← Фикх малики

Фикх малики · id 14593

ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام

القاضي أبو الأصبغ ابن سهل

Полный текст (727 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال القاضي: احتل بقرطبة مرضى من غيرها، وطلبوا الدخول مع مرضاها في أحباسها المحبسة على المرضى بقرطبة، فاختلف بها في الوقت الذي يجب لهم فيه الدخول مع مرضاها فيما يقسم عليه من غلة أحباسهم، وكان رأيي أن ذلك لهم بعد مقام أربعة أيام؛ إذ قالوا أنهم يريدون الاستيطان بها. وذكر لي أبو عبد الله ابن أبي حنين مثل ذلك عن ابن القطان، وكتبت بذلك إلى ابن أبي سلمة، فكتب: إذا ثبت استيطانهم بها، فمن يوم يثبت ذلك يفرض لهم في الأحباس، إن شاء الله، وانظر في حج الاستذكار، وهذا إن شاء الله حسن، وهو مقتضى ما ذكروه، والله أعلم بالصواب. وقول عبيد الله وأصحابه به في جوابهم: ومن أبي القسم منهم ألزمه - فيه نظر عندي؛ فتدبره. دار ادعت التي هي بيدها أنها حبست عليها وعلى فلان، وقال فلان: بل هي لي ابتعتها من التي زعمت تلك أنها حبستها عليهما: قال ابن لبابة: يجب في المرأة التي ألفيت في دار ذكرت أن أمة الوهاب حبستها عليها وعلى عباس، وقال عباس: بل الدار لي باعتها مني أمة الوهاب، وأدخل على ذلك ببينة أن تخرج المرأة من الدار لإقرارها بأنها فيها بسبب الحبس عليها وعلى عباس، وتكذيب عباس لها في ذلك، فإذا خرجت أمر القاضي - حفظه الله - بعقلها إلى أن يثبت اشتراء عباس أو حبس المرأة وموتها وعدة ورثتها، ثم يعذر إليهم فيما ثبت عند القاضي من ذلك، نفذه على ما يظهر له إن شاء الله. وقال محمد بن وليد. دار بيعت وحبست ثم ادعى البائع أنه مولى عليه: كشفنا - وفقك الله - عن حكمك لسمرة على عبد الله بن العاز في دار كان قد باعها منها، وحبستها سمرة بحضرة ذلك على مسكة، ثم على مسجد الغار، وجعلت إلى حجاجة أم عبد الله البائع قبض الحبس لمسكه ولمسجد بعدها، وذلك بعد استقصائك لسمرة ولحبسها، وذكرت أنها اعترضت بإنكار البيع، وادعى البائع أنه في ولاية أمه حجاجة بإيصاء أبيه محمد، وادعت ذلك عندك حجاجة. وشهدت البينة عندك بالبيع وقبض الثمن، وأن بيعه للدار كان بمحضر أمه، وأقرت

стр. 562

عندهم أنه إنما باعها في مصالح نفسه وأموره، وشهدوا عندك بالسداد في البيع، وأوقعت عليه القضاء؛ إذ لم يثبت عندك ولاية عليه بعينه، وقالوا: إنهم لا يعرفون عينه، ولا إن كان أولى عليه وهو صغير أو كبير، وفسحت له ولأمه بضرب الآجال استقصاء لمعاذيرهما، فملا لم يأتياك بشيء يوجب لهما نظرًا؛ أنفذت القضاء عليهما، وكل ذلك من فعلك صواب لم تعد فيه السنة، ولا خرجت فيه عن طريق الواجب، وذلك فلعلك في أحكامك، والقضية التي قرأنا بما أف صحت فيه عن نظرك تامة كاملة، ويجب عليك إمضاؤها. والإشهاد عليها. قاله محمد بن غالب، وابن لبابة، وغيرهما. فدان محبس بيد رجل ادعى أنه قد فرق غلته واضطرب في ذلك قوله: فهمنا - وفقك الله - ما وقف عليه ابن العاني من تحبيس جده للفدان، وإعلامه بما شهد به عليه في ذلك، وقوله: لا مدفع عندي في شهادتهم، ثم قوله: عندي مدفع فيهم، ومرة قال: إني قد فرقت غلة هذا الحبس عامًا بعام، فإذا كان في قوله وإقراره أنه وليه أخذ بإبراده لإقراره أنه تحت يده، ثم يوقفه القاضي حتى يثبت تحبيس جده له وموته، وعدة ورثته وورثة من مات من ورثته. فإذا أثبت؛ أشهد القاضي على ذلك، وسجل به قضاء يأخذ ما عقد من ذلك بعد الإعذار إليه، أن شاء الله، ويؤخذ بما اغتل إذا كانت الغلة أراد للحبس أو الكراء، إن كان الكراء أنفع؛ إذ لم يعاقده عليه من تجوز معاملته، ويوقف مع إيقاف الفدان إلى أن يظهر للقاضي فيه نظر فيمضيه بما يظهر له إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وابن وليد، وأحمد بن يحيى، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، وعبيد الله، ومحمد بن غالب، ويحيى بن عبيد الله. المحبس عليه يعمر المحبس ما حبسه عليه: فهمنا - وفقك الله - ما رفع إليك عن عبيد الله بن محمد بن يزيد من دخول ابنتيه هند وعزيزة عليه في مرضه، وقولهما: قد أعمرنا هذا الحبس كان حقًا أو باطلاً، وظهور كذبه في ذلك ما لا يحتاج معه إلى بينة في طلبه، ولثبوت انتقاله من إنكار إلى إنكار حتى أخذته الحكومة، وتبين عجزه ولرده غير ما مرة. فالذي نرى: أن يمضي عليه الحكم بما قد أفتيا، ولا يمين على ابنتيه فيما ادعاه لما انكشف من كذبه غير مرة. قاله ابن لبابة، وعبيد الله، وأيوب، وغيرهم.

стр. 563

دار محسبة على رجلين أكراها أحدهما: وقفت لي - أكرمك الله - رسولك مع مولى الزاهد الصياد ومولاته، واختلفا في الدار التي حبسها عليهما، وذكرت المولاة أن المولى المحبس عليه معها أكراها لنفسه دونها، ولم يعطها نصيبها، وقال المولى: ما أكريت إلا هذه السنة وعام أول. فالذي يجب أن يغرم إليهما نصيبهما من كراء السنتين، بعد أن يحلف بالله: ما قبضت منها شيئًا وتحمل المرأة البينة على السنتين الماضيتين، فإن جاءت بالبينة غرم حصتها من كرائهما، وإن لم يثبت ذلك حلف المولى بالله ما اكتريتها، ولا أخذت لها كراء غير هاتين السنتين التين أقررت بهما، وبالله التوفيق، ثم لا يكريها أحدهما إلا برضاء صاحبه. قاله ابن لبابة. في الحانوتين المحبسين للغساني وفسخ البيع فيهما: فهمنا - وفقك الله - ما شهد به على زوجة الغساني من بيعها للحانوتين اللذين ثبت تحبسهما، ووجب للمشتري الرجوع على البائعة بالثمن، وقالت عند الإعذار إليهما: إنها باعت مكرهة معروضًا عليها السياط، وعندي في ذلك مدفع بهذا الإكراه، فيجب أن تحمل إثبات ما ذكرت، فإن أثبتت أن بيعها كان مكرهًا، وجب الكراء في مال المشتري المكره، ولزمها رد الثمن، إلا أن تثبت لها أنها ردت الثمن وضمت إلى الإشهاد بالقبض، ولم تقبض في علمهم وما اطلعوا عليه. قاله عبيد الله، وابن لبابة، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، وابن وليد، وابن غالب، وأحمد بن يحيى بن أبي عيسى. قال القاضي: وعند آخر حبس الواضحة قال ابن حبيب: سألت مطرفًا عن منزل حبس على المساكين فرفع إلى قاض، فجهل فباعه، وفرق ثمنه على المساكين، ثم رفع إلى غيره بعده فقال: يفسخ البيع، ويرد المنزل حبسًا كما كان. قال: قلت له: فالثمن ممن يأخذه المشتري، وهل هو على السلطان الذي باعه؟ فقال لي: لا أرى عليه شيئًا، وخطأ الإمام في الأموال هدر إذا اجتهد فأخطأ، ويدفع الثمن إلى المشتري من غلة الحبس. وسألته عمن بني مسجدًا في قرية فصلى فيه نحو سنتين، ثم باعه ممن نقضه وبناه بيتًا أو دارًا، أو تصدق به على من فعل هذا به. فقال: يفسخ ما فعل، ويرد إلى ما كان عليه مسجدًا وهو كالحبس لله لا يجوز بيعه ولا تحويله عن حاله، وللباني نقض بنيانه، وإن شاء

стр. 564

فليحتسب في تركه، وإن أراد نقضه فأعطاه محتسب قيمته مقلوعًا ليقره للمسجد أجبر الباني على ذلك إلا ما لا حاجة للمسجد منه، ولابد من نقضه فيترك ذلك .. قلت: فنقض المسجد الأول أيجب على من نقضه أن يعيده كما كان؟ قال: عليه قيمته قائمًا؛ لأنه متعد في ينقضه وهدمه، ثم يبني بتلك القيمة. قال ابن حبيب: وقال لي أصبغ مثله. قال: وقال أصبغ فيمن حبس على بنيه صغار وكبار أو على قوم باعيانهم، ثم هو سبيل بعدهم، فعدا عليه فباعه مغافصة (١) لهم. أو بعد طول زمان: طول زمان: هو سواء، والبيع منقوض على كل حال، ويرد الحبس على حاله، ولا ينظر فيه إلى تواني هؤلاء في قبضة لرجوعه من بعدهم إلى المساكين، وإن كان أعدم بالثمن اتبع به بخلاف الصدقة ببيعها بعد علم المتصدق عليه، وهذا أحب ما فيه إلي، ولولا التطويل لذكرت ما في ذلك في المدونة وغيرها. وقال ابن العطار في كتاب السجلات من وثائقه: إذا فسخ بيع الحبس، فالغلة فيما سلف قبل ثبوت تحبيسه للمبتاع، لا يرجع عليه بشيء منها، إذا لم يعلم بالحبس بعد أن يحلف أنه لم يعلم به، وما كان في رؤوس الشجر من الثمرة وقت الاستحقاق، فهو للذين ثبت لهم أصل التحبيس، وأما الزرع فهو لزارعه، وإن ثبت التحبيس حين ثباته، وإن كان في أبان الحرث فعليه كراء الأرض. وإن كان بائع الحبس هو المحبس عليه رجع عليه بالثمن، فإن لم يكن له مال وأثبت عدمه أو حلف، فللمبتاع أخذه من غلة الحبس عامًا بعام، فإن مات المحبس عليه قبل استيفائه الثمن؛ رجع الحبس إلى مرجعه، ولم يكن للمبتاع منه شيء، وإن كان بائع الحبس كبيرًا عالمًا بالتحبيس، عوقب بالأدب والسجن على بيعه وكذا إن لم يكن له عذر. قال القاضي: وينبغي إن كان مالكًا لنفسه مع ذلك ألا يكون له طلب المبتاع بشيء من الغلة، وإن علم - أي المبتاع - حين ابتياعه أنه حبس، وقد نزلت بقرطبة في مسألة القرشية ولادة، فأفتيت فيها بذلك، وكان غيري قد خالفني فيه، وخلافه خطأ بحت، والله الموفق للصواب. وفي مسائل ابن زرب: جمع ابن الصغار يونس بن عبد الله وكان من أصحابه

стр. 565

فيمن ورث مالا فاستحق بيده حبسًا، قيل للقاضي ابن زرب: هل على هذا الوارث غرم ما اغتل منه؛ إذ لا ضمان عليه فيه؟ قال: أما على قول ابن القاسم فلا خراج عليه، وقد نزلت عندنا بقرطبة فقضى بذلك، وأما على قول سحنون فعليه الخراج. قال القاضي: قول ابن القاسم الذي أشار إليه ابن زرب في هذا الجواب، هو قوله في كتاب الاتسحقاق من المدونة، فمن اشترى جارية بكرًا فافتضها أو ثيبًا فوطئها. ثم استحقت حرة فلا شيء عليه في وطئها، ورواه عن مالك. وكذلك لو استحقها مالك أنها أمته. وقال سحنون: ينبغي أن يكون عليه ما نقصها؛ لأنها منفعة وصلت إليه. وفي سماع عيسى عن ابن القاسم فيمن اشترى عبدًا فخارجه أو كاتبه أو استخدمه، ثم استحق حرًا، أنه لا يرجع على المبتاع بغلة ولا كتابة ولا أجرة خدمة. وفي المسألة طول ولها نظائر في الواضحة، وغيرها. وقال المغيرة في هذا: له الرجوع بما اغتل منه، وقع في النوادر، وهو قول سحنون، ولابن القاسم ما يعارض هذا الأصل في المدونة، وهذا مثل مسألة بيع الحبس مجتمعًا، إذا وقع كيف يكون الحكم فيه. وأجمع مالك وأصحابه على المنع من بيع الأصول المحبسة العامرة، وهو المشهور من قولهم فيها، وإن خربت، واحتجوا في المدونة وغيرها ببقائها خرابًا بالمدينة، فدل على أن بيعها غير مستقيم. وكذلك لمالك في الموازية في المعارضة بها، إلا أنه وقع في كتاب الحاوي لأبي الفرج المالكي: أن قول مالك اختلف في بيع الوقف إذا خرب. وأما غير الأصول كالعبيد والثياب تبلى ويتخلق العبيد أو تضعف الدواب؛ فروي ابن القاسم وابن وهب عن مالك: جواز البيع والاستبدال في ذلك. قال في المدونة: وقد رأى غيره أن ما جعل في سبيل الله من العبيد والثياب لا يباع، ولو بيعت لبيع الربع المحبس إذا خيف عليه الخراب، وإن كان قد روي عن ربيعة خلاف لهذا في الرباع والحيوان إذا رأى الإمام ذلك. وفي موطأ ابن وهب: أن ربيعة أرخص في بيع ربع دثر وتعطل، ويعارض به في ربع نحوه في عمارة، يكون حبسًا.

