالة له هنا، إنما يقضي عليه السلطان بالحق معجلا، ثم إن شاء صاحب الحق أن يؤخره أخره، فإن تورك عن أدائه إيه إذا أراد أخذه منه؛ حبسه له السلطان حتى يوفي أو يموت في الحبس. هذا الذي نقول به، والله الموفق للصواب والهادي إليه. وقاله عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن لبابة، وغيرهم.
قال القاضي:
في أول كتاب المديان من المدونة قال مالك: لا يحبس الحر ولا العبد في الدين، إلا إن حبسه ليستبرئ أمره، قدر ما يتلوم من اختباره ومعرفة ماله، أو يأخذ عليه حميلاً، وهذا خلاف ما تقدم من جوابهم: سجن ابن حامد حتى يثبت من السجن عدمه.
وسئل سحنون عمن وجب عليه دين فسأل أن يؤخر يومًا أو نحوه، قال: يؤخر ويعطي حميلاً بالمال، فإن لم يحد حميًا بالمال إلى يوم، ولا وجد المال؛ سحن وهذا خلاف قولهم أيضًا: إن أبي من غرمه معجلاً؛ أمرت بسجنه حتى يغرمه.
واحتجاجهم بقول مالك في موطأ ابن وهب غير موضعه؛ لأن ظاهر قول مال فيه أنه هو في مليء؛ لأنه قال عن الغريم: هو موسر للقضاء، فلا يقضي، وليس في مسألة ابن حامد مثل ذلك.
وكذلك قول سحنون الذي ذكروه في الذي يقول: أنا فقير، وظاهره بخلاف قوله ودعواه – لا يطابق مسألتهم؛ إذ ليس فيها ادعاء فقر، وما ذكرناه عن سحنون في إعطاء الحميل بالمال وتأخيره به اليوم أولى بمسألتهم، وبه جرى العمل والفتيا من شيوخنا ومنا.
وقد ذكرنا ذلك عنهم في باب العيوب، وهو قول مالك في تأخير المطلوب بما يطلب به؛ لينظر فيه.
قال في كتاب الشفعة من المختلطة، في الشفيع يريد الأخذ بالشفعة، ولا يحظر النقد: قال مالك: رأيت القضاة عندنا يؤخرونه في النقد اليوم اليومين والثلاثة.
قال ابن القاسم: ورأيت مالكًا استحسنه، وأخذ به ورآه. وفي تفسير ابن مزين مثله.
وقال ابن الماجشون في الثمانية: يؤجل العشرة أيام ونحوها. وقال أصبغ: الخمسة عشر والعشرين بالاجتهاد. وفي سماع ابن القسم عن مالك ﵀ في المكاتب يقاطع إن
стр. 497
جاء بذلك إلى الآجل، وإلا أخر شهرًا أو نحوه، كما يؤخر الغريم، فإن جاء به، وإلا فلا قطاعة له.
وفي مختصر ابن عبد الحكمي: كل مطلوب بحق قد حق عليه يؤخر قدر ما يرى حين ينزل، يؤخر إلى أربعة أيام أو خمسة، وذلك مختلف في كثرة المال وقلته، وهو على قدر اجتهاد من نزل ذلك به.
وهذه نصوص من قول مالك ﵀ وأصحابه في تأخير الغريم بما يطلبه به، وهؤلاء أجمعوا في ابن حامد أن يضطر بالحبس إلى الأداء معجلا، وقالوا في جوابهم قبل هذا في مسألة ابن ملون: ليس على القاضي تأخير، إنما عليه الحكم والإعداء، فإن أبى فالحبس، ومالك وأصحابه قد جعلوا إليه التأخير الاجتهاد فيه، وقد جرى في مساع عيسى وسماع يحيى في الحميل بمال إذا حل أجله، لا يؤخر إلا يرضي صاحب الحق، وهو كالغريم، وهو كلام محتمل للتأويل، والذي قدمناه هو البين. والله أعلم.
من رأى مال ميت يباع ثم قام بذكر حق عليه:
نظرنا – أكرمك الله – فيما شهد به لبنات رزق على أبيهن، وفي موت زرق وثبوت عدة ورثته، وما ادعاه عبد الله بن سهل وكيل فاطمة بنت رزق أن أخواتها هؤلاء، قد بعن أنصبائهن من الدار التي توفي رزق عنها، وفي قوله: إن رزقًا لم يترك مالا سوى هذه الدار.
فالذي نقول به – والله الموفق إنه للميت غير الدار وباع هؤلاء البنات القائمات، وقد علمن بذكر الحق فمن به، فقيامهن باطل ساقط، وإن كان للميت غير هذه الدار، وقلن: إنهن لم يعلمن بالكتاب، أو علمن وقلن: إنما بعنا نصيبنا من الدار؛ إذا علمنا أن فيما سواها من ماله وفاء بحقنا؛ حلفن على ذلك، وأخذن ما وجب لهن فيه على ماضي السنة، في إقرار أبيهن لهن. قال به أيوب بن سليمان، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز.
قال القاضي:
لسحنون في نوازله في كتاب التفيس فيمن مات وعليه دين لقوم شتى، فأثبت بعضهم دينه عند السلطان، وباع ماله لهم وقضاهم حقوقهم، فقام آخرون يريدون الدخول معهم فيما اقتضوا.
قال: ذلك لهم يدخلون عليهم فيأخذون منهم قدر حقوقهم، لا يضرهم أن يكونوا
стр. 498
علموا بموت صاحبهم ويبيع ماله لغرمائه، لأنهم يقولون: كنا على حقوقنا وعلمنا أنه لا يبطلها قيام أصحابنا، قيل له: فما الفرق بينه وبين المفلس ببيع السلطان ماله لبعض غرمائه، وبقيتهم حضور ولا يقومون – لم ير لهم الدخول على الذين أثبتوا حقوقهم.
وفي هذه المسألة في المدونة قولتان: فقال: إن المفلس له ذمة تتبع، والميت قد انقطعت ذمته؛ فلذلك رأيت لهم الدخول على أصحابهم.
هذا سحنون قد رأى لباقي الغرماء الدخول مع من بيعت له تركه الميت، ولم يضرهم عند سكوتهم، ولا قال: إنهم يحلفون. والمسألة تعطي أنه لم يكن للميت مال غير المبيع للغرماء، وكذلك النظر في مسألة رزق، إذا كان للميت دار غير الدار المبيعة ألا يحلف بناته أنهن إنما يغن علمهن أن فيما سوى الدار من ماله وفاء، وألا يسقط قيامهن إذا لم يكن له مال غير الدار؛ لأنهن يقلن بعنا لنحتسب حقوقنا في ثمن ما بعنا، وجوابهم كله خلاف لقول سحنون.
وفي سماع عيسى: إذا اقتسم ورثة الميت ماله، والغريم حاضر ينظر، ثم قام بعد يذكر الحق، فلا شيء له، إلا أن يكون له عذر في تركه القيام من سلطان يثقونه به وشبهه؛ فيكون على حقه وإن طال زمانه لقوله ﷺ : "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم (١) " ولست تشبه مسألة بنات رزق هذه؛ لأنهن الوارثات البائعات القائمات بالحق، والله الموفق للصواب.
في مال وجد في الديون على محمد بن يحيى:
فهمنا – وفقك الله – توقفك عن اعتقال ما هلك عنه محمد بن يحيى للمال الذي عليه في الديون مكتوبًا، وإنما كان لظهرو ملأ محمد بن يحيى، وإذا لم يشك أن في رقاب أمواله أضعاف ما عليه من الديون، وذكرت أنه انكشف على محمد ديون كثيرة، وأحببت أن تعرف وجه المدخل إلى اقتضاء ما عليه، فالمدخل إلى ذلك أن تأمر ابنه البائع وأمه أن يحضراك ما على محمد في الديوان مكتوبًا، وبعد أن تعرفهم به، وما تنقطع الحجة فيه ويجب غرمه من تركته.
فإن حضراك بذلك خصمته إلى الديون، وصنعت فيه ما صنع في أموال الديوان،
стр. 499
وإن لم يحضراك به ولا دفعا فه بما يكون مدفعًا أمرت أن يعتقل من رباعه ما لا يشك أنه إذا بيع قضى من ثمنه كفاف دين محمد الموجود عليه في الديوان، ويوكل القاضي وكيلاً يدخل المال الذي يعقته في المناداة، فإذا انتهى منتهاه باعه، فإن كان كفاف الدين الذي على محمد فذلك، وإلا بيع من ماله ما يتم به ما عليه من الدين، فهذا ما يجب للقاضي فعله، وقد علمنا أنه لم يكن منه تقصير فيما أفاه على محمد بن يحيى في الديوان، ولا عليه فيما نظر به في ذلك درك؛ لأنه نظر فيه نظر استقصاء واجتهاد. قاله ابن وليد، وأيوب بن سليمان، وابن لبابة ويحيى بن عبد العزيز.
إقرار ابن مزين بما كان على أخيه في الديوان: نظرك – أكرمك الله – فيما كان من إقرار ابن مزين بالعدة التي ألفيت على أخيه حسن في الديوان فأقر أنها صارت إليه، وأنها تحت يديه يغرمها إذا دعوته بها، وما شهد به عليه من ركوبه لبلغه حسن بسرجها ولجامها، حين أنضاها. فوجه الفتيا في ذلك أن يوقف جعفر على ركوب هذه البغلة التي لأخيه حسن، بأي معنى ووجه، فإن أنكر ذلك أو أقر بركوبها، ولم يذكر أنه ضمنها، وصار ثمنها عنده للمال الذي ذلك إقراره به أنه عنده، المدون عليه في ديوان القضاة، وجب عليه غرم قيمة البغلة بسرجها ولجامها وغرم المال الموجود على أخيه في الديوان بعد الإعذار إلى ورثة حسن في ذلك، إن كان فيهم من يعذر إليه، وإن لم يكن فيهم من يعذر إليه أخذ به وأرجئت الحجة لبني حسن.
وإن قال: إنما أخذت البغلة وتضمنتها وحبست ثمنها لهذا المال الموجود عليه في الديوان، ولذلك قلت إنه تحت يدي، ولم يوجد لقوله خلاف يثبت؛ حلف في مقطع الحق بالله على ما ادعاه، فإن كانت قيمة البغلة بسرجها ولجامها أكثر من ذلك؛ أخذ لورثة حسن، إن كانوا صغارًا. قاله ابن لبابه، وابن غالب، وابن وليد.
قال القاضي:
هذه المسألة كلها ظاهرة الاختلال بينة النقصان، وأول ما كان يجب من النظر فيها أن يثبت عنده موت حسن، وعدة ورثته، ومن منهم كبير وصغير، وهل على الصغير ناظر بإيصاء أم لا؟ فإن كانوا صغارًا أو منهم ولا وصي عليهم، قدم عليهم ناظرًا، ويشهد على ما في الديوان قبل مورثهم، ويعذر في ذلك وفيما أقر به عمهم من تصبير ذلك المال إليه والتزامه للبغلة وثمنها.
стр. 500
فإن كان عند المعذر إليه من ناظر أو وارث مدفع أو شيء يظهر؛ نظر فيه بما يجب، فلعل عند الورثة براء لموروثهم من ذلك المال، ويرجع إليهم طلب الذي أقر به جعفر أنه تصيير إليه، والبغلة التي ركبها بسرجها ولجامها، وإن لم يكن عنده مدفع ولا بأيديهم براءة من ذلك المال، أخذ به جعفر بالبغلة بسرجها ولجامها، ولا بصدق أنه إنما أراد بإقراره أن ذلك المال صار إليه، وتحت يديه لإعداد البغلة لذلك، بل ذلك المال لازم له في مال وذمته ولتعديه في أخذه من التركة.
