← Фикх малики

Фикх малики · id 14593

ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام

القاضي أبو الأصبغ ابن سهل

Полный текст (727 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

دعوى في تقاسم وعين في توارث: فهمنا – وفقك الله – ما طلبه بن فياض عن زوجة كنزة بنت أصبغ بن خالد من تقاسمهم قرية فنبانش وزير من إقليم وابه، التي هلك عنها أبوهن، وقول محمد بن موسى وكيل زوجته أسماء بنت أصبغ بن خالد: إن القسم قد وقع صحيحًا تامًا، وفسأل ابن فياض إحضار كتاب القسمة التي ذلك، وقال له: قد أظهرته إلى قوم شهدوا بذلك عليك فأظهره ينظر القاضي فيه، ويحملنا على ما يجب. وقال ابن موسى: لي سعندنا بالقسمة كتاب. فيجب في ذلك أن يحلف بالله: ما عنده كتاب فيه ذكر القسم ولا أظهره إلى ابن فياض ولا للشهود الذين شهدوا عيه أنه أخرجه إليهم، ولا نحاة إلى موضع، ولا نعرف له موضعًا، فإذا حلف حملتهم على ما يجب من إثبات رقبة القرية والأمر بمقاسمتها. قال ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب، وابن وليد، وغيرهم. وقالوا في الشهادات الواقعة عند القاضي على إقرار سليمان بأنه قاسم سعيدًا الكرم الذي تنازعا فيه بقرية بلة مالله، وأنه اقتلع من نصيبه أصل زينون بعد القسمة واغترسها في مالله على القسم وحاز كل واحد منهما سهمًا، وادعى أن عليه في نصيبه عبنًا بعد قوله كانت قسمتنا للكرم على المراضاة، وأن هذا التقاسم كان منذ ست سنين واعتمراه على المقاسمة، وأنك أعذرت إلى سليمان فيمن قبلت ممن شهد منهم، وانصرمت الآجال فلم يكن عنده مدفع، وسألك سعيدًا أن تشهد له على ما ثبت عندك من إقرار سليمان له بالمقاسمة، وتمنعه من اعتراض سعيد في سمه من الكرم. فالذي نقول به: إن الذي طلبه سعيد من حقه ومما يجب عيك الإشهاد له عليه.

стр. 527

باب الصدقات والهبات وشبيهها أعلم أن الصدقة والهبة والنحلة، وجميع ما في هذا المعنى من منحة أو إعمار وشبه ذلك؛ لا يصح عن معطيه في صحته، وشهادة البينة بمعاينتها، ولا يكتفي بإقرارهما بذلك، إلا الأب يفعل ذلك لابنه الصغير، في غير دار سكناه، فإنه يكتفي في ذلك بإشهاده اللهبة والصدقة وشبههما، وأنه تولى اجتياز ذلك لابنه الصغير أو ابنته البكر أو بنيه الصغار الذي في حرجه وولاية نظره من نفسه له أو لها أو لهم، حتى يبلغوا مبلغ القبض لأنفسهم أو لنفسه. وإن كانت هبة لهم دار سكناه فلا يد له من إخلائها ومعاينة البينة لذلك، ونظرهم إليها خالية منه ومن متاعه. والأصل في الصدقات والنحل وما في من عناها أنها لا تتم إلا بالحيازة: حديث أبي بكر الصديق رضي الله في نحلته عائشة ابنته أم المؤمنين ﵂؛ إذا قال لها في مرضه الذي توفي منه: يا بنية، والله ما من أحد من الناس أحب إلى عني بعدي منك وإن كنت نحلتك جاد عرين وسقًا من تمر، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك وإنما هو اليوم مال الوارث .. الحديث. وهو مذهب عمر بن الخطاب ﵁، ومذهب مالك وأصحابه، وبه جرى العمل، ومسائل العطايا مبنية على هذا المعنى، إن شاء الله تعالى، وفي حيازة الأب ما وهبه صار بنيه من العين اختلاف من قول مالك، وكذلك اختلف في أصحابه، وكل ذلك مبسوط في أصول الأمهات، والله ولي الهدي التوفيق. والوصي فيما يهبه يتيمه الذي في حجره كالأب في ذلك كله، ولابن وهب في مساع يحيى: أن الأم والجدات والأجداد الحاضتين ليتيم في حيازة ما وهبوا له كالأب والوصي، إن كانوا غير أوصياء، وليس الأخوة والأعمام كذلك. ولابن وهب في آخر سماع زونان في اللقيط: أنه يجوز له الذي هو عنده ما وهبه له، كما لا يجوز ابنه. وقاله سحنون. وروي ابن غاتم عن مالك في كل من ولي يتيمًا لقرابة أو حسبة، مثله في حيازته له ما تصدق به عليه هو أو غيره وجواز مقاسمته له. قال سحنون: رواية ضعيفة. ولابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون نحو رواية ابن غانم، بزيادة بيان؛ فتأمله.

стр. 528

وكله خلاف رواية ابن القاسم، وقوله في سماع يحيى وغيره، وفي صدقة المدونة: وفي النحل والعمرى، والعطية، والهبة، والصدقة، والحبس، بمنزلة واحدة في قول مالك، في القبض. وفي باب آخر فيه: إن منح بن غنمة شهرًا أو أكثر، فقبض الممنوح للغنم حيازة كقبض العبد قبض للخدمة والدار في الإسكان، وتكرر ذلك في كتاب العربة، وقال في العرية: إن مات المعري قبل أن يطلع في النخل شيء وقبل أن يحوز المعري النخل؛ بطلت العربة. قال ابن حبيب: إن مات المعري، وقد حاز المعري النخل ولم يطلع فيها بشيء بطلت العربة، وكذلك إن طلع فيها تمر ولم يجز النخل والمنحة كذلك، بخلاف الخدمة والسكن؛ قبض الرقبة قبض لهما. وقال أشهب: إن مات المعري بعد الإبار، فذلك حوز؛ لأن المعطي يدخل ويخرج ولا يمنع، كمن وهب أرضًا بالصحراء حوزها أن تسلم إليه، وإن مات وبها قبل الإبار بطلب العربة، إلا أن يكون مما تسلم إلى المرعي فتحاز، فإنه إن لم يجزه حتى مات ربه فلا شيء له، وإن حازه جاز ذلك، وإن لم تؤبر. وذكر فضل: أن معنى المدونة مثل ما ذكر ابن حبيب، وبخلاف إذا تصدق عليه بحمل في بطأمه؛ لأن الحمل حين الصدقة، وقد كان قبض الرقبة قبضًا للحمل. قال ابن القاسم في صدقة المدونة. قال: وكذلك هبته ما في بطون غنمهن وكذلك هبة ثمرة نخلة قبل بدو صلاحها، وزرع أرضه قبل قبض الأصل قبض للموهوب. قال: وكذلك إن وهب له ما تلد جاريته عشرين أو ثمرة نخلة عشرين سنة جاز، إن جاز الموهوب له الأصل، أو جعل على يدي من يحوز له. والأشياء التي لا تتم إلا بالحيازة: الحبس، والصدقة، والهبة، والعمري، والعطية، والنخل، والعية، والمنحة، والهدية، والإسكان، والعارية، والإرفاق، والعدة، والإخدام، واصلة، والحباء، والرهن وهو آكدها؛ لأن النص فيه قال تعالى:

стр. 529

فيمن تصدق على ابنته البكر بنصف داره إلى جهة معروفة سماها: من أحكام ابن زياد: قال أبو صالح: نظرت – أبقى الله القاضي – في كتاب الصدقة بنصف الدار إلى جهة المشرق على السواء، فرأيت صدقة تامة، وقد تكلمنا فيها عندك، وكتبنا: إن كانت الدار معروفة بسكنى المتصدق فعليها إقامة البينة؛ أن أباها تخلى بسكناه، فإن أباها جائز عليها، وعلى من ادعى أنها كانت معروفة بسكناه البينة على ذلك. هذا ما قلنا، وبه نقول، وهو قول سلفنا، فإذا ثبت أنها كانت معروفة بسكناه، وجب عليها إثبات نخلية، وإن له يثبت سكناه فحوز أبيها لها حوز، وهو لها ماض تام لا كلام فيه لأحد ولا يضرها، إلا أن يكون فتح باب في نصيبها. وقاله ابن لبابة، وابن وليد. وقال سعد بن معاذ: الصدقة تامة جائزة إذا قام عليها شاهدان حتى يأتي من يشهد أن الأب سكنها، وعلى المعارض لها البينة. وإن لم يكن إلا شاهدًا، حلفت مع شاهدها على الصدقة. وقال بذلك يحيى بن عبد العزيز. مشورة في مثل هذا المعنى: قرأنا – وفق الله القاضي – الكتاب الذي أشهد بثبوته عنده بصدقة ابن حمدون على ابنته أمامه الطفلة في حرجه بقطيع محجوز من داره، التي شهد فيها سعيد ابن حمير وأحمد ابن بيطير، فرأيناه في شهادة ابن خمير ذلك الحيازة ولم يذكرها أحمد، واستجار بأن الآباء يحوزون على الأصاغر، وليس في الشهادات أنها دار سكناه؛ فالصدقة تامة لإقرار الأب بالحيازة، ويجب أن تبعث الشاهدين اللذين حازا القطيع وعرفاه فيحوزانه بمحضر شاهدين وتدفعه إلى أمامه المتصدق عليها. قال ابن لبابة وابن وليد، وأحمد بن يحيى. الشهادة بالصدقة على من أنكرها: فهمنا – وفقك الله – ما تكلم فيه أبناء مسونة من الدار، والجنان، والقرية، وشهادة طاهر بن عبد العزيز على ما شهد به، وشهادة أبي صالح على ابن مسونة: أنه أخرج إليه كتبًا، فيها ذلك صدقات بجنان ودار بناحية باب اليهود، وشهادة ابن معاذ بمثل ذلك، إلا في القرية، فيجب في ذلك أن يحمل طاهر وأبو صاح وابن معاذ حيازة هذا الدار والجنان، فإن اتفقوا في حيازة ذلك؛ لزم ابن مسونة ما شهدوا به عليه من إقراره بالصدقة، والابتياع، وإن اختلفوا في حيازة ذلك نظرت فيه بما يظهر لك، إن شاء الله. قاله ابن لبابة وعبيد الله بن يحيى وابن وليد.

стр. 530

من وهب نصف دار ثم سكنها الواهب والموهوب له: في مسائل ابن زرب: إن سكنا الدار وهي مشاعة لم ينفذ شيء من الهبة؛ إلا إن اقتسما سكناها بشطرين على المراضاة، وإن لم يكن قسمة صحيحة في الأصل فإن الهبة تنفذ في اقتسامها بتراض، إذا كان سكناها إياها على اقتسام. إذا أعمر الموهوب له الواهب دارًا كان وهبها، ثم أراد الرجوع في الإعمار لئلا تبطل الهبة: سأل القاضي ابن زرب ابن دحون: عمن وهبت له دار، ثم أعمرها الواهب بعد اشهر يسيرة لا يكون مثلها حيازة، ثم علم أن ذلك مما يبطل هبته، فأراد إبطال العمرى وقبض الدار، فأطرق القاضي فيها حينًا، ثم قال: إن كان الموهوب له ممن يرى أنه يعلم أن العمرى إبطال للهبة، فقد لزمه ما صنع وبطلت هبته، وإن كان ممن يرى أنه لا يعلم ذلك انفسخت العمرى، ورجع الموهوب إلى الدار وقبضها من الواهب. وذكر أن هذه المسائل إنما هي بالتكرر على درسها، وإنما تنسى مع ترك ادرس. قال: ولقد شهدت اللؤلوي أفتى في امرأة فاسدة أنها تستبرئ نفسها بحيضة ثم تنكح، فقلت له بعد خروج السائل عنه، وذهابه بردة عنه: الحرائر استبرأهن ثلاث حيض، فتذكر الأمر، وأمر بصرف المستفتي ومحا جوابه، وجاوب أن تستبرأ بثلاث حيض. قال: وشهدته أيضًا في علة اعتلها غير التي توفي منها، قد عقد في وصيته خدمة فتى لزوجته، وقال في وصيته: فإن شاحها الورثة في خدمته عجل له العتق، فقلت له: هذا لا يجوز، وأتيته بالرواية فيه فتذكرها، وأصلح ما كان عقده من ذلك. فقال له ابن أخي: إن هذا العجب أن يكون مثل اللؤلؤي على قدره في الفقه يغلط في مثل هذا، فقال له القاضي: لو تركت الدرس عامين لنسيت ما هو أقرب من هذا، فكيف بشيخ قد بعد عهده بالدراسة، وإنما هذه المسائل بأن لا يقلع رأس عن درسها. صدقة الأب على ابنه بدنانير وغيرها، وبيعه منه داره بمال ذلك أنه كان له بيده، وغير ذلك من مسائله، وهبة المشاع: قال القاضي أبو بكر بن زرب في مسائله: إذا تصدق الأب بناض على ابنه الصغير، وأخرجه عن يده إلى من يقبضه له بمعاينة بينه، ثم باع منه بذلك دار سكناه قبل تمام عام فأزيد لحيازة ذلك الناض؛ لم يجز ذلك، وإن كانت غير دار سكناه لم يرد ذلك ونفذ، وإن