стр. 566

وفي النوادر: قال مالك: من باع حبسًا فسخ بيعه، إلا أن يغلبه سلطان، فأدخله في موضع ودفع إليه ثمنًا، فيشتروا به دارًا مكانها، من غير أن يقضي به عليهم، وكذلك إن باع وأدخلت في مسجد. وقاله ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: يقضي عليه أن يشتري منه مثلها، وأما أن استحق الحبس فأخذ فيه ثمن فليصنع المحبس به ما شاء. وف رسم طلق بن حبيب لابن القاسم عن مالك: لا يقضي عليهم، إلا أن يتطوعوا. وتمام هذا المعنى في كتاب الرطب باليابس. وفي رسم طلق بن حبيب لابن القاسم عن مالك: لا يقضي عليهم، إلا أن أن يتطوعوا. وتمام هذا المعنى في كتاب الرطب باليابس. وفي رسم سن، ونوازل سحنون، وآخر سماع أصبغ، وفي جامع البيوع في سماع أشهب، ولابن الماجشون في آخر كتاب الصدقات من الواضحة: لا يجوز بيع شيء محبس من عبد أو بعير وغيره، وإن فسد، إلا أن يشترط ذلك المحبس. وكتب القاضي أبو بكر ابن السليم إلى القاضي أبي بكر بن زرب في رجل من أهل الثغر على فرس مرسوم فخذه: - حبس الله – رفع إليه، فلما كشف عن ذلك قال: اشتريته ببلاد البربر، فلما أتيت سجلماسة خفت أن أغرم عليه أو ينزع مني فوسمته بهذا رجاء أن يطلق لي. فكتب إليه: إن لم يعرف ملكه لهذا الفرس قبل هذه السمة ولا أقام بينة بما ادعاه، فحل بينه وبينه، وأمضيه في سبيل الله، على ما ظهر من وسمه، ولا يصدق الثغري على هذا، إن شاء الله إلا بينة. بيع نقض الحبس إذا انهدم من أحكام ابن زياد: فهمنا – وفقك الله – ما ذكره صاحب الأحباس من أنه أفي في المال المحبس بقرية قير تجلش المنسوب تحبسه إلى حارث الدباج خربة، ووجد في القرية نقضًا باليا يسيرًا، أقر من وجد عنده أنه من نقض هذه الخربة المحبسة، فأقره عند هذا المقر، ثم اطلع عيه فوجد قد بلي بلاء خاف عليه الذهاب معه على طول المدة وأحب القاضي معرفة جواز بيعه، وإيقاف ثمنه إلى أن يهيء الله بنيان الخربة، فيستعان به فيه. فالذي نرى: أن بيعه من النظر المحبس والحطية له، وخير من أن يترك فيتلف جميعه قاله ابن لبابة، وابن وليد.

стр. 567

ولابن زرب في مسائله: أنه رفع إليه في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة: أن أبا الوليد ابن أبي عبدة هدم قصبة كانت في داره المحبسة، وباع بعض أنقاضها، فأمر بإخراجه عنها وتسميرها عليه، ثم رغب إلى القاضي أن يعاد إلى الدار، ويوضع النقض في بيت بيني عليه على أن يغطي سقف المجلس الذي كان تحت القصبة. فقال القاضي لمن معه: ما ترى في هذا؟ فقال له المسئول: ليس يبني من هذا شيء على يديه أبدًا لأنه شديد السفه، وارى أن يباع من النقض بعضه، وينفق من ثمنه في بنيان المجلس، ويدخل باقي النقض في البنيان، ثم كذلك تباح له الدار، فقال: هذا حسن، يفعل هذا. فقال له جماعة من أهل المجلس: أو ليس هذا من بيع الحبس؟ فقال: أو لستم تسمعون ما يقول: إنه إن لم يؤخذ هذا المأخذ لم يبن على يدي الذي هدمه؛ ليس هذا من بيع الحبس، هذا إصلاح له. قال أبو علي: فقلت له: قد رايت مساجد تباع حصرها، وقد بلغني أن مسجداًا بيع منه حصر بخمسة وثلاثين دينارًا، فقال: إذا كان يستغني عنها فما يبيعها بأس. قيل له: وكذلك ما يلي من أنقاض المساجد، واستغنى عنه؟ قال: نعم بيعه جائز. وقال له اب دحون: من حبس حبسًا، وشرط أن تنقد غلته في مصالح حصن من حصون المسلمين في وجوه كرها، فتغلب العدو على ذلك الحصن؟ فقال: تنفذ الغلة في مثل تلك الوجوه في حصن غيره، إن شاء الله تعالى. وقال: ما كان الله ، والمستغنى عنه فجائز أن يستعمل في غير ذلك الوجه، مما هو لله كالدار المحبسة بلصق المسجد، لا بأس أن يوسع بها المسجد الجامع خاصة؛ لأن الجمعة لا تكون إذا في موضع واحد، وغيرها من المساجد قد ينتقل عن المسجد إذا ضاق إلى غيره، ونحوه ما ذكره القاضي واختاره في كتاب ابن حبيب. قال ابن الماجشون عن مالك: أدخل في مسجد رسول الله ﷺ دور محبسة كانت حوله هدمت وزيدت قال ابن حبيب: قلت لابن الماجشون: فهل ترى مساجد الأمصار في هذا مثل مسجد العشائر فلا. وقاله مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ. وقال ابن الماجشون في المقبرة تضيق عن الدفن وينتقل عنها وينتقل عنها إلى غيرها، والى جانبها مسجد قد ضاق بأهله: لا بأس أن يوسع المسجد ببعضها، لأنهما جميعًا المسجد والمقبرة

стр. 568

حبس للمسلمين لصلاتها وتدافنهم؛ فلا بأس أن يستعان ببعض ذلك في بعض. وروي أصبغ عن ابن القاسم فيم مقبرة فبني قوم عليها مسجدًا: لا بأس بذلك، وكذلك ما كان لله لا بأس أن يستعان ببعضه في بعض، وينقل بعضه إلى بعض. وفي حبس العتبية في رسم سن: قال ابن القاسم في اتخاذ المساجد على القبور: إنما أكره من ذلك هذه المساجد تبنى عليها، فإن عفت مقبرة فبني قوم عليها مسجدًا يجتمعون للصلاة فيه فلا أرى به بأسًا. وشاور بعض القضاة بقرطبة في مسجد أراد جيرانه الزيادة فيه من دار حبس مجاورة له، وعقدوا في ذلك عقدًا تضمن معرفة شهدائه أن مما يصلح به المسجد ويتسع به أن تضاف إليه الدار المحبسة التي عليه. فجاوب ابن عتاب: تصفحت عقد الاسترعاء في هذا فرأيته قد حط منه تحديد المسجد بما يلاصقه من الدور، والعقد مفتقر إلى ذلك، لتعرف الدور الملاصقة، ومن أربابها، لا لتعيين المسجد، فتقف بذلك - رحمك الله - على هيئة المسجد، وما يتصل به من حبس أو غير حبس، وهل يشرع بابه، إلى محجة أو درب أو فناء، فقد تلاصقه دار يرغب ربها بيعها، فيكون ذلك أقرب مأخذًا وأسهل تناولاً من أمر الحبس، وما تضمنه عقد الاسترعاء. أن ذلك مما يصلح به المسجد ويتسع به، أن تضاف إليه الدار المحبسة، وليس هذا وجه العقد في ذلك ولا سبيله، ووجهه غير هذا مما علمك محيط به، وربما صلح أمر المسجد مما هو أفضل من هذا وأولى وأسم، وذلك بأن توجه إيه من تثق به من أهل المعرفة بالبنيان، فإن كان بابه يشرع إلى فناء أو محجة واسعة، لا ضرر على أحد من المسلمين في الأخذ من ذلك، ويوسع به المسجد وتلاصقه دار لملك يرغب في بيعها، ويسارع إلى الخروج عنها دون إكراه على ذلك أو أخذها بالقيمة. نظرت في ذلك، واحتسبت الثواب فيهن وإن كان لا يجاور المسجد شيء مما ذكرت، ولا يرغب أحد من مجاوريه بيع داره، ولم يكن غير الدار المحبسة المذكورة، تركت النظر في ذلك، إذ لا سبيل على مذهب الإمام مالك ﵁ إلى تغيير شيء من الأحباس لتوسعه مسجد ولا غيره، إلا في المسجد الجامع، أو في طريق للمسلمين، لابد لهم منها، وأما التوسع بها في مسجد من مساجد القبائل فلا، وهكذا نص الرواية.

стр. 569

والفرق بين ذلك واضح بين، لأن الجمعة عنده لا تكون إلا في موضع واحد من المصر، وإن عظم المصر فاستخف ذلك للضرورة في غيره، ولا ضرورة في غيره من المساجد تدعوا إلى ذلك، وإن ضاق المسجد بأهله انتقل إلى غيره أو بنى سواه. وهذا المسجد المذكور في اعقد يقرب منه مساجد، وبنيان مسجد بالحومة التي هو بها ممكن لمن رغب الثواب، ولا أقول بتغيير الحبس بوجه من الوجوه لما بينت ووصفت، وليس لمحتج أن يحتج بما قاله ربيعة في يالمدونة، ولا بما رواه أبو الفرج عن مالك: إذ ليس هو من باب ذلك، ولا من معناه، وقد كان كبير من شيوخ بلدنا يقول: لا سبيل إلى أن يكره الإمام أحدًا على بيع داره وللزيادة في مسجد الجامع، ولا يخرجه عنها إلا بطيب نفسه، ويحتج في ذلك بحديث كان يرويه وقد رأينا، والله أسأله توفيقك. قال القاضي: وهذا كان مذهبه ﵀ في نقض مسجد منهدم ولا جيران له، ولا معه ما ينفق في بنيانه وإعادة نقضه فيه: أن يترك ذلك لانقض ولا ينقل إلى مسجد غيره، ولا يصرف في سواه، وبذلك كان أفتى في أنقاض جامع رشتشان من عمل قرطبة: أن تترك في الجامع حتى تعفن، ولا تزال عن موضعها. ومن الحجة – وإن كنت لم أسمعه يحتج به – ما في سماع أشهب وابن نافع عن مالك فيمن تصدق بنخل بمائها، ثم أصابها الرمال حتى بلغت كرانيعها وغلبت عليها، وفي مائها فضل، قال السائل: وقد أردت بيعها، قال مالك: ما أرى أن تبيعها، وأرى أن تدعها على حالها حتى يغلب عليها الرمال فتستريح منها. قال القاضي: فقد رأى مالك ترك هذه النخل حتى تبطل وتذهب، ولم ير بيعها على حال. وقال ابن وضاح: سألت سحنونًا عن زيت المسجد يكون كثيرًا، أيباع ويدخل في منفعة المسجد؟ قال: تجعل فتائل غلاظ. ولم ير بيعه. قلت: فيوقد في مسجد آخر؟ قال: لا بأس به. قلت: فالخشب كون في المسجد قد عفنت لا يكون فيها كبير منفعة، أتباع ويشتري بثمنها خشب يرم بها المسجد؟ قال: أما أنا فلا أجعل سبيلا إلى بيعها أصلا، إلا أن ثم قولا ضعيفًا. وهذا ما كان يراه أبو عبد الله ابن عتاب في ذلك، وبالله التوفيق.