والجواب بعد هذا خطأ؛ لأن قوله: صار ذلك المال إلى وتحت يدي: إقرار بين، لا إشكال فيهن فإن ادعى بعد ذلك غيره من قبضه البغلة؛ ليؤدي ثمنها في ذلك لم يصدق، والله الموفق للصواب لا شريك له.
اعتقال مال من مات وعليه في الديوان مال:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته من أنه ثبت عندك في الديوان على مروان بن الحريض مال عظيم، وأنه لما مات مروان لم تأمن تهب ورثته لماله الذي تخلفه من ناقض وطعام وغيره، وأحببت أسعدك الله أن تعرف رأينا في اعتقال ذلك لما ذكرته حتى يأتي نظرك فيه بواجب الحق، إن شاء الله تعالى.
فالذي نقول في ذلك: أن اعتقال ماله صواب ونظر وحوطة. قاله محمد بن وليد، وابن لبابة، وأيوب، وابن غالب.
ومن هذا المعنى:
فهمنا – وفقك الله – ما شاورتنا فيه من جمعك للأموال المودعة عند الأمناء الذين تودعهم إياها وتوديعك إياها عند جماعة من الناس الذي ذهبت إليه من أن ذلك أحزم فيها وأحرز لها؛ فالذي نراه أن توديعها على أمانات الرجال أحرز لها وأحزم نظرًا وتحفظًا. قاله ابن لبابة، وابن وليد.
مال وجد على ابن وملون في الديوان ولم توجد له براءة منه:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته من وجودك في الديوان على محمد بن رملون من المال المدون عليه ممن كان من القضاة قبلك، ولم تلف له براءة من شيء منه من واحد منهم.
فالذي يجب في ذلك أن يؤخذ من ماله بعد الإعذار إلى ورثته، فإن لم يأتوا ببراءة
стр. 501
من شيء منه يثبت عندك لزمت ماله ذلك؛ لأن من كان عليه في ديوان القضاة مال، لم يسقطه عنه إلا البراءة الثابتة بالبينة العدلة، وكل حبس هو بيده مما هو في ديوان القضاة، وكان صرف إليه النظر فيه؛ فواجب عليك – وفقك الله – ضمه إلى من قدمته على أحباس المسلمين. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأبوب بن سليمان، وابن وليد.
ومن هذا المعنى مسألة أبان:
فهمنا ما ذكره القاضي – أكرمه الله – أنه ألقى في الديوان مكتوبًا على محمد بن أحمد ابن أبان عدة من مال وضعها على يديه النظر ابن سلمة، إذ كان قاضيًا بقرطبة لجامع بن عمير، وثبت عندك موت جامع وعدة ورثته وإقرار ابن أبان بالمال على حسب ما ألفيته في الديون، وأعذرت إليه فلم يكن عنده مدفع إلا ما قال: إن نقود النسا تفسد على الإقامة، فلما خشيت فسادها أنفقتها وصارت مضمونة علي، وسألك أن تؤجله آجلاً ببيع من رباعه فيها ما يؤدي منه ذلك المال، وأحببت معرفة ما عندنا فيه.
فالذي نقوله: إن من ثبت عليه دين فلم يكن من أهل الناض، أنه يؤجل في بيع ريعه الشهر، وأكثر إلى الشهرين، فهذا ما عندنا. قاله ابن لبابة، وابن وليد.
مال مكتوب في الديوان طلبه ورثة ميت:
ألغيت – رحمنا الله وإياكم – في الديوان مكتوبًا عنده باسم فتح مولى سليمان، المعروف بابن بيرة، فقام عندي من ادعى أنهم ورثته، وأثبتوا عندي موته وأنهم ورثته. وفي شهادة الشهود. أن المال الذي في الديوان باسم فتح مولى ابن بيرة فتح هذا الميت، الذي شهدوا على معرفة عينة وموته وعدة ورثته ميراثًا؛ فقبلت شهادتهم.
فهمنا – وفقك الله – ما سألت عنه من ميراث فتح، وما ذكرت ثبوته عندك من موته وعدة ورثته، وأن المال الموقف في الديوان هو ماله، فالذي يجب في ذلك أن تبرأ به إلى ورثته بعد أن تثبت أعيانهم وعندك، وتكتب لهم بذلك كتابًا بما يثبت لهم، يكون على نسختين؛ نسخة في الديوان، ونسخة بأيدي الورثة. قاله بن لبنابة، وأيوب بن سليمان، وعبيد الله، وابن وليد.
من أوقف القاضي عنده مالاً لقضاء دين به إلى قاضي بعده:
فهمنا – وفقك الله – الكتاب الذي قام عندك عبد الله بن بسيل، وفيه ذلك بيع دار يوسف بن بسيل بأمر سليمان بن أسود، إذ كان قاضيًا بقرطبة، والأمر بإيقاف ثمنها على
стр. 502
يد ابراهيم بن محبب، لقضاء دين يوسف، وما ذلك عبد العزيز من أن المال صار موقوفًا إلى هذه المدة، وسألك النظر فيه.
فيجب أن يثبت الكتاب الذي قام به، وتعذر فيه إلى من وجب، وهم ورثة يوسف بعد ثبوتهم، وثبوت موت ابراهيم بن محبب، وعدة ورثته، ثم تعذر إليهم، فإن كان عندهم فيه مخرج نظرت فيه بما يظهر لك، وإن لم يأتوا بمخرج، وثبت لإبراهيم مال أخذت هذه العدة منه، ووقتها على ما يجب حتى يثبت فيها، وما تستكمل به النظر، إن شاء الله. قاله ابن لبابة، ومحمد بن غالب وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
رجل لزمته قبالة أحباس فاعتلقت داره، وثبت عدمه، وقام رجل وأثبت ابتياعه للدار:
وشاور فيها قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن يحيى بن برطال خال ابن أبي عارم، وكانت هذه الدار دار سكنى المطلوب، وذكر صاحب الأحباس أن بيع هذه الدار، التي أثبته القائم لم يكن صحيحًا، إنما كان توليجًا بدليل ظهور المحاباة في ثمنها.
فأفتى محمد بن أحمد بن عبيد الله بن العطار: يا سيدي وولي، ومن أبقاه الله وسلمه وأدام نفعه: يحلف المسجون في المسجد الجامع عند مقطع الحق فيه: أنه لا مال له ظاهرًا ولا باطنًا يعمله ولئن وجد وفاء ليقضين منه ما يلزمه، ثم تطلقه مأجورًا من سجنك، وتكلف صاحب الأحباس إثبات ما ذكره من المحاباة في البيع، فإن أثبت ذلك كان الدين أولى بالمحاباة، إن كان الدين بعد البيع؛ إذ لم تخرج الدار عن يد بائعها، وإن كان الدين قبل البيع ردت المحاباة، قبضت أو لم تقبض، ويحلف المبتاع في الوجهين جميعًا: أن ابتياعه كان صحيحًا، ولم يكن توليجًا، وأنه دفع الثمن المذكور، وبرئ من دعوى التوليج إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وقال يونس بن عبد الله بن الصفار مثله.
وقال يحيى بن واقد:
إن أثبت صاحب الأحباس المحاباة في بيع الدار، فالبيع مردود بذلك الثمن، والدين أحق بالزائد على الثمن الذي انعقد التبايع به، كان الدين قبل البيع أو بعده، إذا ثبت عندك سكنى المسجون في الدار إلى حين القيام عليه لأن هبة المديان غير جائزة، إذا أحاط الدين بماله، وان لم يفلس، وكذلك هبة الذي لم يجز عنه حتى فلس، وعلى المبتاع اليمين أن الابتياع للدار، ودفعه الثمن كان صحيحًا لا توليج فيه، فإن حلف المبتاع ولم يثبت
стр. 503
صاحب الأحباس ما ذكره، فالشهادة في عدمه تامة، وعلى المسجون الحلف في مقطع الحق: ما له مال ظاهرًا ولا باطنًا، وأنه متى أيسر قضي، فإذا حلف أمرت بإطلاقه مأجورًا إن شاء الله تعالى.
قال القاضي:
ولي القضاء محمد بن يحيى بن زكريا التميمي المعروف بابن برطان بعد موت القاضي أبي بكر محمد بن بيقي بن زرب، في شهر رمضان سنة أحدى وثمانين وثلاثمائة، وكان قبل قاضيا بحيان فنقل إلى قضاء الجماعة، ثم ظهر منه اختلال في أحكامه كبر سنة، فعزله ابن أبي عامر عن القضاء، وألحقه بالوزراء في المحرم سنة اثنين وتسعين وثلاث مائة، وتوفي في صدر دولة عبد الملك بن محمد بن أبي عامر في جمادي الآخرة سنة أربع وتسعين، وهو ابن خمس وتسعين سنة.
وتوفي أبو عبد الله بن العطار في إمارة محمد بن عبد الجبار في انبعاث الفتنة البربرية سنة تسع وتسعين، ودفن بمقبرة العباس.
وكان يونس بن عبد الله مشاورًا، وولي القضاء ببطليوس، ثم الصلاة والخطبة بالزهراء، والحكومة بالشرطة وارد، ثم تقلد قضاء الجماعة بقرطبة والخطبة لجماعتها في هذه الفتنة، وكان من عدد أصحاب القاضي ابن زرب وبرائه، قدم للفتوى وتوفي في رجب سنة تسع وعشرين وأربع مائة، وهو ابن تسعين سنة وأشهر، وكانت تحته أخت ابن العطار.
وكان يحيى بن عبد الرحمن ابن واقد اللخمي مقدمًا في أصحاب ابن زرب، وعبت عليه المنصور بن أبي عامر بعد موت ابن زرب، فأسقطه من الشورى، وألزمه داره مدة، ثم صرفه إليها وعاد إلى مرتبته، وقلد الصلاة بجامع الزهراء أيام عبد الملك بن أبي عامر، ثم دعاه وأضح مولى ابن أبي عامر قيم دولة الخليفة إلى ولاية قضاء الجماعة؛ إذ عزل أبو العباس ابن ذكوان قوليها، وكشف وجهه في دفع سليمان بن حكم وحربه أو حرب البربر معه، ثم تغلب معه البربر على قرطبة، فاختفى ابن واقد، وحد الطلب فيه إلى أن ألفى وحمل صاغرًا إلى سليمان بالقصر، وأخرج ميتًا على نعش بعد شهر، وتحاماه الناس أن يتولوا أمره حتى واراه حماد الزاهد ودفن في مقبرة الربض سنة خمس وأربع مائة، وانتقم له من سليمان في أقرب مدة بعده، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 504
في سجن المفلس وقسمة ماله بين غرمائه:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته من حبس القيم المتقبل لملاحة المرضي الحبة، أو عجزهم عن غرم ما بقي عليه من القبالة، وأنه لم يظهر له مال، ولا يعرف به فيما انكشف لك، وقد حبس أياما فيجب إطلاقه بعد إحلافه في مقطع الحق: مما له عرض ولا قرض، ولئن رزقه الله مالاً ليؤدين. قاله عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن لويد، ويحيى بن عبيد الله، وأحمد بن يحيى.
وما أرادته رقية زوجة ابن أبي الحفاظ من قسم المال الموقوف من مال ابن أبي عبدوس على غرمائه، فذلك واجب لمن أثبت حقًا من غرمائه، وحلف. قاله ابن لبابة، وأيوب، وابن وليد، ومحمد بن أيمن.
الطالب يزعم أنه في مسكن غريمه ما فيه وفاء بحقه:
قال القاضي: شاهدت الفتيا والحكم بطليطلة إذا دعا الطالب إلى تفتيش مسكن المطلوب عند ادعاءه العدم بالحق: أن يفتش مسكنه فما ألقي فيه من متاع الرجال بيع عليه وأنصف الطالب منه؛ لا يختلف فقهاؤهم في ذلك، وأنكرته على أكثرهم، فاستبصروا فيه فلم يرجعوا عنه.
وسألت ابن عتاب عنه وأنكره ولم يره.
