← Фикх малики

Фикх малики · id 14594

عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة

ابن شاس

Полный текст (1 311 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

(فأما لو اصطدم فارسان فماتا، فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وإن مات الفرسان فقيمة فرس كل واحد منهما في مال الآخر). قال أشهب وقال بعض العراقيين: على عاقلة كل واحد منهما (نصف) دية الآخر لاشتراكه في قتل نفسه. وسواء كان المصطدمان راكبين أو ماشيين، أو بصيرين أو ضريرين، أو أحدهما ضرير أو بيده عصا. وإن سلم أحد الفارسين بفرسه، ففي ماله فرس الآخر، وعلى عاقلته دية راكبة، فإن تعمد الاصطدام فهو عمد محض يثبت القصاص وأحكامه. وكذلك لو كانا صبيين ركبا بأنفسهما أو ركبهما أوليائهما، فالحكم فيهما كما في البالغين إلا في القصاص. (فأما لو اصطدمت سفينتان فلا ضمان على أصحابهما، إلا أن يتعمدوا ذلك. ولو كان الملاحون قادرين على صرفهما (فلم) يصرفوهما ضمنوا، وسواء كان ذلك لعذر أو لغير عذر من خوفهم على أنفسهم الغرق أو غيره، أو من أجل الظلمة وهم لو (رأوهم) قدروا على صرفهما أو غير ذلك). فروع: من ارتقى في بئر بجذبه رجل من أسفل فوقعا جميعًا فيها فماتا، فعلى عاقلة الأسفل دية الأعلى. وإذا قاد بصير ضريرًا فوقعا في بئر، فإن وقع كل واحد منهما ناحية عن صاحبه فماتا جميعًا، فدية الضرير على عاقلة البصير، ودم البصير هدر. وكذلك لو كان البصير وقع فوقه. وإن وقع الضرير فوق البصير فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر. وإن وقع الضرير وحده فالضمان على البصير. وإن وقع البصير وحده فلا ضمان على الضرير.

стр. 1122

وكذلك لو وقع بصيران في بئر، فإن الأعلى ضامن للأسفل، ولا ضمان على الأسفل إلا أن يكون (الوقوع بسببه). ولو جذب رجلان حبلاً ف انقطع فتلفا، فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر. فإن تلف أحدهما فديته على عاقلة الآخر. وإن وقع أحدهما على إنسان أو متاع فأتلفه فالضمان عليهما. القسم الثالث من الكتاب: في بيان من عليه الدية وهي الجاني إن كانت الجناية عمدًا، أو العاقلة إن لم تكن عمدًا. واختلف في جراح العمد التي لا قود فيها، وفي مثل فعل المدلجي بابنه كما تقدم، والنظر في ركنين: الأول: في جهات العقل، وصفة العاقلة أما الجهات فثلاث: العصرية والولاء، وبيت المال، أما الموالاة والمخالفة فلا توجب (تحمل) العقل. الجهتة الأولى: القرابة. وهي كل عصبة، ويدخل فيها الأب والابن. وفي دخول الجاني فيالتحمل روايتان. وألحق بالقرابة الديون (بعلة) التناصر، فإذا كان القاتل من أهل ديوان مع غير قومه حملوا عنه دون قومه، وحمل عنهم كما يحمل عنه قومه سواء كانوا أهل ديوان أم لا، ثم إن اضطر أهل ديوان إلى (معونة) قومهم لقتلهم أو لانقطاع ديوانهم أعانوهم. وقال أشهب: إنما يحمل عنه أهل الديوان إذا كان العطاء قائمًا، وإلا فأهله يحملون عنه. الجهة الثانية: الولاء. فإذا لم تصادف عصبةفعلى معتق الجاني وهو المولى الأعلى، فغن لم يكن، فاختلف في المعتق الأسفل، فقيل: يحمل، وقيل: لا يحمل شيئًا. الجهة الثالثة: بيت المال. وإذا لم تجد العصوبة والولاء أخذنا من بيت المال إن كان الجاني مسلمًا، وإن كان ذميصا رجعنا على الذين يؤدون معه الجزية، أعني أهل إقليمه الذين يجمعه وإياهم أداء الجزية. فإن لم يستقلوا ضم إليهم أقرب القربى منهم من كورهم كلها حتى يتسعوا. وإن كانوا أهل صلح فالدية على أهل ذلك الصلح. أما الصفات فيشترط فيمن تضرب عليه: الحرية والتكليف والذكورة والموافقة في الدين واليسار. فلا تضرب على عبد ولا صبي ولا امرأة وإن كانت معتقة، ولا على مخالف في الدين، فلا يتحمل مسلم عن كافر، ولا كافر عن مسلم، ولا تضرب على فقير وإن كان يعتمل.

стр. 1123

ولا حد للمال إذا ملك استحق مالكه الضرب عليه، ولا لما يؤخذ من كل واحد حد، وقيل: يؤخذ من (أصحاب) الديوان من كل مائة درهم من العطاء درهم ونصف. قال ابن القاسم: وكذلك كان يؤخذ من أعطيات الناس. الركن الثاني: في كيفية التوزيع. والنظر في الترتيب والأجل. أما الترتيب، فالبداية بأقرب العصبات، ولا يضرب على كل واحد إلا على قدر ما تحتمله حاله ولا يضر به. ثم إن فضل عن الأقربين شيئ ترقينًا إلى من بعدهم أولاً أولاً، ف نبتدئ بالفخذ، فإن لم يستقل الفخذ ضممنا إليه البطن، فغن لم يستقلا ضممنا إليهما العمارة، فغ، لم ستقل الجميع ضممنا إليهم الفصيلة، فإن لم يستقلوا ضممنا إليهم القبيلة، فإن لم يستقلوا لفقرهم وقلة جدتهم استعانوا بأقرب القبائل إليهم. قال ابن القاسم في الكتاب: "ولا يعقل أهل البدو مع أهل الحضر وإن كانوا قبيلة واحدة، لانه لا يستقيم أن يكون في دية واحدة إبل وعين". وروى ابن وهب في كتاب ابن سحنون: أنهم يعقلون. (وقاله) أشهب وعبد الملك: قال ابن القاسم: "وأهل مصر لا يعقلون مع أهل الشام، ولا أهل الشام مع أهل العراق، وإن كانوا أقرب إلى الجاني ممن معه في أفقه، بل بعد من كان في غير أفقه كالمعدوم، ويضم إلى من في أفقه من يليهم من القبائل، وإن كانوا أبعد من الخارج عن أفقه. قال أبو الحسن اللخمي: يريد ابن القاسم بأهل مصر أهل الكور. قال ومصر من أسوان إلى الإسكندرية. وقال سحنون: في إفريقية يضم عقلها بعضها إلى بعض من طرابلس إلى (طبنه). وقال أشهب فيمن وجبت عليه دية وهو من أهل الفسطاط: لا يؤخذ في ذلك جميع عمل مصر، وذلك على من هو بالفسطاط. وما دون ثلث دية الجاني والمجني عليه لا يضرب على العاقلة بل يكون في مال الجاني حالاً، وذلك لما روى ربيعة أن النبي ﷺ عاقل بين قريش والأنصار فجعل على العاقلة ثلث الدية فصاعدًا.