стр. 570

عرصة محبسة للتدافن فيها أراد رجل فتح باب دار إليها: جوابك – رضي الله عنك – في عرصة ابتاعها رجل بلصق مقبرة للمسلمين، وحبسها ليدفن فهيا من يموت من ولده وأهله، ولرجل يلصق هذه العرصة دار بابها إلى الطريق، فحبس منه قطيعًا وفتح باب هذه الدار إلى تلك العرصة، فمنعه ورثة محبسها، وقد تدافن فيها من مات من أهل المحبس، وقالوا: فتحك بابًا إلى مقبرتنا مما يضرنا فيها بالطريق الذي تحدثه لتختلف عليه من دارك، وقد كان لها باب إلى الطريق وتختلف عليه أيضًا لقبورك أنت ومن له قبر، وتكررك بالدخول والخروج لعيها تبديل للحبس وتغيير له، وليست الطريق مباحة على المقابر. وأفتى بعض الفقهاء: أن الرسول ﵇ كان يشق المقابر، ولو كان المشي عليها من الضرر ما فعله، وإنما كره ابن حبيب المي على أسنمتها لا بينها، واحتج بهذا محدث الباب إليها. وقال غير هذا المفتي: المشي على المقابر لمن كان له قبر ضرورة، ويؤمر بالتحفظ من المشي عليها لئلا يهدمها، وللضرورة أحكام، وأما من كانت له طريق يمشي عليها فعدل عنها إلى إحداث غيرها، ليسلك إلى مقبرة عليها، ولعلها مع تقادم لاسكنى تنتقل الدار إلى من يعمرها بالخمر وغيرها من المرحمات، فتكون سببًا إلى استعمالها في المقابر، وتصير المقبرة مسلكًا لأهل الشر، ولهذا المعنى يمنع من فتح باب في المسجد للانتفاع به، فعرنا – وفقك الله – بالصواب عندك من هذا، وبالجواب فيه، مأجورًا إن شاء الله. قال القاضي: كتب بهذا أشبيلية إلى القيروان. فجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن: الذي يظهر لي من الجواب والله الموفق للصواب – أن لهم منعة من إحداث ذلك عليهم؛ لأن ذلك يضر بهم وبقبورهم، وهو شيء لازمن في كل الأوقات، والمرور في المقابر إلى القبور من نادر الأمور، وبهذا يريد أن يجعله حقًا لازمًا ولمن يسكن الدار معه وبعده من مكتر أو مالك، وقد يتسع ذلك إلى سلوك الدواب وغيرها؛ فيكون ذلك من الضرر، وبالله التوفيق. وجاوب أبو عمران: هذه الوجوه التي احتج بها أهل المقبرة إذا كانت طريقًا باقية بينه ظاهرة، وأما لو

стр. 571

كان التطرف بالمشي على حسب تطرق المجاز قط لجاز؛ إذ لا ضرر فيه، وأما إن سكن الساكن الدار المحدثة بابها إلى المقابر، وخيف أن يكون سكناه سببًا لتطرق الماشية إن اتخذها يومًا، وذريعة إلى إلقاء الأزبال فيها، أو إلى أن يرتفق بسكناها بما يليها من المقبرة، كما يرتفق بالأفنية في وجوه الارتفاق التي قد تؤذي بعضها المقابر بدرس أو تقذير وغيره، فيمنع من ذلك، ويغلق الباب المحدث إلى المقبرة، وحرمة عظام المسلمين موتى كحرمتهم أحياء. وبالله التوفيق. قال القاضي: هذا الذي جاوبا به صحيح ولا يتجه إلى ذلك خلاف بوجه، لو كانت العرصة باقية على ملك صاحبها ولم يحسبها، لكان له منع صاحب الدار من فتح باب إليها، والسلوك عليها، فكيف وقد تحرمت بحرمة الأحباس التي قد تحمي مما هو مباح في غيرها. جنة ابتاعها مسلم من بعض أهل الذمة ثم قام ابن أخي بائعها يدعى أنه قد كان حبسها عليه قبل بيعها: الجواب – ري الله عنك – في مسلم اشترى جنانا من يهوديين، ونزل فيها وحازها عشرة أعوام أو نحوها واعتمرها فيها، ثم حبسها بعد هذه المدة على بنية، فإذا انقرضوا رجعت حبسًا على طلبة العلم، وفي فك الأسرى، وعتق الرقاب، ولتأريخ الحبس ثلاثة عشرة عامًا، وقام الآن يهودي يزعم أن هذه الجنة حبسها عليه عماه، وهما اليهوديان البائعان لها من هذا المسلم، قبل التبايع المذكور، واستظهر بوثيقة تحبيس البائعين لها، قد كتب بخط إسلامي ذلك فيها أن البائعين اليهوديين حبسا الجنة المبيعة على ابن أخيها القائم، وعلى عقبه ما تناسلوا، وذكر يها أن أحد اليهوديين المحبسين حازمًا حبسه من الجنة على ابن أخيه؛ إذ كان صغيرًا. فهل يجوز إحباس اليهودي، وهل بيعهم لما حبسوا جائز أم غير جائز؟ وهل يجوز حيازة أحد المحبسين البائعين للجنة لما حبسه؟ وهل لحكم المسلمين أن ينظر بينهم في أحباسهم؟ وهل ترى أن ينقض حبس المسلم لحبس اليهودي؟ وهل تجوز شهادة المسلم على خطوط شهادة المسلمين في حبس اليهودي. فجاوب ابن عتاب: قرأت – رحمنا الله وإياك – خطابك، وفهمت سؤالك، وأحباس أهل الذمة تخالف

стр. 572

أحباسهم المسلمين – حماهم الله وكفاهم – وتفارقا لوجوه يطول ذكرها: منها أن المسلم لا رجوع له في حبسه، ولا سبيل له إلى فسخه ونقضه، وواجب على القاضي إذا أنهى إليه تحصينه بالإشهاد عليه، والتسجيل فيه، وعلى هذا جرى أمر القضاء ﵏. والذمي إذا حبس ثم أراد الرجوع في فعله بنقضه وبيعه أو بما شاء، لم يعرض له ولا يمنع منه ولا يحل لقاضي النظر في تحصينه وإنفاذه؛ لضعفه، والى نحو هذا ذهب أصبغ بن الفرج، ولرواته معنى ليس موضع بيانه. وقد روى عيسى عن ابن القاسم: أن لأهل الصلح بيع أرض الكنيسة إن أحبوا، وذلك من أحباسهم، وإذا قد باع اليهوديان المحبسان الجنة التي حبساها، فبيعها جائز ونافذ، ولا قيام لهما ولا للمحبس عليه على المبتاع، ولا سبيل لهم إلى الجنان، ولو قام القائم في حين نفوذ البيع وقوعه لم يرد البيع ولا فسخ، فكيف وقد حبس المبتاع ما ابتاع، ومضت المدة التي وصفت. وتحبيس المسلم لذلك جائز نافذ، ويلزم القاضي إنقاذه وإمضاؤه والحكم به، ولا يسعه غير ذلك، ولا يراعى في حبس اليهودي حيازة ولا غيرها، بعد البيع، كانت الحيازة صحيحة أو ضعيفة. وكذلك الشهادة على الخط لا يلتفت إليه فيها، ولا يسمع إقرار اليهودي أنه حاز نصيبه منها؛ إذ لا منفعة فيه، إلا أن لليهودي المقر له بذلك القائم بالحبس مطالبة عميه البائعين لما حبساه عليه، أن أحب، ومحاكمتها إلى حكم أهل دينهم، إن شاء الله تعالى. فدان محبس على مسجد ادعى مدع أنه من مال الجزية: من أحكام ابن زياد: فهمنا – وفقك الله – ما كشفت عنه من الفدان الذي بحسه طريف الفتى على مسجد بقرية طرجيلة، وما كان من قيام من قام عند القومس أنه من أرض الجزية، وما وقع إليك من ذلك. فالذي يجب فيه: بقاء الفدان على ما حبس حتى يثبت عندك بالبينة أنه من مال الجزية، فإذا أثبت ذلك عندك نظرت فيه بما يجب إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن وليد، وابن غالب. شوري في أحباس البوادي: أتانا – رحمنا الله وإياكم – قوم من قرى شتى يذكرون أن عندهم مساجد خربة،

стр. 573

ولها أحباس عندهم على المساجد، وعلى ضعفاء القرى التي بها، واجتمع عندي الذين ذكروا أن الأحباس بأيديهم وجيرانهم الذين لم يرفع إلينا أن بأيديهم منها شيئًا؛ فأقر من يده من الأحباس شيء بما بيده منها للمساجد، وما منها للفقراء، وشهد غيرهم بمثل ذلك، وفيهم جماعة ظاهرهم الخير إن شاء الله. فأتاني هذه الأيام من يسألني من أهل تلك المواضع إرسال عدلين لحضور تفرقة ما للضعفاء من الطعام المرفوع في البطن المحبسة، فأحببت معرفة رأيكم فيما سألوه ووجه النظر في ذلك، وفي مرمة المساجد وإقامة حصرها وزينتها؛ فعرفوني – رحمكم الله – كيف العمل في هذا إن شاء الله. فجاوبوا: قرأنا – وفق الله القاضي – هذا السؤال وفهمنا، ومن كان بيده شيء فأقر به فإقراره في ذلك لازم، وقد كان فيما سمعنا أن المقرين يكون الحبس في أيديهم ذكروا أن هذه الأحباس أحباسٌ قديمةٌ، وقليل منها حديث، ولم نزل نسلك بغلتها في مساكين هذه القرى، وفي إصلاح مساجدها مسلك الأحباس، وأحببت أن تعرف إن كان يلزمك تنفيذ ما دعي المقرون إلى أن يكون تنفيذه بمحضر من توجهه لذلك: فالذي نراه أن إقرارهم بما تحت أيديهم من هذه الأحباس لازم لهم، ويجب تنفيذ ذلك على ما أقروا به وصنفوه مما جرت به الحباسة فيه، إن شاء الله، وهكذا يجب في كل مجهول الأصول لم يثبت إلا بإقرار من الذي بيده، فالمقر يؤخذ بإقراره، وينفذ ذلك، إن شاء الله. قال بذلك محمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب ابن سليمان، وابن لبابة، وابن معاذ، وغيرهم. من حبس على نسله أو على عقبه أو حبس دارًا لسكنى النساء فتزوجت امرأة ساكنه فيها، أو أوصى ببنيان مسجد في موضع فسبق إلى بنيانه فبناه في ذلك الموضع، وبقيت وصيته حتى مات. في مسائل ابن زرب القاضي: سأله ابن محسن عمن حبس على نسله، فقال: كمن حبس على عقبه، ثم قال لهم القاضي: ما تقولون في رجل أوصى ببنيان مسجد في موضع، ثم إنه بنى المسجد في ذلك الموضع، وبقيت وصيته إلى أن مات؟ فاختلفوا فيها، ثم قالوا له: ما تقول فيها؟ فقال: ما حضرني فيها حتى الساعة جواب.

стр. 574

قال القاضي: شاورنا أصحاب الأحكام والأحباس بقرطبة محمد بن مكي عن امرأة ساكنة في دار محبسة على صالحات النساء أرادت النكاح، أو مراجعة زوج كان طلقها ويسكن معها في تلك الدار. فأفتيت: أنا وأبو الحسن علي بن محمد: أن لها ذلك، إن كان الزوج عديمًا لا يستطيع على إسكانها، ويكون في ذلك تبعًا لها. وأفتى أبو عبد الله ابن فرج، وعبد الله بن أدهم: أنها تخرج من الدار إذا نكحت، ولا يجوز بها السكنى معه فيها، وبلغني أن بعضهم زعم أنها نزلت عند القاضي أبي علي ابن ذكوان. وأفتى ابن عتاب، وابن القطان: بأنها ليس لها ذلك، فرأيت في المنام سحر ليلة الاثنين في أول ليلة من المحرم سنة خمس وستين أني كأني خرجت من دار داخلية أنا وعيسى بن أبي عمر القطان، فكنت أجد في الدار البرانية منها أبا مروان بن مالك ﵀ جالسًا فجلست إليه وقلت له: كيف أنت؟ وأين غبت؟ ونحو هذا، وقلت له: قد سألت عنك أبا بكر بن الفلجياني وكان يقع في نفسي أنه كان غائبًا، وأن الدار التي خرجت منها له، وأظن أني ذكرت له أني حسبته غائبًا، فكأنه أنكره، فقلت له: كل يوم أتى دارك أناظر فيها، وكان يقع في نفسي أن عيسى بن القطان يقرأ على فيها، فكأنه عز عليه قولي، كل يوم أناظر في دارك. وقلت له – أو قال هو ذلك لي -: ليتنا لو اجتمعنا نقرأ كتابًا واحدًا، وكان يجرى ببالي كتاب الحبس من المدونة، ثم كان يقوم عن موضعه ناهضًا، ويمشي في مكان مجهول لا أعلمه في الدار، يسير وأنا أتبعه، وفي أثري عيسى، فكنت أسأله عن المسألة المتقدمة، فقال لي: ليس يسكن معها زوج في الدار أو نحو هذا. فقلت له: قد أفتيت أنا بأن له أن يسكن معها، فقال لي: وأنا قد اعتراني ذلك، حتى وقفت على السطر الذي هي فيه، ثم كان يقول: الناس على شروطهم في صدقاتهم. فكنت أقول أنا متصلا بكلامه: ويقبل منهم قولهم فيما أعطوا. وكنت أتذكر في ذلك الحين ما في سماع يحيى وعيسى وغيرهما من مسائل من حبس وشرط، أن من تزوج من بناته خرجت من الحبس، فإن ردتها رادة من موت زوج أو

стр. 575

طلاق رجت فيه، وكأنه كان في لسانه شيء؛ إذ قال لي ذلك. وكنت أريد أيضًا أن أسأله عن قول مالك: أنه لا يجوز تولية الطعام الغائب؛ لأنه من الدين بالدين، إلا أني كرهت ذلك لحضور عيسى معي، ثم استيقظت. قال القاضي: وقوله: الناس على شروطهم في صدقاتهم وتتميمي للكلام معناه في الموطأ: قال مالك: قال لي يحيى سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع مكحولا الدمشقي يسأل القاسم بن محمد عن العمري، وما يقول الناس فيها؟ قال القاسم: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم، وفيما أعطوا. وأما في سماع عيسى في الوجه الآخر، فإن في رسم أوصى لمكاتبه: قال ابن القاسم: قال مالك في الذي يحبس الحائط على بنيه الذلكور والإناث، فمن تزوج من البنات فلا حق لها، إلا أن تردها رادة، ثم هو بعد ذلك حبس على موالي، فمات البنون كلهم إلا ابنة واحدة متزوجة؛ ما يصنع بالغلة؟ قال: تكون الغلة لموالي حتى ترجع الابنة، ولا تحبس الغلة عليها. وتكرر هذا المعنى في رسم يع، وفي سماع يحيى، وهو في كتاب ابن حبيب وغيره، وهو بين في مسألة المرأة التي تزوجت، وهي ساكنة في دار محبسة على صالحات النساء: أنه لا يسكن معها فيها. ولابن القاسم عن مالك في النوادر في الهلاك في دار محبسة لزوجته السكنى فيها في العدة، وكذلك الساكن في دار في سبيل الله قال: وإن كان أهله وولده أهل حاجة، وهم صغار، فلا يخرجوا، وأنكر قول من قال: إنما حبست في السبيل للرجال دون النساء. وفي هذه دليل لما كنا أفتينا به في تلك، وإن كان الاستدلال بما ذكرنا من سماع عيسى وغيره للمنع من ذلك أبين، وهو الصواب إن شاء الله، وكفى بقول النبي ﷺ حجة: "المسلمون عند شروطهم (١) ". من حبس شقصًا من دار لا تنقسم: في مسائل ابن زرب قال: اختلف أهل العلم فيمن له حصة دار لا تنقسم فحبسها، فقال بعضهم: لا ينفذ تحبيسه فيها، وأجازه بعضهم، وبإجازته أقول.