وكذلك أنكره ابن مالك، وقال: أرأيت إن كان الذي يلقى في بتيه ودائع؟ فقلت له: ذلك محمول عندهم على أنه ملكه حتى يتبين خلافه، فقال: يلزم إذًا توقيفه والاستثناء فيه حتى يعلم هل له طالب، أو يأتي بمدفع فيه.
وأعلمت ابن القطان بذلك فقال لي: ما يبعد، ولم ينكره. وأنا أراه حسنًا فيمن ظاهره الإلداد والمطل واستسهال الكذب، والله أعلم بالصواب.
مسألة من الرهون تشتمل على معان من الرهون:
شاهدت الفقيه في شهر رمضان من سنة ثمان وأربعين وأربع مائة، وقد أتاه رسول بعض الحكام بوثيقة في إثبات ارتهان ثياب، وأنها وضعت على يد أمين قبضها، ولم يسم الأمين الموضوع عنده الرهن، فقال: العقد ناقص إذا لم يسم فيه الأمين ولا يد من تسميته.
فتكلمنا معه في ذلك وقلنا له: ما الفائدة في تسميته؟ فقال: قد يمكن أن ينكر الأمين ما ذلك عنه من قبضة الرهن، ويدعي عند الإعذار إليه فيه غير معنى الرهن من
стр. 505
وديعه أو غيرها، ثم أخبرنا أنها نزلت قبل ذلك، وكان الأمين أحد الشاهدين اللذين ثبت بهما الرهن، وأنه أفتى أن شهادة الأمين في ذلك ضعيفة. فسألناه عن العلة المضعفة لشهادته فقال: قد يمكن أن يدعي الراهن إذا حضر أنه ليس برهن، وأنه عارية استعارها الأمين منه، وربما لم يوافقه على هذه الثبات التي أحضرها أنها هي العارة وادعى غيرها؛ فيكون الأمين يريد إسقاط هذه الدعوى عن نفسه بشهادته أنه رهن ويصير خصمًا لا شاهدًا.
قال القاضي:
وفي شهادات العتبية في نوازل سحنون خلاف ما ذهب إليه من ذلك. قال سحنون: شهادة العدول الموضوع على يديه جائزة في الدين والرهن، ويحلف معه صاحب الحق على ذلك كله، ويحق له إن كان شهد بذلك قبل بيع الرهن.
ثم قال لنا ابن عتاب: أفتيت بعض الحكام منذ زمان في رهن ثياب، استشارني في بيعها إذ سأله المرتهن ذلك: أنه يأمر ببيعها وأداء حق المرتهن من ثمنها، ولا يلزم في ذلك إلى إثبات مالك الراهن لها.
وذكر أن بعض أصحاب مالك خالف في ذلك وأفتى أنه لا يأمر ببيعها إلا بعد إثبات ملك الراهن لها أن يثبت ملك الراهن لها، وردد الرد عليهم في ذلك وشنعه. فقلت له: أرأيت إن كان الرهن دارًا أيحتاج إلى ثبوت ملك الراهن لها قبل أمره ببيعها؟ فقال لي: نعم، لابد من ذلك، والأصول مخالفة لغيرها من المتاع والعروض.
[هنا تم الجزء الثالث من أحكام ابن سهل بحمد الله وحسن عونه]
***
стр. 506
باب الشفعة
سئل الفقيه أبو عبد الله بن عتاب وأنا حاضر سنة ثمان وأربعين وأربع مائة عن الشفيع يطلب الشفعة في الشقص المبيع، فيطلبه المشتري بالأجرة التي أداها عند ابتياعه إياه مع الثمن.
فأفتى: أن ذلك لازم للشفيع مع الثمن. ثم سألت أبا عمر ابن القطان عن ذلك، فقال: يلزمه غرم الأجرة فسألته عن العلة، وهل فيه رواية؟ فلم يأتي بما يعتمد عليه، غير أنه قال: بذلك وصل المشتري إلى الشراء، فيلزم الشفيع غرمه. فقلت له: أرأيت إن كان ادعى من الأجرة أكثر من المعهود بين الناس في تلك الأجرة؟ فكأنه ذهب إلى أنه لا يلزمه جميعها إن كانت كثيرة جدًا. قلت: أرأيت إن طلبه أيضًا بأجرة كاتب وثيقة الشراء، فقال: يلزمه ذلك.
وسألت ابن مالك عن ذلك، فقال نحوه، وقال: أرأيت ما عمر في الشقص المشتري، أليس يلزم الشفيع غرمه؟ قلت: ليس ذلك مثله، ألا ترى أن أجرة السماسرة في المرابحة لا تحسب، ولا يستحب عليها ريح، بخلاف الصبغ وغيره، مما هو في العرض صنعه قائمة، فثبت على قوله في الشفيع، ولم يأت عليه بحجة ولا رواية، وكان الفتوى بذلك جرت به العادة عندهم فيما أظهر لي من اتفاقهم عليهم. والله أعلم.
المشتري يكره الشقص المشتري من دار أو أرض أو حانوت لأعوام ثم يقوم الشفيع بطلبه بالشفعة:
أخبرني أبو محمد الشارقي أنها نزلت بطليطلة، وكان المشتري قد أكره الشقص لعشرة أعوام، ثم قام الشفيع فأفتى فقهاؤهم أبو بكر بن مغيث، وأبو جعفر ابن أرفع رأسه، وغيرهما: أنه ليس له فسخ الكراء، وله الأخذ بشفعته ويبقى المكتري إلى مدته أو إسلام الشفعة، إن شاء كعيب حدث بالمشتري، وذهب هو إلى ذلك.
ومن الدليل لهم: ما في كتاب الشفعة من المختلطة فيمن ابتاع أرضًا فزرعها، ثم استحق رجل بعضها وأخذ بالشفعة باقيها. قيل لابن القاسم: أللمستحق كراء يها؟ قال: أما حقه الذي استحقه فله كراؤه إن جاء، والبذر ثم يخرج إبانه، وأما الذي يأخذ بالشفعة، فلا كراء له فيه؛ لأنه لم تجب له الأرض إلا بعد ما أخذها، وقد زرعها صاحبها قبل ذلك، والحظ الذي استحقه قد كان وجب له قبل الزرع، فله فيه الكراء على ما
стр. 507
وصفت لك ما لم تفت الزراعة.
قال لي أبو محمد: وكتبناها إلى قرطبة.
فأفتى ابن عتاب وابن القطان وابن مالك:
له الأخذ بالشفعة وأن يفسخ الكراء، وأصلها في ذلك - والله أعلم - ما في كتاب الاستحقاق فيمن اكترى دارًا لسنة، ثم استحقها رجل بعد مضي نصف السنة.
قال ابن القاسم: فللمكري كراء الأشهر الماضية، وللمستحق إخراج المكتري ونقض الكراء، وله إمضاء الكراء إن شاء، وإذا أمضاه لم يكن للمكتري أن يأباه.
ثم نزلت في صفر سنة ست وخمسين لعبد الله بن أحمد بن حاتم عند القاضي أبي زيد بن الحشا، فكتبت بها إلى قرطبة في صفر المذكور، وقلت في السؤال: وكيف إن أكره المشتري الشقص لعام أو أعوام بيسيرة أو كثيرة، هل للشفيع نقص الكراء.
فأجاب ابن القطان وابن مالك له: إن أخذ بالشفعة نقض الكراء إن شاء الله.
وجاوب أبو عبد الله بن عتاب: إن أكرى المبتاع الشقص، وهو يعلم أن له فيها شفيعًا لم ينفذ الكراء إلا في المدة اليسيرة كالأشهر، وأما في الوجيبة الطويلة فلا ينفذ الكراء، إلا أن يكون مكتري الأرض قد زرعها، فلابد من بقائه فيها حتى يحص، وإن كان المكتري لم يعلم بالشفيع وإنما استحق مستحق شقصًا من دار أو أرض فأخذ بالشفعة؛ فلا يفسخ الكراء في الوجيبة الطويلة، وأما ما يتعارف الناس من الكراء؟ كالسنة ونحوها، فذلك نافذا؛ لأنه فعل ما كان له جائزًا.
وهذه جملة ما سألت عنه، فيها كفاية إن شاء الله، وهي مفتقرة إلى زيادة بيان وشرح في الوجهين، ولا حاجة بنا وبك إلى التكلم في ذلك، والله أسأله التوفيق.
قال القاضي:
في جوابه هذا يرجع عما حكاه الشارقي لي عنه، وكأنه ذهب في قوله: إن إكراه المشتري عالمًا بالشفيع إلى ما في مسائل ابن زرب فيمن بني حصة ابتاعها وله شفيع، ثم قيم عليه بالشفعة فإنه يعطي قيمة بنيانه منقوصًا؛ لأنه بني في ماله ومال غيره، يريد فصار كالمتعدي في بنيانه فيما علم أنه لغيره.
وتفريقه بين المدة اليسيرة والكثيرة ينظر إلى ما في كتاب الجعل من المدونة فيمن أكرى أرض يتيمة لمدة فبلغ اليتيم قبلها، قال: إن أكراها لأربع سنين أو ثلاث، وهو لا
стр. 508
يظن أنه يحتلم في مثلها، وهو ظن الناس فعجل به الاحتلام وأنس منه الرشد؛ فليس له رد صنيع وصيه؛ لأنه صنعه في حال يجوز له ذلك فيها، ولم يتعمد ما لا يجوز له. وقال غيره: لا يلزم ذلك اليتيم إلا فيما قل.
قال ابن القاسم: وإن أكراها عليه وهو يعلم أنه يحتلم قبل، لم يجز ذلك عليه، والولد في ذلك الوصي، وأما أن أجره الوصي لثلاث سنين، وهو لا يظنه يحتلم إليها، فاحتلم بعد سنة أو سنتين، فله نقص الإجارة، إلا أن يكون الشيء الخفيف الأيام والشهور وشبهه. فهذه أصل لما ذهب إليه ابن عتاب في مسألة الشفعة. والله أعلم.
الشفعة في المال الموظف:
سئل القاضي أبو بكر بن زرب عن مذهبه في ذلك فقال: الشفعة كالبيع، ولا يجوز لاشفعة فيه على مذهب ابن القاسم، وهو الذي أخذ به، ومنن ذهب إلى أن فيه الشفعة، فإنما هو على مذهب أشهب في إجازته للبيع فيه، والشفعة مثل ذلك. قيل له: فما كان يأخذ به اللؤلؤي في هذا، فقال: ما أذكر ما كان يأخذ به فيه، وقد تقدم في البيوع هذا المعنى أتم أن شاء الله.
الأخذ بالشفعة لبيت المال:
قال القاضي أبو بكر بن زرب:
نزلت عندنا هذه المسألة: الحصة تقع لبيت مال المسلمين في ملك فأراد صاحب المواريث أن يأخذ بالشفعة.
فأفتى بعض الفقهاء عندنا - وأظنه الحجازي -: أن له ذلك، وهذا خطأ من الفتيا؛ لا يجب له أن يأخذ بالشفعة؛ لأنه ليس يتجر للمسلمين، إنما يجمع لهم ما وجب لهم من شيء ويأخذه.
ومن هذا ما وقع في آخر شفعة المختلطة في بعض الروايات. قال مالك: من حبس حصته من دار على رجل وولده لا يباع ولا يوهب، فباع شريكه نصيبه الذي لم يحبس فأراد المحبس أخذه بالشفعة، فليس له ذلك؛ لأنه ليس له أصل بأخذها به، إلا إن أراد أخذه ليلحقه بالأول في تحبيسه؛ فله ذلك، وإن أراد المحبس عليهم أخذهن فليس لهم ذلك؛ لأنهم لا أصل لهم.