стр. 531

لم يجز الناض عنه إلا أقل من عام. قال: وإذا تصدق الأب على الابنه الصغير أو الكبير بصدقة وحازها الأب؛ نفذت الصدقة في حظ الصغير، وبطلت في حظ الكبير إن لم يحزه هو أو وكيله. قال القاضي: هذا الذي ذكره رواية ابن نافع وعلي بن زياد عن مالك في المدونة، ومثله في الصدقة في سماع أشهب وابن نافع عن مالك، وفي سماع ابن الحسن، ورواه ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون عن مالك، ولو كان حبسًا لبطل جميعه ولم يجز منه حظ الصغير ولا غيره، واختاره ابن حبيب. وحكي عن ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ: أن الصدقة كالحبس لا يجوز منها شيء وكذلك في المدونة، وفي حبس العتبية في مساع عيسى عن ابن القاسم. وتركنا بسط ذلك واستيعاب قائليه كراهة التطويل. وما أظن إلا أن القاضي حين تكلم في ذلك سقط منه مذهب ابن القاسم ومن وافقه في ذلك؛ إذ لم يذكره ولا ذلك أن الذي قاله اختياره من الاختلاف فيه. قال القاضي: ولو أنه حبس دارًا له على ابنه – يريد الصغير في حجره – وعلى السبيل، ثم حاز الجميع لبطلت الحباسة في الكل. قيل: ولم؟ فقال: لأن سبيل الله لا قابض له، وهو خلاف الصدقة على الكبير والصغير. قال القاضي: في سماع أصبغ عن ابن القاسم فيمن تصدق على ابنه الصغير بنصف غنمه أو داره، وترك بقية ذلك ملكًا لنفسه شريكًا له به؛ جاز وهو حوز له، ولو تصدق عليه بنصفها ونصفها في سبيل الله، وحاز الأب الجميع حتى مات وذلك على حاله؛ جازت صدقة الابن، وما كان في سبيل الله من ذلك فليس بشيء، وليس كمن تصدق على ابنه الصغير وابنه الكبير؛ لأن ما كان للسبيل لا يجوزه أحد فهو كلا شيء، وهو كما لو حبسه لنفسه شريكًا به، والابن الكبير والأجنبي يحوز ويقوم به. وفي رسم العرية من سماع عيسى في مسألة الصغير والسبيل مثل ذلك، ومذهب ابن القاسم في صدقته على الصغير والكبير إن لم يجز الكبير الصدقة؛ بطل جميعها، ولم يجز

стр. 532

للصغير ولا للكبير منها شيء. كذلك عنه في المدونة والواضحة وغيرهما، وقد ذكرنا فوق هذا. فإذا قد أجاز ابن القاسم حظ الصغير إذا كانت الصدقة عليه وفي سبيل، وأببطله في الصدقة عليه وعلى الكبير إذا لم يجزه الكبير، فينبغي في مسألة القاضي إذا حبس على الصغير وفي السبيل أن يجوز حظ الصغيرة، كما قال في الصدقة؛ لأنه قد جعل السبيل كلا شيء، بخلاف الصدقة أو الحبس على صغير، وتنظيره للحبس على الصغير وفي السبيل بأنه خلاف الصدقة على الصغير والكبير؛ يدل أن مراده في الصدقة على الصغير وفي السبيل إذا لم يخرج من حيازة الأب: أن الجميع يبطل، وهذا خطأ وخلاف الرواية، وكلامه كله في هذه المسألة من أولها يدل على سقوطها من ذكره، وأنه أدرك فيها ما حكاه عن اللؤلؤي شيخه، والحمد لله على جليل نعمه. وفي المسألة التي ذكرنا من سماع أصبغ جواز هبة المشاع، وإن بقي للواهب سائر الموهوب منه، ومثله لمالك في سماع ابن القاسم من صدقة العتبية، وكذلك في صدقة المدونة لابن القاسم، وفي آخر الشفعة أيضًا، وفيه خلال في كتاب ابن حبيب وفي سماع أصبغ. قال القاضي: ومن تصدق بميراثه في رجل، وهو لا يعرف قدره، جاز ولزمه. قال: وهذا الذي استحسن، وفيه اختلاف. قال القاضي: في أول سماع عيسى عن ابن القاسم في مالك لأمره، تصدق على آخر مثله بميراثه من أبيه إذا مات، وأبوه باق. قال: لا أرى أن يجوز هذا، أو لا أقضى به عليه، وهو أعلم. قال في النوادر بأثرها: وكذلك روي ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم. وذكره ابن المواز، وقال: أما في اليمين فيؤمر به من غير قضاء، ويلزمه في غير اليمين كالعتق. وفي سماع أصبغ: قال ابن القاسم فيمن تصدق على رجل بميراثه من أبيه بعد أن يموت أبوه، وأشهد له وقبل ذلك منه، ثم بدا للمتصدق وقال: فعلت ذلك وأنا لا أدري ما أرث، أنصفًا أم ربعًا؟، ولا عدد ذلك ولا ما سعة ذلك من الأرضين وعدة الأشجار، فلما تبين لي ما أرث مما ترك رأيته كثيرًا، وكنت ظننته دون هذا، وأنا أجيزه إلا أن تبين مما

стр. 533

قال أنه لم يكن يعرف يسر أبيه ولا وفره، لمغيبه عنه – حف ما ظن ذلك وكان القول قوله، وإن كان عارفًا يسر أبيه، وإن لم يع لم قدره، جاز عليه أحب أو كرهه وقال أصبغ. وقال ابن أبي زيد في النوادر بعد هذه المسألة: أعرف لابن القاسم أن هبة المجهول جازئة. وقال محمد بن عبد الحكم، وقال ابن المواز عن أشهب: من وهب مورثه لرجل، ولا يدري كم هو من مال الميت؛ ربعه أو ثلثه؛ جاز إن كان لغير الثواب، وإنما يكره المجهول في البيع، ونحوه في الصدقة. من المدونة، وفي أول كتاب القسمة، وهذا الوجه الذي أراد القاضي، والله أعلم أنه تصدق بميراثه بعد موت موروثه. قال القاضي: من أشهد أنه باع دار سكناه من ابنه الصغير بمال استقر بيده من مال ابنه هذا من هبة أجنبي له، أو غير ذلك؛ جاز وإن لم يعرف السبب الذي منه وجب لا بن المال، وإن قال: إنه هو الذي وهب له المال ثم باع منه به دار سكناه؛ لم يجز إلا بعد أن يعرف أصل الهبة، ويكون قد حيز عنه عامًا فأزيد قبل البيع، وإن كانت غير دار سكناه وأقر أنه باعها منه بمال وهبه؛ جاز ونفذ وإن لم تعرف الهبة، وهو في هذا كأنه وهب له الدار. قال: ومن وهب لابنه هبة وحازها له لصغيره وبقيت بيده حتى مات، والابن حتى موته بالغ، وعرف بالرشد من نوقت بلوغه ولم يقبض الهبة؛ بطلت، وإن كان معروفًا بالسفه نفذت وإن طال تركه لها، وإن كان مشكوكًا فيه لا يقضي برشده ولا بسفهه، فإن مضت سنة بعد موت الأب وهو بالغ؛ بطلت الهبة. كما وقع هذا الفصل الآخر، وفيه نظر. قال: ومن تصدق على ابنه الصغير بصدقة، وعمر منها الثلث فدون؛ جازت الصدقة كلها، وإن عمر منها فوق النصف؛ بطلت كلها وإن عمر منها نصفها أو دون النصف وفوق الثلث؛ بطل ما عمر، ونفذ ما لم يعمر. قال له ابن أخي: هذا شيء لم أسمعه قط منك. وقال له: لو لم تقبل اليوم إلا لهذه المسألة؛ - فقال له ابن أخي: أين وقعت؟ فقال له: في هذا الكتاب في سماع يحيى، وفيه كان يناظر. قال القاضي: هذا التنويع الذي ذكره، وقال هو في سماع يحيى: ليس في هذا السماع بشيء يدل

стр. 534

عليه، وإنما هذا الأصل في سماع عيسى وسماع ابن الحسن، وكان في سماع يحيى في كتاب الحبس إشارة إلى بعض ما ذلك، وهو غير بين، وفي كتاب الرهون من المختلطة من هذا الأصل. فتأمل ذلك كله، ولطول تركناه نقله. قال: ومن تصدق على ابنه الصغير بدنانير له عند رجل، وقال ذلك الرجل: أشهدكم أنها عندي، وأني حزتها للمتصدق عليه، ثم مات الأب، فذلك نافذ لابن إذا علم أن الدنانير كانت عند الرجل للتصدق قبل الصدقة، أو عاين الشهود قبضها وقت الصدقة، وإن كان لم يعلم هل ابنه الصغير بثبات وصفها، وأراها الشهود وحازها لابنه، ثم مات ولم توجد في تركته؛ فلا ضمان عليه ليمتها. قيل له: ولم لا تكون في ضمانه، كالمودع بينة يموت، ولا توجد الوديعة في يالتركة فتؤخذ من ماله فقال: ليست مثلها وهي فعله قبل السنة يبطل الصدقة، قيل له: فلعله لم يبعها إلا بعد سنة، قال: هذا شك ولا أضمنه إلا لو ثبت أنه باعها بعد حوزها سنة، فلو ثبت هذا، ولم توجد في تركته لوجب تضمينه، ولم أشك حينئذ في وجوب ذلك. قال القاضي: جواب القاضي في هذه المسألة ضعيف، واعتراض من اعترض عليه فيه صحيح، والحكم للمتصدق عليه بقيمة الصدقة في مال المتصدق واجب، وقد تقدم في باب الشهادة في هذا المعنى ما يقوى ما ذهبنا إليه، والله تعالى أعلم، وهو الموفق للصواب لا شريك له. قال القاضي: جواب القاضي في هذه المسألة ضعيف، واعتراض من اعترض عليه فيه صحيح، والحكم للمتصدق عليه بقيمة الصدقة في مال المتصدق واجب، وقد تقدم في باب الشهادة في هذا المعنى ما يقوى ما ذهبنا إليه، والله تعالى أعلم، وهو الموفق للصواب لا شريك له. قال القاضي: ومن باع في مرضه من وارثه، وأشهد على البيع وعلى الإقرار بقبض الثمن، ولم يعاين الشهود قبض الثمن؛ فالبيع نافذ، وعلى المبتاع غرم الثمن ثانية، ولا يبرئه إقرار البائع بقبضه، إذا لم تعاينه البينة، كمريض أقر بقبض دين من وارثه؛ لا ينفذ إقراره إلا بمعانية الدفع. قال القاضي: قد تقدم من هذا المعنى في مسائل الشهادات والدعوى، وسأله ابن دحون عمن ابتاع لابن له صغير دارًا بمال وهبه له، ثم بلغ الابن ومات الأب ولم يقبض الابن الدار، هل تنفذ له أم يبطل أمرها؟ فقال: لا يبطل، وقد تمت الحيازة لهبة بالابتياع للدار بها. قال ابن دحون: فلو أن

стр. 535

رجلا أقر بدار لابن له صغير، فقال: محمل هذا الإقرار محمل الهبة إن كانت الدار معروفة وهي مسكنة، فإن خرج عنها وحازها لابنه، نفذ الإقرار وإلا بطل، وإن كانت غير دار سكناه نفذ إقراره. وإن لم يعلم في دار السكنى أو في غيرها ملك الأب لها؛ جاز الإقرار وإن لم يجزها. وقال القاضي: من أقر في مرضه بدين لوارث أو صديق ملاطف وله ابنه لم ينفذ إقراره، والابنة كالعصبة، وإن كان في مكانها أو معها ابن ننفذ إقراره؛ لأنه لا يورث كلالة، فقال له ابن محسن وغيره: روي ابن عبد الحكم عن مالك أن الابنة كالابن، فقال: نعم، ولكن مذهبي أن الابنة كالعصبة، وقد علمت أن فيها اختلافًا. قال القاضي: لم يذكر القاضي ولا ابن محسن ما في المدونة في الابنة. قال ابن القاسم: من ترك ابنه وعصبة يرثونه فأقر لهم مال، لم يتهم أن يقر إلى العصبة دون ابنته، فقد جعل ابن القاسم الابنة كالابن، ولم يرها كلالة كما قال القاضي. وفي الوصايا الأول: إن أقر لصديق ملاطف – يريد في مرضه – بدين وورثة ولده لم يتهم، وجاز ما أقر به للصديق الملاطف، وإن كان ورثته أبويه وزوجته، أو له ولد ولده لم يجز إقراره مع أبويه ويجوز له مع ولد الولد، وهو كالولد. وفي خامس وصيا النوادر: قال أشهب: إذا ورثه بنات فإقراره لوارثه من عصبته أو لصديق ملاطف؛ جائز ولا أتهمه مع البنات أو الأبوين، إلا أن تعرف منه بغضه لولده، وفي الواضحة في الأبوين والأخوة ونحوه، من رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الوصايا. وفي كفالة المدونة والمكاتب من هذا الأصل: ولا أرى قول القاضي في الابنة إلا وهما. وفي مسائله قال: ومن أقر بعرض بعينه لرجل ثم مات، وجب لذلك الرجل أخذ ذلك العرض دون يمين، وكذلك كل شيء يعرفه الشهود بعينه. ولو أقر له بدنانير أو دراهم، وما لا يعرف بعينه، وجبت اليمين على المقر له: أنه ما قبض ولا وهب ولا واستحال، وإنه لباقي إلى حين يمينه، وكان السائل له عن ذلك أبو علي الحداد من أصحابه.