стр. 576

وفي آخر كتاب الصدقات لابن حبيب قال: سألت ابن الماجشون عن رجل له شرك في دور ونخل مع قوم، فتصدق بحصته في ذلك على ولده وغيرهم صدقة محرمة محبسة، وكل ذلك مشاع غير مقسوم، وبعض الشركاء غيب، وبعضها حضور، ومنه ما ينقسم، ومنه ما لا ينقسم؛ كيف العمل فيه؟ فقال: إن كان من الشركاء من يريد القسم، ومنهم غائب، ضرب السلطان للغائب أجلا على قدر المسافة في غيبته؛ فإما وكل، وإما قسم عليه السلطان ويسند حقه مسند، أو ضرب القسمة بين الشركاء جميعًا، فما أصاب المتصدق عليه فهو على التحبيس، وما كان من ذلك لا يقسم؛ بيع فما أصاب المتصدق من الثمن في حصته اشترى به من سرحه ما يكون صدقة مسبلة محبسة، كما سبلها صاحبها.

стр. 577

باب مسائل الاحتساب من ذلك: محتسب نبه على سوء عمل الخرازين فتألبوا عليه بعد ذلك وأرادوا إحراجه من سوقهم ومنعه من التصرف فيه، وأظهروا عقدًا هم وإضراره بهم وتسلطه عليهم، وأنه أهل أن يخرج من السوق وشاور الوزير صاحب الأحكام ابن الليث - في ذلك - الفقهاء هل يباح لهم ذلك ويسمح بهم منهم فيه؟ فأفتى ابن عتاب: أنه لا سبيل لهم اليه، ولا يباح لهم القيام عليه ولا يسمع منهم فيه، والمعترض له أولى منه بالإخراج من السوق، وأن تخرق أعمالهم الفاسدة لغشهم بها واستحلالهم أموال المسلمون فيها. وأفتى من القطان: ما قاله الفقيه ابو عبد الله أكرمه الله صحيح وبمثله أقول، فاعتمد عليه وأنفذ الحكم به إن شاء الله. وكان الذي رفع ذلك الرافع عنهم ونقم منهم سوء خرازتهم وتشكي الناس: أن ما اشترى من عملهم ينحل سريعًا في أقرب وقت وشاهدت الحكم بشق بالسكين خفًا جديدًا عن عملهم بعد الفتوى بما ذكرنا، وكان ابن القطان قد أفتي قبل ذلك في الملاحم الرديئة النسخ بالإحراق بالنار، وأفتى ابن عتاب فيها بتقطيعها حرقًا وإعطائها إلى المساكين اذا تقدم إلى المستعملين فلم ينتهوا، وكان يقم في الملاحم سعتها وخفة نسجها وألفا سريعة البلى لذلك، قصيرة مدة الانتفاع بها. وأفتى ابن عتاب في الحيز المغشوش والناقص: أن يكسر ويتصدق به على المساكين وأنكر ابن القطان ذلك، وقال: لا يحل ذلك في مال مسلم بغير إذنه وإنما يؤدب فاعل ذلك بالإخراج من السوق. قال القاضي: وهذا اضطراب من جوابه وتناقض في قوله؛ لأن قوله في الملاحم بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز المساكين، وابن عتاب أضبط لأصله في ذلك وأتبع لقوله. ومن الحجة لابن القطان في قوله هذا: قول مالك في سماع أشهب وابن نافع، وقد سئل عن إفراغ صاحب السوق البن اذا مزج بماء وإنهابه متاع أصحاب السوق اذا خلفوا أمره، فقال مالك: لا يحل ذلك ولا يبغي أن ينهب مال أحد، ولا يحل ذلك في الإسلام، ولا يحل ذنب من الذنوب مال الإنسان، ما يحل ماله وإن قتل نفسًا وأرى أن يضرب من

стр. 578

أنهب ومن انتهب. وهذه رواية محتملة التأويل؛ والظاهر منها والصحيح في معناها: أن جواب مالك إنما وقع على قول السائل إن صاحب السوق ينهب أمتعة أصحاب السوق اذا خالفوا أمره، ولا يمتري في فساد هذا الفعل؛ لأن النهبة لا تحل في المباح فكيف في المحظور؟ ولا يحل لمن خولف أمره من حكم أو أمير أن يرسل الأيدي على مال العاصي له. فصار جواب مالك إنما وقع على هذا الفعل الممنوع منه المنهي عنه، ولم يقع جوابه على إفراغ اللبن المغشوش في الأرض، وإن كان قد كره في رواية ابن القاسم عنه في كتاب شك في طوافه أن يهراق ورأى أن يتصدق به، ولم يكن ليقول لا يحل ذلك ولا يؤدب فاعله؛ لأن ابن القاسم قد حكى في حرف المدونة أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبًا لصاحبه. ويصير على هذا الترتيب الذي يقتضيه الظاهر أن مالكًا لم يجب في سماع أشهب على طرح اللبن المغشوش في الأرض وأبان في الرواية الأخرى أن المستحسن عنده التصدق به اذ في ذلك عقوبة الغاش بإتلاف عليه وإخراجه عنه ونفع المساكين بإعطائهم إياه، فقال: يهراق ورأى أن يتصدق به على المساكين بغير ثمن اذا كان هو الذي غشه. قيل لمالك: فالزعفران والمسك أتراه مثله؟ فقال: ما أشبه بذلك اذا كان هو الذي غشه فه كاللبن. قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه وأما اذا كثر ثمنه فلا أرى ذلك، وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في بذلك أموال عظام، يريد في الصدقة بكثيرة. وذكر ابن حبيب في تاسع بيوع الواضحة قول مالك وابن القاسم بنحو ما تقدم، وقال: قال ابن القاسم: سمعت مالكًا وسئل عمن اشترى زعفرانًا فوجده مغشوشًا أترى أن يرده؟ فقال: نعم يرده، وليس عن هذا سألني صاحب السوق وإنما سألني أنه إن أراد أن يحرقه لما فيه من الغش فنهيته عن ذلك. وسكت مالك عن تفرقته على المساكين. ثم ذلك ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك في الذي غش اللبن والمخالفين لأمر صاحب السوق مثل ما قدمنا من سماع أشهب وابن نافع عنه. قال ابن حبيب فقلت لهما: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ فقالا: الصواب فيه أن يعاقب بالضرب أو السجن أو الإخراج من السوق إن كان بذلك معروفًا، ولا نرى أن ينهب متاعه ولا يحرق إلا ما خف قدره من اللبن اذا شابه

стр. 579

بذلك والخبر ينقص من وزنه فيفرق على المساكين تأديبًا له مع ما يؤديه من ضرب أو سجن أو إخراج اذا كان معتادً لذلك، وما كثر من اللبن أو بالخبز أو غش في المسلك أو الزعفران فلا نرى أن يفرق ولا يهب. قال ابن حبيب: ولا يرده الإمام اليه وليأمر ثقة بيعه ممن يؤمن أن يغش به، ويكسر الخبز اذا كثر ممن يأكله ويبين له غشه، هكذا العمل في كل ما غش من التجاريات وتجر فيه، وتجر وهو إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم. وهذا كله يبين خطأ ابن القطان في مسألة الخبز وإنكاره قول ابن عتاب فيه: يفرق على المساكين، وقد كان تقدم من قوله في الملاحم الرديئة العمل أن تحرق بالنار، وكان ابن عتاب قد كلفني جمع الروايات في هذا المعنى عند إنكار ابن القطان جوابه في الخبز ليوجه به إلى الوزير أن الوليد بن جمهور – رحم الله جميعهم – فلم أنشط لذلك ورأيت ألا أتكلفه، وأسأل الله العصمة في كل حال وأن يجعل أعمالنا لوجهه. وفي تفسير ابن مزين: قال عيسى بن دينار: قد قال مالك في الرجل يجعل في مكياله زفتًا أيقام من السوق، فإنه أشد عليه، يريد من أدبه بغير ذلك من ضرب أو سجن وكذلك قال في كتاب ابن حبيب: سألني صاحب السوق عن رجل فجر في السوق، فأمرته أن يخرجه منه ولا يتركه فيه، قال مالك: وذلك أشد عليه من الضرب. قال القاضي: وسمعت ابن عتاب وقد ذلك له المحتسب أن صاحب المدينة يذهب إلى نقل صنجة سبعة دراهم إلى أن يزيد فيها ويجعلها من ثمانية دراهم، فقال: لا سبيل إلى ذلك، ولا يغير ما جرى به العمل من زمان عبد الملك بن مروان إلى اليوم، هو أول من أجرى صنجة السبعة دراهم وصنجة العشر الكيل. وقال ابن حبيب في الواضحة: ينبغي أن يكون الكيل في البلد واحدًا: كيل القفيز وكيل القسط ووزن الأرطال؛ فيكون واحدًا معروفًا قد عرفه الناس وقد كان قفيزًا بقرطبة معروفًا عشرة أصبح والوسق ستة أقفزة؛ والخمسة الأوسط التي أوجب النبي ﷺ فيها الزكاة ثلاثون قفيزًا، وهو أذن ما يجب فيه الزكاة حتى تكلف جهال ولاة السوق الزيادة فيه فخلطوا على الناس أمرهم.

стр. 580

مسألة السندروس يعمل من القزدير: قام عند ابن الليث بن جريش بقرطبة محتسب بعقد استرعاء تضمن معرفة شهدائه أن السندروس الذي يلصق بالجلود ويرف في الوطء والسروج وغير ذلك إنما يعمل من الفضة، وبذلك جرت العادة واستمر العرف، وإن عمله من القزدير غش يضرب بالأسواق، وإن عامله إن بين فلا يؤمر مشتريه أن يغش به وخدع من لا يفرق بينه وبين المعمول من الفضة، وثبت عنده هذا العقد بجماعة وشاور في ذلك. فأفتى ابن عتاب: إن عمله من الفضة يجب أن يقطع اذ لا يجوز للرجل استعمالها إلا في الخاتم والسيف والمصحف وغلا يمنع عامله من القزدير من عمله. وافق ابن القطان: يقطع عمله من القزدير اذ هو من الغش الذي لم تجر العادة بجواره، ولا عرفت باستعماله. وافق ابن مالك: المقوم عليه في ذلك بإثبات دعواه أنه لم يزل يعم من القزدير. غرس الشجر في صحن المسجد: كان ابن عتاب ﵀ لا يرى غرسها في صحون المساجد ولا شيئًا مما يثبت، وكان ينكر ذلك ويمنع منه ويغيره اذا أمكنه، وذكر أحمد بن خالد أنه سأل ابن وضاع عن الشجرة تكون في صحن المسجد. فقال: أحب إلى أن تقطع ولا تترك فيه، ولم أر في مساجد الأمصار شرة لا بالشام ولا بغيرها. فقلت: فإذا كانت هل ترى أن الأكل منها مباح لك؟ فقال: إنما هي المؤذن وشبهة، وما كنت أحب أن آكل منها. وذكر أحمد بن عبد البر في تاريخه في باب صعصعة بن سلام أنه – أعني صعصعة – ولي الصلاة بقرطبة، قال: وفي أيامه غرست الشجرة في الجامع. وهو مذهب الأوزاعي والشاميين ومالك، وأصحابه يكرهونه، وتوفي صحصعة سنة اثنتين وتسعين ومائة. من رغب أن تقصر عقود الوثائق بموضعه عليه: سئل ابن عتاب عن رجل ينتمي إلى الفقه توسل إلى بعض خدمة السلطان راغبًا في أن يقصر عقد الوثائق وكابها عليه خاصة، فأجابه السلطان إلى ذلك وعهد إلى من ببلده ألا يعقد أحد وثيقة إلا هذا المتفقه. فهل تجوز إمامته اذ هو إمام أو شهادته إن هو شهد؟ فجاوب: لا أكثر من أمثال هذا الفقيه؛ اذ طلب ما لا يجوز له ولا يحل، وإذ قد طلب ذلك ورغبة فإمامته غير جائزة وشهادته ساقطة والله ولي التوفيق.