стр. 1124

واختلف فيما نقص عن ثلث دية المجني عليه وإن ساوى دية الجاني أو أناف عليها كمجوسية شجت مسلمًا موضحة ونحوها، هل تحمله العاقلة أم لا؟ على روايتين لابن القاسم وأشهب. وأما الأجل فهو في دية كاملة ثلاث سنين، يؤخذ ثلثها في آخر كل سنة. وفي بعض الدية خلاف، هل يكون حالاً أو منجمًا؟، ثم تنجيمه إذا قلنا به يكون على النسبة منها، فالثلث في سنة والثلثان في سنتين. وفي النصف روايتان، وكذلك في النصف والربع، إحدهما: أن ذلك في سنتين، والأخرى: (أن) الأمر فيه مردود إلى نظر الحاكم. وتنجم دية المرأة ودية الكافر في ثلاث سنين. ومن مات ممن جعل عليه بقدره لم يزل عنه ما جعل عليه وكذلك أو أعدم. ولا يدخل فيها من يبلغ من صغير، أو يقدم من غائب أو منقطع. ولا تزاد على من أيسر منهم. وقال أصبغ: من مات منهم بعدما جدعلت عليه فلا يكون ذلك في ماله، بل يرجع على بقية العاقلة. وأول الحول يحسب من يوم الحكم. قال القاضي أبو الحسن: لانها تحتاج إلى تمييز العاقلة، والتوظيف على من تجب عليه منهم وكانوا غير متعينين، وإنما يتعينون بالحكم. فرع: لا تحمل العاقلة جناية العبد ولا الجناية العمد سوى جراح العمد التي لا قود فيها. والدية المغلظة على الخلاف المتقدم في ذلك. ولا تحمل من الجناية ما لم يثبت إلا باعتراف الجاني. القسم الرابع من الكتاب: في غرة الجنين . والنظر في أطراف: الأول: في الموجب، وهي جناية توجب انفصال الجنين ميتًا في حياة أمه. قال الأستاذ أبو بكر: الاعتبار في وجوب غرته بحياتها، وفي كمال ديته بحياته فإن لم ينفصل وماتت الأم فلا شيئ فيه، وإن انفصل بعد موتها فكذلك أيضًاً. وقال أشهب: إذا انفصل بعد موت الأم وجبت الغرة. قال: وأما إن انفصل حيًا

стр. 1125

فاستهل، فإن كانت الجناية خطأ وتراخى الموت عن الاستهلال فالواجب فيه الدية بقسامة، وإن (كان) الموت عقب الاستهلال فقال أشهب: لا يفتقر في استحقاق الدية إلى قسامة. وقال ابن القاسم: لابد من القسامة. وإن كانت الجناية عمدًا فقال القاضي أبو الوليد: "المشهور من قول مالك أنه لا قود فيه. وقال ابن القاسم في المجموعة غيرها: إذا تعمد الجنين بضرب البطن أو الظهر أو موضع يرى أنه أصيب به ففيه القود بقسامة. وأما ضرب رأسها أو يدها أو رجلها ففيه الدية بقسامة"" وهي في ماله، لأن موته عن سبب عمد. ولو ألقت جنينين أو أكثر من ذلك ففي كل واحد غرة أو دية. ولو خرج راس الجنين وماتت الأم، ففي إيجاب الغرة فيه قولان. الطرف الثاني: في الموجب فيه. وهو ما ألقته المرأة مما يعرف أنه ولد وإن لم يكن مخلقًا، مضغة كان أو غيرها، نفخ فيه الروح أو لم ينفخ فيه بعد، إذا علم النساء أنه ولد، وإن لم يتبين من خلقه عين ولا أصبع ولا غير ذلك. ولا يفترق الحكم بأن يكون ذكراً أو أنثى. هذا أصل الجنين، أما صفته فإن كان حرًا مسلمًا ففيه غرة، وفي الجنين الحر الذمي نصفها، أما الجنين الرقيق ففيه عشر قيمة الأم. وقال اصبغ عن ابن وهب في كتاب محمد: في جنين الأمن ما نقصها، قال محمد: وقول مالك أحب إلينا. الطرف الثالث: في صفة الغرة. وهي عبد أو وليدة. والأحسن أن يكون من الحمر، ويجزي من أوسطهم. قال في المجموعة: إلا أن يقلوا، فمن أوسط السودان. ومهما بذل من ذلك ما قيمته خمسون دينارًا أو ستمائة درهم وجب قبوله. ويؤخذ من أهل الذهب خمسون دينارًا، ومن أهل الورق ستمائة درهم. واختلف في المأخوذ من أهل

стр. 1126

الإبل، فقال أشهب: تؤخذ منهم الإبل وهي خمس فرائض: بنت مخاض وبنت لبون وابن لبون وحقة وجذعة. وقال ابن القاسم: ليس للإبل فيها مدخل، لان أصلها الغرة، ثم قومت بالذهب وبالدراهم، وليست الإبل بقيمة. ثم مصرف الغرة لوارث الجنين على فرائض الله تعالى.

стр. 1127

كتاب كفارة القتل وكل حر مسلم قتل حرصا مؤمنًا معصومًا خطأ فعليه تحرير رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، ليس فيها شرك ولا عقد من عقود العتق، كما قدمنا في الصيام والظهار. فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. [فإن] لم يستطع انتظر القدرة علىالصيام أو وجود الرقبة. ولا مدخل للإطعام فيها. فتجب الكفارة في مال الصبي والمجنون. ولا تجب في قتل الصائل، ولا على من قتل نفسه. وتجب في شبه العمد على الرواية المثبتة له. وتستحب الكفارةف يالعبد والذمي وقاتل العمد إذا عفي عنه. والشريك في القتل عليه كفارة كاملة. ولا تجب الكفارة في الجنين يسقط ميتًا بالضرب أو بقتل الأم، وروى استحسانها فيه. خاتمة لموجبات القتل بذكر التعزيز والقيمة: أما التعزيز فالنظر في صفته ومحله: أما الصفة: فضرب مائة وحبس سنة.