стр. 536

من تصدق بدار على زوجته وسكنها معها، وحيازة الولد بالقفل، والأرض بالتطوف، وحيازة أم الولد، وصدقة ذات الزوج: وفي مسائل ابن زرب أيضًا فيمن تصدق على زوجته بدار وقبضتها منه وسكنها معها: أن الحاضرين لمجلس القاضي خاضوا فيها: هل قبضها حايزة وإن سن فيها معها؟ وقال جلهم: هو حيازة، فقال لهم القاضي: كيف يكون حيازة وعليه إسكانها؟ فكأنها لم تخرج عن يده إذا سكنها من يلزمه إسكانه. قيل له: فما تقول فيها؟ فقال: هي مشتبهة، ولم يفصل فيها بشيء. قال القاضي: هكذا وقعت هذه المسألة في مسائل القاضي أبي بكر ابن زرب جمع أبي بكر ابن حربيل التجيي، وفيها أقوى دليل على قلة العلم وتضييع الاجتهاد فيه، لعزوب هذه المسالة عنهم، وهي منصوصة في كتاب الصدقة من العتبية، في سماع عيسى: قال ابن القاسم: من تصدق على امرأته بمسكن وهما فيه؛ فسكنه معها، فليس حوزها حوزًا حتى يخرج منه وتحوزه بما تحاز به الصدقات؛ لأن السكنى عليه فلم تجزه بشيء يعرف، وإن كانت هي المتصدقة عليه فسكنت معه كما كانا؛ فذلك حوز؛ لأن السكنى عليه. وهي منصوصة فكيف خفي مكانها على جميعهم، لكنه كما حكي هو عن شيوخه قبل هذا أن المسائل لا ينبغي أن يغفل عن درسها، ولكن شيء آفة، وآفة العلم النسيان، وقد حكي لنا بعض من لقينا: أن أبا عمر الأشبيلي كان يقول: ليس يبقى مع الدارس الحافظ في آخر عمره إلا معرفة مواضع المسائل، وما هي إلا منزلة كبيرة لمن كان بهذه المنزلة في العلم. ولم يكن كما ذلك لنا بعض الطلبة عن إنسان كان قد ارتسم بالفتوى أنه طلب باب الحضانة في باب طلاق السنة، ولم يزل يقلب أوراقه حتى أتى إلى آخره، فما لم يجد شيئًا رمي بالكتاب إلى محراب مسجده، وهذا هو الموجود في وقتنا هذا، فقهنا الله في الدين، إنه منعم كريم. وذكر بعد هذه المسألة في السماع: إذا تصدقت عليه بخادم أو تصدق عليها بها، ثم استخدمها جميعًا: أن ذلك حوز، ولا تضر خدمة المتصدق منهما. وفي سماع يحيى: من تصدق بدار ودفع مفتاحها إلى المتصدق عليه ليحوزها، فذلك

стр. 537

حوز، وإن لم يسكنها ولا أسكنها قيل للقاضي: هب هذه المسألة صحيحة؟ فقال: هي صحيحة. قيل له: بإسلام حديدة؛ لا يدري أهي مفتاح للدار أم لا، تصح الحيازة؟ قال: نعم، فراجعه جميع من في المجلس، فقال: هو حيازة. ووقف على ذلك. فقيل له في المتصدق عليه أو الموهوب له، يكري الشيء المتصدق به أو الموهوب له أو يعيره ويكون حيازة، وما الفرق بينه وبين قول المتصدق عليه: قد قبضت؛ فلا يكون حيازة؟ قال القاضي: ليست هذه بحجة، وهذا أمر جائز؛ لأنه خروج عن يد المتصدق عليه، وذكر عنده التطوف على الأرض الموهوبة، وقيل له: هل رأيت لأحد من أصحاب مالك أنه حيازة؟ فقال: لا، وإنما هو شيء أجمع الشيوخ عندنا عليه وجعلوه حيازة؛ لأنه كالتخلي. فقال له ابن صاعد: رأيت لبعض أصحاب مالك أن التطوف حيازة وسأريكه، فقال: ما رأيت هذا. قال القاضي: في كتاب ابن حبيب سألت ابن الماجشون عمن تصدق على أجنبي بأرض تزرع وتعتمل، ما وجه حوزها؟ فقال: أن يشهد على الصدقة، ويشيد ذكرها، ويخرج إليها، ويشهر أمرها، ويعلم بذلك جيرانه فيها، وتأخذ كتابًا بأمر القاضي إلى والي ذلك المكان: بأن تلك الصدقة قد حقت لفلان عندي، ونزل فيها منزلة فلان، وهذا وشبهه مما تحقق حوزه لها، وبعض هذا يكفي من بعض، وما كثر من ذلك وتظاهر أحب إلي. وسألت عنه مطرًا فقال نحوه، إلا أنه لم يذكر أخذ كتاب القاضي، ولكن قال: إن حددها للشهود أوقفهم عليها فهو أقوى للحيازة، وإن حددها في كتاب الصدقة ولم يقف الشهود عليها مجملاً من غير تحديد؛ أجزأه أيضًا إذا امتنع منها، ونزل المتصدق عليه منزلته فيها. قال: وسألت عنها أصبغ فقال لي مثل قول مطرف، ما لم يأت إبان عملها، فإن أتى فلمي عملها واحد منهما بطلت الصدقة، إلا أن يع لم أنه منع منها المعطي، فلا يضره حينئذ ترك العمل. قال: وإنما يكون الإشهاد حيازة لما لا يعتمل كالدين والشيء المهمل، ففي قول مطرف وأصبغ أن التطوف حوز، وهو توقيف الشهود على حدودها، وفي سماع يحيى في المدونة نحو ما زاده اصبغ في ترك العمل وقد حضر إبانه. فتأمل.

стр. 538

قال القاضي: وأحب إلي في أم الولد أن تحوزه لنفسها ما يتصدق به عليها سيدها، وهو الذي يفعله الناس عندنا، وإن تولى السيد احتياز ذلك نفذ لها. قال القاضي: في سماع يحيى ابن القاسم: حالها في ذلك كحال الحرة، ودليل المدونة أنه يجوزه له سيدها، ورأيت لأبي عمر الأشبيلي أنه كان يستحب الأخذ برواية يحيى، فإن عمل بدليل المدونة مضى، وهو نحو ما ذهب إليه القاضي. وقال القاضي: إذا تصدقت ذات الزوج بثلث مالها، ثم تصدقت بعد ذلك بثلث مالها، ثم تصدقت بعد ذلك بثلث مالها، إن كان بين الصدقة عام فما فوقه، نفذ ذلك لها.

стр. 539

باب الحبس ودعوى الساكن فيه دفع غلته إلى مكرية: اعلم أن الحبس من شروط صحته حوزه عن محبسه في صحته، كالصدقة والهبة وغيرهما، مما هو في معنى عطية، وقد تقدم هذا، ولا خلاف فيه بين مالك وأصحابه. وفي أحكام ابن زياد القاضي: كشفنا سعيد الساكن في دار زبلون المحبسة وحوانيته وقرنه عما استقر عنده من خراج ذلك، فقال: قبالته علي للسنة بسبعين دينارًا، وقد انقضت السنة وغرمت إلى صاحب السوق ابن زبلون النجامامات لمحلها، وليس عندي منها شيء. الجواب: فهمنا - رضي الله عنك - إقرار سعيد فرأينا إقراره يجب عليه إثباته، فإن أثبته ولم يكن لورثته زبلون في ذلك مدفع؛ كان القول قول سعيد فيما مضى من النجوم، وما كان منها بقرب إقراره فعليه البينة، على أدائه، وإن لم يثبت الاكتراء لزمه غرم جميع القبالة، إلا أن يكون قبالة مثلها أكثر؛ فيؤخذ بالأكثر. قاله ابن لبابة وابن وليد. حبس في وصيته ضيعة على ضعفاء أهله: كتب بها إلى أبي عبد الله بن عتاب من المرية: الجواب - رضي الله عنك - في رجل حبس في وصيته ضيعة له حبسًا، صدقة على ضعفاء أهله من قبل أبيه وأمه، يبدأ في ذلك أهل الحاجة منهم، على ألصق القرابة منهم إليه، وأقعدهم به، فيعطي كل واحد منهم من ذلك قوته وكسوته. هذا نص ما عقد فيه، وتوفي المحبس وحمل الثلث الحبس، ولهذا الحبس من القرابة بنو خالته أخت أمه، وبنو عمته، وبنو عم أمه، وبنو عم أبي أمه، وبنو بنت عم أمه، ولهؤلاء ذلك بنون صغار وكبار، فتنازع جميع المسلمين وبنوهم في الدخول في هذه الحباسة؛ فبين - رضي الله عنك -: هل يدخل جميعهم فيها أم بعضهم أولى من بعض؟، وفسر الرتبة في ذلك بالواجب، ومن أولى منهم بالمستغل؟ وهل يدخل الأبناء مع الآباء في ذلك وكيف إن جعل الموصي إلى أوصيائه معرفة أعيان المحبس عليهم؟ مأجورًا إن شاء الله تعالى. فجاوب: تصفحت هذه المسألة فرأيت في لفظها التباسًا، تولد من قبل العاقد، والذي يدل عليه عندي ظاهرها - والله أعلم - أن الموصي إنما أراد تبدية الأضعف من قرابته على قدر لصوقه به وقرابته منه، فإن كانوا كلهم محاويج فأقرب القرابة إيه منه ممن

стр. 540

سمت بنو خالته وبنو عمته، يعطي كل واحد منهم ما ذكره الموصي من قوته وكسوته على حسب ما ذلك، فإن فضلت فضلة فأقرب من بقي من قرابته إليه ممن ذكرت بنو عم أمه، ثم بنو عم أبي أمه، وبنو بنت عم أمه بمنزلة سواء، وبنو بني خالته وبنو بني عمته في فعدد واحد مع بني عم أمه، وبنو بين عم أمه مع بني عم أبي أمه وبني بنت عم أمه بمنزلة سواء. وإن كان الموصي جعل إلى الأوصياء معرفة الأعيان المحبس عليهم، فإن ذك يغني الأعيان عن إثبات أعيانهم، أن شاء الله . مسألة من وهب لابنته الصغيرة ثيابًا وحليبًا ثم باع منها بذلك دارًان ثم ابتاع الدار لنفسه بثمن نزر، ثم نكحت الابنة، وذهب إلى طلب أبيها بالدور للغبن الظاهر في ابتياعه إياها، وإذا كانت منتزلا فيما أغفلت ذكرها في باب الصدقة والهبة قبل هذا: ما تقول – رحمك الله – فيمن وهب لابنته وهي صغيرة في حجره ثيابًا وجوارهًا وحليًا، وعقد على نفسه بذلك عقدًا ببينة عدل، ثم باع بعد ذلك من ابنته المذكورة دورًا بالحي والجواهر والثياب الموهوب لها، لما رآه من حسن النظر لها والغبطة والسداد، وعقد به وثيقة فيها عدول الشهود، ثم رأى بسوء نظره بيع هذه الدور من نفسه على ابنته بنزر يسير وثمن قليل، وانعقدت عليه بذلك وثيقة أنه باع على نفسه، وكانت الدور يومئذ منتزلا فيها، ثم نكحت الابنة وبني بها زوجها، ورشدت وعرفت قدر المال وزيادته ونقصانه، ووصلت إلى وثيقة الهبة وابتياع الدور، ووقفت على الغبن المحوز عليها، وأحبت القيام فيها، وكان الغبن فيها – يوم بيع أبيها لها – أزيد من ثلثي قيمتها، وكان أيضًا في الهبة ناض يسير احتازه الأب مع جملة الهبة، وهو تبع لها، وطبع عليه مع ذلك الشهود حين أبرزه إليهم مع سائر الهبة، ووقفوا على جميع ذلك، وكانت الدور قد قوموها وقت الابتياع بقيمة الهبة سواء، ورأي الشهود بعضها مساويا لبعض، فهل ترى – وفقك الله – للابنة قيامًا في الدور إن ثبت الغبن أم لا؟ فجاوب ابن عتاب" قرأ – رحمنا الله وإياك – خطابك، وفهمت ما سألت عنه، وذكرت أن في الهبة ناضًا هو أقل الهبة، وأن الأب احتازه مع سائر الهبة بعد ختم الشهود عليه، وقد اختلف فيما لا يعرف من الحلي والجواهر، إذا غيب عليه، ووهبه الأب واحتازه، ولم يخرجه عن يده إلى غيره.

стр. 541

وفي المدونة لابن القاسم ﵀ ما يدل على جوازهن والاختلاف من أصحاب مالك المدنيين والمصريين في حيازة الناض، إذا ختم عليه الشهود، واستقر بيد الواهب – معلوم، إلا أنه إذا كان أقل الهبة كما ذكرت، فهو جائز نافذ، وبيع الأب الدور من ابنته بالهبة جائز صحيح، إذا كانت الدور التي باعها خالية من سكناه أو ثقله، فإن كانت في سكناه حين البيع فلا يجوز ذلك إن كان البيع بحدثان الهبة وبقربها، حتى تستكمل الحيازة بانقطاع من حين الهبة٠ وبهذا كان يفتي كثير من فقهاء بلدنا، وهو قول صحيح على مذهب ابن القاسم، فإذا صحت الحيازة وانقضت السنة؛ جاز التصيير في الدور وصح، ولا خلاف أعلمه إن بيع ما فيه منتزل أو من يمنع مالكه من تملكه؛ لا يجوز، وأن البيع فيه مفسوخ ما كان المبيع بحالة لم يدخله فوت، ويرد إلى ربه. وإن دخله فوت؛ فكان الشيوخ عندنا يختلفون فيه فمنهم: من كان يحمله محمل البيع الفاسد، ومنهم من كان يفسخه على كل حال. والى هذا كان يذهب أحمد بن خالد وغيره، وكان اختلافهم على غير رواية عندهم في ذلك، وكنت أذهب إلى قول أحمد بن خالد لدليل يؤيده، حتى ودت لمالك ﵀ في بعض الروايات ما أوجب الاختيار له والمصير إليه. وأما بيع الأب على ابنته، وفيه غبن وقت البيع أزيد من الثلثين، فقد قال مالك في المدونة وغيرها: إنما يجوز بيع الب مال ابنه على وجه انظر وابتغاء الفضل، فإذا كان على غير ذلك لم يجز ورد، ولم يحد في ذلك حدًا. وقال في المأمور ببيع السلعة ببيعها بما لا يشبه أو بما لا يتغابن الناس في مثله: إن ذلك لا يجوز على الأمر. قال ابن القاسم: مثل أن يبيع الجارية بخمسة دنانير أو بأربعة، وهي ذات ثمن كثير، أو يبيع الغلام أو الدابة بدينار أو بدينارين؛ فهذا لا يجوز. وفسخ البيع الذي سألت عنه بالغبن الذي ذكرت واجب، وصرف الدور على الابنة لازم، وقد كان بعض أصحابنا البغداديين يحد في الغبن الذي يرد البيع به الثلث، ويذكره عن مالك، وهو حسن في ذلك إن شاء الله . وللابنة القيام بالغبن أو بالتنزل، أو بهما جميعًا، فإن ثبت أو ثبت أحدهما؛ وجب الفسخ، على حسب ما ذكرت هذا الواجب فيما سألت عنه، والله الموفق للصواب، وإليه ارغب في التوفيق.