стр. 581

قال القاضي: ولو كان السلطان قصر الناس على ذلك ليصر هذا الإنسان بالعقود وثقته ولتقصير غيره عن إدراكه في ذلك ولم يطلب هو ذلك ولا رغبة لكان حسنًا من فعل السلطان ويمثل هذا أمر من نظر المسلمين في مصالح دينهم ودنياهم، كما ذلك مالك عن عمر بن الخطاب أمور المؤمنين ﵁ أنه كتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ثم علمهم المستحب من أوقات الصلوات، الحديث لا كما يفعل من محنا بهم من الولاة في هذا الوقت يؤثرون من مالت اليه أهواؤهم وإن كان جاهلاً، ويقضون من انحرفت نفوسهم عنه وإن كان عالمًا؛ فعل من خان الله ورسوله والدين وجماعة المسلمين (وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (الشعراء من الآية ٢٢٧) مسألة في الصلاة في الأسواق: كتب إلى ابن عتاب ﵀ الجواب رحمك الله في حوانيت ابتناها السلطان وأكتراها الناس منه لتجارتهم ويقرب هذه الحوانيت ثلاثة مساجد يها أئمة راتبون وفي بعض هذه الحوانيت رجل ولع بإمامة من حوله في الظهر والعصر، يقف رجل في وسط الحوانيت عند الصلاة ويصيح: الصلاة يرحمكم الله، ثم يتقدم ذلك الرجل ويصلي بأرباب الحوانيت المجاورة له، وبكل من كان فيها ممن جلس إليهم، ويتركون لاسعي إلى تلك المساجد، أترى رحمك الله صلاته وصلاتهم في حوانيتهم جائزة والأرض التي بنيت فيها لا يعرف أربابها، وبعضها يعرف ربه وحيل بينه وبينها؟ أم ترى أن ينهوا عن ذلك ويؤموا بالصلاة في تلك المساجد؟ وكيف إن لم ينتهوا؟ اذا كان كما ذكرت والأصل على ما وصف فالتزامهم لتجر فيها غير جائزة، وشهادتهم بذلك ساقطة، ويؤمروا بالصلاة في المساجد، وينهوا عنها في حوانيتهم. فإذا انتهوا فذلك من توفيق الله تعالى وهدايته إياهم، وأن أبوا وأصروا وذكروا عذرًا يخرجهم إلى ذلك تركوا والله تعالى يعلم المفسد من المصلح، وقد قال تعالى لنبيه ﵇: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) يونس: ٩٩)

стр. 582

وقد كان الناس يصلون في أسواقهم ولكن كانت المساجد تبعد عنهم، وأمر هذه الأسواق على خلاف ما وصفت، والله أسأله التوفيق لجميع برحمته. قال القاضي: في سماع أصبغ: سئل أصبغ من الاكتراء في القيساريات والحوانيت المغصوبة والأبنية بالأموال الحرام، وعن السكنى فيها والتجارة بالبز وغيره فيها. فقال: لا أرى ذلك يحل، وهو مما وصفت لك من كسب الحرام ومن اكتسب فيها شيئًا فهو خبيث قليله وكثيره، وقال: لا أرى القعود عندهم في تلك الحوانيت، ولا يتخذ طريقًا إلا المرة بعد المرة اذا احتاج إلى ذلك ولم يجد منه بدًا. وذكر أن ابن القاسم كان في حوار مسجد بني بمال حرام وكان لا يصلي فيه ويذهب إلى أبعد منه، ولا يراه واسعًا لمن صلى فيه، والصلاة عظم الدين، وهو أحق ما احتيط فيه وأهل الورع يتقون هذا، ودونه هذه المسألة يتم ما قاله ابن عتاب في جوابه. والله المحمود. مسألة في جائحة جنات الأجناس بقرطبة: كانت عادة القضاء بقرطبة فيها الإحسان إلى متقبليها ومتقبلي أرضيها اذا تشكوا وضيعة أو جائحة استلافًا لهم، وإذ كانت قبالاتها تنتمي بتزايدهم فيها فاستظهروا بعقد جائحة في جناتها عند القاضي أبى المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن بشر ﵀. وقد تقدم ذكره في بعض المسائل. ونسخة العقد في امتحان مبلغ الجائحة فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: توجه بأمر القاضي عبد الرحمن بن أحمد من تسمى في هذا الكتاب من الشهداء لامتحان ما تشكاه فتقيوا الأجنة المحبسة المضمون نظرها إلى ديوان القضاء بقرطبة من الجائحة الداخلة عليهم من هذه الأجنة في سنة سبع وأربع مائة، بسبب الخشاش المتولد من الأرض غلبة رطوبة الماء عليها في شهر مارس الكائن في العام المذكور، وبسبب امتناع السقاية في شهر أغشت في العام المذكور لمخافة اللاحقة يتكرر الجيش في المحلة شرقي مدينة قرطبة عند ورود العساكر مع النصارى وبسبب تكرر القبليات على الأوراق الموضوعة فيها وتغلبها عليها. فامتحنوا ذلك وكشفوا ورأوا بما انكشف لهم من ذلك أن يسقط عن متقبلي الجنات برملة قرطبة وما اتصل بها من الجهة الشرقية بسبب جائحة الخشاش وامتناع

стр. 583

السقاية للخوف المذكور ثلث ما عليهم من القبالة في الأرض البيضاء، ويثبت عليهم الثلثان، وأن يسقط عن متقبلي الجنات في الجهة الغربية والجهة الجوفية من مدينة قرطبة بسبب جائحة القلنيات والخشاش في الأرض البيضاء الربع، ويثبت الثلاثة الأرباع وان ذلك من السداد للأحياس المذكورة لما فيه من حق المتقبلين واستئلافهم. فمن الأجنة في الرملة وما اتصل بها من الجهة الشرقية جنان كذا وجنان كذا، ومن الأجنة التي بالجهة الغربية جنان كذا وجنان كذا، ومن الجنة التي بالجهة الجوفية جنان كذا وجنان كذا، شهد بذلك كله من وقف إليها وعاينه ورآه على حسب ما وصف ممن أوقع شهادته بذلك في شهر كذا من سنة كذا. وثبت هذا العقد عند القاضي أبي المطرف ونظر لهم بما شهد به فيه وأجرى المتقبلين على عادة في ذلك أيام قضائه وكان ولاء ذلك على بن حمود اذ تغلب على ملك بني مروان وابتزهم إياه في النصف من صفر سنة سبع وأربع مائة، وكان على الصلاة يونس ابن عبد الله بن مغيث المعروف بابن الصفار، وكان ابن بشر من الراسخين، ومن كبار المشاورين المفتين، بصيرًا ما هو بالعقود والأحكام، لا يجاري في ذلك، ويسلم له ذلك لشغوفه فيه، واتصل قضاة أيام علي. فلما صار الأمر إلى أخيه القاسم بن حمود عزل ابن الصفار عن الصلاة لتنازع قبيح جرى بينه وبين أبي عبد الله بن عبد الرءوف صاحب المظالم، وذلك في ربيع الآخر سنة تسع وأربعمائة وأضاف الصلاة إلى خطة قضاة الجماعة لابن بشر فاستقل بهما إلى انقراض دولة آل حمود سنة تسع عشر وأربع مائة. وولى هشام بن محمد بن عبد الملك المعتمد بالله من بني أمية، فسعى الفقهاء على ابن بشر عنده حتى عزل وولي مكانه يونس بن عبد الله الخطتين: القضاة والصلاة. وتوفي ابن بشر في النصف من شعبان سنة اثنين وعشرين، وصلى عليه القاضي يونس بن عبد الله، وشهد الخليفة هشام ودفن بمقبرة العباس، وهو ابن نحو ثمان وسبعين سنة، فقام متقبلوا الأحباس عند ابن الصفار يونس بنحو ما تقدم يسألون الرفق لهم والإحسان إليهم بالوضع عنهم، وأثبتوا عنه عقدين. وشاور في ذلك الفقهاء: يا سادتي وأوليائي ومن أبقاهم الله، وسلمهم وأدام بركتهم ونفعهم، أدرجت طي

стр. 584

كتابي هذا عقدي استرعاء في أحدهما: ذلك جنات، وفي الثاني: ذلك دارين، وثبت عندي بمن قبلت فصفحوا رضي الله عنكم الكتابين ذلك فعرفوني برأيكم فيهما، وإن كان يجب أن يحط القائمون بهما من العدة التي انعقدت عيهم بها القبالبة في الجنات والدور، بسبب ما ثبت عندي من ذلك مما هو مذكور في الكتابين ذلك، ولما يرغبونه من العادة الجارية في ذلك التي بنيت على تركها فيما استقبل من قبالات الأجناس، ولا يكون انعقادها إلا على توجيه السنة في ذلك أم لا مأجورين موقفين إن شاء الله والسلام. فجاوب ابو علي الحسين بن أيوب الحداد: سيدي وولي ومن وصل الله حياته للمسلمين ومدهم في عمره وأيده تعونته، أنت بحمد الله قدوة في العلم وعالم بوجوه الصواب، وهذا العقد الثابت عندك في قاعات الجنات كالبقاء، المهلهل نسجها، والمحبر إفكها، وهي كما قال الوارد على عمر – ﵀: أثبتك لأمر لا رأس له ولا قلب، فأمر صاحب الأحباس أن يحضركالفناديق التي انعقدت بها القبلات على المتقبلين، فإن كانت لا شرط فيها بشيء مما شرط في هذا الكتاب الثابت عندك فاطرح هذا الكتاب لو شهد عندك فيه أهل الأرض. وإن كان قد شهد عند ثقات فلم يقصدوا قصد الباطل ولا الزور، ولكنهم نظم لهم يه محالات فلم يتحفظوا من خله والدخول تحت منكره قيل فيه إنهم تقبلوا القبلات على أن يحسن إليهم، ويوهب لهم الكثير، وإن ذلك قد صار كالشرط، وهذا مجهول حرام لا يجوز ولم يقولوا إن الدال أشهدهم على ذلك، ولا أنهم شاهدوا انعقاد القبالات على ذلك، ولا أنهم سمعوا الدال يقول للمتقبلين هذا المقال، وقطعوا على جميع جنات قرطبة وما حواليها أنها باحال التي ذكروا. وبعيدا أن يكونوا قد أحاطوا علمًا بجميع الجنات أو خيبروها، ولم يذكروا في العقد جنات الأحباس، ولا ذكروا أن متقبلي الأحباس قاموا بهذا الكتاب، ولا أنهم أدخلوهم فيها في كل الأوقات أو في أمد معروف ولا سموا عام كذا وهذا جهل عظيم. وقد تكون الجنات بزرع في قاعاتها حناء وزرع وكتاتين وقول وحمص، وغير ذلك مما لم يكسد، وقد يكون الاكتراء والابتياع مرتخصصا وغالبًا، وقد يريح ولا يريح، وقالوا: إن اكتراء المتقبلين افتقروا وافي لهم بعلم ذلك وكل ذلك عيب وغرر، ولست أتقلد أن يوهب لهم للاستئلاف إلا من نصف العشر إلى العشر، هذا أقصى ما خبرته في عمري

стр. 585

وأدركته ببحثي. وكذلك متقبلو الدور لا يوهب لهم إلا للاستئناف على حسب ما ذكرناه، إذ وثيقتهما عليهما لا لهما إذ ذلك فيها أنه منع من عمارة البيوت الخالية وخص الكراء. فأثبت يا وليي على الحق ثبت الله قدمك يوم الحاجة، فست ممن يقعقع له بالشنآن، فالعقد الثابت عندك له جعجعة ولا طحنه، جعلنا من المتبعين الحق والقائلين به والمؤدين له، والسلام عليك يا سيدي ووليي ورحمة الله. قال بذلك الحسن بن أيوب. وجاوب أبو محمد عبد الله بن يحيى بن دحون: سيدي ووليي ومن ايده الله بتوفيقه: قرأت كتابك وما أدرجت فيه من جواب الفقيه أبي علي حفظه الله تعالى وتحليله في علم ما تضمنته الوثيقة الثابتة عندك من كساد الأوراق وذهاب أثمانها وافتقار الجنانين وتلف أموالهم بذلك، وكيف كان عقد القبالات لهم، وهذا قد فشا واستذاع حتى علمته الخاصة والعامة، ويتحدثون به في الأسواق والمجالس، وما كان الدال يشير بذلك. بل كان يقول في مجالسه عند عقد القبالة ويقول فيما يبلغ الأثمان العظيمة: لو حصل من هذا الثلث أو الربع لكان حسنًا. أخبرني بذلك جماعة من الناس لا أحصي عددهم، وخبرته بنفسي، كما علمت منه أنه كما يشترط للمتقبلين من الأحباس في مواضع القفيز عشرة وفي غيرها ثمانية وستة ونحو هذا ثم يشرف على معرفة الأرباح والجوائح بقوم قد اقتصر عيهم، ولا يسمع في ذلك شهادة غيرهم من أهل العدل على حسب ما كان يفعل في تنفيذ الوصايا، وصرفها عمن جعل إليه تنفيذها، وهذه أمور محدثة، والله أعلم بمذهبه فيها. والذي أقوله في عقد القبالات على هذه الأحوال: إنه فسخ فاسد وغرر، ولا يجوز؛ فافسخ ما بقي من مددها وأعد القبالة فيها وما حلت مدته فاصرف المتقبلين فيها إلى القيمة فهو الصواب، والحق الذي يجب اتباعه، واحمل الناس على ما كان عليه السلف في إثبات جوائحهم وتنفيذ وصاياهم، فليس يأتي آخر هذه الأمة بخير ما كان عيه أولها – والله يوفقك للصواب ويعصمنا بفضله من الزلل إن شاء الله . وجاوب أبو الوليد الليث بن حريش: سيدي ووليي ومن سلمه وأبقاه، وقفت على كتابي الاسترعاء فرأيت عقدًا لا