ومثله في سماع ابن القاسم. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، أن
стр. 509
أراد المحبس عليهم إلحاقهم بالحبس، فلهم أخذه بالشفعة، لأن الحبس هو اشريك قالوا: وكذلك أن أراد المحبس أخذه وإلحاقه بالحبس. قالوا: وإن كان مرجع الحبس إلى المحبس، فله أيضًا الأخذ بالشفعة، وقد تقدم تصير حصة عن عدة لا يقف عليها متحللا منها أنها لا شفعة فيها من سماع عيسى، وكذلك في مسائل أبو زرب.
الشفيع يأخذ بالشفعة لغيره:
في سماع أشهب فيمن وجبت له شفعة وهو مفلس، فقال له رجل: خذ بالشفعة وأنا أربحك فيها كذا وكذا، فيفعل ذلك، ثم يعثر عليه ويقر به.
فقال مالك: أصل هذا البيع لا يصلح، ولكن من أين يعلم هذا وإقراره إن أقر به ليس بشيء، ولكن لو ثبتت بينة وأمر ثابت رد إلى المشتري؛ لأنه إنما أخذ بالشفعة لغيره، وفي الموازية مثله.
وفي مسائل ابن زرب: إن أراد بعد الفسخ الأخذ بالشفعة نفسه، وقال: إن كنتم فسختم أخذي لغيري فأنا الآن أخذ لنفسي، فقال القاضي: لا يجوز له ذلك لأنه لما أخذها لغيره فكأنه قد أسقطها لنفسه.
وفي المدونة: إن اسقط الشفعة للمشتري قبل الشراء، وأشهد له بذلك لم يلزمه ذلك. قاله مالك. وله الأخذ بها، وإن كان أعطاه مالاً على تسليمها قبل الشراء رده ولم يحل له، وكان على شفعته.
وفي المجموعة لابن وهب عن مالك: إن قال كل واحد من الشريكين للآخر: بع ولا شفعة لي لم يلزمها.
وفي كتاب ابن المواز (ب ١٣٧) إن أسمها في أيام الخيار في شقص بيع بالخيار بعوض أو غيره لم يلزمه، وهو على شفعته ويرد العوض، وإن رضيا بإمضاء ذلك العوض بعد تمام البيع لم يجز حتى يفسخاه ثم يستأنفها ما أحيا.
المشتري يدعي أنه عرض الشفعة على من تجب له:
في أحكام ابن زياد: تحلف عزيزة وعائشة وأم القاسم بنات محمد بن آمنة: بالله الذي لا إله إلا هو ما علمنا ابتياع أبان بن عبد الله حظ أختنا آمنة إلى وقت قيامنا هذا عند القاضي، ولا عرض علينا ما ابتاعه كما ذلك، فإذا حلف وجب لهن استشفاع ما ابتاعه خن حصة أختهن على ما يجب أن أحببن ذلك. قاله ابن لبابة.
стр. 510
المبتاع يدعي إلى إثبات ابتياعه ليأخذ الشفيع شفعته: فهمنا - وفقك الله - ما سأله زوج بريهة من إثبات عبد الملك ما أقر بابتياعه من مروان أخيها لجميع أملاك مروان بقرية فشان، ليجد السبيل إلى الاستشفاع لزوجته بربهة عند معرفة الثمن أو المقاسمة.
فالذي يجب في ذلك أن الذي دعي إليه من حقه وإن لم يحضر عبد الملك بكتاب الابتياع، وكانت له بينة على الظاهر، نظرت في ذلك بما يجب إن شاء الله. قاله محمد ابن عمر بن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن الوليد.
أشرتم علينا - رحمنا الله وإياكم - بما في هذا الكتاب فأجلنا عبد الملك في جلب البينة على مروان لما ذلك من ابتياعه له، فلم يأته على شيء من ذك ببينة، إلا شهادة قد وقعت عندنا، وقد بعثت اليكم بنسختها، فإن كنت ترى تعجيز عبد الملك فاكتب في أسفل هذه المشورة برأيك من التعجيز أو الأناة، إن شاء الله.
قال ابن لبابة: فهمنا - وفقك اله - ما أردت معرفته من تعجيز عبد الملك فيما ادعاه من الاشتراء من مروان شريك أخته بربهة، بعد أن ضربت له آجلا انقطعت فيها معاذيره، فلم يأت بشيء، فالذي نرى في ذلك تعجيزه والإشهاد عليه؛ لئلا يكون طول ما يأتي من الأمد قطعًا لشفعة بربهة إن ظهر ابتياعه يومًا. وقال بذلك عبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
دعوى ابتياع وإنكاره وطلب الشفعة واليمين في ذلك:
فهمنا - وفقك الله - ما تنازع فيه بنو حفص بن بسيل في الغرصة التي بينهم في المدينة عند السكة، وما دعت إليه أميرة من القسم بينهم، بعد أن ثبت عند موت حفص ووراثته وملكه الغرصة، وأنا أورثها ورثتها، وما ادعت أميرة من اشتراء أمينة لحصة أخيها، وطلبها إياها بالشفعة، وإنكار عبد الحميد وأمينة للتبايع في ذلك.
قال بن لبابة: على عبد الحميد اليمين: أنا ما باع حصته من أخته امينة، فإذا حلف وجب القسم وسقطت دعوى الشفعة، وإن نكل لم تجب الشفعة حتى تحلف أمينة أنها لم تشتر، فإذا حلفت سقطت أيضًا الشفعة بينهما، وإن نكلت مع نكول عبد الحميد؛ حلفت أميرة أنهما تبايعا بثمن كذا، فإذا حلفت وجبت الشفعة لها، وإن نكلت سقطت الشفعة.
وقال أيوب: لا يمين على عبد الحميد ولا على أمينة؛ لأن المدعي للبيع قال لعبد الحميد: إنك بعت من أمينة، وقال عبد الحميد: لم أبع، ولكن وهبت لله، وقالت أمينة: لم
стр. 511
أبتع ولم أتهب؛ فلا يمين على واحد منهما حتى يأتي بسبب بيع أو هبة فتجب اليمني؛ ولأن المدعي عليهما التبايع قد تنافيا وتناكرا وأدعى عليهما؛ فهذا أبعد في إيجاب اليمني. وقال محمد بن وليد، ومحمد بن عمر بن لبابة، وأحمد بن بيحيى، وعبيد الله بن يحيى.
قال القاضي: كذا وقع في الأصل بتكرار اسم ابن لبابة، فإن كان صحيحًا فهو رجوع عن جوابه الأول، وكذلك جوابه الأول خطأن والصواب ما قاله أبو صالح؛ لأن المستشفع منه إذا أنكر الابتياع والهبة، وانتفى من ملكه الشقص المستشفع فيه؛ سقط مطلب الشفيع.
مسألة أخرى في هذا المعنى:
الذي يلزم عبد الله وكيل ابن مالك وزوجة ابنة حفص: أن يأتي بشاهد ثان على توكيلها إياه، ويضرب له القاضي في ذلك أجل يومين؛ إذ ذلك أن غفلته لدار، وتخاصم ورثة ابن يسيل فيها قد طال منذ ثلاثة أشهر، فإن جاء بشاهد ثان، ضربت له أجلاً في إثبات الابتياع الذي طلب به الشفعة، فإن أثبت ذلك وجبت له الشفعة بعد الإعذار إلى البائع منهم، وإن لم يثبت البيع لزمه قسمة الدار على عدة ورثة حفص، بعد أن يحلف البائع والمشتري: لما تبايعا، ولهما رد اليمين على زوجة ابن مالك. قاله ابن بابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
ظاهر هذه المسألة: إن جوابها فيها خلاف جوابهم في التي قبلها، إلا إن كان عندهم فيها معنى لم يظهر في حكايتها، أوجب هذا الجواب فيها. والله أعلم.
الشفعة للصغير وذكر القسمة:
القسم - وفقك الله - الذي طلبه ابن مرين واجب لاحتمال الدار القسم، وثبوت ذلك عندك، واعتراض المرأة أنها تريد الشفعة لولدها معنى يجب به التوقف عن القسم قليلاً، وضرب الآجال لها في ذلك، بعد أن يثبت أن الآخذ لولدها بالشفعة نظر، وأن له مالا يستشفع له به، فإن جاءت بذلك نظر القاضي قبله، وإن لم يأت بشيء قسم على الصغير، وأبيرز نصيبه أن شاء الله.
قال محمد بن غالب، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، ومحمد بن وليد، وأبو صالح، وأحمد بن أبي عيسى.
وفي المدونة: إن أسلم الأب أو الوصي أو القاضي شفعة الصغير جاز ذلك عليه، ٥٣٤]
***
стр. 512
وفي موضع آخر في الكتاب: إن وجبت له شفعة فلم يأخذ له أبوه بها، ولا أسلمها حتى بلغ الصغير، وقد مضى لذلك زمان؛ فلا شفعة له؛ لأن أباه بمنزلته لو كان بالغًا فتركها عشر سنين، يريد أو المدة التي تنقطع إليها شفعة الحاضر: السنة والأربعة الأشهر فأزيد، فكان قطعًا للشفعة. زاد ابن أبي زيد في مختصره: قال سحنون: وقيل غير هذا، وهذا أحسن. يريد أن سكوت الأب. واختلف قول أشهب في سكوت الوصي، ذكره ابن أبي زمنين في المغرب. وفي المدة التي تنقطع إليها شفعة الحاضر تنازع في كتاب ابن حبيب وغيره.
واعلم أن الشفعة إنما تكون بين الشركاء في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر. قاله مالك في المدونة. قال: وكذل الثمرة. قال: ولا شفعة في دين ولا حيوان ولا سفن، ولا في بز، ولا في سارية أو حجر، ولا في شهب في كتاب الجدار خافة. ولعطاء في كتاب المدونة: الذي عليه الدين أولى به بالثمن، وقد روي فيه أثر في كتاب الجدار، وقال به علي وعثمان وجماعة، وبه أخذ عيسى في كراء المدونة، لا شفعة في الكراء عن مالك.
وفي سماع ابن القاسم عنه خلافه، وقال ابن القاسم وسحنون بالأول، وذكر ابن حبيب عنه القولين، وأخذ ابن الماجشون وابن عبد الحكم بأن لا شفعة في ذلك، وقال مطرف وابن القاسم وأصبغ: فيه الشفعة، وأخذ ابن حبيب به. وقاله أشهب في كتابه، قال: وكذلك إن ساقى نصيبه، فلشريكه الشفعة، وإن ساقى نصف حائطه فساقاه المساقي، فلرب الحائط الشفعة.
ولابن وهب وأشهب في سماع ابن الحسن. في الأنذر الشفعة.
وقال سحنون في نوازله آخر القسمة: لا شفعة فيه، وهو كالبناء.
وفي المدونة: قال مالك: في الحمام الشفعة. قال ابن القاسم: لا شفعة فيه. وقال إسماعيل: روي ابن القاسم وابن أبي أويس أن فيه الشفعة.
وروي ابن المعد عن ابن الماجشون: قال ابن الماجشون: قال ابن حارث: أخبرني من أثق به أنه جرى العمل فيه عند الشيوخ بقرطبة بإيجاب الشفعة فيه.
وفي النوادر: قال ابن المواز: لم يختلف مالك وأصحابه أن فيه الشفعة. وقال ابن الماجشون في غير كتاب ابن المواز: ابن مالك من الشفعة فيه؛ لأنه لا ينقسم إلا بتحويله.
стр. 513
عن أن يكون حمامًا.
وقال أشهب: فيه الشفعة وحكي ابن العطار أن محمد ابن إسحاق بن السليم قاضي الجماعة ابتاع، وهو يؤمئذ فقيه، نصيبًا في حمام من أحمد بن سعيد المنتجيلي.