стр. 542

نحل ابنه عند نكاحه ثلث اله وعليه دين: كتب إلى شيوخنا بقرطبة سنة اربع وخمسين وأربعمائة: فيمن نحل ابنه نحلة انعقد عليها النكاح، فقال: ثلث مالي له نحلة، وكان ماله ثلاث مائة دينار، وأصولاً قيمتها ذلك، ولعيه دين مائة، ثم مات الناحل، فقال ورثته لمنحول: إنما لك الثلث بعد دينه، وقال المنحول: بل ثلث ماله كله لي، وفي الثلثين متسع لدينه. وكان ذاكرني بها أبو محمد يوسف بن عبد القاهر بن الغلاس البطليوسي، فكتب إلى ابن عتاب: إن كان الدين قبل النحلة فالدين مبدأ واللمنحول ثلث ما يبقى، وإن كان بعد النحلة فله ثلث الجميع، والدين بعدها في الثلثين الباقيين، إلا أن يقصرا عن الدين، فستحسن أن يستتم الدين من ثلث النحلة، لأن الدين فرض واجب، والنحلة وإن كانت قد انعقد عليها النكاح، فقد كان كثير من الفقهاء يقول: لا تصح إلا بحيازة كسائر العطيات، والله أعلم بالصواب. وكتب ابن القطان: إذا كان معلوم المال في وقت عقد النحلة، فثلث ماله لمنحول، ويخرج الدين بعد ذلك؛ لأن المال ماله حتى يخرج الدين، هذا مذهب مالك. وكتب ابن مالك: إنما للمنحول ثلث مال الناحل بعد الدين؛ لأن الدين ليس من ماله. فيمن حبس على ولده وأعقابهم فإن انقرضوا رجع إلى المحبس، وإن كان لهم عقب رجع عليهم: كتب بها إلى القيروان من أشبيلية: الجواب – رحمك الله – فيمن حبس حبسًا على ولده وأعقابهم وأعقاب أعقابهم، فإن ماتوا رجع إلى المحبس إذا لم يكن لهم عقب، وإن كان لهم عقب رجع عليهم؛ هل يجوز هذا الشرط وينفذ الحبس للعقب من رأس المال، وقد حيز في صحة المحبس، ولا يرد هذا الحبس الدين الحديث، أو يكون بمنزلة ما رواه يحيى في الذي يعطي العطية لأخيه، فقال: تكون في الثلث. وعرفني هل الحبس بمنزلة العمري التي ذكرها أشهب عن مالك، فيمن شرط في العمرى إن مات المعمر رجعت إليه، وإن مات هو بقيت للمعمر، وحازها المعمر في صحة المعمر؟ فقال: الشرط جائز، وكذلك سنة العمري، شرط ذلك أو لم يشترط، فهل يكون

стр. 543

الحبس إذا وقع فيه الشرط كما تقدم مثل العمرى ينفذ الحبس من رأس المال للأعقاب، بخلاف العطية يشترط فيها الشرط، ولأي شيء اختلف الجواب في العطية. وأجاز ذلك مالك في العمرى بين لنا ذلك حسنًا، فقد فرق ابن القاسم بين الصدقة والحبس، إذا تصدق على رجل بخادم، واشترط لنفسه خمسة أيام في الشهر، فقال: إن كان ذلك على الحبس، فلا بأس به، وإن كانت الرقبة بتلاً فلا خير فيه، وأجازه ابن كنانة. اكتب إلي بفضلك ما عندك في ذلك. مأجورًا إن شاء الله. فجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن: الجواب عندي: أن المحبس على شرطه، ويرجع ذلك إليه، أو إلى ورثته، فيكون مالاً لهم، وترجع فيها الديون، وذلك كالعمرى، وكذلك مسألة أشهب، غير أن مسألة أشهب تكون من ثلث المعمر بعد موته؛ لأنها لم تصح له، إلا بعد موت المعمر، وهذا قول أشهب في غير موضع، ولابن القاسم مثل هذا في غير مسألة من هذا المعنى. وأما الحبس المعقب فمن رأس المال، وأما تفرقة ابن القاسم بين الصدقة والحبس فقال: إذا تصدق على رجل بخادم واشترط عليه لنفسه خمسة أيام من الشهر، فقال: إن كان ذلك على الحبس فلا بأس، وإن كان بتل الرقبة فلا خير فيه. وخالفه ابن كنانة وأجازه؛ فالقول قول ابن القاسم، والفرق بينهما بين، وذلك أنه إذا تصدق وبتل، وشرط لنفسه خمسة أيام من كل شهر؛ فقد منعه من التصرف في صدقته من البيع، والهبة، والسفر، والوطء. ومن تصدق بصدقة وشرط عليه ألا يبيع ولا يهب؛ لم تجز الصدقة عند مالك ولابن القاسم، وقد أبى منها عبد الله بن عمر، فلهذا لم يجر شرطه في الصدقة، وأما الحبس فذلك فيه جائز؛ لأنه لا يباع ولا يوهب ولا يغير عن حالته، فكان مذهب ابن القاسم في هذا أحسن من مذهب ابن كنانة، والله ولي التوفيق. وجاوب أبو عمران الفاسي: الحبس على الولد وعلى أعقابهم إذا حيز في الصحة، ولا يبطله ما شرطه المحبس، إذا لم يكن عقب؛ لأنه كعمري بعد عمري، كما لو قال: هذه الدار يسكنها فلان، ثم فلان ثان، ثم فلان ثالث، فإن مات فلان الثاني وفلان الثالث في حياة فلان الأول، ثم مات فلان الأول رجعت إلي، وكذلك إذا لم يوجد عقب في مسألتك، وأما المسألة التي في سماع يحيى

стр. 544

فإنما هي عمري، شرط المعمر فيها أنه إن مات هو قبل المعمر كانت هبة للمعمر، فصارت هبة الرقبة وصية، لأن المعمر قيد الهبة بصفة موته، فكان مالا ينفذ إلا بموت الواهب فهو وصية. ومسألة سماع أشهب هي عمري محضة ينتفع بها المعمر حياة نفسه فقط، ثم مرجعها إلى ربها، شرط ذلك أم لا؛ لأن قول المعمر أعمرتك حياتك يغني عن قوله، فإذا مت رجعت العمرى إلي؛ لم يجعل للمعمر منها إلا الانتفاع بها حياة المعمر. فخالفت مسألة سماع يحيى المقيدة بوصفين: أحدهما عمري ما لم يمت ربها المعطين فتعود عطية وتبطل العمري، فإذا آل الآمر إلى كونها بموت المعطي عطية لا عمري، لم تصح إلا على وجه الوصية. قال القاضي: كاد لا يكون في جواب هذين المفتيين إلا حكاية السؤال؛ لأن السائل قد ذلك الروايات التي أعادها هما في جوابهما، وإنما الوجه الذي توهمه السائل إبطالاً للحبس، أو يخرج من الثلث كمسألة الإعمال التي في سماع يحيى. وفي رواية أشهب: إذا قال المحبس: هذه الدار أو القرية حبس على فلان وفلان أو بينهما، فإذا انقرضوا من آخرهم، فمرجع ذل المحبس، إن كان حيا، فإن لم يدركه حيًا، فإلى ولده دون سائر ورثته، فهذا إذا وقع لم يكن لولده منه شيء في غيره ميراثه، وكان بين جميع ورثته؛ لأنها وصية لوارث، إلا أن أجاز الورثة ذلك للولد، فيكون له، وإذا لم يجيزوا له شاركوه في الأصل ميراثًا. وإن قال: إن لم يدر كوني حيا رجع إلى ولدي وولد ولدي، أو قال: إلى ولدي، وإلى بني فلان، ولم يجز الورثة ذلك للولد؛ فإنه يقسم بين الولد وولده أو بينه وبين بني فلان بالسواء إذا استوت حاجتهم، فما ناب الولد دخل معه فيه الورثة فانتفعوا به على مواريثهم حياته، فإذا انقرض رجع إلى ولد الولد، أو إلى بني فلان، وخرج الورثة عنه، وإن قال: رجع إلى ولدي ثم من بعده في سبيل الله، أو على المرضى بموضع كذا أو على مسجد كذا، فإن وسعه الثلث دخل الورثة مع الولد في المنافع، لا في الأصل، فانتفعوا به على حسب مواريثهم، ما دام الولد حيًا، فإذا مات صار إلى الوجه الذي سبله فيه من مسجد أو غيره، وإن لم يسبله بعد الولد في وجه، شركة الورثة في أصله واقتسموا ميراثًا

стр. 545

مالاً من مالهم. ولو قال: فإن لم يدركني حيًا رجع حبسًا على ابني فلان، ولا وارث له غيره، ولم يجعل له بعده مرجعًا؛ فإنه يبطل حبسه إذا رجع إلى الابن؛ لأنه ليس للأب أن يوصي بتحبيس ما تخلفه على الابن؛ لأنه لا يجوز أن بحبس على أحد ماله، ولو لم يجز المحبس عليه هذا الحبس حتى مات المحبس، لنفذ للمرجع من الثلث، إذا كان مرجع لغير وارث؛ لأنه وصية، ولم يضره ترك الأول حيازته. والله أعلم. ولو قال: فإن لم يدرك المحبس حيًا، فالمرجع إلى فلان لأجنبي، أو في سبيل الله، فإن لم يدرك المحبس هذا؛ نفذ للأجنبي أو السبيل من ثلث المحبس، وكان وصية علي ما في سماع يحيى وابن الحسن وأصبغ وغيرهم. وكان الأمير عبد الرحمن بن الحكم قد حبس على ابنتيه من أم عبد الله فلانة وفلانة في سنة اثنتين وعشرين ومائتين – جميع أملاكه بقرية فلانة من إقليم كذا، وكلف عقد ذلك يحيى بن يحيى، ومحمد بن خالد، فعقدا حبس الأمير على ابنتيه فلانة وفلانة اللتين في حجره جميع أملاكه بقرية كذا من إقليم كذا، فإن انقرضتا رجعت حبسًا على ابنتيه فلانًا وفلانة، فإن انقرضتا فمرجع ذلك إلى الأمير إن كان حيًا فإن لم يكن حيًا، فإلى ولده دون جميع ورثته من نسائه. ثم عرض الأمير النسخة على عبد الملك بن حبيب بمحضرهما، فأعلمه أن الذي وصفا لا يجوز؛ لأنهما وصية لوارث؛ إذ جعلا المرجع إلى الأمير إن أدركه حيًا فقد صار له بذلك مالاً فليس له أن يجعله بعد موته إلى ولده؛ لأنهما وصية لوارث، فأقرا بما قال، وقالا: هو الحق. ثم قال عبد الملك: فإن أحب الأمير أن يكون المرجع لولده دون نسائه وجدت له السبيل إلى ذلك بطريقة الصواب، فقال، له: وكيف ذلك؟ فقال: بأن تجعل المرجع بعد بنات أم عبد الله إلى ولده أو إلى من أحب حيًا كان الأمير أو ميتًا، ولا يكون إليه من المرجع شيء، فيكون كشيء بتله الآن من ماله في حياته، فيمضي. قال له: فضعه على هذا، فلم أرد غيره، فوضع ابن حبيب عند ذلك نسخة التحبيس، ولولا طول الكتاب لنقلتها بكمالها. ثم دعا الأمير بجميع أحباسه التي حبس على بناته فعرضها على ابن حبيب بمحضر