стр. 1128

وأما المحل: فكل من قتل عمدًا ولم يقتل، كمت قتل من لا يكافئه، كالمسلم يقتل الكافر، والحر يقتل العبد، وكمن وجب عليه القود فعفي عنه. ويدخل في العبد يقتل الحر فيعفى عنه ويستحيي. وقال اصبغ: لا يحبس العبد ولا الامة، ولكن يجلدان. وكجماعة أقسم عليهم فقتل أحدهم، فليضرب سائرهم ويحبسوا. وأما القيمة فإنما تجب في قتل غير الحر، وقد سبق ذكرها في كتاب الديات

стр. 1129

كتاب دعوى الدم والنظر في القسامة والشهادة بالدم النظر الأول: في القسامة وفيها أربعة أركان: الركن الأول: في مظنتها ، وهو قتل الحر المسلم في محل اللوث إذا لم يثبت القتل ببينةولا بإقرار من مدعى عليه. فلا قسامة في الأطراف والعبيد والكفارة. واللوث: هو أمارة يغلب معها على الظن صدق مدعي القتل كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل. وفي شهادة من لا تعرف عدالته، أو العدل يرى المقتول يتشحط في دمه والمتهم نحوه، أو قربه عليه آثار القتل، خلاف، تفصيله: (أن محمد بن عبد الحكم قال: يوجب القسامة ما يدل على قتل القاتل بأمر بين مثل أن يرى يجره ميتًا، أو يرى خارجًا متلطخًا بالدم من منزل يوجد فيه القتيل وليس معه غيره، فمثل هذا يوجب القسامة. ومثل أن يعدو عليه في سوق عامر فيقتله فيشهد بذل من حضر. قال الشيخ أبو محمد: "يريد وإن لم يعرفوا، إن تظاهرت ذلك كاللوث تكون معه القسامة. قاله من أرضى. وروى ابن وهب: أن شهادة النساء لوث. (وذكر محمد عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث شدون شهادة المرأة الواحدة. وروى محمد أيضًا عن أشهب عن مالك: أنه يقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة. قال محمد: ولم يختلف قول مالك وأصحابه أن العبد ولاصبي والذمي ليس بلوث.

стр. 1130

وذكر القاضي أبو محمد في معونته: "أن من أصحابنا من يجعل شهادة العبيد والصبيان لوثًا". وقال القاضي أبو الوليد: "اللوث عند مالك هو الشاهد العدل في معاينة القتل". وقال القاضي أبو بكر: "اختلف في اللوث اختلافاً كثيرًا، فمشهور المذهب أنه الشاهد العدل". وقال محمد: هو أحب إلي، قال: وأخذ به ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم. (وروى ابن حبيب عن مطرف قال: سألت مالكاً عن اللوث؟ فقال: اللوث اللطخ البين مثل اللفيف، من السواد والنساء والصبيان يحضرون ذلك، ومثل الرجلين أو النفر يشهدون على ذلك وهم غير عدول، فتكون القسامة معهم). قال مطرف: فقلنا لمالك: فالشاهد العدل؟ فقال: وذلك لوث. وهو أعلى اللوث وأحقه وأبينه. قال ابن حبيب: قال لي مطرف: وقد كان بعض أصحاب مالك روى عنه أنه قال: لا يكون (لوثًا) إلا الشاهد العدل، وإنما ذلك وهم ممن روى ذلك، فاحذر هذا القول لا تقبله، فإني ظننت أ، هـ قد انتهى إليك، وإنما (قال له) ابن أبي حازم يومًا، ونحن جميعًا معه، يا أبا عبد الله ترى الشاهد العدل لوثا؟ فقال: نعم. فحمله بعض من سمعه معنا أن تفسير اللوث الشاهد العدل لوثاً؟، فقال: نعم. فحمله بعض من سمعه معنا أن تفسر اللوث الشاهدل العدل، وإنما معناه أن لوث أيضًا، وهو أبين اللوث وأظهره، وإنما اللوث بعينه اللطخ البين، والشاهد الواحد من اللوث (والنفر غير (الجائر) الشهادة من اللوث)، والسواد والصبيان والنساء) إذا حضروا ذلك أيضًا من اللوث. وقد قيل بذلك عندنا بالمدينة. واللوث هو الالتباس من الأمر واختلاطه، ألا ترى أنك تقول: قد التاث [هذا] الأمر فاعرف هذا، وإياك أن تقبل غيره. وقول المقتول في العمد: دمي عند فلان، لوث يوجب القسامة، إذا كان بالغاً مسلماً

стр. 1131

حرًا. ولا يشبه ذلك الدعوى بالمال [أو غيره [، لأن أهل هذا أصل قائم بنفسه. ومن يتحقق مصيره للآخرة وأشرف على الموت فلا يتهم في إراقة دم مسلم ظلمًا، وغلبة الظن في هذا تنزل منزلة غلبة الظن في الشاهد، وكيف لا والغالب من أحوال الناس عند الموت التوبة والاستغفار والندم على التفريط ورد المظالم، فكيف يتزود من دنياه قتل النفس المحرمة، هذا خلاف الظاهر وغير المعتاد. واحتج أصحابنا أيضًا بقصة بقرة بني إسرائيل، واعترض عليهم بأن ذلك شرع من قبلنا، وبأنه آية _نبي). فأجابوا عن الأول بأنه غير المذهب. وعن الثاني بأن موضع الحجة غير موضع الآية. وفي كونه لوثاً في الخطأ روايتان، قال الإمام أبو عبد الله: والأصح عندنا أنه يقسم مع دعواه في الخطأ. ولو شهد شاهدان بالضرب أو الجرح ثم مات المجروح أو المضروب بعد أيام، وقد أكل وشرب كان ذلك لوثًا، يقسم معه لمن ضربه أو جرحه مات. فرع: فإن لم يقم على الضرب أو الجرح إلا شاهدًا واحدًا فقال ابن القاسم: يقسم معه. وقال غيره: لا يقسم على ذلك حتى يثبت أصل الجرح أو الضرب، ثم يقسم الورثة أنه مات من ذلك. وإذا انفصلت قبيلتان عن قتيل لا يدرون من قتله، فالعقل على الذين نازعوه ونازعوا أصحابه، فتضمن كل فرقة من أصيب من الفرقة الأخرى، فإن كان من غيرها فعقله عليهما ولا قسامة في ذلك ولا قود في هذا. قال أشهب: وهذا إذا لم يثبت دمه عند أحد بعينه. قال ابن القاسم: "قول مالك: لا قسامة في هذا المعنى بدعوى الأولياء أن فلانًا قتله. وأما لو قال الميت: فلان قتلني، أو قام شاهد عدل أن فلانًا قتله، لكانت فيه القسامة" وقاله أشهب. قال: وكذلك لو (أقام شاهدين) بأن فلانًا قتله بين الصفين لقتل به. فرع: فحيث شهد شاهد عدل على رؤية القتل، وقلنا: يقسم معه، [فقال] محمد: إنما يقسم مع شهادته إذ ثبت معانية القتيل فشهد بموته وجهل قاتله، كقصة عبد الله بن