فقام الشفيع عند منذر بن سعيد قاضي الجماعة، فاشور الفقهاء فأفتوه بقول ابن القاسم: لا شفعة فيه، فرفع الشفيع أمره إلى أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد، وقال: حكم على غير قول مالك، فوقع أمير المؤمنين بخط يده إلى القاضي: أن يقضي له بقول مالك، فجمع القاضي الفقهاء وسألهم عن قول مالك، فأعلموه أنه يرى فيه الشفعة فحكم له القاضي بها.
فقام أبو عبد الله العطار في وثائقه: هو قول مالك أن الشفعة فيما لا ينقسم إلا بضرر، وقول ابن القاسم: لا شفعة فيه. وكذلك روي يحيى عنه، وعليه يدل الحديث قوله عليه الاصلة والسلام: "الشفعة بين الشركاء ما لم تقع الحدود، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فيه (١) " فدل أنه ما لا ينقسم ولا تقع فيه حدود فلا شفعة فيه.
ورواية يحيى في كتاب السداد في مناصب الأرجاء على الأنهار إن كانت تنقسم قسمت، وإن كانت لا تنقسم وباع أحدهما فلا شفعة فيها.
وفي المدونة في بيت الرحي وأرضها التي يجري فيها ماؤها الشفعة، إذا بيع، ولا شفعة في الرحي؛ لأنها كحجز ملقي.
وفي كتاب الجدار لابن وهب عن مالك: في جميع ذلك الشفعة: قال عيسى به وأخذ، وقاله أشهب وسحنون، ورواية عيسى تؤيده في مسألة الحائط ورقيقه.
стр. 514
باب ما ينقسم وما لا ينقسم والاختلاف فيه
مذهب مالك وأصحابه أن يقسم بين الشركاء جميع ما ينقسم من ريع أو عقار أو عروض بلا ضرر، وإن أبي من ذلك بعضهم أجير عليه، وإن لم يدع إلى القسم إلا واحد منهم، وما كان لا ينقسم إلا بضرر بيع واقتسموا ثمنه، ومن أراد منهم أخذه بما بلغه من الثمن فذلك له، فإن تشاجرا فيه تزايدوا حتى يقف على أحد الزائدين فيأخذه ويؤدي إليهم ثمن أنصبائهم.
وقال مالك في المختلطقة: لا يقسم الطريق. وقال ابن القاسم في الجدار: إن لم يكن في قسمة ضرر وكان ينقسم قسم، ومثله عنه في المجموعة. وقال أشهب: لا يقسم إلا باجتماعها.
وقال مالك: يقسم الحمام إن دعا إلى ذلك أحدهما. قال ابن القاسم: وأنا أرى أن كان في قسمة ضرر ألا يقسم. وروي أشهب عن مالك في الحمام كرواية ابن القاسم أنه يقسم وفيه الشفعة. وقال أشهب: يقسم على كل حال وإن كان فيه ضرر.
وروي ابن الماجشون عن مالك أنه لا يقسم؛ لأنه يصير غير حمام، وقال عنه: أنه لا شفعة فيه. قاله: وأنا أرى فيه الشفعة. وقاله هو وأشهب في كتاب ابن المواز، وبعد هذا منه.
وقال مال في الثوب والعبد بين النقر: لا يقسم، ومن دعي إلى البيع أجبر عليه من أباه.
قال ابن القاسم: وكذلك الشجرة، وإن كانت في أرض قليلة بني أشراك كثيرة لا يصير في حظ أحدهم منها إذا قسمت، إلا ما لا ينتفع به.
قال مالك: يقسم بينهم إذا دعا إلى ذلك أحدهم، وكذلك الدكان في السوق ويدعو إلى قسمته أحد الشريكين. قال مالك: وكذلك البيت الصغير يصير في نصيب أحدهما ما لا ينتفع به فيقسم: لقوله تعالى: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (النساء: من الآية ٧) ولقليل النصيب من البيت الارتفاق بنصيبه من الساحة، وإن لم يسكن في البيت.
قيل لابن القاسم: هل تقسم المواجل؟ قال: نعم في قول مالك، وأما أنا فلا أراه؛ لأن فيه ضررًا إلا أن صار لكل واحد منهما ما جل على حدته فلا بأس به، وأما قسمة
стр. 515
أصل العيون وأصل البئر فلم أسمع أحدًا قال: يقسم، وإنما يقسم على الشرب.
قال سحنون في غير المدونة: إن كانت آبارًا كثيرة قسمت. وقال في نوازله في آخر قسمة العتبية في القوم يرثون الأنذر فيريد بعضهم قسمته: لا أرى ذلك إلا برضاهم أجمعين كالفناء، وإن أرادوا كلهم الدرس أقرع بينهم، وإن باع أحدهم فلا شفعة لباقيهم.
وفي وثائق ابن الهندي في الجزء السابع عشر في الرحى إن كانت له براري: قسمت، وإلا فلا، وينفقون في حجر الرحى.
وفي كتاب السداد في سماع يحيى عن ابن القاسم في مناصب الأرحى على الأنهار إذا انقسمت فصار لكل سهم منتفع وموضع معتمل قسمت.
قال ابن حبيب: إن صار لكل واحد حجر في غير درك يبقى له أو عليه قسمت بالقرعة.
قال ابن القاسم: أنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والأرضين والحمامات وغيرها مما في قسمته ضرر، ولا يكون فيما يقسم منه منتفع، يباع ويقتسمون ثمنه على فراض الله؛ لقول الرسول ﷺ "لا ضرر ولا ضرار"
قال عيسى بن دينار في كتاب الجدار: أنا آخذ بقول ابن القاسم إذا كان لا يصير في نصيب كل واحد منهم ما ينتفع به، فإن كان في نصيب أحدهم ما ينتفع به لكثرته، وفي نصيب آخر ما لا ينتفع به لقلته؛ قسم بينهم؛ لأن للذي دعا إلى القسمة منفعة في نصيبه، فلا يباع عليه ما له فيه منفعة.
وفي الواضحة: قال ابن حبيب: كان مالك يقول في الأرض أو الدار يرثها الورثة فتضيق عليهم؛ لضيقها وكثرتهم: أنها تقسم بينم، قلت أو كثرت، حملت القسم أو لم تحمل، وإن لم يكن إلا قدر مزود؛ لقوله تعالى: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا] (النساء: من الآية ٧).
قال ابن حبيب: وبه كان أبو حنيفة يقول، وهو قول لا أعلم أحدًا قال به من أصحاب مالك إلا ابن كنانة، وأبى غيره في جميع أصحاب مالك المدنيين والمصريين أن يقولوا به، منهم ابن أبي حازم، والمغيرة، وابن دينار، مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وابن وهب، وابن القاسم، وابن عبد الحكم، وأشهب، وأصبغ، وقالوا: إنما معنى قول الله تعالى عندنا: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (النساء: من الآية ٧) أن لخم حقهم منه،
стр. 516
ثم قسمته على السنة. وقد قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار (١) " فمن أعظم الضرر أن يقسم بينهم ما لا ينتفع به، ولكن يباع ويقتسمون ثمنه.
قال ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: ولو لم يضق في القسم إلا عن واحد منهم، وإن كان أصغرهم سهمًا فلا يقسم؛ لأنه ضرر، وإن كان في نصيبه اليسير منتفع في بعض وجوه الانتفاع، وإن قل مما لا ضرر فيه، قسم. قال ابن حبيب: وهو قول جماعة أهل العلم، وبه جرى عمل حكام المسلمين بكل بلد: اجتناب قسمة الضرر.
قال: ومن قسمة الضرار قسمة ما لا يحمل القسم، وما قسمه يحيل له عن حاله ومفسد على أهله: كالحمام، والفرن، والرحي، والبئر، والعين الساقية، والدكان، والجدار، والطريق، والشجرة الواحدة، والثوب الواحد، والمصراعين، والخفين، والخرج، والغرارتين، وشبههما مما ينقص القسم ثمنه، فلا يحكم السلطان بقسمة شيء من ذلك.
في أحكام ابن زياد:
كشف القاضي ابن مرهف من قسمة دار أبيهم وليد بن مرهف، وما ذهب إليه بعضهم من البيع، إذ ذلك أن سهمه يضيق عن القسم، وفي قسمته ضرر عليه.
وقال غيرهم: إن الدار تحتمل القسم وتكون لأقلهم سهمًا منفعة في سمه وسكنى، وما ذهب إليه من إرسال القاضي إلى الدار من يثق به فأخذ مساحتها وصفة بيوتها حتى ينظر في ذلك ويمتحنه، إن شاء الله، وما كان من إرسال القاضي وأخذاه الوصف وأمره بقراءة الوصف علينا، فوجدنا فيها بيوتًا وعلالي في دارين داخلة وخارجة، نحوًا من سبعين جائزة، أو أكثر منها، وفي السقالي أكثر من أربعين جائزة فاختلفنا عند المناظرة في قسمتها، وأجتمعنا في الفتيا على قسمتها، ثم انتهى إلينا أن بعض أصحابنا طعن في ذلك ورجع عنه، إلى أن القسمة ضرر والبيع أنفى للضرر، وهذا مقال – أبقى الله القاضي – لم نسمعه عن مدني ولا مصري ولا أندلسي، وهذه كتبهم تنطق بما يدل على أن البيع ظلم على من كرهه، والقسمة هي السنة فيها بإجماع.
стр. 517
وقد كتبنا – أكرم الله القاضي – ما قاله أعلام أهل المدينة وأهل مصر، وما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه، وفي قول جميعهم ما يدل على ما قلنا من جواز القسمة ونفي البيع، فالذي روي في كتب أسد هي من كلام مالك وابن القاسم كالموطأ.
وحدثني العتبي عن سحنون قال: قلت لابن القاسم: ما قول مالك في البيت الصغير؟ وساق ابن لبابة المسألة وقول مالك في الأرض على ما في مختلطة المدونة، واختصرته لأني قد كتبته.
ثم قال: عن سحنون عن ابن القاسم: وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والأرضين والحمامات وغيرها مما في قسمة ضرره، ولا يكون فيما يقسم منه منتفع؛ أنه يباع ويقسم ثمنه على الفرائض؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار (١) " فهذا ضرار.
قال ابن وهب: وسمعت مالكًا يقول في رجال ورثوا من أبيهم منزلاً، ولأبيهم امرأة، فأرادت المرأة أن تبيع ذلك المنزل لتعطي ثمنها من ثمنه – قال: ليس لها ذلك، ولكن لها حظها من ذلك المنزل، يقسم لها فتصنع به ما شاءت، وليس يجبر أحد على بيع ما ورث من بيت، صلح فيه القسم أو لم يصلح، ولكنه يقسم لكل واحد نصيبه من ذلك المنزل أو يتراضون بينهم على ما يريدون.
قال سحنون: قلت للأشهب: أرأيت الحمام يقسم إذا دعا أحد الشريكين إلى القسمة؟ قال: نعم، ذلك عليه أن يقاسمه، وقد قال مالك في الحمام وغيره مما هو أعظم ضررًا من الحماك: البيت يقسم بين العشرة حتى يصير لأحدهم ما لا ينتفع به كثيرًا. وقد قال الله ﵎: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (النساء: من الآية ٧) وأخبرني مالك أنه عمل بذلك أهل المدينة حتى صار لبعضهم ما لا ينتفع به في قسمة.
وروي مطرف بن عبد الله أن مالكا كان يقول في الأرض يرثها الورثة فتضيق عليهم لقلتها وكثرتهم: إنها تقسم بينهم، قلت أو كثرت، حملت القسم أو لم تحمل، وإن لم يكن إلا قدر مزود، ويقول: قال الله ﵎: ﴿مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (النساء: من الآية ٧).
стр. 518
قال مطرف: وكان كثير من أصحابه لا يون ذلك: منهم ابن أبي حازم، والمغيرة، وابن دينار، وغيرهم، وقالوا: إنما معنى قول الله - عندنا: ﴿مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (النساء: من الآية ٧) أن لهم حقهم من ذلك، ثم قسمت على السنة، وقد قال رسول الله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار (١)) فمن الضرر أن يقسم بينهم ما لا ينتفع به، ولكن يباع ويقتسمون ثمنه.