стр. 546

يحيى وابن خالد، فألفاها كلها لا تجوز؛ إذ كانا قد شرطا فيها المرجع إلى الأمير إن كان حيًا، على ما تقدم، فنسخها، وأمر بصرفها على ما وضع ابن حبيب، وكانت أربعة أحباس: حبس أم المطرف شفاء وولدها، وحبس أم المغيرة اهتزاز وولدها، وحبس أم المنذر موشدة وولدها، وحبس أم عبد الله طروب وولدها، ولأم الأمير الرجلين في خطئهما في وضعهما فقالا: اجتهدنا. وقال ابن حبيب في الوضاحة: سألت مطرفًا عمن حبس شيئًا من ماله مما مرجعه إليه أو مما لا يكون مرجعه إليه، واستثنى أن مرجعه إليه يجعله حيث شاء، فرجع وهو مريض أو لم يرجع، إلا أنه مرض، فجعل مرجعه لوارث فقال: لا يجوز ذلك للوارث لا من الثلث ولا من غيره، إلا أن يجيزه له الورثة؛ لأني سمعت مالكًا قال فيمن أخدم عبده رجلاً حياته، ثم جعله في مرضه لآخره بتلاً بعد مرجعه: إنه من الثلث للمبتول له، فلما جعله مالك من الثلث كان ما جعله في مرضه للوارث باطلاً؛ لأنه مال من ماله بعد المرجع يورث عنه. قال ابن حبيب: وأخبرني أصبغ عن ابن القاسم مثله سواء. قال أصبغ: وأنا أقوله إذا استثنى مرجع رقبة الحبس، كما قال ابن القاسم ومطرف، وأما إن كان استثنى المرجع لتولى إنفاذه على جهة التسبيل، فيما رأى لا مرجع الرقبة، وبين ذلك فرجع في مرضه فسبله فيما رأى على غير وارث، فهو خارج من رأس المال، وإن سبله على وارث كان ميراثًا، إلا أن تمضيه له الورثة. وقال فضل: قول أصبغ على أصل أشهب، لا على أصل قول ابن القاسم، وذكر قول ابن القاسم في مسألة أوردها تركتها اختصارًا. وبهذا كله كان يتم ما سأل عنه ذلك السائل لو أثره به. فعلم. ومسألة ابن القاسم وابن كنانة في مستنثى خمسة أيام من الشهر في سماع أبي زيد، وفي سماع أصبغ يومين في كل جمعة، وأما التي في أول سماع يحيى، ونحوها في سماع ابن الحسن، فأشاروا إليها ولم ينصوها، ولا أبانوا وجه العمل فيها، فرأيت ذكرها وبسط معانيها بما تكلم به بعض شيوخنا عليها. قال يحيى: قال ابن القاسم: من أعطى أخاه منزلاً في صحته، وكتب في عقد عطيته إن مات أخوه المعطي في حياة المعطي، رجع المنزل على المعطي ولا حق فيه لورثة

стр. 547

المعطي، ولا يورث على هذا الشرط أعطاه، فحاز المعطي عطيته في حياة المعطي أو لم يجزه، ثم مات المعطي قبل المعطي؛ فذلك كالوصية تكون للمعطي من الثلث، ألا ترى أنه أنفذ العطية إن مات قبل المعطي، فكأنه إنما أوصى له بها وعجل له قبضها، فهي وصية على كل حال؛ عجل قبضها في صحة المعطي أو ترك. وقال مالك ما يشبه هذا. قال أصبغ: وليس للمعطي فيها بيع ولا تحويل عن حال، فإن مات المعطي رجعت إلى المعطي كالعمري، وإن مات المعطي كانت كالوصية في ثلثه، ولا تكون كالوصية في الرجوع فيها وكذلك مسألته. قال القاضي: نقص من سؤال هذه المسألة ذلك شرط المعطي أنه إن مات قبل المعطي، فالعطية له ماضية، وقد نظرتها في أصل العشرة فودتها ينقص ذلك منها، كما نقلها العتبي في المستخرجة، ووقعت هذه الزيادة في سماع ابن الحسن، ولا غنى بالمسألة عنها فيها، يبين كونها كالوصية، وكأنه قال: هذا المنزل لأخي حياته، عشت أو مت، فعلى هذا ينفذ له، حازه في صحة المعطي أو لم يحزه فاعلم. وقال بعض شيوخنا عليها: إن كان الموصي له قبض المنزل في حياة الموصي، ثم مات الموصي له، رجع المنزل إلى الموصي، وإن مات الموصي قبل، قوم مرجع الدار في ثلثه، وللموصي الرجوع في المرجع، وليس له الرجوع في السكنى حياته، إذا قبضه الموصي له، فإن كان الموصي له لم يقبض المنزل كان للموصي الرجوع في المرجع، وللموصي له أخذ المنزل حياة الموصي، فإن مات الموصي قبل قبض الموصي له المنزل، فله المنزل في الثلث؛ لأنه وصية. وإذا قبض الموصي له المنزل في حياة الموصي ومات الموصي، فإنما يقوم له في الثلث المرجع خاصة، وإذا لم يقبض شيئًا قوم له المنزل كله في الثلث، ومعنى ت قويم المرجع أن يقال: كم يساوي هذا المنزل بعد سكنى له بقية عمره؛ يعمر على الاجتهاد، فتكون تلك القيمة في الثلث؛ لأن السكنى شيء قد قبضه الموصي له في صحة الموصي، فوجب له سكنى بقية عمره من رأس المال، والمرجع من الثلث، وإذا لم يقبض حتى مات الموصي، فيقوم له المنزل كله في الثلث؛ لأنه لم يقبض شيئًا في حياة الموصي، والسكنى أبدًا لا رجوع له فيه، لأنه عطية في الصحة قد قبضها المعطي. والمرجع هو شيء يكون بعد موت الموصي فهو في الثلث، وما كان في الثلث فله

стр. 548

الرجوع فيه غير المدير، وللمعطي قبض المنزل متى شاء في حياة المعطي، فإذا قبضه فقد وجب له سكناه بقية عمره من رأس المال؛ لأنه نفذ في الصحة. وقول أصبغ: كانت كالوصية في ثلثه – يريد المرجع – وقوله: ولا تكون كالوصية في الرجوع فيها – يريد السكنى – لا رجوع له فيها، وله الرجوع في المرجع. قال القاضي: هذا فقه هذه المسألة وبيانها وعلمها وتمامها، والعجيب من الأشبيلي المتكلف لطلب علمها بالقيروان وتركه لطلب ذلك بقرطبة عند أصحاب هذا البيان، ولي سبينه وبينها إلا يومان، والله الموفق وهو المستعان. أوصى بتحسين شيء عنه من أصوله، وشرط إن احتاجت ابنته إلى غلة ذلك رجع إليها، وهي مصدقة فيما تدعيه من الحاجة: كتب أبو عبد الله الباجي من أشبيليه إلى القيروان فيمن حبس موضعًا من ماله مؤبدًا على المساكين في وصيته، وشرط إن احتاجت ابنته إلى غلة الحبس انصرف ذلك الموضع إليها صدقة بتلة، أو أراد على معنى الحبس عليها، وشرط أنها مصدقة فيما ادعت من الحاجة؛ هل ينفذ شرطه في التصديق، وتكون في الصدقة المبتولة وصية لوارث، فيبطل الحبس ولا ينفذ شرطه في التصديق؟ وهل عليها يمين إذا شرط تصديقها؟ وقد علمت ما فيه من الاختلاف، وأرأيت إن كانت ذات زوج مليء هل يسوغ لها دعوى الحاجة؟ ويصرف إليها غلة الحبس أو الصدقة إن جاز ذلك، وهل يكون لجميع الورثة إذا صرف ذلك إليها بمعنى الحبس حتى تموت الابنة، ثم ينصرف الحبس إلى ما سبله. وآخر أوصى بتحبيس أصل على مسجد معين، إلا أن يولد له ذلك أو أنثى أو احتاج أحدهما فيصرف إليه وإن احتاجت الابنة يريد ابنة له أولى فيصرف ذلك إليها، فلم يولد له ولد، هل ينصرف إلى الابنة إذا لم يصرف إليها، إلا أن كان معها أو ينصرف إليها إن كان أراد بمعنى الحبس، ويدخل فيه الورثة، وكيف إن كانت ظاهرة الغنى، وزعمت أنها محتاجة، هل تصدق؟ فجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن: الجواب: أن هذه وصية لوارث، ويدخل سائر الورثة معها إن رجع لذلك إليها على وجه التبتيل، أو رجع مرجع الحبس لا يبطل ذلك؛ لأنه من أوصى لوارث بسكنى،

стр. 549

وأوصى بوصايا دخل سائر الورثة في ذلك السكنى، وكذلك الخدمة، وأما ما كان يأخذه بتلاً، فإنه يكون بين سائر الورثة، وهذا إذا كان مع ذلك وصايا وقعت المحاصة، فإن لسائر الورثة الدخول مع الوارث الموصي له، ولو لم تكن وصايا؛ بطل ذلك كله ورجع ميراثًا بين جميع الورثة. وقد قال مالك فيمن حبس على ولده حبسًا وشرط لهم إن احتاجوا باعوا ذلك فلحقهم دين: أن لأصحاب الدين بيع الحبس من أجل ما شرطه المحبس لهم من البيع عند حاجتهم، والذي اشترط أن ولد له ولد واحتاجوا وله ابنة متى صحت حاجتها؛ صرف إليها وإلى من معها من الورثة فيكونون معها فيه؛ كان بمعنى الحبس أو بمعنى الصدقة البتلة. وبالله التوفيق. وجاوب أبو عمران: شرطه في تصديقها نافذ، لأنه ماله شرط فيه ما أحب، والناس عند شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا، ولا يمين على الابنة إذا لم يفهم عن الميت مراد وجوب اليمين، وإذا كانت تحت رجل مليء فليست محتاجة، إلا إن كان الميت قصد حاجتها إلى شيء ولا يلزم الزوج من تجمل يفهم عنه أنه قصده وشبه ذلك، وإذا انصرف الحبس إليها والنفع بها شاركها الورثة فيه، إن لم يجيزوا لها الانفراد به؛ إذ لا تجوز وصية لوارث، فإذا ماتت فاعمل فيه على المفهوم عن الميت. وعن نص الوثيقة: هل قصد الميت إبطال الحبس على المساكين بحاجة ابنته أم قصد نفعها به حياته، ثم يرجع إلى التحبيس أو إلى ورثته هو، فيعمل على ما يفهم من ذلك، وإذا جمع الميت الوصفين ولادة ولد غير ابنته وحاجة ابنته في شرط وما انصرف إلى بعض الورثة اشترك فيه جميع الورثة، وإن لم يجيزوا، وإذا كانت ظاهرة الغنى لم يلتفت إلى دعواها فقرًا يعلم فيه كذبها، حتى يصح دعواها، والله ولي التوفيق. قال القاضي: قول مالك الذي ذكره أبو بكر في جوابه: وأدرك المحبس عليه دني وكان المحبس قد شرط إن شاء باع وإن شاء امسك، وقع في حبس العتبية فيمن حبس على ابنتيه دارًا، وكتب: إن شاءتا باعتا، وإن شاءتا أمسكتا فرهقهما دين كثير داينتا به الناس، فقال الغرماء: نحن نبيع الدار، قد كتب أبوكما في صدقته إن شئتما بعتما. قال مالك: صدقوا، ذلك لهم أن يبيعوها حتى يستوفوا حقوقهم، ويعارض هذه

стр. 550

المسألة قوله في تفليس المدونة: إنه ليس للغرماء أن يجبروا الغريم على انتزاع مال أم ولده أو مال مدبره، ويقضيهم عنه، وكذلك ينبغي أن يكون في مسألة الحبس، فتدبر ذلك. وفي رسم سلعة سماها يمن حبس دارًا حبسًا صدقة على ولده، لا تباع إلا إن احتاجوا، فإن احتاجوا واجتمع ملاءهم على ذلك؛ باعوا واقتسموا ثمنها، ذكرهم وأنثاهم، فهلكوا إلا رجلاً واحدًا فأراد بيعها. قال مالك: له ذلك، إن احتاج: قيل له: ثم امرأة بنت أخت الباقي الذي يريد البيع، وهي من بنات المحبس. قالت: إن بعت أنا آخذ ميراثي من أمي. قال: لا أرى لها شيئًا. قال ابن القاسم: ولو اجتمع ملاؤهم على بيعها قسموا ثمنها على الذكر والأنثى سواء؛ لأنهما صدقة حازوها، وليست ترجع بما يرجع به المواريث إلى عصبة المتصدق. قال في كتاب ابن المواز: ولا حق فيها لولد بنات المتصدق، وإذا باعها الواحد الباقي فله الثمن كله، ولا حق فيه لورثة من قد مات؛ لأن من انقرض سقط حقه، وإن انقرض قبل أن يحتاج؛ فليس لورثته ولا غيرهم فيها حق، ورجعت كما يرجع غيرها من الأحباس. القاضي يأمر بضم دار إلى نظر صاحب الأحباس: القاضي يأمر بضم دار إلى نظر صاحب الأحباس: قرأنا – زاد الله في توفيقك - الشهادات الواقعة عندك في الدار التي ذلك الشهود أنهم يعرفونها ملكًا لمحمد بن زهير، وأنه توفي فورثه ابنه عبد الله وابنته فاطمة، لا يعلمون له وارثًا غيرهما، وأن عبد الله غاب بالمشرق وغابت فاطمة بوادي الحجارة، وشهدوا أن الدار بحاضرة قرطبة بربض باب اليهود في الدروب المنسوب إلى اللباد، وأنهم يحوزونها في شهادتهم أنهم لا يعرفون أن واحدًا منهما باع حصته فيها إلى شهادتهم فيها عند القاضي أحمد بن محمد، في ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين. وفي شهادتهم: أن أمر هذه الدار رفع إلى سليمان بن أسود، إذ كان قاضيًا بقرطبة فضمها إلى الأموال المحبسة، وصارت بيد أصحاب أحباسه موقوفة ويعرفون أصحاب أحباس القضاة يكرونها لا يعلمون أحدًا يدعى فيها بدعوى ولا حجة، وفي شهادتهم أنه إذا أمر الخزان بنقض دار حفص الذي كان يخدم الوزراء، شهد عندهم أنهم لقوم غيب، وإن ذكرها في ديوان القضاة فأمروا بالكف عنها، وفي شهادتهم: أن هذه الدار تسور فيها غلام حفص وزوجته على التعدي.