стр. 1132

سهل. قال ابن الماجشون: لأن الموت يفوت، والجسد لا يفوت. وقال أصبغ: ينبغي أن لا يعجل السلطان فيه بالقسامة حتى يكشف، ف لعل شيئًا أثبت من هذا، فإذا بلغ أقصى الاستيناء قضى بالقسامة مع الشاهد وبموته. قال ابن القاسم: "وإن شهد شاهدان أن فلانًا جرحه، ثم مات بعد أيام من تلك الجراحة ففيه القسامة" وقال سحنون في المستخرجة عن ابن القاسم: "لا قسامة فيمن قتل بين الصفين وإن شهد على قتله شاهد أو على إقراره". قال محمد: رجع ابن القاسم عن هذا إلى أنه يقتل بالقسامة من ادعى عليه المقتول، قال: وهو قول مالك وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ. فرع: قال القاضي أبو محمد "هذا كله إذا كان القتل من غير تأويل دين، فإن كان بخلاف ذلك فلا قسامة ولا دية ولا قود". وأما مسقطات اللوث فأربعة: الأول: أن يتعذر إظهاره عند القاضي، فلو ظهر عنده في جمع، بأن تشهد البينة بأنه قتل ودخل في هؤلاء الجمع ولم يعرفوه منهم بعينه، فللمدعي أن يستحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا ويغرمون الدية بلا قسامة من الأولياء. ومن نكل منهم كان العقل عليه. وقال سحنون: لا شيئ عليهم وشهادة البينة أنهم رأوه دخل فيهم ولا يعرفونه بعينه باطل. الثاني: إذا ظهر اللوث في أصل القتل دون وصفه كما لو قال: دمي عند فلان، ولم يقل: عمدًا ولا خطأ، فإن اجتمع الأولياء على عمد، أو خطأ على إحدى الروايتين، أقسموا

стр. 1133

عليه واستحقوا ما يجب فيه، وإن اختلفوا فقال بعضهم: عمدًا، وقال بعضهم: خطأ، ثبت حكم الخطأ. ولو قال أحدهم: قتله عمدًا وقال غيرهم: لا علم لنا، بمن قتله، أو نكلوا على اليمين، سقط حقهم من القسامة وردت على المدعى عليه، ولو قال بعضهم: قتله خطأ، وقال بعضهم: لا علم لنا، بمن قتله، أو نكلوا عن اليمين، حلف مدعو الخطأ، واستحقوا أنصباءهم من الدية، ولا شيئ للآخرين. وقال الشيخ أبو بكر: "القياس ألا يقسموا". الثالث: دعوى الورثة خلاف ما قال الميت من عمد أو خطأ يسقط حقهم من القاسمة والدم والدية، ولا يقبل رجوعهم إلى قوله. قاله أشهب. وقال ابن القاسم: إذا ادعوا خلافه فليس لهم أن يقسموا إلا على قوله، ولم يره. الرابع: أن يدعي الجاني كونه غائبًا، ويقيم البينة على ذلك فيسقط أثر اللوث. الركن الثاني: في كيفية القسامة وهي ا، يحلف الوارث، إن كان واحدًا، في الخطأ خمسين يميناً متوالية. وإن كانوا جماعة وزعت عليهم الأيمان على قدر مواريثهم، وجبر كسر اليمين بإكمالها على من عليه أكثرها، أو على جميع المشتركين فيها إن تساوت أنصباؤهم منها، وقيل: يجبر على الجميع وإن اختلف أنصباؤهم منها. فإن نكل بعضهم أو كانغائبًا فلا يأخذ الحاضر حصته ما لم يتم خمسين يمينًا. ثم من حضر منالغيب حلف حصته من الأيمان لو اجتمع الجميع وأخذ حصته من الدية، ومن نكل منهم سقط حقه. وأما العمد فلا يحلف فيه أقل من رجلين. قال ابن القاسم: وكأنها من ناحية الشهادة. ولا مدخل للنساء في العمد بوجه، بل تحلف العصبة، فإن كانوا خمسين حلف كل واحد منهم يمينًا واحدة، فإن اقتصروا على رجلين منهم فحلفا خمسين يمينًا فهل يجزيهم ذلك أو لا يجزيهم ويعدون ناكلين إن لم يحلف كل واحد منهم يمينًا؟ قولان لابن القاسم وعبد الملك. قال محمد: [و] قول ابن القاسم صواب، لأن أيمان بعضهم تنوب عن البعض. وإن زاد عددهم على الخمسين حلف منهم خمسون. وحكى القاضي أبو محمد رواية

стр. 1134

بأنهم يحلفون جميعهم. وإن نقص عددهم عن الخمسين ردت عليهم الأيمان حتى تكمل خمسين. وإن كان الولي واحدًا استعان ببعض عصبته، ويجتزي في المعنيين بالواحد. ثم نكول المعينين غير معتبر، فأما نكول أحد الأولياء فمسقط للقود. قال القاضي أبو محمد: "وهذا في الولد والإخوة رواية واحدة. وفي غيرهم من العصبات روايتان: إحداهما مثل هذه، والأخرى أن الباقين يحلفون ويستحقون الدم". ثم حيث قلنا بسقوط القود في إحدى الصورتين فيحلف من بقي ويستحق نصيبه من الدية. وروي ترد الأيمان على المدعى عليه، فإن نكل لزمته الدية في ماله. وقال محمد: قد اتفقوا على أن هذا يحبس إلى أن يحلف. وروي إن طال حبسه خلي. الركن الثالث: في حكم القسامة وهو القود في العمد والدية في الخطأ. فإن كان المقسم عليهم جماعة لم يقتل منهم بالقسامة إلا واحد. قال عبد الملك: لانا لا ندري أقتله الكل أو البعض، والمتحقق منهم واحد والزائد عليه مشكوك فيه (فترك). وقتل المتحقق. وقال المغيرة: تقتل (به) الجماعة. وإذا فرعنا على المشهور فلا يقسم إلا على واحد بعينه ويقتل. وقال أشهب: لهم أن يقسموا على الجماعة، ثم (يقتلوا) واحدًا منهم يختارونه، ثم يضرب كل واحد ممن بقي مائه (سوط) ويحبس سنة كما قدمنا. وإذا فرعنا على الأول فروى ابن القاسم أنهم يقولون فيالقسامة: لمات من ضربه، ولا يقولون من ضربهم. الركن الرابع: (في من) يحلف وهو في العمد من له حق القصاص من الأولياء الرجال المكلفين. وأما في الخطأ فيحلف جميع المكلفين من الورثة، رجالاً كانوا أو نساء، ويحلفون على قدر مواريثهم كما سبق. ومهما قتل من لا وارث له فلا قسامة إذ تحليف بيت المال غير ممكن. ولا قسامة إلا بورثة نسب أو ولاء. ولا يقسم من القبيلة إلا من التقى معه إلى نسب ثابت ببينة. ولا يقسم المولي