قال مطرف: وبهذا كان قضاة المدينة يقضون إلا رجلا واحدًا وهو هشام بن عبد الله المخزومي؛ فإنه كان يقضي فيه بقول مالك. قال مطرف: فالذي أخذ به إذا كان بعضهم ينتفع به لسعة سهمه، ويضيق عن بعض لقلة سهمه، فأرى أن يقسم بينهم كما قال مالك، وإن كان لا ينتفع به واحد منهم لقلة نصيبهم جميعا؛ فبيعه واقتسام ثمنه أعجب إلي.
وذهب ابن الماجشون إلى مذهب ابن القاسم فقال: إن كان أصغرهم سهمًا يكون له فيه انتفاع في وجه من وجوه المنافع وإن قل ذلك مما لا ضرر فيه؛ فالقسم فيه قائم.
وذهب أصبغ بن الفرج في اختياره - بعد أن حكى قول مالك وابن كنانة أنهما كانا يريان قسمته، وإن لم يكن فيه منتفع - إلى قول ابن القاسم، فقال عن ابن القاسم: إذا لم يضر في نصيب كل واحد منهم ما ينتفع به، فالذي دعا إلى القسمة وكره البيع مضر بأصحابه إذا دعا إلى ما لا منفعة فيه، واحتج بقول رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" وبحديث رواه عن ابن وهب عن صدين بن موسى مرسلا لا يثبت عند أهل العلم مثله أن رسول الله ﷺ قال: "لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسمة (٢) " والتعضية: التفرقة؛ فلا يقسم ما لا يحتمل، كان ذلك الضرر على الجميع أو على بعضهم. وخالفه في هذا المعنى عيسى بن دينار في كتاب الجدار، فقال بقول مطرف بن عبد الله حرفًا بحرف.
فهذا - حفظ الله القاضي - ما اختلفوا فيه؛ فليمحه ويكشف معانيه، فإنه يدله على أن قول ابن القاسم وأصبغ ومن أخذ مذهبهما يجيزون قسمة دار ابن مرهف؛ لأن في قولهم: ولا يكون فيما يقسم منه منتفع، فأي منتفع أنفع وأوسع من سهام نم ينقسم
стр. 519
عليهم دار ابن مرهف إذ بيوت دارية لأكثر من سبعين جائزة أو ما قارب ثمانين، فتصير لأقل السهام من البيوت أكثر من سبع جوائز، ومن المغرب نحو الست جوائز، فلو لم يصر لأقلهم سهمًا إلا ما يصير له من البيوت، لكان فيه منتفع؛ لأن بيتًا فيه أربع جوائز فيه منفعة، فكيف بسبع جوائز؟
وقد قال ابن القاسم: إذا كانت علالي وسفالي، قسمت العلالي والسفالي، فإذا صار لبعضهم في العلالي سهم، كان له أن ينزل على صاحب السفالي، ودار ابن مرهف ترتفع عن هذا إلى أن يصير له من العلو منتفع، ومن السفلى منتفع، فمن صار له في علو ومن سفل أكثر من أحدى عشرة جائزة واثنتي عشرة جائزة، لم يجز أن يقال له: لا منفعة فيه.
فإن قال: تضيق الساحة، فقد قال ابن القاسم: إذا ضاقت الساحة فلم يضر لأقلهم سهمًا ما يكون له مدخل ومخجر ومربط دابة، تركت الساحة وقسمت البيوت، وإنما يدل هذا على أنه لم ير الضرر في انكسار الثمن، إنما رآه في النفع، فإذا كان له مدخل ومخرج ومربط دابة، قسمت الساحة مع البنيان، وهذا لا شك أنه إذا قسمت الساحة على المداخل فقط أنه يكسر من ثمنها، وإن لم يكن فيه منفعة لهذا لم يقسم، وكذلك البيوت إذا كانت فيها منفعة لأقلهم سهمًا قسمت، فلا منفعة أظهر ولا أنفع من نصيب يصير فيه من سفل وعلو أكثر من إحدى عشرة جائزة، والكثير النصيب أكثر من اثنتين وعشرين جائزة.
وهذا في المعقول – إن نظر القاضي – وفقه الله – إلى وصف دار ابن مرهف وكثرة بيوتها – أوضح من أن يشككه قول مقت أو يقوفه بخلاف، أو يسمع مفتيًا أن يضم من يريد القسم ويكره البيع الخروج عن أصله، وسكنى أبيه إلى البيع عليه؛ لخروجه من قول المفتين بإجماع، إذا تصفح القاضي فتياهم وتدبر مذاهبهم وما دارت عليه ألفاظهم، وأن المنفعة على مذهبهم السكنى وإن قل، لقول ابن القاسم في قسمة الساحة ما قال، فذهب إلى المخرج والمدخل ومربط الدار. وأسأل الله للقاضي التوفيق للإصابة. قال بجميع ذلك وكتبه محمد بن عمر بن لبابة.
قال القاضي:
إلى هذا المعنى كان يميل شيخنا أبو عبد الله بن عتاب ﵀ أن يقسم الدار والأرض بين الشركاء إذا صار لكل واحد ما ينتفع به، وإن كان في ذلك ضرر في قيمة
стр. 520
المقسوم. وبالقسمة أفتى في دار ابن أشرس بين ابنيه الوارثين لها، والتي بالربض الشرقي من مدينة قرطبة على نهرها بحومة مسجد ضوء ويغرب حمام أبدون، وهي دار كبيرة ذات مجاس وساحة وغرف. وأفتى غيره إذا قال: القسام لا نتهيأ قسمتها إلا بقسم وأن تباع.
واحتج ابن عتاب حينئذ لقوله بمسألة أخرجها إلينا معلقة بخط أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التجيي الطليلطي، على ظهر كتاب القسمة في الأسدية، وهي: قال أبو إبراهيم: قلت لمحمد بن عمر بن لبابة: قد علمت قول مالك في قسمة الدار وغيرها أن يقسم قليلها وكثيرها، وإن صار لكل وارث من ذلك لا ينتفع به إلا إذا دعيا إلى القسمة أحدهم، وقول ابن القاسم أنه لا يقسم من ذلك إلا ما لا ضرر فيه، فما الذي تختاره من هذا؟
فقال: قول ابن القاسم هو الذي أختاره، قال: فقلت له: إن ابن القاسم لم يجد فيه حدًا، فقال لي: إن كان ابن القاسم لم يحد فيه حدًا يه غيره: كان محمد بن أحمد العتبي يقول: يقسم ذلك، وإن كان يصير لكل واحدة مقدار جيلة، لأن فيها ما يأكل فيه ويقوم ويقعد ويمتد، فقلت له: وما الجيلة؟ فقال: ما بين جائزتين، قال: فقلت له: قد يكون ذلك مختلفًا بعضه أوسع ن بعض؛ فقال: الأمر متقارب، واختلافه فقيل، وأنا أرى أن يقسم ما يصير منه للواحد مقدار جبلتين. واستحسن ذلك.
قال أبو إبراهيم: ورأيته يفتي بذلك ويراه صوابًا.
قال القاضي:
قرأت هذه المسألة على من حضر من أصحابنا عند الشيخ أبي عبد الله، ورأيت في كتاب القسمة التي كانت هذه المسألة على ظهره من قول مالك: أنه يجوز للرجلين أن يقتسما طعامًا لهما على رجل من سلم قد حل أجله أو لم يحل، وأنه يجوز أن يأخذ أحدهما الثلث والآخر الثلثين، وقال: ذلك هبة من الراضي بالثلث.
الشريكان يطلب أحدهما القسمة ويتغيب الآخر:
قال ابن لبابة، وابن وليد، وابن غالب: إذا تورك أحد الشركاء عن الحضور للقسمة، وظهر ذلك للقاضي باتصال توركه أو بطول التردد في طلبه لحضوره فلم يحضر، أمر القاضي بالقسم عليه، ووكل له من يقبض نصيبه، فبيعت قاسمًا برضاه، ورجلين يقبل عليهما يحضران القسم، ووكيلاً يوكله للغائب وكالة يشهد له بها، ويجري في ذلك الكتاب
стр. 521
المعنى الذي به وكله في ثبوت التورك عنده، فما حصل للغائب قبضه وكيله، وكان قبضه له بأمر القاضي كقبضه لنفسه لو كان حاضرًا، وقد مر في باب الغائب مسألة قسمة دار ابن عامر التي بقرطبة.
دعوى الغبن وغيره في القسمة:
قال ابن حبيب في الواضحة إذا اقتسموا في ميراث أو غيره أرضًا أو سواها، ثم ادعى أحدهم غلطا أو غبنا، فإن كانت قسمتهم على التراضي، وكل واحد منهم قد جاز أمره فلا كلام له وإن ظهر ما ادعاه، وذلك كمن باع عرصه مساوية بثمن يسير، يبين فيه غبنه غلطة؛ فلا كلام له ويلزمه.
وكذلك لو اشتراها مشتر بأضعاف ثمنها لزمه ولا رجوع له، وقسمة المراضاة من غير مساهمة كذلك، وأما إن كانت قسمتهم بالمساهمة على التعديل وثبت فيه الغلط والغبن على أحدهم بأمرين، فترد القسمة، كبيع المرابحة يدعي فيه وهمًا وغلطًا. قال مالك: لا يقبل منه إلا بينة تشهد على ذلك، أو يأتي من رقم الثوب ما يستدل به على ذلك، فيحلف البائع على ذلك، ويكون القول قوله، وكذلك قسمة المساهمة والتعديل، وتفسخ القسمة وتعاد ثانية، ما لم يفت الذي فيه الغبن ببناء وشبهه، فيرجع بقيمة الغبن مالا. كذلك فسره مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وغيرهم، وتأمل تمام المسألة هناك، وفي كتاب فضل وغيره.
ولابن زرب في مسائله وفي كتاب الخصال له:
السمة على ثلاثة أوجه: وجهان منها يقام يهما بالغبن، وهما قسمة القرعة والتحريز، وقسمة المراضاة بعد التقويم والتحرير، والوجه الثالث: لا يقام فيه بالغبن، وهو كالبيع يريد بيع السماومة، وهو قسمة المراضاة والمهاياة دون تقويم، وأما إذا قيل في القسمة: كتاب قسمة مراضاة ومهاباة واتفاق وتعديل، فمن وجد غبنًا أن يقوم فيه، لأن الغبن وقع في التقويم.
وقال: إذا اقتسم الرجلان أرضًا، فقام أحدهما على صاحبه يقول: إنك دخلت علي في نصيبي، فالقول قول المدعي عليه فيما في يده، وعلى الآخر البينة في دعواه، وهذا المعنى في المدونة والواضحة، فتأمله فيهما، وتقسيم القاضي لمسألة الغبن هو معنى ما في الواضحة إن شاء الله ويأتي بعد هذا في ذلك في طب ابن فياض عن زوجة كنزة.
стр. 522
وسئل أبو إبراهيم: عن ورثة اقتسموا أرضًا، وعمر كل واحد نصيبه عشرين سنة أو أزيد، ثم قام أحدهم بغبن في القسمة يوم وقوعها، وشهدت له بينة، وقد فات ما أخذه الباقون أو لم يفت.
فجاوب: لو مكن الناس من هذا لم تستقر لهم قسمة، ولا معنى للسؤال عن هذا بعد عام، فكيف بعد المدة التي ذكرت، والمتكلف للجواب فيه أسوأ حالا من السائل عنه، ولو حسن الجواب فيه لم يصح إلا بعد كشف القائم عن تركه القيام بعد عام، فيكيف بعد عشرين عامًا؟، فإن أتى بعذر معلوم نظر له، ولا تعدو القسمة أحد وجهين: مراضاة أو قرعة، ولا قيام في المراضاة بوجه إلا في الاستحقاق فقط، والقرعة لا تكون إلا بتقويم وتعديل؛ فكيف يسمع مع هذا دعوى غبن؟ إلا من معنوه لا يعرف ما له مما عليه، أو كذاب لا يبالي بشين نفسه مع إدراكه بالتعييب من أراده بالتعييب، وشهاداءه بها الكذب والزور، إلا أن يتبين عذره، فينظر له أن شاء الله تعالى.