стр. 551

وذكرت – أكرمك الله – قبلت من البينة رجلين وأحببت معرفة ما يجب به النظر في هذه الدار. فالذي يجب في ذلك: أن تأمر اللذين قبلتهما من شهودهما بحيازتهما، فإذا حازاها أخرجت المشهود عليهما بالتسور فيها بالتعدي ووقفتها على يد الناظر في أحباسك، كما ثبت عند أن من قبلت من القضاة نظر به وفعله فيها، وهذا بعد إعذارك إلى المشهود عليهما بالتعدي فيها، فإذا أعذرت إليهما بما يجب ولم يكن عندهم مدفع، أنفذت عليهما ما قلناه، إن شاء الله تعالى. قاله عبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن عمر بن لبابة، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبيد الله. قال القاضي: في هذه المسألة نظر؛ لأن الدار شهد فيها أولاً بالملك لابن زهير وابنته الوارثين له، ثم ألغي ذكرهما. فتدبر ذلك. الشهادة في الحبس القديم على السماع من أحكام ابن زياد: فهمنا – وفقك الله – ما شهد به الشهود في حبس الوليد بن عبد الملك بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن معاوية على سماع فاش لبعد موته؛ فيجب أن يشهد القاضي على هذه الشهادات القائمة بالسماع بعد الإعذار فيها إلى المطلوب. قاله محمد بن غالب، وقال: إن هذه الأحباس من حقوق الله ، وهو فيما أنعم به، وأحسن فيه أحق من أخذ له بحقه، ولله قبلك نعمة، وأنت بحمد الله ممن يعرف حقها ويشكرها، وقد نفذت جميع أحكامك بحق واضح ونور ساطع؛ فاجعل نظرك هذا من النظر الذي تقدم لك، فإن الله يملك ولا يملك عليه، وأنت إن تلومت حتى يجتمع رضا طالب ومطلوب لم ينفذ لك فصل، فقدم بين يدي نظرك العدل والإنصاف، كما لم تزل تفعله، فإن الله يمنعك من الطالب لك، ويدفع عنك إذا أثرته، وصدعت بالحق له وفيه، إن شاء الله. وقاله محمد بن وليد، ومحمد بن لبابة. ومن هذا المعنى فدان حبس شهد فيه على السماع: فهمنا – وفقك الله – الشهادات في حبس ابن عبد المؤمن قطيعًا في فدان بمقبرة السقايين بغربي حاضرة قرطبة، وشهادة الجوازي على السماع الفاشي أنه حبس للمقبرة، وقوله: إن عتبة الملفي بيده هذا القطيع في العسكر، فيجب أن تأمر هذا الشاهد ومن شهد

стр. 552

معه بحيازة هذا القطيع، ثم تأمرهم أن يأمروا من جاور الفدان ألا يحدث في هذا القطيع حدثًا حتى يستتم النظر فيه بواجب الحقن إن شاء الله. قاله ابن لبابة، ومحمد بن غالب، ومحمد بن وليد. ومثله في السماع الفاشي في الحبس: فهمنا – وفقك الله وسددك – ما قامت هب القرشية من ابتياع نصيب زوجها فلان من المال، الذي قد ثبت عندك تحبيس والد زوجها فلان بن فلان له بشهادة السماع الفاشي، الذي بمثله تثبت الأحباس المتقادم عهدها، والطويل أمدها، فرأيناها قامت بأمر لا يوجب لها حقًا؛ إذ زوجها البائع منها أحد الذين حبس المال عليهم، فلو ثبت بيعه لمصابه منه كان قد باع محرمًا بيعه، وغير حلال ابتياعه، إلا أنها قد رجعت شهادة الشهود إلى القول بأنها لا تطلب في المال المحبس شيئًا، غر أن يجري عليها من نصيب ولدها الذي هو واحد من أهل الحبس نفقة لضعفها، وقلت: هل رأيناك أبقيت لها حقًا في نظرن أو قصرت بها عن الواجب فيما قامت به عندك، فتراجع النظر لها حتى تبلغهما إلى ما يجب لها في الحق والسنة؟. فالذي نقول: - وفقك الله وأرشدك – أنك نظرت لها بالحق الذي يجب النظر به والقصد إليه، وهي سبيلك التي رأيناك منذ قلدك الله عباده إليها قاصدًا، وبها عاملاً ولها مؤثرً، فثبتك الله على ذلك. ونقول:- وفق الله القاضي – إنا نرى أن من خرج إلى الشكية بغير حق كفعل هذه القرشية أن تؤدب، وأقل ذلك الحبس؛ ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد عن ذلك من فعلهم. قال محمد بن وليد، ومحمد بن لبابة. قال القاضي: لم يفسر الشيوخ ﵏ في هذه المسائل كيفية شهادة السماع، ولا المدة التي تجوز فيها، وتلك عادتهم في أكثر أجوبتهم، ولذلك بسط وبيان به تتم هذه المعاني، فأما كيفية الشهادة به في الأحباس، فأن يشهد الشاهد أنه يعرف الدار التي بم وضع كذا وحدها كذا، وأنه لم يزل يسمع منذ ثلاثين عامًا أو عشرين عامًا متقدمة لتاريخ شهادته هذه سماعًا فاشيًا من أهل العدل وغيرهم: أن هذه الدار أو هذه الملك حبس على مسجد كذا أو على المرضى بحاضرة كذا، أو على فلان وعقبه أو حب لا غير، إن لم يشهدوا بتسبيله، وأنها كانت محترمة بحرمة الأحباس، ويجوزونها بالوقوف إليها والتعيين لها.

стр. 553

بهذا جرى العمل في أداء هذه الشهادة، فإذا أديت هكذا، وكان الشهود بها شاهدين فصاعدًا؛ حكم بها بعد حيازة الشهود بتحبيسه والإعذار إلى من يعترض فيه ويدعيه. قال ابن القاسم في سماع عيسى في حبس العتبية: إذا شهد رجلان أنهما كانا يسمعان أن هذه الدار حبس جازت شهادتهما، وكانت حبسًا على المساكين إن كان لم يسم أحدًا، قيل له: فإذا شهدا وفي القبيل مائة رجل من أسنانهما لا يعرفون ذلك. قال: إذا كان كذلك فلا تقبل شهادتهما إلا بأمر يفشوا أو يشهد به أكثر من اثنين، وإذا شهد شيخان قديمان قد أدركا الناس وباد جيلهما أنهما سمعا أنها حبس؛ جازت شهادتهما. وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: وأحب إلينا أن يكثر الشهود في السماع، فإن لم يكن إلا شاهدان إن جازا، وقال ابن الماجشون في ثاني الثمانية: لا يقطع في ذلك بأقل من أربعة شهداء؛ لأنه شبه الشهادة على الشهادة، لأن أقل ما يجوز في الزنا أربعة، فاحتيط في شهادة السماع فجعل أقل ما يجوز فيه أربعة شهداء. وفي سماع ابن القاسم في رسم المتاع من هذا، وفي الشهادات في نوازل سحنون: تجوز شهادة السماع في النكاح وفي الموت، وإن لم تحضره وفي النسب وولاية القاضي، ومثله في سماع أبي زيد في النسب، وفي شهادات المدونة في الأشربة المتقادم عهدها فيما كثر من السنين وتطاول من الزمان. قال في كتاب ابن حبيب: مطرف وابن الماجشون وأصبغ: تنفع شهادة السماع في الخمس عشرة سنة ونحوها، لأن الأعمال قد تقاصرت. وروي ابن القاسم عن مالك في الموازية: أن الخمس عشرة سنة ليست بطول تجوز فيه شهادة السماع، وقيل: تجوز في كثرة الوباء في مدة لو لم يكن وباء لم تجز فيها؛ لأن كثرة الوباء كطول السنين واندراس الأمر. في المغرب: أن شهادة السماع جائزة في العدالة والتجريح لمن لم يدركه الشاهد، وفي الإسلام والكفر والحمل والولادة وترشيد السفيه، قال أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم، ومسائل هذا كله مبسوطة في الأصول من أراد الوقوف عليها تأملها في مواضعها.

стр. 554

شهادة سماع أيضًا في دار محبسة بيعت: شهد عند القاضي أحمد بن محمد صالح بن معافي: أنه يعرف الدار التي بقرطبة بربض كذا ويجوزها، وسماع سماعًا فاشيًا من تاريخ سنة خمس وخمسين ومائتين إلى تاريخ سنة اثنتين وتسعين ومائتين من العدول وغيرهم: أنها محبسة على وليد بن موفق، وأم الكنوز بنت موفق، وفلان وفلانة ابنتي حارث، وعلى أبنائهم، وفي شهادته أنه يعرف هؤلاء المحبس عليهم بأعيانهم وأسمائهم، ويعرفهم يسكنون هذه الدار المحدودة في هذا الكتاب بالحبس، إلى أن ماتوا، ويعرف أبنائهم يسكنونها بعدهم باسم الحبس. بعد أن مات وليد بن موفق، فانتقل نصيبه إلى ولده محمد، وماتت أم الكنوز وانتقل نصيبها إلى ابنها حاتم، وهو قت شهادته غائب، وماتت خليدة فصار نصيبها إلى ابنتها أمة الرحيم، وماتت عالية فصار نصيبها إلى ابنها قاسم، ثم مات قاسم فصار نصيبه إلى ولده يبكر، وماتت زين فصار نصيبها إلى ابنها مرثد، ثم مات مرثد فصار نصيبه إلى ولده يحيى، وماتت سميعة فصار نصيبها إلى ولدها هاشم، ثم مات هاشم فصار نصيبها إلى ولده حارث، لا يعرف لواحد من هؤلاء ولدًا يجوز له انتقال نصيبه إليه غير هؤلاء المسمين، وشهد فلان بمثل ذلك. الجواب: إذ قد قبل القاضي – وفقه الله – شهادة الشاهدين في حبس الدار المذكورة في هذه الصورة، وأنه تحبيس معقب، فيجب إحضار متبايعي الدار وكشفهما عن ذلك، فإن ذلك باشعهما أنه ملكه أعلم بثبوت تحبيسها، وأنه معقب، فإن ادعى مدفعًا أجلته فيه، فإن أثبت ما يسقط الحس أسقطته بعد الإعذار إلى المحبس عليهم إن عرفت بهم، وإن لم تعرف بهم نظرت في إسقاط الحبس بما يجب به إسقاطه، وإن عجز عن المدفع فسخت البيع فيها، وأعديت المشتري بالثمن على البائع، ووفقتها للحبس، فمن اثبت عينه أنه من أهل الحبس أدخلته في الحبس. قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وأحمد بن يحيى بن أبي عيسى. قال القاضي: لم يبين في هذه المسألة أعلم شهود التحبيس ببيع الدار وسكتوا، أو لم يعلموا، أو قاموا بالشهادة حين علموا بالبيع، ولا كلف القاضي طالب الحبس إثبات عدة ورثة من

стр. 555

مات على ما يجب في ذلك، ليعذر إلى من لا حظ له في الحبس من الورثة، ولا هل يقضي على المتبايعين بغلة الحبس، إن لم يكن عندهم مدفع، ولذلك كله تفصيل وشرح يطول. قطيع محبس من جنس باعته بعد التحبيس المحبسة: قام عند القاضي محمد بن أحمد بن بقي محمد بن عبد الله على خلف بن أحمد في قطيع من جنة بيده معين محبس، وأظهر إليه عقدا أشهد به على أنفهسما: أن محمدًا منهما قام على خلف في القطيع، وطلب أخذه بالتحبس، وأثبت عند أبي بكر يحيى بن محمد ابن زرب أن عائشة بنت فلان حبسته على زوجها عبد الله والده، وعلى عقبة وعقب عقبة، ثم على المرضى بقرطبة، وملك المحبسة للقطيع، وموت المحبس عليه عبد الله، وأن المحيطين بميراثه في علم شهوده به زوجته عائشة المحبسة، وابنه القائم محمد، وأعذر إلى عائشة في التحبيس فأقرت به، ولم يكن عندها فيه مدفع. وأعذر إلى المقوم عليه خلف فاستظهر بعقد ابتياعه القطيع من عائشة المحبسة، وأثبتته وأقرت به، ولم تبين تاريخ التحبيس، ثم أكرى محمد القطيع من خلف لاثني عشر عامًا، وأمضى ابن زرب ذلك مختارًا لقول من أجاز عقد الكراء في الحبس لمثل هذه المدة، وغرس المكتري في القطيع شجرًا، وأشهد ابن زرب في هذا الكتاب بما ثبت فيه عنده، وانقضت مدة الكراء، فقام المحبس عليه محمد عند ابن زرب على ورثة خلف، يطلب أخذ القطيع بالتحبيس واثبت عنده موت خلف ووراثته، وأعذر إلى الورثة فلم يكن عندهم مدفع، وشاور الفقهاء في ذلك. فأفتى ابن عتاب: الحكم لمحمد بالحبس واجب، وصرف القطيع إليه لازم، وله كراؤه من ورثة خلف إن شاء، والمدة المستأنفة، وما كان فيه من شجر غرسة المكتري يثبت في أرض أخرى إذا قلع من القطيع، فلهم قلعة، وإلا بقي ولورثته على محمد قيمته قائمًا: وأفتى ابن القطان بنحو ذلك إلا في قمية الغرس، فقال لهم: قيمته مقلوعًا لا قائمًا. وأفتى ابن مالك: أن ما حكم به ابن زرب في ذلك غلط لا يجوز إمضاؤه، ولا يجب للقائم محمد حكم بالحبس لنقصان ما أثبته عما يصل به إلى وجوب أخذه للقطيع، إن شاء الله.