стр. 1135

الأسفل، ولكن ترد الأميان على المدعى عليه فيحلف خمسين، فغ، حلف ضرب مائة وحبس سنة، وإن نكل سجن أبدًا حتى يحلف أو يموت. فرع: قال ابن القاسم في ابن الملاعنة يقول: "دمي عندفلان، فإن كانت أمه معتقة أو أعتق أبوها أو جدها أقسم موالهيا في العمد". قال أشهب: وعصبتها. وأما في الخطأ (فليقسم) ورثته بقدر مواريثهم من رجال ونساء، ويستكمل من حضر منهم خمسين يمينًا، وأما إن كانت من العرب فلا قسامة فيه. قال محمد: لان العرب خؤولته ولا ولاية للخؤولة، وكذلك من لا ولاة له ولا موالي، لأن ماله لبيت المال. النظر الثاني: في إثبات الدم بالشهادة: ولا يثبت القتل الموجب للقصاص برجل وامرأتين، ويثبت بذلك موجب الدية، ويشترط ألا تتضمن الشهادة بالدم جرصاولا دفعًا، فلو شهد على جر (الموروث) لم يقبل، كما تقدم في الشهادات. وإذا شهد [بعض الورثة بعفو بعضهم سقط] القصاص بإقراره، وإن كان فاسقصا لا من حيث أنها شهادة. ولو اختلف قول [الشاهدين في صفة القتل] فقال أحدهما: ذبحه وقال الآخر: إنه حرقه، والمشهود عليه منكر للشاهدين، (فإن قام الأولياء بالشهادتين] بطل الدم، وإن قاموا بأحدهما أقسموا معه، واقتصوا، وسقطت شهادة الآخر لاجتماع الأولياء والقاتل على تكذيبه، وإن اعترف القاتل بالذبح وقام الأولياء بشاهد التحريق فإن كان هو الأعدل أقمسوا معه وحرقوه على القول بالقصاص بالتحريق، وإن كان الآخر أعدل حلف معه القاتل وقتل ذبحًا بغير تحريق.

стр. 1136

كتاب الجنايات الموجبة للعقوبات وهي سبع: البغي، والردة، والزنى، والقذف، والسرقة، الحرابة، والشرب الجناية الأولى: البغي ، والنظر في صفات البغاة وأحكامهم: أما الصفات: فقال القاضي أبو بكر: "بناء غ ي في لسان العرب للطلب، قا الله ﵎: (ذلك ما كنا نبغ)، ووقع التعبير بها ههنا عمن يبغي ما لا ينبغي، على عادة اللغة في تخصيص الأهم ببعض متعلقاته. وهو (في) الذي يخرج (على) الإمام يبتغي خلعه، أو يمتنع من الدخول في طاعته، أو يمنع حقًا وجب عليه بتأويل. قال: وقد قاتل الصديق ﵁ البغاة وهم مانعو الزكاة بالتأويلز قاتل علي ﵁ من البغاة، طائفة أبت الدخول في بيعته وهم أهل الشام، وطائفة خلعته وهم أهل النهروان. أما أحكام البغاة: فإن لوا قاضيًا أو أخذوا زكاة أو أقاموا حقًا، فقال مطرف وابن الماجشون: ينفذ ذلك كله. قال ابن القاسم: لا يجوز ذلك بحال. وروي عن أصبغ القولان. وما أتلفوه في الفتنة فلا ضمان فيه من نفس ولا مال، هذا إن كانوا خرجوا على تأويل. وأما أهل العصبية: وأهل خلاف لسلطانهم بغيًا بغير تأويل، فيؤخذون بالقصاص ورد المال قائمًا كان أو فائتًا. وأما كيفية قتال البغاة: ففي كتاب ابن سحنون عن أبيه: إذا خرجوا بغيًا ورغبة عن حكم الإسلام، فغن الإمام يدعوهم أولاً إلى الرجوع إلى الحق، فإن فعلوا قبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا قاتلهم وحل له سفك دمائهم، حتى يقهرهم. فإن تحققت الهزيمة عليهم وظهر الإمام عليهم ظهورًا بينًا وبئس من عودتهم، فلا يقتل منهزمهم، ولا يذفف على جريحهم، وإن لم تستحق الهزيمة ولم يؤمن رجوعهم فلا بأس بقتل منهزمهم وجريحهم، ولا بأس أن يقتل الرجل