وفي أحكام ابن زياد:
فهمنا – وفقك الله – ما شهد به الشهود في دار حفص بن بسيل أن قسمنا سداد لا غبن فيها على المتقاسمين، واعتراض ابن الزجال زوج أميرة أن في بعض السهام آبارًا لم تذكر في القسمة، قد غطاها الردم، ولها قيم تحيل القسم، وسأل كشف الردم ليظهر ما قال.
فالذي نرى أن القسم على ظاهره تام كما شهد به الشهود، وإن أثبت المعترض ما اعترضه، فلك فيه نظر، وإن لم يثبته دعا إلى كشفه عنه، وكان ما دعا إليه قريب المأخذ لا ضرر على أهل السهام؛ يمنعه من اعمل في سهمه، والتطويل عليه – ما أمرت بكشف ما ادعاه.
وإن كان في تطويل وضرر عليهم، لم يقبل منه، وأطلق كل ذي سهم على سهمه، فإن ظهر ما قال عند البنيان كان فيه حكم الفائت بالعمل، والقريب فيه أن يكشفه من اليوم أو الغد، أو يثبت شراء حفص لعراض فيها صفة آبار وصهاريج، وتعين تلك العراض بالحيازة لمواضعها، فيجب بإثبات ذلك امتحانها، وإن من طول. قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
وقال ابن غالب: القسم على تمامه، ودعوى من ادعى آبارًا يريد بذلك فسخ القسم
стр. 523
غير مقبول منه، إلا أن يقيم بينة على ما قال، فينظر في ذلك، ومتى ظهر هذا رد القسم؛ لأنه قسم لم يتم. هذا قولنا. وقال عبيد الله بن يحيى مثله.
والذي أرى أن يمتحن هذا القسم بأن تكشف الآبار، فإن انكشف من ذلك ما يوجب رد القسم وأمر بقسمها بعد التبيان، وإن لم ينكشف أمضى القسم، وقال – يحيى مثل قول أبيه.
وقال أبو صالح: كل دار مستيقنة الآبار كدار أبي عروة، فإنه لا يجوز القسم فيها حتى تمتحن فتظهر، أو تعرف أمكنتها، فيقع القسم عليها أو يأخذها التقويم، وإلا دخله الحظر ومؤنة النظر بعد النظر، وأما الدار لا تعرف لها آبار فتقسم ثم يجد بعض أهل السهام في سهمه بئرًا؛ فإن سحنون بن سعيد قال: البئر لمن وجدها، والى الله أرغب في التوفيق.
قال القاضي:
ومع قول سحنون هذا في نوازله في كتاب جامع العيوب، قال: وكذلك إن اشترى دارًا فوجد فيها بئرًا عادية يريد ضحرًا أو عمدًا فهي له، وفي القسمة من الواضحة قال ابن حبيب: إذا اقتسموا أرضًا أو دار بتراض أو سهمه أو تعديل. فوجد أحدهم في حظه البئر العادية أو الصحراء أو العمد؛ فهو له وحده، دون غيره، ولا ينتقض القسم، والمشتري في لك كذلك، ولا ينتقض البيع، والورثة وغيرهم فيه سواء، بذلك مضى الأمر في جميعه.
وفي آخر سماع عيسى في كتاب القسمة: إذا وجد أحدهما في حظه جبابا لأولين فلشريكه معه في ذلك حق، ويعاوده القسم إن كان لم يفت، فإن فات بنيان فله عليه نصف قيمة ذلك، وهو كبيوت وجدها أسفل بيوت لم يكن علم بها فليس له أن يأخذها دونه، ونحوه في سماعه عن ابن القاسم في كتاب اللقطة.
فدان أوصى بتحبيس قطيع منه فقسم على غير اعتدال:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد قاضي الجماعة بقرطبة بكر بن حامد وصاحبه أنهما نظرا إلى الفدان الذي أمرهما القاضي بالنظر إليه، وبمعرفة اعتدال قسمته، وهذا الفدان بقرية سقندة في السند الذي بقبلي المصلي، فتطوفنا عيه وتبيناه فرأينا مختلفًا، وأن الجانب الغربي أجود من الشرقي في علمهما، وأن هذه الجودة ليست من طريق الزبل، وإنما هي في الأصل الفدان.
فهمنا – وفق الله – القاضي ما شهد به القاسمان اللذان بعثتهما لامتحان الفدان الذي
стр. 524
قطع منه الحبس، فرأيناه شهادة توجب إعادة القسم في الفدان، حتى يعدل بالقيمة، ويخرج للحبس – الذي على المسجدين القطيع الذي أمر به المحبس على الاعتدال قاله ابن لبابة وعبيد الله، وأيوب بن سليمان، وابن وليد، وسعد بن معاذ.
قال القاضي:
هذه الشهادة ناقصة لا توجب حكمًا لأنهما لم يبينا في شهادتهما المقدار الذي به بفضل الجانب الغربي الجانب الشرقي من الدار، ولعله حقير كعشر العشر أو شبهه، ولا ذكروا أن الشهود حازوا ما شهدوا فيه بالجودة والرداء، ولا أنه أعذر إلى المطلوب بذلك الغبن، فتدبر ذلك كله فله بسط، منع من ذلك كراهة التطويل.
القسمة بين الصغار والكبار:
سألت – رحمك الله – عن وراثة بعضهم أبكار، وباقيهم كبار دعا بعضهم إلى قسمة ما أبيهم، فالذي يجب في ذلك إذا دعا أحدهم إلى القسمة، وأبى بعضهم أن يضم إليها من أباها منهم، بعد أن يثبت عندك ملك المال لهم يمراثًا عن أبيهم، وثبت عندك عدة ورثة ثم تقدم لهم من نثق به من القسام، فيقسم بينهم.
فإذا قسم وشهد عندك على القسمة أنها سداد؛ اشهدت في نسخة القسم على ثبوت ذلك عندك، وهذا من نظرك في القسم على أن يكون للورثة كلهم بالغًا أو بعضهم أو كيف ما كان إذا أبى أحدهم؛ وجب عيك الأمر بالقسم على الراضي منهم والآبي، والصغير والكبير، فإذا خلصت الحصص لأهلها؛ ملك كل واحد حصته، وفعل فيها ما أحب؛ من ملك منهم نفسه. ومن احتاج ممن لا يملك نفسه إلى بيع، وثبت ذلك عند من رفع إليه من الحكام؛ جاز له البيع، ثم لا يكون ذلك ولاية؛ لأن الولايات لا يضم إليها إلا القضاة، كما لا يطلق منها إلا القضاة. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، ومحمد بن غالب.
قال القاضي:
انظر جواز بيع الحاكم غير القاضي مال المحجوز لرورة من حاجة أو قضاء دين فهو حسن، وقد تقدم نحوه من فتوى شيوخنا في ذلك الحاكم بينهما فيه صاحب الشرطة، والسوق ابن الليث، وأفتى به شيوخنا، ولم ينكروه، وكثير من جهال المفتين يتوهم أن
стр. 525
ذلك ليس إلا إلى القاضي.
وفي مسألة ابن البيطار لبيب من ذلك في باب القضية، وي كتاب القسمة من الواضحة قال ابن حبيب: ولا يجوز للقاضي إذا سأله الورثة أو بعضهم أن يقسم دارًا وروثها أو قرية أو غيرها أن يامر بقسم ذلك بينهم، حتى يثبت عنده أن ذلك الشيء كان للهالك ملكًا له ومالاً حتى هلك عنه، أو أن الهالك كان ساكنًا في تلك الدار إن كانت دارًا كما سكن الرجل دار نفسه، حتى هلك فيها.
وإن كان قرية، فلا يجوز له أن يأمر بقسمها بينهم حتى يأتوه بحوزة ما كان للهالك فيها وصفته وتسميته ومساحته، في كتاب وبينة تشهد على ما وضع فيه أنهم يعرفونه ملكًا للهالك أو في يده وعمارته حتى هلك عنه؛ لا يجوز له أن يقسم ذلك بينهم ولا يشهد لهم عليه بعد القسمة، حتى يثبت عنده هكذا خيفة أن يدخل في قسمتهم، ما ليس لهم من حق غائب أو صغير وشبهه. وهكذا سمعت أهل العلم يقولون.
وقال: وهو في المختلطة مقاسمة الأب لبنيه الصغار جائزة عليهم لازمة هم، ووصي الأب لهم في ذلك كالأب، لا مدخل في ذلك للقاضي عليه، فإن لم يكن وصي فالقاضي، ولا يقسم للصغار غير هؤلاء الثلاثة على الدرجات التي وصفت.
إلا أن مطرفصا وابن الماجشون أخبروني أن مالكًا وغيره من علمائهم، أجازوا في الصغار يهك أبوهم فتحضنهم أم، أو عم، أو أخ رشيد، أو أجنبي احتسب فيهم وقام بولايتهم واكتنفهم؛ بغير تقديم سلطان، أو إيصاء أب – أن ينفذ لهم عليهم ما يجوز للوصي على من أوصى إليه به، من مقاسمة أو بيع أو ابتياع أو تزويج أو صلح أو إنفاق أو حيازة صدقة منه أو من غيره وشبهه؛ ينزل في جميع ذلك منزلة الوصي.
وبه نقول، وأعلمت به أصبغ فاستحسنه، وقال به، ولم يكن ابن القاسم يقوله هكذا مجملاً، إلا أنه قد قاله في مربي اللقيط أن مقاسمته له ما أوصى له به، وحيازته له ما تصدق به عليه جائزة، وإنما جاز ذلك له بولايته إياه، وكفالته له، فكذلك كل من ولي يتيمًا واكتنفه لقرابة أو لحسية هو كالوصي في جميع أمره.
قال: وقد روي ابن القاسم عن مالك في صاحب الشرطة العدل في حالة وأحكامه: أنه في القسمة على الصغار كالقاضي، وأما الكبير الغائب فلا يقاسم عليه إلا القاضي لا غير – قاله مالك وأصحابه.
стр. 526
دعوى في تقاسم وعين في توارث:
فهمنا – وفقك الله – ما طلبه بن فياض عن زوجة كنزة بنت أصبغ بن خالد من تقاسمهم قرية فنبانش وزير من إقليم وابه، التي هلك عنها أبوهن، وقول محمد بن موسى وكيل زوجته أسماء بنت أصبغ بن خالد: إن القسم قد وقع صحيحًا تامًا، وفسأل ابن فياض إحضار كتاب القسمة التي ذلك، وقال له: قد أظهرته إلى قوم شهدوا بذلك عليك فأظهره ينظر القاضي فيه، ويحملنا على ما يجب.
وقال ابن موسى: لي سعندنا بالقسمة كتاب. فيجب في ذلك أن يحلف بالله: ما عنده كتاب فيه ذكر القسم ولا أظهره إلى ابن فياض ولا للشهود الذين شهدوا عيه أنه أخرجه إليهم، ولا نحاة إلى موضع، ولا نعرف له موضعًا، فإذا حلف حملتهم على ما يجب من إثبات رقبة القرية والأمر بمقاسمتها. قال ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب، وابن وليد، وغيرهم.