стр. 556

قال القاضي: وتكلم معي في ذلك، وقال: وجه نقصانه أن القائم محمد أثبت موت أبيه المحبس عليه وراثته، ولم يثبت أنه لا عقب له غيره، ومحتمل أن يكون له عقب فيكونوا شركاء هذا القائم في الحبس، فلا غنى به عن إثبات ذلك، كما أثبت وراثته للإعذار إلى الورثة، فكذلك يثبت عقبه ليعلم الحكم الجزء الذي يحكم به للقائم، ألا ترى أن من طلب حقًا وجب له ميراثه له عن موروث أنه لا يصح له حكم حتى يثبت عدد الورثة، وإلا لم يحكم له القاضي بشيء، وهو بين في شهادات المدونة، فكذلك العقب في التحبيس، وهذا هو الصواب إن شاء الله. قلت له: ولم لا يلزم الإعذار إلى المرضي، ومرجع الحبس إليهم؟ فقال: لقول المحبس: ثم على المرضي فإنما يتعين لهم حق في الحبس بعد انقراض العقب، وأما عقب العقب فلهم الدخول مع آبائهم في الحبس، قوله: وعلى عقب عقبه. والواو للاشتراك فاعلم. وقال لي بعد ذلك: إن القاضي كشف عن العقب فألفى منهم من يشرك القائم في الحبس، وكنت أعلمت ابن عتاب بقول ابن مالك في ذلك، فقال لي في هذا شيء مستغني عنه، وما أظن سكوته - أي ابن عتاب - وسكوت ابن القطان عنه إلا إغفالا، والله أعلم. وأفتى ابن القطان في جنة بجهة الزاهرة شرقي قرطبة محبسة على بني برطان تقبلت لثلاثة عشرة عامًا، وكان سوادها تبعًا لبياضها بفسخ القبالة فيها لطول هذه المدة، وطول المدة في كراء الأحباس. فيه تنازع، وقال اصبغ في الثمانية: من حبست عليه دار وعلى ولده من بعده فأكراها المحبس عليه سنة أو سنتين وقبض الكراء، ثم مات بعد أشهر؛ فلولده فسخ الكراء؛ لأنه قد انقضى ما كان لأبيهم من الحبس، وصار لهم، ويرجع المكتري في مال الميت فيأخذ ما بقي له من الكراء، وسواء كان ولده صغارًا أو كبارصا، وهو كمن أكرى داره ثم استحقها مستحق؛ فله فسخ الكراء. وقال ابن الماجشون في النوادر: يجوز كراء ولي الصدقة لما يجوز من النظر والحظ، السنة والسنتين، وما يجوز مثله للوكيل، ولا يجوز له التطويل، لأنه إنما يليها ما دام حيًا، وقد يتعرض حكمه فيها بعد الموت، وإن أمكن ذلك في القليل، فليس مما دخل فيه مدخل

стр. 557

الآخر في الأغلب، ولا يجوز أن يكربها بنقد؛ لأنه قد يضع في ذلك. والكراء لا يقسم عليهم قبل سكنى المكتري؛ لأنه إنما يقسم على من حضر يوم القسم، فمن ولد قبله ثبت حقه، ومن مات قبله سقط، وإن قسم قبل وجوبه بالسكن؛ فقد يموت من أخذ منه قبل أن يجب له ويحرم من جاء ممن يولد، وإن أكرى ما مرجع الرقبة لآخر بعده فلا يلزم ما بقي من المدة بعد موته، وإن قل بخلاف ولي الحبس الذي ذكرنا أنه يلزم ما قل من عقده؛ لأن الذي لغيره المرجع ليس له أن يعقد على غيره، وليس بيده من ولاية الصدقة ما بيد الولي الآخر، وهو إنما يكري لنفسه؛ ليس بولي على غيره، فهو يجوز له أن يعقد كراء مثل الأربع سنين والخمس. وقد أكرى مالك منزله لعشرة سنين وهو صدقة على هذه الحال، واستكثر المغيرة وغيره عشر سنين، فما أبيح له فيه الوجيبة فهو جائز له فيه السلفة؛ لأنه إنما تسلف لنفسه، وإنما الخطر فيه لكثرة السنين لطول عمره، أو قصره، فهو إذا مات يرد ما بقي فصار سلفًا، ولا يدخل من الحظر في القرب ما يدخل في البعد. وهذه المسألة في المبسوط لإسماعيل بن إسحاق القاضي عن عبد الملك بن الماجشون، وفي الصدقة من العتبية، وفي سماع أشهب وابن نافع عن مالك: فيمن تصدق بدار له على مواليه وأولاد أولادهم، فإذا انقرضوا رجعت إلى ولده، فكانت كذلك حتى بقي منهم واحد فأكراها من بعض ولد المحبس عشرين سنة، فأنكر ذلك باقي ولد المتصدق، وقالوا: نخاف أن يموت المولي في العشرين سنة فتقوم علينا بحيازتك. قال مالك: إذا مات هذا المولي انفسخ الكراء، ولقد أكثر في السنين فليكتبوا عيه بذلك كتابًا، ويتوثقوا عليه فيه. وقال ابن العطار في وثائقه:؛ ولا تجوز القبالة عند ابن القاسم في روايتاه عن مالك في الأحباس على قوم بأعيانهم، إلا لعامين ونحوهما، وبه القضاء للغرر الذي فيه بانتقاض قبالة من مات منهم، وقد تستأنف أيضًا لمن ولد منهم ممن له الدخول فيه. قال: واستحسن القضاة عقد قبالة أحباس المرضي والمساكين والمساجد لأربعة أعوام خوفًا أن تدرس الأحباس بطول مكثها بيد متقبليها. ورأى أهل البصر هذه المدة أقصى ما تبقى منفعة الزبل في الأرض، والمتقبل يزيل ويعمر. وبما ذلك ابن العطار شاهدت العمل بقرطبة، إلا قبالة الدور والحوانيت والفنادق.

стр. 558

المحبسة على المساجد وغيرها، فإنها تعقد في كل عام يجتمع لها عند القاضي في ذي الحجة من كل عام بعد عيد الأضحى بثمانية أيام، وينادي عليها ويعقد للعام الداخل. وقد خوطبت من بطليوس وأنا بأشبيلية في أرض ذلك أهها محسبة ولم تحز، وأكراها من كانت بيده وكن نساء لخمسين عامًا، وغرسها المكترون وكانوا جماعة، فلما مضى من الأمد نحو ثمانية أعوام فمن يطلبن فسخ الكراء؛ لأن الأرض محبسة عليهن، وأفتايت بنقض الكراء في الحبس وغيره إذا انعقد لهذه المدة لطولها وخروجها عن المعروف، وذكرت أنه لا حجة لمن جوز هذا في التي في نوازل سحنون، واستشهد على ذلك بالكالئ يؤجل إلى مثل هذا الأجل، وبتأجيل ثمن البيع إلى مثله: أن ذلك مما يفسخ به النكاح والبيع، وعلى ما في الواضحة وغيرها. وتركت نقل ذلك على حسب ما أفيت به كراهة التطويل، وفيما ذكرناه مقنع، وكذلك اختصرت بعض ألفاظ الروايات تخفيفًا دون إخلال بالمعنى الذي قصدناه، وقد تقدم هذا المعنى في باب الشفعة، والله الموفق للصواب. نقل شهادة شاهد لمرضه في حبس: من أحكام ابن زياد: فهمنا - وفقك الله - ما كشفتما عنه من شهادة محمد بن مسور ومحمد بن عبد الملك بن أيمن الناقلين إليكما شهادة إبراهيم بن عيسى، وأنهما قالا في شهادتهما: أن إبراهيم في وقت إشهاده بحال لا يقدر على الخروج لأدائها في الكتاب الذي هو الصك مفرط منه، فرأيناه شهادة تامة، فإذا أشهد بمثل شهادة إبراهيم شاهد آخر ممن تقبله نمت الشهادة، ووجب الحكم لمن شهد له به بعد الإعذار إلى من شهد عليه في الشاهدين، وفيما شهدا به، فإن لم يكن عنده مدفع أمضى عليه الحكم وأشهدتما على ثبوت الكتاب بشهادة الشاهدين بعد ثبوت عدة ورثة المحبس عندكما أيضًا، والإعذار إلى من لم يقم عندكما طالبًا لنفاذ الحبس من الورثة، وإن كان في الورثة من لم يدخل في الحبس، أعذر إليه أيضًا. قال ابن لبابة، وأيو، وعبيد الله، وغيرهم. قال القاضي: وبقي من المسألة يسير كان درس في الكتاب الذي كتبت منه فتركته، وحكم في هذه المسألة حكمان، ولا أعلم من هذا إذا لم يسميا في الكتاب والله أعلم. وقد تقدمت في أول الكتاب مسألة حسنة في الشهادة على الخط في الأحباس.

стр. 559

ثبوت حبس ابنة حيون عند القاضي عمرو بن عبد الله، ونظر القاضي بعده فيه: فالذي يجب في ذلك أن يثبت عندك إشهاد عمرو بن عبد الله على ثبوت الحسن وحوزه عنده، فإذا ثبت أعذرت إلى ورثة أمة الرحمن ابنة حيون في ذلك، فإن أتوا بمدفع نظرت فيه، وإن لم يأتوا بمدفع أشهدت على ثبوت ما ثبت عند عمرو بن عبد الله، ثم تأمر بإحضار سلطان ويقرأ عليها تبرؤها، بعد أن يثبت عندك عينها، فإن أقرت به أشهدت على كتاب إشهادهما على التبرؤ، ثم تأمر ببيع الدار بعد حيازتها، وإن أنكرته وثبت عندك أعذرت إليها، ثم تعمل في ذلك على حسب ما يظهر لك إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد. قسمة الحبس للاغتلال إذا طلب أربابه ذلك: فهمنا - وفقك الله - ما سأله عبد الملك بن عبد السلام وكيل هند وعزيزة عنهما، وما سأله عبد الله بن خليفة وابن زيد عن بنيهما من قسمة الحبس الذي ثبت عندك أن محمد ابن سلمة؛ إذ كان قاضيًا أشهد عليه، وما ذلك في ذلك الكتاب من الحبس الثابت عندك، على حسب ما اجتلب فيه، ورأينا الحبس الذي بقرية أوسيناته، وبلاط أم عاصم، محوزة مزرعة بشهادة من قبلهم محمد بن سلمة؛ إذ كان قاضيًا بقرطبة، وثبوت ذلك عندك من إشهاد ابن سلمة عليه ولم نر لقرية سنسانة حوزًا في أرض غير تحبس عبيد الله جميع ملكه بها. فالذي يجب - وفقك الله - أن تأمر المشتركين في الحبس أن يقسموه بينهم قسمة اعتمار واغتلال، إلى أن يحدث من الولادة أو الموت ما يفيد ذلك بزيادة أو نقصان، على ما تجري عليه أحباس المسلمين، ويؤمر عبد الله بن محمد بالخروج عن قرية سنسانة والبراءة بما كان تحت يده منها إلى أولاده المحبس عليهم فيقسمونه، على مثل هذه القسمة، أو إلى غيرهم ممن يحوزه لأولاده ولمن بعدهم، فإن أبي شددت عليه بالحبس وألزم ذلك؛ أحب إلى غيرهم ممن يحوزه لأولاده ولمن بعدهم، فإن أبى شددت عليه بالحبس وألزم ذلك؛ أحب أو كره؛ لأن ذلك ينتقل إلى غير بنيه من بني بنيه، ثم إلى فقراء المسلمين بعد انقراض تسبيله، وإن تمنع أحدًا ممن له في الحبس نصيب من القسم، ألزم ذلك على ما أحب أو

стр. 560

كره. قال بذلك عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن وليد. قال القاضي: قال لنا الشيخ أبو عبد الله ابن عتاب: في قسمة الحبس اختلاف. وذلك موجود في مسائل المدونة، وغيرها. قال ابن القاسم عن مالك فيمن حبس أو تصدق على بنيه الصغار والكبار، فلم يجز الكبار جميع ذلك حتى مات المحبس أو المتصدق: إنه يبطل ولا يجوز منه شيء. قال ابن القاسم: والهبة كذلك. وروي علي وابن نافع عن مالك: أن الصدقة تجوز منها حظ الصغار؛ لأنها تقسم ويبطل الحبس كله؛ لأنه لا يقسم، فقد صرح هنا أن الحبس لا يقسم. وقد تقدم هذا المعنى أكمل في حيازة الأب لبنيه الصغار. وقال مالك في المدونة وسماع يحيى وسماع عيسى فيمن حبس في مرضه على ولده وولد ولده دارًا ومات: إنها تقسم على الولد، وعلى عدد ولد الولد، فما صار لولد الولد أخذوه، وما صرا للولد دخل فيه سائر الورثة من أم الزوجة وغيرهما، فإن انقرض واحد من ولد الأعيان قسم نصيبه على من بقي من ولد الأعيان، وعلى ولد الولد، وتدخل الأم والزوجة وسائر ورثة الميت الأول فيما صار منه للولد. وفي المسألة طول وغموض واختلاف، تركنا ذلك كله لطوله وإذ هو مبسوط في الأصول: العتبية وغيرها، وقد رأيت لابن أبي زيد فيها كتابًا، وفي المغرب وغيره فيها بيان، وإنما قصدت منها ذلك القسمة الواقع فيها، وهي في حبس. وظاهره خلاف ما قاله أكثر أصحاب مالك في مسألة التي قبلها: أن الحبس لا يقسم. وقال محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة في منتخبه: اختلف ابن أيمن وابن الأغبس في قسمة الحبس، فقال ابن أيمن: يقسم، وكانت قد نزلت وكتب بالقسم وثيقة، وقال ابن الأغبس: لا يقسم ويفسخ القسم إن وقع. واحتج برواية علي ومن وافقه في المسألة المتقدمة. قال محمد بن يحيى: وهو خطأ ومن اختلافهما؛ لأن معنى القسمة في مسألة الحبس في مرضه على ولده وولد ولده: إنما هو قسمة انتفاع، لا على أنه قسم يلزم من يأتي، والقسمة الممنوع منها في المسألة الثانية قسمة البنات.