стр. 1137

في قتالهم أخاه وقرابته مبارزة، وغير مبارزة وجده لأبيه وأمه، فأما الأب وحده فلا أحب قتله على العمد مبارزة أو غيرها. وكذلك الأب الكافر مثل الخارجي. وقال أصبغ: يقتل فيها أباه وأخاه. قالا: ولا تصاب أموالهم ولا حريمهم، وإذا أصيب منهم أسير فلا يقتل، بل يؤدب ويسجن حتى يتوب. وإن ثبت عليه أنه قتل أحدًا قتل به إن كانوا أهل [عصبية] بغير تأويل. وإن كان خروجهم بتأويل فلا قصاص عليهم. وأما ما أصيب من سلاحهم وكراعهم فقال ابن حبيب: إن كانت لهم فئة قائمة استعان به الإمام ومن معه على قتالهم إن احتاجوا إليه، فإذا زالت الحرب رده إلى أهله. وما سوى الكراع والسلاح فيوقف حتى يرد إلى أهله ولا يستعان بشيئ منه. وإن لم تكن لهم (فئة) قائمة رد ذلك كله من كراع وسلاح وغيره إليهم وإلى أهليهم عند الأمن منهم لا قبله. وإذا امتنع أهل البغي، [من كانوا أهل بصائر] وتأويل أو أهل عصبية، من الإمام العدل، فله فيهم من رمي المجانيق وقطع (المير) والماء عنهم، وإرساله عليهم ليغرقهم، مثل ما له في الكفار، وإن كان فيهم النساء والذرية. ولا يرميهم بالنار إلا أن لا يكون فيهم نساء ولا ذرية فله ذلك، إلا أن يكون فيهم من لا يرى رأيهم ويكره بغيهم، أو خيف أن يكون فيهم فلا يفعل فيهم شيئ مما ذكرناه. وإذا استعان أهل التأويل بأهل الذمة ردوا إلى ذمتهم، ووضع عنهم مثل ما وضع عن المتأولين الذين هم معهم. وإن كان المستعينون بأهل الذمة أهل عصبية وخلاف للإمام العدل فهو نقض لعهدهم موجب لاستحلالهم. وإن كان السلطان غير عادل وخافوا جوره واستعانوا بأهل الذمة، فليس ذلك نقضًا لعهد أهل الذمة. فرعان: الفرع الأول إذا قاتل النساء مع البغاة بالسلاح فلأهل العدل قتلهن في القتال، فغن لم يكن قتالهن إلا بالتحريض ورمي الحجارةفلا يقتلن، إلا أن يكن قد قتلن أحدًا بذلك فيقتلن. ولو أسرن وقد كن يقاتلن قتال الرجال لم يقتلن إلا أن يكن قد قتلن فيقتلن. قال الشيخ أبو محمد: يريد في غير أهل التأويل.

стр. 1138

الفرع الثاني: إذا سأل أهل البغي الإمام العدل تأخيرهم أيامًا أو شهرًا حتى ينظروا في أمرهم، وبذلوا له على ذلك شيئًا، لم يحل له أن يأخذ شيئًا منهم، وله أن يؤخرهم إلى المدة التي سألوها ما لم يكونوا يقاتلون فيها أحدًا، أو يفسدون فلا يؤخرهم حينئذ. الجناية الثانية: الردة ، والنظر في حقيقتها وحكمها. الطرف الأول: في الحقيقة، والردة عبارة عن قطع الإسلام من مكلف، وفي غير البالغ خلاف وتفصيل تقدم بيانه في كتاب اللقيط. وظهور الردة إما أن يكون بالتصريح بالكفر، [إما] بلفظ يقتضيه، أو بفعل يتضمنه. ولا ينبغي أن تقبل الشهادة على الردة مطلقًا دون (تفصيل)، لاختلاف المذاهب في التفكير. وإذا أظهر الاسير في دار الحرب التنصر ولم يدر أمركه هو أم طاعئ، والتبس ذلك علينا بعد البحث عن حقيقة أمره، فهو محمول على الطوع حتى يثبت الإكراه، ولو ثبت إكراهه لم يكن مرتدًا، كما أنه لو ثبت أختياره التنصير من غير إجبار لكان مرتدًا. فرع: (روى ابن القاسم فيمن أسلم ثم ارتد عن قرب، وقال: إنما كان إسلامه عن ضيق ضيق عليه: إن عرف أنه عن ضيق ناله أو مخالفة أوشبهة، فعسى أن يعذر. وقاله ابن القاسم. وقال اشهب: لا عذر له ويقتل، وإن علم أن ذلك عن ضيق كما قال. وقال أصبغ: قول مالك أحب (إلي)، إلا أن يقيم على الإسلام بعد ذهاب الخوف، فهذا يقتل. وقاله ابن وهب وابن القاسم إذا كان على ضيق أو عذاب أو غرم أو خوف. قال أصبغ: وذلك إذا صح ذلك، وكان زمان يشبه ذلك في جوره). وقال محمد في النصراني يصحب القوم في سفر فيظهر الإسلام ويتوضأ ويصلي وربما قدموه، فلما أمن أخبرهم وقال: أصنع ذلك تحصنًا بالإسلاملئلا يؤخذ ما معي أو تؤخذ ثيابي ونحو ذلك، فذلك له إن أشبه ما قال، ويعيدون ما صولا خلفه في الوقتوبعده. وروى يحيي بن يحيي عن ابن القاسم عن مالك مثله.

стр. 1139

وقال سحنون: "إن كان في موضع يخاف على نفسه فدرأ عن نفسه وماله فلا شيئ عليه، ويعيد القوم صلاتهم. وإن كان في موضع هو فيه آمن فليعرض عليه الإسلام، فإن أسلم لم يكن على القوم إعادة. وإن لم يسلم قتل ويعيدون". الطرف الثاني: في الحكم: وذلك يظهر في نفس المرتد وولده وماله وزوجته وجنايته. والجناية عليه أما نفسه فتهدر إن لم يتب، فإن تاب عصمها. وتوبته رجوعه [وتغير حاله عما كان عليه]، وذلك يعرف من المتظاهر بكفره برجوعه (عن) التظاهر الذي كان عيه بأن يظهر من الإيمان ضد ما كان يظهر من الكفر فيعرف تغير حاله عما كان عليه. وأما الزنديق الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر أي كفر كان، إذا ظهرنا عليه وهو في حال زندقته يبدي لنا أنه مؤمن فادعى التوبة عما كان عليه والرجوع عنه، فلا يرجع إلى مجرد دعواه إذ لم يظهر صدقه ورجوعه عما كان عليه بما أبداه من دعوى الرجوع عنه، لأنه بما أبداه لم يخرج عن عادته ومذهبه، فإن التقية عند الخوف عين الزندقة. ولذلك نقول: لم تظهر توبته وتعرف فتقبل ولا نقلو: لا تقبل توبته، وإلى هذا أشار مالك ﵁ بقوله: إن توبته لا تعرف نعم لو ظهرت لنا توبته لقبلناها، كما لو جاء تائبًال قبل أن يطلع على ما كان عليه إذا ظهرت التوبة بقوله، كما ظهر الكفر بقوله. ومن قال من أصحابنا: لا تقبل توبته إذا جاء تائبًا قبل الظهور عليه، فقوله شاذ بعيد عن المذهب. فرع: اختلف في الساحر إذا طلع عليه، فقيل: لا يقبل منه ما يدعيه من التوبة التي لا يعرف صدقه في دعواها إلا أن يأتي تائبًا منه قبل أن يطلع عليه، وهذا اختيار القاضي أبي محمد. وقال ابن عبد الحكم وأصبغ ومحمد: هو كالذنديق إن أظهر سحره قبلت توبته وإن كان مستتراً به قتل ولم يستتب. قال عبد الحكم وأصبغ: (فإن) كانو لسحره مظهرًا فقتل (إذ) لم يتب، فماله لبيت