стр. 586

يوجب حكمًا، وعلمكم محيط أن القضاة لم يزالوا يرفعون بالمتقبلين إذا شكوا البوار والكساد على وجه الاستئلاف والنظر للأحباس ليكثر حرص الناس على الدخول فيها، وقد اختبرت ذلك ووقفت عليه أيام نظرك في الأحباس وأحكام القضاء. والذي ثبت عندك في الكتابين المدرجين تنظر فيه، وتقف على ما يرغبه المتقبلون من الحظ والإحسان إليهم، وذلك موكول إلى اجتهادك، وما يؤدي إليه حسن نظرم مما يعظم الله تعالى عليه أجرك، ويجزل عليه دخرك فقد جعلك الله أهلاً للاجتهاد فيما قلدك والسلام عليكم سيدي ووليي ورحمة الله. قال بذلك الليث بن حريش. وجاوب أبو محمد عبد الله بن سعيد الشقاق: سيدي ووليي ومن أبقاه الله وسلمه وأجمل تخلصه وأبقى بركته: كان من تقدمك من القضاء ﵏ بعلمك يحسنون إلى متقبلي الأحباس، ويرفقون بهم بعد وجوب القبلات عليهم استئلافا لهم ونظرًا للأحباس لما كانوا يرجونه من رغبة الناس في قبالتها، ويسقطون عن متقبليها إذا خشوا أمرًا يخافون الخسارة فيها مما ليس بجائحة فيها. وقد شاهدت الوزير القاضي عبد الرحمن بن محمد – ﵀ – وقد شكى إليه متقبلوا حمامات الأحباس قلة الموردة عليهم، وتعذر الحرق لتوالي الأمطار، وأسقط عنهم قبالة شهر واحد مما كان التزموه من القبالة بعد أن شاور في ذلك من حضره من أهل العلم، وكذلك ينبغي أن تسلك بهم سبيل من تقدمك من الرفق بهم والإحسان إليهم، وعلى المعهود منك فإن ذلك من النظر للأحباس، وبذلك ترتفع قبالاتها ويتنافس فيها. ورأيت الشهود عندك في كتاب الاسترعاء الذي أدرجته على كتابك، قد قالوا في شهادتهم: إنما كانت تنعقد القبالات في الجنات لمتقبليها على أن يرفق بهم، ويحسن إليهم، ويوضع عنهم الكثير من قبالاتها، ولم يثبتوا الوجه الذي عرفوا به ذلك، فإن عاد إليك رجلان ممن قبلت منهم ممن ليس من المتقبلين، وقالوا: إن معرفتهم لذلك كانت بسماع من المتقبل منهم، وأنهم حضروا العقد فيها على الشرط المذكور إفصاحًا صحت شهادتهم ووجب فسخ كل قبالة عقدت على هذا الشرط، إذ ذلك غير جائز ما لم تفت بالعمل، أوقات أقله فتعاد شهادتها وتعقد فيها عقود صحيحة. وما فات منها بالعمل لزمت المتقبلين لها قيمة كراء الأرض، يوم عقد القبالات فيها على ما يقوم أهل البصر العارفون بذلك، ثم يحط عنهم بسبب ما أثبتوه من الكساد والبوار

стр. 587

في القبول على وجه الاستئلاف لهم ما تراه ويؤديه إليه اجتهادك – إن شاء الله – وأحدث يا سيدي المتقبلون للأحباس في مدة نظره أشياء لم يتقدم إليها، ولا عمل بها أحد قبله، منها أنه كان يقبل أرض الأحباس على أن للجنة عشرة، وهذا أمر لا يجوز ولا يحل عقده. ومنها أنه كان يقدم لتنفيذ وصايا المسلمين رجلين قصرها عليها، فمن أحضر غيرهما وبخه وهدده، وربما سجنه، والله أعلم بما كان ينويه في ذلك ويعتقده فهو علام الغيوب، وأحدث غير ذلك مما يكشف مشافهة عند الاجتماع بك، ويقع نظرك في ذلك كله بالواجب، حملنا الله وإياك على الرشاد ووفقنا وإياك لما فيه الخلاص، وجنبنا الهوى، وسلك بنا طريق الاستقامة، فإن ذلك بيده لا شريك له، وتسقط يا سيدي عن متقبل الدار ما تراه على وجه الاستئلاف بسبب ما شهد له من انحطاط الكراء ما تراه على أنه واجب له إن شاء الله ، والسلام عليكم يا سيدي ووليي ورحمة الله قال بذلك عبد الله بن سعيد. وجاوب أبو علي الحسن بن سلمون المسيلي: سيدي ووليي ومن عصمه الله بتوفيقه، قرأت مخاطبتك، ورأيت هذه المسألة، وهي مسألة من الاجتهاد، وما حكم به القضاء من مسائل الاجتهاد والرأي لا يجوز نقضها عند أحد من العلماء، لكنه يا سيدي يجوز ذلك أن نجتهد فيها ونحطم بعد اجتهادك ما تراه صلاحًا مما يصلح الأحباس ويتنافس فيها، وإنما حبست لمرافق المسلمين وأكثر متقبليها محاويج، وسبل الدور هذه السبيل، ووفقك الله وأعظم أجرك وأصلحنا برحمته، والسلام عليك يا سيدي ورحمة الله، قال بذلك الحسن بن سلمون. قال القاضي: قد قدمنا أن القاضي ابن بشير ﵀ سعى عليه الفقهاء حتى عزله المعتمد، وكان محسودًا لتبريزه عليهم وانتقاده لأجوابتهم واعتراضهم فيها حتى ينصرفوا إلى ما يختاره من معانيها، وقد كان بعضهم عنده لا يقبل شهادتهم في الباطن ولا يقضي بها إذا انفردت عن غيرهم، فكسبهم ذلك كله عداوته وأضمروا مطالبته حتى أمكنتهم الفرصة بعزلته. وولي ابن الصفار وشاورهم في العقدين المقوم بهما عنده على حسب ما ذكره في شوراره، ونصوا في مجاوبتهم إياه، فعرضوا بابن بشر فيها بل صرحوا إلا ابن حريش

стр. 588

والمسيلي، فسالماه تدينًا أو مصانعةً، وقدره من أقدارهم ظاهر والبون بينه وبينهم لائح، خبرًا وخبرًا، والله يؤتي فضله من يشاء. حسدوا الفتى إذا لم ينالوا سعيه ... فالناس أداء له وخصوم كم بين العقد الذي شاورا فيه والعقد المقوم به عند القاضي ابن بشر المؤرخ سنة سبع وأربع مائة المقتقدم الذلكي لو قيم بهذا الذي أفتوا عليه وشورا فيه عند القاضي ابن بشر لمزقة وما سمع شهادة فيه فساده وبطلانه عن أن يوجب حكمًا وبمشاورتهم فيه بعلم من منح أدنى شعبة من ميزان المشهود عنده فيه لاحظ له من العلم ولا بصر له بالحكم. وإطراؤهم له بأنه قدرة في العلم عالم بوجوه الصواب أدل دليل على المصانعة أو المشابهة له في الغفلة وكلاهما خطة خسف، والدين النصيحة، فإن كانوا قد نظروا بعين الحقيقة من بطلان ما شاورهم فيه فما لهم لم ينصحوه ويصرحوا له بأنه لا يسعه النظر في مثل ذلك، ولا من سماع شهادة فيه ليجتنب أمثاله ويتقي أشباهه. وإن كان قد خفي عليهم منه ما خفي عليه فتلك التي تستك منها المسامع، والوجه الأول أولى بالتأويل عليهم فيه، فقد كانوا مشيخة وقتهم، والمشار إليهم في عصرهم، والتقصير أغلب علينا والتبريز أقل شيء فينا، وفي أجوبتهم من الاختلال والاضطراب في الألفاظ والمعاني ما لو ذهبت إلى تبيينه وكشفه وإظهار الصواب فيه لطال معه الكتاب ووقع الإسهاب، والله يلهمه من شاء من خلقه. ولما انتهى القاضي أبي المطرف بن بشر رحمه الله تعالى جوابهم بفسخ ما كان انعقد من قبالات الأحباس أيام نظره لالتزام المتقبلين لها، راجين في الحطيطة عنهم من العدد الذي يلتزمونه، جارين على عادة من الوضع عنهم، ولدخولهم في ذلك على أن يكون رفعهم فيما يبذرونه في الأرض للحبة عشر أو دون ذلك وضع في ذلك ردًا من نحو ست ورقات ترجمة فسخ فتى من أفتى بالفسخ. أخرجه إلينا أبو عبد الله بن عتاب بخط القاضي واضعه وقرأته عليه بحضرة أصحابنا في أسطوان داره، وقد أثبت هنا صدرًا منه وتركت أكثره إذ لم أجد نشاطًا لنقله، ولا فراغًا لكتبه على نصبه وهو: وقفت أكرمك الله على ما ذكرت، وفهمت ما عنه سألت أنك تقبلت أحباس الديوان جنانًا، وفدانًا، وأنك تكلفت أنت ومن جرى من

стр. 589

المتقبلين مجراك إثبات ما عم وشمل في سنة كذا من فساد البقول وضروب الأوراق المجعولة في الأجنة وبوارها، وانحطاط أثمانها، وعدم المشترين لها حتى إنهم طرحوا أكثرها لفسادها، واعتقال الأرض بطول مكثها، وإن زرع الأرض في سنة كذا استأصله البربر حين محاضرتهم لقرطبة جبرها الله. وحكيت أن من الفقهاء المفتين من لم ير القيام بمثل هذه وأن المتقبلين لما احتجوا بما سلف من عادة القضاء في التخفيف عنهم والرفق بهم، فيما لم يبلغ هذا المبلغ ولا انتهى من الجائحة هذا المنتهى ترغيبًا للناس في قبالات الأحباس، واستئلافًا لهم. واحتجوا بأن القضاة قد جعلوا باجتهادهم للوسط من الرفع مقدرًا يؤتم به ويحتذى عليه عند نزول الجوائح، وقيام المتقبلين لها، فجعلوا مقدار الوسط في رفع ما قرب من قرطبة كمنية العجب وشبهها لتغالي الناس وعظم ما يتمونونه من تزييلها، والاستفراغ في عمارتها للحبة عشر حبات، ومقدار مائتي وبعد للحبة ست حبات، فقال بعض من أفتى بتلك الفتيا أن ذلك لا يجوز وان القبالة من أجل هذا التمثيل تفسد. وسالتني مجاوبتك بما عندي في هذا. فالذي عندي فيه وبالله التوفيق: أما الأجنة فإن القضاء عندنا لم يزالوا على عادة مشهورة من استئلاف المتقبلين والرفق بهم والإحسان إليهم بالوضيعة، والتخفيف عنهم إذا نزل مثل هذا، لا سيما مثل هذه الجائحة التي احتج المتقبلون بها من الكساد وعدم المشترين فإنها جائحة لم يعهد مثلها مع ضعف المتقبلين وذهاب أموالهم، وإن قبالات الأجنة في الأغلب إنما تدور عيهم، وإنهما ليست كالأرضين التي يعاينها أكثر الناس. فإن زعم زاعم أن الوضيعة لا تكون إلا فيما قل وخف. واحتج بما رواه ابن القاسم عن مالك في المقارض يسأله السائل فيعطيه الكسرة أو الثمرات قال: لا بأس بذلك، وبما رواه عنه أشهب أنه خفف له الحجامة والحمام، قيل له: ليس هذا من ذلك، هذا شيء ثان ومعنى آخر ليس ما كان على طريق المعروف، كما سأله النظر والاستئلاف. وروى ابن القاسم عن مالك في الجزء الأول من نكاح المدونة في الرجل يزوج ابنته وهي بكر ثم يحط عن الزوج من الصداق، قال مالك: لا يجوز للأب ذلك إذا لم يطلقها الزوج. قال ابن القاسم: وأرى أن ينظر في ذلك؛ فإن كان ما وضع الأب على وجه انظر مثل أن يكون معسرًا بالمهر فيخفف عنه وينظره، فذلك جائز على البنت، لأنه لو طلقها

стр. 590

ثم وضع الأب النصف الذي وجب لابنته كان ذلك جائزًا على البنت، فأما أن يضع من غير طلاق، ولا على وجه النظر فلا أرى أن يجوز ذلك. وفي الثاني من كتاب النكاح المذكور أيضًا من قول مالك ولا يجوز لأحد أن يعفو عن شيء من صداق التي يزوجها أبوها بكرًا إلا الأب وحده، لا وصي ولا غيره، قال ابن القاسم: إلا أن يكون ذلك من على وجه النظر لها، ويكون ذلك خيرًا لها فيجوز ذلك إذا رضيت، مثل أن يعسر بالمهر فيسأل التخفيف ويخاف الولي الفراق ويرى أن مثله رغبة لها، فإذا كان ذلك جاز. وقال سحنون في غير هذا الكتاب: ولا يجوز لأحد أن يضع من صداقها بعد أن وجب على حال إلا الأب. وفي كتاب المأذون له في التجارة قال ابن القاسم: لا يجوز في قول مالك للعبد أن يصنع طعامًا فيدعو إليه الناس إلا أن يكون عبدًا مأذونًا له في التجارة، فيصنع ذلك ليجتر إليه المشتري منه، فيكون ما صنع إنما يطلب به المنفعة في شرائه وبيعه، فيكون هذا من التجارة. وفي كتاب الديات من المدونة قيل لابن القاسم: أرأيت إذا جرح اليتيم عمدًا أيكون للوصي أن يصالح الجارح على مال، ويجوز ذلك على الصغير في قول مالك: ليس للأب ذلك إلا أن يعوضه من ماله، فإذا لم يكن للأب أن يعفو بغير شيء فليس للوصي أن يعفو إلا على مال، على وجه النظر. قيل: العملد في هذا والخطأ سواء؟ قال: نعم للأب والوصي أن يصالحا في العمد والخطأ ولا يأخذا أقل من أرش الجرح؛ لأنه لو باع لابنه سلعة ثمن ألف دينار بخمسمائة محاباة تعرف لم يجز، فكذلك إذا صالح على أقل من الدية في جراح ابنه إلا أن يكون صالحة على سبيل النظر لولده على أقل من دية الجرح؛ لأن الجارح عديم فرأى أن يأخذ منه أقل من الدية، فأرى أن يجوز هذا ولم أسمعه من مالك. وفي كتاب الشركة من المدونة سئل ابن القاسم عن شريكين متفاوضين باع أحدهما سلعة بدينار إلى أجل، فلما حل الأجل أخره الشريك الآخر، أو أخره الشريك الذي باع هل يجوز تأخير أحدهما على صاحبه؟ قال: قال مالك في الوكيل. يريد المفوض إليه – يكون للرجل في بعض البلاد يبيع له متاعه، ويقتضي له الثمن فيباع بعض متاعه إلى أجل، فلما حل الأجل أخره الوكيل بالثمن على وجه النظر لرب المتاع، ليستألفه في الشراء منه،