стр. 561

قال القاضي: احتل بقرطبة مرضى من غيرها، وطلبوا الدخول مع مرضاها في أحباسها المحبسة على المرضى بقرطبة، فاختلف بها في الوقت الذي يجب لهم فيه الدخول مع مرضاها فيما يقسم عليه من غلة أحباسهم، وكان رأيي أن ذلك لهم بعد مقام أربعة أيام؛ إذ قالوا أنهم يريدون الاستيطان بها. وذكر لي أبو عبد الله ابن أبي حنين مثل ذلك عن ابن القطان، وكتبت بذلك إلى ابن أبي سلمة، فكتب: إذا ثبت استيطانهم بها، فمن يوم يثبت ذلك يفرض لهم في الأحباس، إن شاء الله، وانظر في حج الاستذكار، وهذا إن شاء الله حسن، وهو مقتضى ما ذكروه، والله أعلم بالصواب. وقول عبيد الله وأصحابه به في جوابهم: ومن أبي القسم منهم ألزمه - فيه نظر عندي؛ فتدبره. دار ادعت التي هي بيدها أنها حبست عليها وعلى فلان، وقال فلان: بل هي لي ابتعتها من التي زعمت تلك أنها حبستها عليهما: قال ابن لبابة: يجب في المرأة التي ألفيت في دار ذكرت أن أمة الوهاب حبستها عليها وعلى عباس، وقال عباس: بل الدار لي باعتها مني أمة الوهاب، وأدخل على ذلك ببينة أن تخرج المرأة من الدار لإقرارها بأنها فيها بسبب الحبس عليها وعلى عباس، وتكذيب عباس لها في ذلك، فإذا خرجت أمر القاضي - حفظه الله - بعقلها إلى أن يثبت اشتراء عباس أو حبس المرأة وموتها وعدة ورثتها، ثم يعذر إليهم فيما ثبت عند القاضي من ذلك، نفذه على ما يظهر له إن شاء الله. وقال محمد بن وليد. دار بيعت وحبست ثم ادعى البائع أنه مولى عليه: كشفنا - وفقك الله - عن حكمك لسمرة على عبد الله بن العاز في دار كان قد باعها منها، وحبستها سمرة بحضرة ذلك على مسكة، ثم على مسجد الغار، وجعلت إلى حجاجة أم عبد الله البائع قبض الحبس لمسكه ولمسجد بعدها، وذلك بعد استقصائك لسمرة ولحبسها، وذكرت أنها اعترضت بإنكار البيع، وادعى البائع أنه في ولاية أمه حجاجة بإيصاء أبيه محمد، وادعت ذلك عندك حجاجة. وشهدت البينة عندك بالبيع وقبض الثمن، وأن بيعه للدار كان بمحضر أمه، وأقرت

стр. 562

عندهم أنه إنما باعها في مصالح نفسه وأموره، وشهدوا عندك بالسداد في البيع، وأوقعت عليه القضاء؛ إذ لم يثبت عندك ولاية عليه بعينه، وقالوا: إنهم لا يعرفون عينه، ولا إن كان أولى عليه وهو صغير أو كبير، وفسحت له ولأمه بضرب الآجال استقصاء لمعاذيرهما، فملا لم يأتياك بشيء يوجب لهما نظرًا؛ أنفذت القضاء عليهما، وكل ذلك من فعلك صواب لم تعد فيه السنة، ولا خرجت فيه عن طريق الواجب، وذلك فلعلك في أحكامك، والقضية التي قرأنا بما أف صحت فيه عن نظرك تامة كاملة، ويجب عليك إمضاؤها. والإشهاد عليها. قاله محمد بن غالب، وابن لبابة، وغيرهما. فدان محبس بيد رجل ادعى أنه قد فرق غلته واضطرب في ذلك قوله: فهمنا - وفقك الله - ما وقف عليه ابن العاني من تحبيس جده للفدان، وإعلامه بما شهد به عليه في ذلك، وقوله: لا مدفع عندي في شهادتهم، ثم قوله: عندي مدفع فيهم، ومرة قال: إني قد فرقت غلة هذا الحبس عامًا بعام، فإذا كان في قوله وإقراره أنه وليه أخذ بإبراده لإقراره أنه تحت يده، ثم يوقفه القاضي حتى يثبت تحبيس جده له وموته، وعدة ورثته وورثة من مات من ورثته. فإذا أثبت؛ أشهد القاضي على ذلك، وسجل به قضاء يأخذ ما عقد من ذلك بعد الإعذار إليه، أن شاء الله، ويؤخذ بما اغتل إذا كانت الغلة أراد للحبس أو الكراء، إن كان الكراء أنفع؛ إذ لم يعاقده عليه من تجوز معاملته، ويوقف مع إيقاف الفدان إلى أن يظهر للقاضي فيه نظر فيمضيه بما يظهر له إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وابن وليد، وأحمد بن يحيى، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، وعبيد الله، ومحمد بن غالب، ويحيى بن عبيد الله. المحبس عليه يعمر المحبس ما حبسه عليه: فهمنا - وفقك الله - ما رفع إليك عن عبيد الله بن محمد بن يزيد من دخول ابنتيه هند وعزيزة عليه في مرضه، وقولهما: قد أعمرنا هذا الحبس كان حقًا أو باطلاً، وظهور كذبه في ذلك ما لا يحتاج معه إلى بينة في طلبه، ولثبوت انتقاله من إنكار إلى إنكار حتى أخذته الحكومة، وتبين عجزه ولرده غير ما مرة. فالذي نرى: أن يمضي عليه الحكم بما قد أفتيا، ولا يمين على ابنتيه فيما ادعاه لما انكشف من كذبه غير مرة. قاله ابن لبابة، وعبيد الله، وأيوب، وغيرهم.

стр. 563

دار محسبة على رجلين أكراها أحدهما: وقفت لي - أكرمك الله - رسولك مع مولى الزاهد الصياد ومولاته، واختلفا في الدار التي حبسها عليهما، وذكرت المولاة أن المولى المحبس عليه معها أكراها لنفسه دونها، ولم يعطها نصيبها، وقال المولى: ما أكريت إلا هذه السنة وعام أول. فالذي يجب أن يغرم إليهما نصيبهما من كراء السنتين، بعد أن يحلف بالله: ما قبضت منها شيئًا وتحمل المرأة البينة على السنتين الماضيتين، فإن جاءت بالبينة غرم حصتها من كرائهما، وإن لم يثبت ذلك حلف المولى بالله ما اكتريتها، ولا أخذت لها كراء غير هاتين السنتين التين أقررت بهما، وبالله التوفيق، ثم لا يكريها أحدهما إلا برضاء صاحبه. قاله ابن لبابة. في الحانوتين المحبسين للغساني وفسخ البيع فيهما: فهمنا - وفقك الله - ما شهد به على زوجة الغساني من بيعها للحانوتين اللذين ثبت تحبسهما، ووجب للمشتري الرجوع على البائعة بالثمن، وقالت عند الإعذار إليهما: إنها باعت مكرهة معروضًا عليها السياط، وعندي في ذلك مدفع بهذا الإكراه، فيجب أن تحمل إثبات ما ذكرت، فإن أثبتت أن بيعها كان مكرهًا، وجب الكراء في مال المشتري المكره، ولزمها رد الثمن، إلا أن تثبت لها أنها ردت الثمن وضمت إلى الإشهاد بالقبض، ولم تقبض في علمهم وما اطلعوا عليه. قاله عبيد الله، وابن لبابة، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، وابن وليد، وابن غالب، وأحمد بن يحيى بن أبي عيسى. قال القاضي: وعند آخر حبس الواضحة قال ابن حبيب: سألت مطرفًا عن منزل حبس على المساكين فرفع إلى قاض، فجهل فباعه، وفرق ثمنه على المساكين، ثم رفع إلى غيره بعده فقال: يفسخ البيع، ويرد المنزل حبسًا كما كان. قال: قلت له: فالثمن ممن يأخذه المشتري، وهل هو على السلطان الذي باعه؟ فقال لي: لا أرى عليه شيئًا، وخطأ الإمام في الأموال هدر إذا اجتهد فأخطأ، ويدفع الثمن إلى المشتري من غلة الحبس. وسألته عمن بني مسجدًا في قرية فصلى فيه نحو سنتين، ثم باعه ممن نقضه وبناه بيتًا أو دارًا، أو تصدق به على من فعل هذا به. فقال: يفسخ ما فعل، ويرد إلى ما كان عليه مسجدًا وهو كالحبس لله لا يجوز بيعه ولا تحويله عن حاله، وللباني نقض بنيانه، وإن شاء

стр. 564

فليحتسب في تركه، وإن أراد نقضه فأعطاه محتسب قيمته مقلوعًا ليقره للمسجد أجبر الباني على ذلك إلا ما لا حاجة للمسجد منه، ولابد من نقضه فيترك ذلك .. قلت: فنقض المسجد الأول أيجب على من نقضه أن يعيده كما كان؟ قال: عليه قيمته قائمًا؛ لأنه متعد في ينقضه وهدمه، ثم يبني بتلك القيمة. قال ابن حبيب: وقال لي أصبغ مثله. قال: وقال أصبغ فيمن حبس على بنيه صغار وكبار أو على قوم باعيانهم، ثم هو سبيل بعدهم، فعدا عليه فباعه مغافصة (١) لهم. أو بعد طول زمان: طول زمان: هو سواء، والبيع منقوض على كل حال، ويرد الحبس على حاله، ولا ينظر فيه إلى تواني هؤلاء في قبضة لرجوعه من بعدهم إلى المساكين، وإن كان أعدم بالثمن اتبع به بخلاف الصدقة ببيعها بعد علم المتصدق عليه، وهذا أحب ما فيه إلي، ولولا التطويل لذكرت ما في ذلك في المدونة وغيرها. وقال ابن العطار في كتاب السجلات من وثائقه: إذا فسخ بيع الحبس، فالغلة فيما سلف قبل ثبوت تحبيسه للمبتاع، لا يرجع عليه بشيء منها، إذا لم يعلم بالحبس بعد أن يحلف أنه لم يعلم به، وما كان في رؤوس الشجر من الثمرة وقت الاستحقاق، فهو للذين ثبت لهم أصل التحبيس، وأما الزرع فهو لزارعه، وإن ثبت التحبيس حين ثباته، وإن كان في أبان الحرث فعليه كراء الأرض. وإن كان بائع الحبس هو المحبس عليه رجع عليه بالثمن، فإن لم يكن له مال وأثبت عدمه أو حلف، فللمبتاع أخذه من غلة الحبس عامًا بعام، فإن مات المحبس عليه قبل استيفائه الثمن؛ رجع الحبس إلى مرجعه، ولم يكن للمبتاع منه شيء، وإن كان بائع الحبس كبيرًا عالمًا بالتحبيس، عوقب بالأدب والسجن على بيعه وكذا إن لم يكن له عذر. قال القاضي: وينبغي إن كان مالكًا لنفسه مع ذلك ألا يكون له طلب المبتاع بشيء من الغلة، وإن علم - أي المبتاع - حين ابتياعه أنه حبس، وقد نزلت بقرطبة في مسألة القرشية ولادة، فأفتيت فيها بذلك، وكان غيري قد خالفني فيه، وخلافه خطأ بحت، والله الموفق للصواب. وفي مسائل ابن زرب: جمع ابن الصغار يونس بن عبد الله وكان من أصحابه

стр. 565

فيمن ورث مالا فاستحق بيده حبسًا، قيل للقاضي ابن زرب: هل على هذا الوارث غرم ما اغتل منه؛ إذ لا ضمان عليه فيه؟ قال: أما على قول ابن القاسم فلا خراج عليه، وقد نزلت عندنا بقرطبة فقضى بذلك، وأما على قول سحنون فعليه الخراج. قال القاضي: قول ابن القاسم الذي أشار إليه ابن زرب في هذا الجواب، هو قوله في كتاب الاتسحقاق من المدونة، فمن اشترى جارية بكرًا فافتضها أو ثيبًا فوطئها. ثم استحقت حرة فلا شيء عليه في وطئها، ورواه عن مالك. وكذلك لو استحقها مالك أنها أمته. وقال سحنون: ينبغي أن يكون عليه ما نقصها؛ لأنها منفعة وصلت إليه. وفي سماع عيسى عن ابن القاسم فيمن اشترى عبدًا فخارجه أو كاتبه أو استخدمه، ثم استحق حرًا، أنه لا يرجع على المبتاع بغلة ولا كتابة ولا أجرة خدمة. وفي المسألة طول ولها نظائر في الواضحة، وغيرها. وقال المغيرة في هذا: له الرجوع بما اغتل منه، وقع في النوادر، وهو قول سحنون، ولابن القاسم ما يعارض هذا الأصل في المدونة، وهذا مثل مسألة بيع الحبس مجتمعًا، إذا وقع كيف يكون الحكم فيه. وأجمع مالك وأصحابه على المنع من بيع الأصول المحبسة العامرة، وهو المشهور من قولهم فيها، وإن خربت، واحتجوا في المدونة وغيرها ببقائها خرابًا بالمدينة، فدل على أن بيعها غير مستقيم. وكذلك لمالك في الموازية في المعارضة بها، إلا أنه وقع في كتاب الحاوي لأبي الفرج المالكي: أن قول مالك اختلف في بيع الوقف إذا خرب. وأما غير الأصول كالعبيد والثياب تبلى ويتخلق العبيد أو تضعف الدواب؛ فروي ابن القاسم وابن وهب عن مالك: جواز البيع والاستبدال في ذلك. قال في المدونة: وقد رأى غيره أن ما جعل في سبيل الله من العبيد والثياب لا يباع، ولو بيعت لبيع الربع المحبس إذا خيف عليه الخراب، وإن كان قد روي عن ربيعة خلاف لهذا في الرباع والحيوان إذا رأى الإمام ذلك. وفي موطأ ابن وهب: أن ربيعة أرخص في بيع ربع دثر وتعطل، ويعارض به في ربع نحوه في عمارة، يكون حبسًا.
следующие страницы →