стр. 1140

المال، ولا يصلى عليه. وإن استسر بسحره فماله بعد القتل لورثته من المسلمين، ولا أمرهم بالصلاة عليه، فإن فعلوا فهم أعلم. ثم عرض التوبة على المرتد (واجب)، والنص أنه يمهل ثلاثة أيام، وفي كون الإمهال واجبًا أو مستحبًا روايتان. قال مالك: وما علمت في استتابته تجويعًا ولا تعطيشًا، وأرى أن (يقات) من الطعام بما لا يضره، ولا عقوبة عليه إذا تاب. وروى ذلك أشهب ف يالعتبية وكتاب محمد. ولا فرق قدمنا بين أن يكون المرتد حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، ارتد عن إسلام أصلي أو طارئ. وأما ولد المرتد، فلا يلحق به في الردة إذا كان صغيرًا، إذ تبعية الولد لأبيه إنما تكون في دين يقر عليه، فإن قتل الأب على الكفر بقي الولد مسلمًا، فإن أظهر خلاف الإسلام أجبر على الإسلام. فإن غفل عنه حتى بلغ ففي إجباره على الإسلام. فإن غفل عنه حتى بلغ ففي إجباره على الإسلام خلاف إذا ولد قبل الردة، ثم في كونه بالسيف أو بالسوط خلاف أيضًا، وإن ولد بعدها أجبر إن بلغ. وقيل: إن بلغ ترك، ولا يكون كمن ارتد. فرع: قال: قال ابن حبيب في قوم ارتدوا وتناسلوا، ثم ظهر بهم أنهم وذراريهم لهم حكم المرتد، يستتاب الأكابر منهم، فإن تابوا وإلا قتلوا. وكذلك من بلغ من ذراريهم، ولا يرقون ولا يحل استرقاقهم بالسبي، وكل ما ولد للمرتد بعد ردته فلهم حكم المرتد، فلا يسترق تناسل منهم، ويجبر الصغار على الإسلام، ويستتاب من بلغ، فإن لم يتب قتل. قال ابن حبيب: وكذلك ذكر لي من كاشفته من أصحاب مالك. وأما مال المرتد فيوقف، فإن عاد أخذه. وروى الشيخ أبو إسحاق: أن ماله لا يعود إليه، بل يكون فيئًا وإن عاد إلى الإسلام. وقال بها ابن نافع. فأما إن مات أو قتل على ردته فماله فيئ، إلا أن يكون عبدًا فماله لسيده. وأما حكم زوجة المرتد فقد تقدم في كتاب النكاح. وأما حكم جنايته ففي كتاب محمد قال في المرتد: إذا قتل مسلمًا أو ذميًا عمدًا أو خطأ لم أجد لمالك فيه ما يتضح لي، واضطرب فيه أصحابه، فيجعله ابن القاسم مرة كالمسلم [إن رجع، ومرة كالنصراني]، ثم قال: أحب إلي إذا رجع أن يكون كأنه فعل ذلك وهو مسلم.

стр. 1141

وكذلك فيما جرح أو جنى على عبد، أوس سرق أو قذف، فليقم عليه إن تاب ما يقام على المسلم إذا فعله، وتحمل عاقلته من الخطأ الثث فأكثر، ويقتص منه الحر في جراح العمد، ويحد في قذفه، ويقطع إن سرق. وأما إن لم يتب فليقتل ولا يقام عليه من ذلك إلا الفرية. ولو قتل حرًا عمدًا في ردته وهرب إلى بلد الحرب، لم يكن لولاة المقتول في ماله شيئ، ولا ينفق على ولده وعياله منه، بل يوقف، فإن مات فهو فيئ، وإن تاب ثم مات كان لورثته، وإن كان القتيل عبدًا أو ذميًا أخذ ذلك من ماله. وأشهب يرى لولاة المسلم أخذ الدية من ماله إن شاءوا عفوًا على القصاص وإن شاءوا صبروا حتى يقتلوه. وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه إن قتل مسلمًا خطأ فديته في بيت المال، لأن ميراثه للمسلمين. وإن قتل نصرانيًا أو جرحه اقتص منه في القتل والجراح. وإذا جرح مسلمًا لم يقتص منه، وإن قتله قتل به. قال محمد: والذي آخذ به أنه إن قتل مسلمًا عمدًا لم أعجل بالقصاص حتى أستتيبه، فإن لم يتب وقتل سقط عنه ذلك، إلا الفرية، وإن تاب اقتص منه. وإن قتل عبدًا أو نصرانيًا عمدًا، فذلك في ماله، قتل أو تاب. وقال ابن حبيب: قال أصبغ: إذا قتل المرتد في ارتداده أو جرح أحدًا، عبدًا أو حرًا، مسلمًا أو نصرانيًا، أو افترى أو زنى أو سرق، أو شرب خمرًا، فإنه إن قتل فالقتل يأتي على ذلك كله، إلا الفرية فليحد للمقذوف ثم يقتل. وقتله الخطأ وجراحاته الخطأ في بيت المال إن قتل على ردته، وإن رجع إلى الإسلام سقط عنه ما كان من حد، وأخذ بالسرقة والفرية، وإن قتل عمدًا قتل ويقتص منه في الجراح العمد، ويحمل على عاقلته الخطأ في النفس. ولو جرح عبدًا أو نصرانيًا أو قتله، لم يقتص منه في عمد، وغرم ديته أو ثمنه في مال. وأما حكم الجناية عليه، فإن قتل عمدًا، فقال ابن القاسم: ديته في مال القاتل دية أهل الدين الذي ارتد إليه. وقال سحنون: لا قصاص ولا دية على عاقتله إلا الأدب فيما افتات على الإمام. وقاله أشهب. وقال أشهب في كتاب ابن سحنون: إذا قتله رجل فلا قصاص عليه ولا دية، ولو قطع يده ثم عاد إلى الإسلام فدية يده له دية الدين الذي كان ارتد إليه من مجوسي أو كتابي. قال ابن القاسم: وإذا جرح عمدًا أو خطأ فعقل جراحاته للمسلمين غ، قتل، وله إن تاب، وعمد من جرحه كالخطأ لا يقاد منه. ولو جرحه عبد أو نصراني فلا قود له، لأنه ليس على دين يقر عليه، وفيه العقل.