وقالوا في الشهادات الواقعة عند القاضي على إقرار سليمان بأنه قاسم سعيدًا الكرم الذي تنازعا فيه بقرية بلة مالله، وأنه اقتلع من نصيبه أصل زينون بعد القسمة واغترسها في مالله على القسم وحاز كل واحد منهما سهمًا، وادعى أن عليه في نصيبه عبنًا بعد قوله كانت قسمتنا للكرم على المراضاة، وأن هذا التقاسم كان منذ ست سنين واعتمراه على المقاسمة، وأنك أعذرت إلى سليمان فيمن قبلت ممن شهد منهم، وانصرمت الآجال فلم يكن عنده مدفع، وسألك سعيدًا أن تشهد له على ما ثبت عندك من إقرار سليمان له بالمقاسمة، وتمنعه من اعتراض سعيد في سمه من الكرم.
فالذي نقول به: إن الذي طلبه سعيد من حقه ومما يجب عيك الإشهاد له عليه.
стр. 527
باب الصدقات والهبات وشبيهها
أعلم أن الصدقة والهبة والنحلة، وجميع ما في هذا المعنى من منحة أو إعمار وشبه ذلك؛ لا يصح عن معطيه في صحته، وشهادة البينة بمعاينتها، ولا يكتفي بإقرارهما بذلك، إلا الأب يفعل ذلك لابنه الصغير، في غير دار سكناه، فإنه يكتفي في ذلك بإشهاده اللهبة والصدقة وشبههما، وأنه تولى اجتياز ذلك لابنه الصغير أو ابنته البكر أو بنيه الصغار الذي في حرجه وولاية نظره من نفسه له أو لها أو لهم، حتى يبلغوا مبلغ القبض لأنفسهم أو لنفسه. وإن كانت هبة لهم دار سكناه فلا يد له من إخلائها ومعاينة البينة لذلك، ونظرهم إليها خالية منه ومن متاعه.
والأصل في الصدقات والنحل وما في من عناها أنها لا تتم إلا بالحيازة: حديث أبي بكر الصديق رضي الله في نحلته عائشة ابنته أم المؤمنين ﵂؛ إذا قال لها في مرضه الذي توفي منه: يا بنية، والله ما من أحد من الناس أحب إلى عني بعدي منك وإن كنت نحلتك جاد عرين وسقًا من تمر، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك وإنما هو اليوم مال الوارث .. الحديث.
وهو مذهب عمر بن الخطاب ﵁، ومذهب مالك وأصحابه، وبه جرى العمل، ومسائل العطايا مبنية على هذا المعنى، إن شاء الله تعالى، وفي حيازة الأب ما وهبه صار بنيه من العين اختلاف من قول مالك، وكذلك اختلف في أصحابه، وكل ذلك مبسوط في أصول الأمهات، والله ولي الهدي التوفيق.
والوصي فيما يهبه يتيمه الذي في حجره كالأب في ذلك كله، ولابن وهب في مساع يحيى: أن الأم والجدات والأجداد الحاضتين ليتيم في حيازة ما وهبوا له كالأب والوصي، إن كانوا غير أوصياء، وليس الأخوة والأعمام كذلك.
ولابن وهب في آخر سماع زونان في اللقيط: أنه يجوز له الذي هو عنده ما وهبه له، كما لا يجوز ابنه. وقاله سحنون.
وروي ابن غاتم عن مالك في كل من ولي يتيمًا لقرابة أو حسبة، مثله في حيازته له ما تصدق به عليه هو أو غيره وجواز مقاسمته له. قال سحنون: رواية ضعيفة. ولابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون نحو رواية ابن غانم، بزيادة بيان؛ فتأمله.
стр. 528
وكله خلاف رواية ابن القاسم، وقوله في سماع يحيى وغيره، وفي صدقة المدونة: وفي النحل والعمرى، والعطية، والهبة، والصدقة، والحبس، بمنزلة واحدة في قول مالك، في القبض.
وفي باب آخر فيه: إن منح بن غنمة شهرًا أو أكثر، فقبض الممنوح للغنم حيازة كقبض العبد قبض للخدمة والدار في الإسكان، وتكرر ذلك في كتاب العربة، وقال في العرية: إن مات المعري قبل أن يطلع في النخل شيء وقبل أن يحوز المعري النخل؛ بطلت العربة.
قال ابن حبيب: إن مات المعري، وقد حاز المعري النخل ولم يطلع فيها بشيء بطلت العربة، وكذلك إن طلع فيها تمر ولم يجز النخل والمنحة كذلك، بخلاف الخدمة والسكن؛ قبض الرقبة قبض لهما.
وقال أشهب: إن مات المعري بعد الإبار، فذلك حوز؛ لأن المعطي يدخل ويخرج ولا يمنع، كمن وهب أرضًا بالصحراء حوزها أن تسلم إليه، وإن مات وبها قبل الإبار بطلب العربة، إلا أن يكون مما تسلم إلى المرعي فتحاز، فإنه إن لم يجزه حتى مات ربه فلا شيء له، وإن حازه جاز ذلك، وإن لم تؤبر.
وذكر فضل: أن معنى المدونة مثل ما ذكر ابن حبيب، وبخلاف إذا تصدق عليه بحمل في بطأمه؛ لأن الحمل حين الصدقة، وقد كان قبض الرقبة قبضًا للحمل. قال ابن القاسم في صدقة المدونة.
قال: وكذلك هبته ما في بطون غنمهن وكذلك هبة ثمرة نخلة قبل بدو صلاحها، وزرع أرضه قبل قبض الأصل قبض للموهوب. قال: وكذلك إن وهب له ما تلد جاريته عشرين أو ثمرة نخلة عشرين سنة جاز، إن جاز الموهوب له الأصل، أو جعل على يدي من يحوز له.
والأشياء التي لا تتم إلا بالحيازة: الحبس، والصدقة، والهبة، والعمري، والعطية، والنخل، والعية، والمنحة، والهدية، والإسكان، والعارية، والإرفاق، والعدة، والإخدام، واصلة، والحباء، والرهن وهو آكدها؛ لأن النص فيه قال تعالى:
стр. 529
فيمن تصدق على ابنته البكر بنصف داره إلى جهة معروفة سماها:
من أحكام ابن زياد: قال أبو صالح: نظرت – أبقى الله القاضي – في كتاب الصدقة بنصف الدار إلى جهة المشرق على السواء، فرأيت صدقة تامة، وقد تكلمنا فيها عندك، وكتبنا: إن كانت الدار معروفة بسكنى المتصدق فعليها إقامة البينة؛ أن أباها تخلى بسكناه، فإن أباها جائز عليها، وعلى من ادعى أنها كانت معروفة بسكناه البينة على ذلك.
هذا ما قلنا، وبه نقول، وهو قول سلفنا، فإذا ثبت أنها كانت معروفة بسكناه، وجب عليها إثبات نخلية، وإن له يثبت سكناه فحوز أبيها لها حوز، وهو لها ماض تام لا كلام فيه لأحد ولا يضرها، إلا أن يكون فتح باب في نصيبها. وقاله ابن لبابة، وابن وليد.
وقال سعد بن معاذ: الصدقة تامة جائزة إذا قام عليها شاهدان حتى يأتي من يشهد أن الأب سكنها، وعلى المعارض لها البينة. وإن لم يكن إلا شاهدًا، حلفت مع شاهدها على الصدقة. وقال بذلك يحيى بن عبد العزيز.
مشورة في مثل هذا المعنى:
قرأنا – وفق الله القاضي – الكتاب الذي أشهد بثبوته عنده بصدقة ابن حمدون على ابنته أمامه الطفلة في حرجه بقطيع محجوز من داره، التي شهد فيها سعيد ابن حمير وأحمد ابن بيطير، فرأيناه في شهادة ابن خمير ذلك الحيازة ولم يذكرها أحمد، واستجار بأن الآباء يحوزون على الأصاغر، وليس في الشهادات أنها دار سكناه؛ فالصدقة تامة لإقرار الأب بالحيازة، ويجب أن تبعث الشاهدين اللذين حازا القطيع وعرفاه فيحوزانه بمحضر شاهدين وتدفعه إلى أمامه المتصدق عليها. قال ابن لبابة وابن وليد، وأحمد بن يحيى.
الشهادة بالصدقة على من أنكرها:
فهمنا – وفقك الله – ما تكلم فيه أبناء مسونة من الدار، والجنان، والقرية، وشهادة طاهر بن عبد العزيز على ما شهد به، وشهادة أبي صالح على ابن مسونة: أنه أخرج إليه كتبًا، فيها ذلك صدقات بجنان ودار بناحية باب اليهود، وشهادة ابن معاذ بمثل ذلك، إلا في القرية، فيجب في ذلك أن يحمل طاهر وأبو صاح وابن معاذ حيازة هذا الدار والجنان، فإن اتفقوا في حيازة ذلك؛ لزم ابن مسونة ما شهدوا به عليه من إقراره بالصدقة، والابتياع، وإن اختلفوا في حيازة ذلك نظرت فيه بما يظهر لك، إن شاء الله. قاله ابن لبابة وعبيد الله بن يحيى وابن وليد.
стр. 530
من وهب نصف دار ثم سكنها الواهب والموهوب له:
في مسائل ابن زرب: إن سكنا الدار وهي مشاعة لم ينفذ شيء من الهبة؛ إلا إن اقتسما سكناها بشطرين على المراضاة، وإن لم يكن قسمة صحيحة في الأصل فإن الهبة تنفذ في اقتسامها بتراض، إذا كان سكناها إياها على اقتسام.
إذا أعمر الموهوب له الواهب دارًا كان وهبها، ثم أراد الرجوع في الإعمار لئلا تبطل الهبة:
سأل القاضي ابن زرب ابن دحون: عمن وهبت له دار، ثم أعمرها الواهب بعد اشهر يسيرة لا يكون مثلها حيازة، ثم علم أن ذلك مما يبطل هبته، فأراد إبطال العمرى وقبض الدار، فأطرق القاضي فيها حينًا، ثم قال: إن كان الموهوب له ممن يرى أنه يعلم أن العمرى إبطال للهبة، فقد لزمه ما صنع وبطلت هبته، وإن كان ممن يرى أنه لا يعلم ذلك انفسخت العمرى، ورجع الموهوب إلى الدار وقبضها من الواهب.
وذكر أن هذه المسائل إنما هي بالتكرر على درسها، وإنما تنسى مع ترك ادرس. قال: ولقد شهدت اللؤلوي أفتى في امرأة فاسدة أنها تستبرئ نفسها بحيضة ثم تنكح، فقلت له بعد خروج السائل عنه، وذهابه بردة عنه: الحرائر استبرأهن ثلاث حيض، فتذكر الأمر، وأمر بصرف المستفتي ومحا جوابه، وجاوب أن تستبرأ بثلاث حيض.
قال: وشهدته أيضًا في علة اعتلها غير التي توفي منها، قد عقد في وصيته خدمة فتى لزوجته، وقال في وصيته: فإن شاحها الورثة في خدمته عجل له العتق، فقلت له: هذا لا يجوز، وأتيته بالرواية فيه فتذكرها، وأصلح ما كان عقده من ذلك.
فقال له ابن أخي: إن هذا العجب أن يكون مثل اللؤلؤي على قدره في الفقه يغلط في مثل هذا، فقال له القاضي: لو تركت الدرس عامين لنسيت ما هو أقرب من هذا، فكيف بشيخ قد بعد عهده بالدراسة، وإنما هذه المسائل بأن لا يقلع رأس عن درسها.
صدقة الأب على ابنه بدنانير وغيرها، وبيعه منه داره بمال ذلك أنه كان له بيده، وغير ذلك من مسائله، وهبة المشاع:
قال القاضي أبو بكر بن زرب في مسائله: إذا تصدق الأب بناض على ابنه الصغير، وأخرجه عن يده إلى من يقبضه له بمعاينة بينه، ثم باع منه بذلك دار سكناه قبل تمام عام فأزيد لحيازة ذلك الناض؛ لم يجز ذلك، وإن كانت غير دار سكناه لم يرد ذلك ونفذ، وإن