стр. 591

لا لمعروف صنعه الوكيل بالمشتري. قال: ذلك جائز لأن في التأخير نظرًا لرب المال، وهو من التجارة، ولو كان لمعروف صنعه الوكيل بالمشتري لم يجز؛ لأنه لا يجوز له أن يصنع المعروف في مال رب المتاع إلا بأمره، وكذلك الشريكان لا يجوز لأحدهما صنيع معروف في مال صاحبه إلا بأمره وما صنعه للتجارة والاستئلاف من تأخير أو وضيعة من رأس المال فذلك جائزة الوكيل فيما وضعه عن المشتري. فهذا كله يدل على تمام نظر القاضي، وجواز أمره فيما وضع على هذا السبيل، مع أن أمر القاضي أعلى ونظره أتم وأقوى، ومما يكشف لهذا المعترض ضعف ما توهم وبطلان ما اعتقده، وظن أن باب أجنة الرملة وغيرها قد جرت عادتهم أن متى ابتاع منهم مبتاع ورقة من أوراق الخضر فخسر فيها خسرانًا كثيرًا خففوا عنه وأحسنوا إليه استئلافًا له واستجلابًا لمتاجرته واستكثارًا من معاملته، والقاضي فإنما يجري فيما يقبله من الأحباس مجرى المدعي في خاصة نفسه في هذا وشبه إذا نزل به. ولست لمفت أن يعترض برأيه فيما ليس من شأنه، وما هو مصروف إلى غيره من أهل المعرفة به، ولو سئل كل ذي جنان يعاني عملها بنفسه أو يقبلها من غيره عن وجه انظر وما يجره إلى معنى النفع وتنمية المال لقال: إن الذي رآه هذا المفتي هو من سوء النظر وإضاعة المال. ثم ذلك هنا اعتراض معترض – إن كان – بأن العادة أن جرت كالشرط، واستدل على بطلان ذلك فاختصرته كراهة التطويل، ثم قال: وأما ما أنكره المفتي من تحديد مقدار الوسط من الرفع وقت القبالة ليحتزي عند نزول الحاجة عليه فإنكار من لم يأخذ نفسه باعتبار المعاني ولا وقف على حقائق أصول المسائل؛ لأن معلومًا عند كل ذي فهم ولب أن كلما وجد السبيل إلى حصر عوارض المسائل، واستقصاء عللها، والوقوف على ما تؤول إليه كان أرفع للجهالة وأنفى لعلل الفساد، وأدعى إلى حصر صفات الجواز. وما أظن قائل هذا القول حصل ما قاله ولا تدبر ما يؤدي إليه؛ لأن قوله هذا يؤدي إلى أنه ازداد الشيء صحة زاد مرصًا، وهذا لا يقوله أحد، وأنا أجتب على هذه المسألة من الشواهد ما فيه كفاية بالغة إن شاء الله . فأول ذلك: أن من أصول أهل المدينة، ومذهب جماعتهم: أن الأشياء كلها على

стр. 592

الإباحة والجواز إلا ما ورد الخبر بحظره والمنع منه. ومن أصلهم أيضًا: أن العرف كالشرط. وأيضًا فإن من أصول مذهبنا: أن كل ما أوجبه الحكم فالإفصاح باشتراطه في أصل العقد جائز، فقد بان بما أصلنا أن كل من اكترى أرضًا أو ابتاع من الثمرات شيئًا على أن يحتسب بجاحة إن كانت له، فإنما اشترط من ذلك ما لو سكت عنه لكان الحكم يوجبه فذكره له كسكوته عنه في موجب الحكم، غير أن ذكره أقطع للتنازع، وأرفع للإشكال. فلذلك كانت مقادير الجوائح عند من يلي القبالة معلومة لم يجز له فيها عقد إلا باستواء علمه وعلم المتقبل بها، فإن لم يعلم المتقبل من ذلك مثل الذي علم ولي العقد دخل ذلك الفساد، وكان من باب الغش والتدليس، كبائع الشاة اللبون وقد علم حلابها، والصبرة جزافًا وقد علم كيلها، لا يجوز ذلك عند مالك وأصحابه، حتى يعلم المبتاع من ذلك مثل الذي علم البائع. والأصل في ذلك ما روي عن النبي ﷺ : "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر (١) " فهذا يبين لك أن المتكاريين إذا علم أحدهما من باطن أمر لاشيء المكترى ما لم يعلمه الآخر أن ذلك من التدليس الذي ورد الحديث بالنهي عنه في الشاة. ومن ذلك بيوع المرابحة لا تجوز عند مالك إلا بأن يستوي علم المشتري مع علم البائع في جميع أحوالها، وما جرى عنده من أمرها. روي عنه ابن القاسم في مرابحة: المدونة فيمن اشترى سلعة فحالت أسواقها، وأراد بيعها مرابحة: أنه لا يبيعها مرابحة إلا أن يبين. قال ابن القاسم: وإن حالت أسواقها بزيادة فأعجب إلى ألا يبيع حتى يبين؛ لأن الطري عند التجار ليس كالذي تقادم عهده، هم في الطري أرغب وعليه أحرص. ومن هذا الذي أصله شيء تساهل فيه، ذكرناه وكشفنا عنه لئلا يهتدي المخالف إليه فيلزمنا الوهم به، وهو إجازة مالك إتغلال الحوائط والدور والدواب والرقي ثم يبعها

стр. 593

مرابحة دون تبين، إذا لم يطل ذلك بحوالة أسواق، وإنما أجاز ذلك في هذا الوجه؛ لأن معلومًا عند الناس أن من ملك شيئًا من هذه الأصناف وأغل ذلك عنده غلة أن سبيله في الغلة أن يجوزها وينتفع بها. وإنما تسميه مقادير الجوائح التي قد اتفق عليها، وجرى عمل القضاة به عندنا بمنزلة متعاوضين تعاوضا في سلعتين فقوما كل سلعة منهما بما تساوى يوم العقد تقويمًا تحريا فيه العدل كيما أن استحقت منهما سلعة، أوردت بعيب وقد فاتت السلعة الثانية كان الرجوع بالقيمة التي قومت بها يوم البيع دون اختلاف ولا تدافع يقع بين المتعاوضين فيها. والحجة لهذه العلة ما وقع في كتاب الاستحقاق وكتاب العيوب والعرف وكراء الرواحل من المدونة، فيمن باع سلعة بدينار إلى أجل، فلما حل الجل أخذه من الدينار دراهم فساتحقت السلعة، قال مالك: من باع سلعة بمائة دينار فأخذ فيها دراهم ثم وجد بها عيبًا فردها رجع بالدراهم، فإن أخذ بها عرضًا رجع بالمائة الدينار. قال في سماع ابن القاسم في كتاب جامع البيوع: إلا أن يكون العرض لا يشبه أن يكون ثمنًا قائمًا يكون له قيمته: قال ابن القاسم: يريد إنما أخذه منه على وجه التحاوز، مثل أن يجده معسرًا، أو أخذه منه تخفيفًا فإذا كان لك لم أر له إلا قيمته يوم قبضه. قال في المدونة: ورأيت مالكًا يجعله إذا أخذ العين من العين لا يشبه عنه إذا أخذ عرضًا، وذكر باقي المسألة. قال: وإنما اجتلت هذه المسألة وشبهها من أجل أن العدوى في الاستحقاق وما ضارعه إنما يكون بالذي هو أعدل، فلما رأى الدنانير والدراهم مجراهما أنهما عين مجرى واحدًا أعداه بالعين المأخوذة ولم يلتفت العين التي انعقد البيع بها، ولما كانت السلعة شيئًا آخر أعداه بالعين لأن المثل فيها أصحب وأعدل. ومن هذه الحجة ضارعت هذه المسألة مسألة الكراء، ثم ذلك مسألة النقص يبنيه رجلان في أرض أعارهما إياهما، فباع أحدهما حصته في النقض في الموازية، وفعة المختلطة، ثم مسألة من سماع أشهب في جامع البيوع، ثم أخرى من سماع عيسى في كتاب العتق، وفي كتاب الغصب، ثم قال: والذي هو أبين من هذا وأكتشف في هذا المعنى، وإنما أخرناه لنختم الجواب به نجتلبه بعد هذا إن شاء الله. وذلك ما وقع في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة فيمن اشترى شاة على

стр. 594

أنها تحلب قسطًا: قال ابن القاسم: ذلك جائز في رأيي، وتجرب الشاة، فإن جلبت قسطًا وإلا ردها، وقد جاء الحديث: رد ما لم يشترط فيها أنها تحلب كذا إذا اشتراها وهي مصراة، وهذه أحرى أن يردها إذا اشترط، وفي هذا الباب: قلت: أرأيت إن اشتريت شاة لبن غير مصراة ولا أخبرني البائع بما تحلب إلى الخيار إذا أحلبتها، كمن اشترى مصراة؟ قال: أما الغنم التي شأنها الحلاب وإنما تشتري لذرها في إبان ذرها فأرى إذا باعها، وقد عرف حلابها ولم يبنه للمشتري فالمشتري بالخيار؛ لأن الغنم إنما تشتري لألبانها لا للحومها ولا شحومها، فإذا عرف حلابها وكتمه كان كمن باع طعامًا جزافًا وقد عرف كيله فكتمه. قال القاضي: وهذه المسألة تحشم المفتي المعترض بما قدمنا ذكره؛ لأنه لا فرق عند كل ذي حس بين قوله في الشاة: يجلب منها كذا، وبين قوله في الأرض يصاب فيها في الأغلب من معهود رفعها كذا، وقد كان يجب أن يقتصر عليها، ولا نشغل أنفسنا باجتلاب غيرها، ولكن في هذا ما يستدل به على غفلة المعترض وتضييعه وأنه لم يكن شيء من هذا في ذكره. ومن ذلك مسألة حسنة وقعت في سماع عيسى من رهون العتبية، فيمن رهن رجلاً رهنًا في حق له إلى أجل، فأقاما الرهن بأربعة دنانير وساق المسألة إلى آخرها ثم ذلك اعتراض معترض إن كان ونصه، ثم قال: ومن هذا الباب ما يجري قضاء القضاء والحكام به من قول مالك ما طرد الليل والنهار فيمن استحق شيئًا من الحيوان، فأراد المستحق منه أن يذهب بالشيء المستحق إلى موضع البينة، فإن الشيء المستحق يقومه أهل المعرفة إن جهل المتحاكمان قيمته، وإن علماها هما واتفقا عليها كان ذلك أسهل على الحاكم في نظره واخلص في حكمه. ومن ذلك أيضًا شيء لم يزل أهل العلم عندنا يعتقدونه ويفتون به فيمن اكتسب وثيقة يذكر حق على آخر، وشرط التصديق في دعوى القضاء، وقال إن ملتزم التصديق عرف باختلاف أهل العلم في وجوب اليمين وسقوطها، فأخذ بقول من رأى سقوطها أو قضى على نفسه بذلك، أليس قضاؤه على نفسه باختيار ما تخبره من أقوال العلماء في التصديق أصح في القضاء، وأبرأ لنفس الحاكم؟! هذا ما لا يشك فيه.

стр. 595

وبعد هذا كله فإنا لا نأمن على هذا المفتي أن يركب ردعه ويكابر العيان عندما يظهر عجزه، فإن كان ذلك كذلك ولم يزعه وازع، ولا دفعه بالمواجهة مدافع رجعنا معه إلى ما يرجع إليه من لا حجة له ولا برهان معه ولا عاضد من أهل المذهب يعضده. فنقول: إن ما نتفق نحن وأنت عليه ونجتمع في القول به أن قول مالك رحمه الله تعالى الذي لا نسطيع دفعه أن القاضي إذا قضى بقضاء أداه إليه اجتهاده، ولم يكن في كتاب الله عز وجلا ولا سنة رسول ﷺ ما يخالفه فليس لأحد نقضه، ولا يسوغ لحاكم رده. هذا آخر القول، ومنتهى الجواب، والله الموفق للصواب، والهادي إلى الرشاد، بمنه وفضله وجزيل طوله، ثم قال: إنه ثابت إلى ذكره نظائر للمسائل التي اجتلبها ونقلها في نحو ورقة تركتها اختصارًا، وفيما ذكرنا كفاية إذ هو أكثر جوابه، وأبين من حجاجه. وكان شيخنا أبو عبد الله ابن عتاب معجبًا بجواب القاضي هذا مثنيًا عليه وكان شيخه، وأكثر تفقه معه، وسمعته يقول: كنت أراه في النوم وهو مقبل من ناحية حوانيت مفرج بقرطبة، وأنا ناهض إلى جهتها فكنت أسلم عليه وأسأله عن حاله، فقال لي: نفعني الله بالمدة التي كنت فيها معزولا، ونحو هذا. كانت هذه المدة نحو ثلاثة أعوام رحمنا الله وإياهم. مسألة في الاحتساب على المؤذن أبي الربيع في أذانه بالأسحار وابتهاله بالدعاء: كان هذا سليمان الشقاق متصرفًا بين يدي الواعظ أبي العباس أحمد بن أبي الربيع الألبيري الواعظ بجامع قرطبة فقام على سليمان هذا القائم عند الوزير القاضي أبي علي ابن ذكوان وهو في خطة أحكام السوق بالحسية وذكر أنه يقوم في جوف الليل ويصعد على سقف المسجد الذي يقرب داره ويؤذن على السقف ويبتهل بالدعاء، ويتردد في ذلك إلى أن يصبح، وقال القائم: إن في ذلك ضررًا على الجيران، ووقفه القاضي على لك فأقر به إلا أنه قال: إن قيامه لذلك قدر ساعة، فشاور في ذلك، وقال: قد بلغكم هذا الذي خاطبتكم به فعرفوني بما ترونه موفقين. يا سيدي ووليي ومن أبقاه الله وسلمه، يؤمر هذا المقوم عليه أن يقطع الضرر عن جيرانه، ويجري على ما كان يجري عليه الناس قبله من الأذان المعهود في الليل، وعلى ما كان من أفعال الصالحين والاقتصار عليها، فإن الخلاف شر، وفقنا الله وإياه للعمل الصالح والقول به إن شاء الله .

стр. 596

وجوب ابن جريح: يا سيدي ووليي ومن أيده الله بطاعته أحسن ايفعله الناس اتباع السلف الصالح ﵀ وكل من فعل فعلاً لا يشبه السلف الصالح فممنوع، ومستحب أن يمنع منه، فقد قال مالك: بلغني أن أبا سلمة رأى رجلا قائمًا عند المنبر يدعو يرفع يديه فأنكر ذلك عليه، وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود، فقيل له: ما أراد بالتقليص؟ قال: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين. فهذا أبو سلمة ومالك قد أنكرا ذلك عند المنبر بالنهار فيكيف من يفعل وذلك بالليل، لو سمعا ما يفعله سليمان لكان له أشد إنكارًا، لو دعا سليمان ربه في بيته أو سرًا بمسجده لكان أولى به. وقال مالك: إن تميمًا الداري قال لعمر رضي الله تعالى عنه: دعني أدعو الله وأقص واذكر الناس، فقال عمر: لا، فأعاد عليه، فقال له: أنت تريد أن تقول: أنا تميم الداري فاعرفوني. هذا عمر ينهاه بالنهار فيكيف بالليل. وقد قال مالك: القصص بدعة. وقد سئل ابن وهب عن المؤذن هل هو في سعة أن يؤذن في أين حين شاء من نصف الليل إلى آخر؟ فقال: لا يؤذن المؤذن إلا سحرًا. قلت له: وما السحر عندك؟ قال: فازجر ممنوعًا، متبعًا بذلك السلف الصالح والأئمة المهتدي ﵃ أجمعين. وجاوب المسيلي: أما بعد، صانك الله بكفايته وتولاك برعايته، وجعلنا من أهل طاعته، فقرأت ما قيم به على سليمان الشقاق، وما أقر به أن يقوم ويدعو ويتردد في ذلك قدر سماعه بزعمه، وسألت عن الواجب في ذلك وهل يباح له ذلك أو يمنع منه؟ وعلمك محيط أن الله سبحانه فرض على نبيه ﷺ قيام الليل، ثم خفضه عنه ونسخه، وقال بعض السلف من المتقدمين: إن قيام الليل فرض على الناس من أطاقه منهم. وصلى رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه، وقال لمن عاتبه: أفلا أكون عبدًا شكورًا. وقال الله تعالى ومدح: ﴿والذاكرين الله كثيرا ولاذاكيران﴾ (الأحزاب: ألآية ٣٥) وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ (الأحزاب: ٤١)، وقال النبي ﷺ : "ما رأيت أنجى من عذاب من ذلك الله (١) " وقال تعالى ﴿فاذكروني أذكركم﴾ (البقرة: من

стр. 597

الآية ١٥٢). فأمر بذكره على كل حال. وكل ما صنعه سليمان فحسن مأمور به مرغب فيه، حسن من الدعاء وقراءة القرآن، وتذلكير الناس وتخويفهم، قديم من فعل الصالحين والمتبتلين والزهاد في أمصار المسلمين. وقد كان بالبصرة عروة بن أذينة، يقوم بالليل فيصيح في الطريق ويخوفهم ويحظهم بقول الله سبحانه ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بيانا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون﴾ (الأعراف: ٩٨). ثم يقبل على صلاته فيصلي حتى يصبح، وإنما على المرء من النوافل ما قدر عليه، ولا يكلف ما لا يطيقه. فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قيل له: إن الحولاء بنت تويت لا تنام الليل فكره ذلك، وقال: "إن الله لا يمل حتى تملوا أكلفوا من العمل ما لكم به طاقة (١) ". إلا أنه لا يجوز لسليمان ولا لغيره أن يؤذي أحدًا بفعل ولا بقول، ومن فعل ما ذكرته فغير ملوم، وكان الواجب على من قام عليه في هذا ألا ينكر عليه عند السلطان، وقد دون السلطان كفاية ورفع مثل هذا ألا يصلح. فإن كان هذا الذي وصف لا يؤذي الناس، وهذا محال، لا ينكر هذا من قيام الليل منكرًا فاكشف عنه كشفًا شافيًا، ولا يجب أن يمنع هذا. هذه طريقة المجتهدين في القديم والحديث، وإنما يمنع من أدخل على المسلمين في دينهم مضرة أو في دنياهم، والاقتصاد في الأمور حسن أيضًا، وأما الآذان في الليل للنوافل كلها وللصلاة الفائتة والاستسقاء والخسوف وما كان من غيرها من صلاة النوافل كلها فمنع بعض أهل العلم (أ – ١٦١) من الآذان لها، هذا الذي لا يجوز أن يتعدى إلى غيره. والله يوفق الجميع من الطائفتين بمنه وفضله. وجاوب ابن عتاب: يا سيدي ووليي ومن أدام الله توفيقه، ما ذلك هذا القائم بالحسية عن سليمان أنه يقوم في جوف الليل ويؤذن على سقف المسجد ويبتهل في الدعاء ويتردد في ذلك، فليس

стр. 598

في هذا شيء يمنع منه غير الصعود على السقف لما يتوقع من فساده بالصعود إليه، وعلمك محيط بما ذكره الله من الترغيب قال الله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ (النور: من الآية ٣٦). والاحتساب فيما ذكره عن سليمان غير سائغ إذ ذلك ذكر الله، وهو مما تنشرح له صدور أهل الإيمان وتطمئن به قلوبهم ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ (الرعد: ٢٨). ومتى عهد من أذن بالأسحار وابتهل في الدعاء والاستغفار يوقف موقف الإقرار والإنكار، أما سمع المحتسب قول الله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ (الأنعام: من الآية ٥٢). وقد حكي مالك ﵀ أن الناس في الزمان الأول كانوا عند خروجهم لأسفارهم يتواعدون لقيام القراء لقيامهم بالأسحار فتسمع أصواتهم من كل منزل، وثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: "بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم (١) ". وقال ابن حسيب: ولا بأس أن يؤذن لها بليل طويل، يدل على ذلك هذا الحديث. قال: وأي ساعة أذن لها من الليل بعد أن يخرج وقت العشاء، وهو شطر الليل فذلك واسع والنداء لها في عسعسة الليل أفضل، وعليه مضى العمل. وذكر هذا المحتسب أن في ذلك ضررًا عليهم، فيحتمل أن يريد بهذا الضمير جماعة المسلمين، فإن كان أراد هذا فلا يصح قوله؛ إذ لم يمنع أحد من المسلمين من ذلك ولا سمعناه عن أحد منهم أنه قاله، ويحتمل أن يريد من يجاور المسجد من المسلمين وغيرهم. فإن أراد هذا فعلمك محيط أنه لا يجب له التكلم عنهم إلا بعد توكيلهم إياه، ولو ذهبوا إلى ذلك والله يعصمهم منه، ويوفقهم لما سمع منهم؛ لأن مالكًا قال في الضراب للحديد يكون جار الرجل ملاصقًا، ليس ينهما إلا حائط فيعمل الليل كله والنهار، يضرب الحديد فيتأذى بذلك جاره، ولا يجد راحة من كثرة ضربه. قال مالك: لا يمنع من ذلك، فمالك ﵀ رأى ألا يمنع ضراب الحديد وهو يؤذي جاره بذلك، فكيف من يقوم للأذان والدعاء؟ والله أسأله لنا ذلك توفيقًا وتسديدًا، والسلام عليك يا سيدي ووليي ورحمة الله.

стр. 599

في المتحلقين للمسائل يوم الجمعة في الجوامع: من أحكام ابن زياد: سألتنا – وفقك الله وأعانك على ما قلدك – عن قوم يحلقون في المسجد الجامع للفتيا ومذاكرة العلم والخوض فيه وذكرت أن رافعًا رفع إليك أن المتحلقين فيه ليسوا ممن يستحق ذلك وأن إقامتهم واجب، إذ المساجد إنما اتخذت للصلاة وتحلقهم فيها مما يضر بالمصلين. فالذي نراه ونقول به في ذلك – والله الموفق – أن المساجد وإن اتخذت للصلاة، فإن الخوص فيها في العلم وضروبه جائزة من فعل الأئمة. وقد جاء عن مالك ﵀ أنه كان يتحلق يوم الجمعة في مسجد النبي ﷺ حتى يخرج الإمام، فإذا خرج قطع الفتى واستقبل الإمام. والعلم – أكرمك الله – أفل شيء اجتمع لمذاكرته والتكلم فيه بعد كتاب الله ، وقد رأيت مساجد الأمصار يتحلق فيها الأئمة ومن دونهم من المتفقهين، ولا ينكر ذلك عليهم، ولا يقام أحد منهم، وترك المتحلقين في الجامع على ما هم عليه واسع إن شاء الله. قال بذلك عبيد الله بن يحيى وابن لبابة ومحمد بن وليد وسعد بن معاذ. قال القاضي: هذا الجواب على الإطلاق في ترك هؤلاء المتحلقين غير صحيح، إنما يباح ذلك إذا كان فيهم من يوثق بفهمه وعلمه ودينه، ويؤمن عليه التكلم فيما لا يحسنه، والفتوى بما لا يعلمه فهو يتكلم معهم فيما يعلم، ويبصر الجاهل ما لا يفهم، فإذا كان هذا أبيح له وللمستمعين التحلق والتعلم في غير أوقات الصلاة خير لا يضرون بالمصلين. وقد ذلك أبو البختري: أن علي بن أبي طالب – ﵁ دخل المسجد، فإذا رجل يخوف فقال: ما هذا؟. فقالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقول: أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه. وروي عن ابن عابس ونحوه، وما حكوه في جوابهم عن مالك مصحف خطأ، وكذلك باقي جوابهم وتركنا شرحه كراهة التطويل.

стр. 600

الاحتساب في إنزال الزرع وغيره في أفنية المساجد: فهمنا – وفق الله القاضي – ما رفع إليك عن مسجد الشفا من إنزال الناس الزرع والحطب والبقول وغيرها، في دكاكين المسجد فتوسخ بذلك المسجد، وينزل أيضًا في القبلة من المسجد في فنائه الأغنام لتجلب ثم يكثر زبولها فيضر غبارها بالمسجد، فالذي يجب في ذلك أن يكشف القاضي ما رفع إليه بمن يثق، فإذا صح عنده ضرر تلك ذلك قطع الضرر عن المسجد ومنع أولئك الذين يحدثونه في أفنية المسجد. قاله ابن لبابة وأصحابه. في ميضأة مسجد عجب ودخول الصبيان عليهم في المسجد: قام عندي – رحمكم الله – رجل من أهل مسجد عجيب، فذكر أن ميضأة المسجد كان بابها خارجًا عن دار المسجد، وأنها كانت قد ردت من داخل الدار، ثم قام أكثر الجيران فقالوا: إنه يدخل الصبيان ومن لا يجب دخوله المسجد إلى الميضأة، فردوا باب الميضأة خارجًا عن المسجد كما كان بابها فيما مضى، واستظهر القائم بالحبسة في ذلك بقوم أتى بهم، وذكر أن بعض الجيران أراد فتح باب الميضأة في داخل المسجد فاكتبوا لي بما عندكم في ذلك مما يجب علينا فعله ولا يحل لنا تركه. فجاوب ابن لبابة: فهمنا – وفقك الله – ما أرادت معرفته من خير هذه الميضأة، وإني أكرمك الله كثيرًا ما أمر بالمسجد، ورأيت باب الميضأة في الشاعر في موضع حسن، وبلغني أنها هكذا كانت في ابتداء ابتنائها حتى رأى بعض من كانن في المسجد رد الباب في داخل المسجد فمضى زمانًا كذلك. فلما ستقبحه وجوه هل المسجد لمن يدخل الميضأة على المسجد، ولا يتحفظ من الصبيان، وينال ضرر ذلك المسجد رد الباب إلى ما كان عليه، فرأيت رده نظرًا للمسجد وحفظًا له، وصوتًا عمن يدخله ولا يتحفظ، وكذلك يجب أن يتحفظ بالمساجد ويقطع عنها كما يدنس قيعانها. وقد أخبرني العتبي عن سحنون بن سعيد أنه كتب إلى قاضي محمد بن زياد، يشير عليه ألا يلعم معلم في المسجد، فهذا المعلم يكره له التعليم في المسجد لما يخاف من قلة تحفظ الصبيان، فكيف بميضأة يختلف إليها على المسجد من لا يتحفظ من النجاسات فصرف باب الميضأة الذي صرف إلى الشارع في الفضاء من النظر، وأسأل الله التوفيق.
следующие страницы →