стр. 1142

كتاب حد الزنا الجناية الثالثة: الزنى ، وهي جريمة موجبة للعقوبة. والنظر في طرفين: الأول: في الموجب والموجب: والضابط أن انتهاك حرمة الفرج المحترم بالوطء المحرم في غير ملك، إذا انتفت عنه الشبهة، سبب لوجود الحد. والحد نوعان: رجم وجلد. ثم الجلد ضربان: منفرد بنفسه، ومضموم إلى غيره، وهو تغريب عام. فأما الرجم، فعلى الزاني المحصن، وعلى اللائط وإن لم يكن محصنًا، لقوله ﷺ : "اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا". وفي بعض طرقه إسقاط هذه الزيادة. فهو دال بنصه أو بعمومه. رواه الشيخ أبو إسحاق من طرق عديدة متفقة ومختلفة، وعموم اللفظ يقتضي رجمهما وإن كانا عبدين أو كافرين، وهو المشهور. وقال أشهب: يجلد العبدان خمسين خمسين، ويؤدب الكافران. وأما الجلد فعلى غير المحضن. والمنفرد بنفسه منه ما كان على المرأة أو العبد. وأما المضموم إلى التغريب، ففي حق الحر الذكر.

стр. 1143

وفي الرابطة قيود لابد من كشفها بعد بيان الإحصان، وهو عبارة عن خمس خصال: [التكليف، والحرية]، والإسلام، والتزويج الصحيح، والوطء المباح فيه. والذي يخصه على الحقيقة ثلاثة: الحرية، والتزويج، والوطء، وما عدا ذلك [مشترط] في أصل الزنى. وأما الوطئ بالشبهة أو في النكاح الفاسد فلا يحصن. ويشترط وقوع الإصابة بعد الحرية. ولا يشترط حصول اإحصان في الواطئين، بل إن كان المحصن أحدهما رجم وجلد الآخر كما لا يشترط بلوغ الموطوءة في حد اللواطئ، بل يحد إذا كان يوطأ مثلها، وإن كنا لا نجد الموطوءة حتى يكون الواطئ بالغًا. وانتفاء الإحصان يسقط الرجم. وانتفاء الحرية يسقط شطر الجلد، وأصل التغريب، نظرًا للسيد ثم في التغريب مسائل. إحداها: أن يبعد به فينفى من مصر إلى مث شعب وإلى مثل أسوان وإلى ذويها، ومن المدينة إلى مثل فدك وخيبر، (وكراؤه في ذلك عليه في ماله، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال). الثانية: أنه يسجن في البلد الذي يغرب إليه سنة، ويكتب إلى والي البلد أن يسجنه، ويؤرخ (لسجنه) لتكمل له السنة من يوم دخوله السجن. الثالثة: لو عاد المُغَرَّربُ أَخْرَجْنَاهُ (ثَانِيَةً). ولنعد إلى قيود الرابطة. أما قولنا: انتهاك حرمة الفرج، فيتناول اللواط، وقد تقدم بيان موجبه، والغلام المملوك كغير المملوك على القطع. وأما إتيان الأجنبية في دبرها فروى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه زنى وليس بلواط. وقال محمد، فيرجم المحصن منهما،

стр. 1144

ويجلد من لم يحصن، وإن كان الرجل غرب. وقال القاضي أبو الحسن: "حكم ذلك حكم اللواط، يرجمان جميعًا، أحصنا أو لم يحصنه". اختلف في عقوبة المتفاعلتين من النساء، فقال ابن القاسم في العتبية: "ليس في عقوبتهما حد محدود، وذلك إلى اجتهاد الإمام. (وقال أصبغ: تجلدان خمسين خمسين). وقولنا في الرابطة: المحترم، يشمل فرج الميتة فيحد واطئها ولا يدخل فيه فرج البهيمة، فلا يحد واطئها، لكن يعزر. وفي كتاب الشيخ أبي إسحاق: عليه الحد. قال الأستاذ أبو بكر: ولا يختلف مذهب مالك أن البهيمة لا تقتل ولا تذبح، وأنها إن كانت مما يؤكل فذبحت أكلت. وقولنا: بالوطء المحرم، احترزنا به عن الوطء الحلال. وقولنا: في غير ملك، احترزنا به عن وطء الحائض والمحرمة والصائمة في الملك. وقولنا: لا شبهة فيه، احترزنا به عن شبهة في المحل أو الفاعل أو الطريق. أما شبهة المحل بأن تكون مملوكة. وإن كانت محرمة بسبب رضاع أن نسب، أو شركة أو عدة، أو تزويج، فلا حد عليه في وطئها. وأما في الفاعل فإن يظن أنها مملوكته أو زوجته. وأما في الطريق بأن يختلف العلماء في إباحته كنكاح بلا ولي أو بغير شهود إذا استفاض واشتهر، فإن جميع ذلك يدرأ الحد. واختلف في درء الحد عن الواطئ في نكاح المتعة، ومذهب الكتاب أنه يدرأ عنه الحد. وأما من نكح خامسة، أو أخته من رضاع أو نسب، أو غير الأخت من ذوات المحارم، أو طلق امرأته ثلاثًا ثم تزوجها قبل زوج، أو طلقها قبل البناء واحدة، ثم وطئها بغير نكاح، أو طلقها بعد البناء ثلاثًا، ثم وطئها في العدة، أو أعتق أم ولده ثم وطئها في العدة منه، فإن يحد

стр. 1145

في جميع ذلك، ولا يلحق به الولد إلا أن يدعي الجهالة بتحريمهن عليه، ومثله يجهل ذلك. قال أصبغ: مثل الأغتم، ومن يجيئ من بلاد السودان وشبهه، فلا حد عليه. وأما من نكح امرأة في عدتها، أو دخل بها فيالعدة، أو نكحها على عمتها أو خالتها، فوطئها أو وطئ بملك اليمين من ذوات محارمه من لا يعتق عليه إذا ملكه، [فلا يحد، وإن كان علامًا بتحريم ذلك] أدب. وكذلك إن وطئ أم ولده بعد أن ارتدت. قال محمد: وإن وطئ من يعتق عليه بالملك حد، إلا أن يعذر بجهل. وروى علي بن زياد فيمن نكح في العدة ووطئ فيها ولم يعذر بجهل: أنه يحد. وقال أبو إسحاق التونسي: إذا كان التحريم من القرآن لسبب ولم تحرم ليعنها، وقد تحل يومًا ما، ففي الحد قولان، وكذلك في الخامسة لأنها تحل له إن طلق إحدى الأربع، وليست بمحرمة العين. واختلف فيمن ادعى الجهل بتحريم الزنى، وهو ممن يظن به ذلك هل يحد أو يدرأ عنه الحد؟ " على قولين، لابن القاسم وأصبغ. ومن أحلت له أمة فوطئها لم يحد، لأن شبهة الإذن فيها كالبيع. وتقوم على الواطئ حملت أو لم تحمل، شاء محلها أو أبى. وإن كان الواطئ عالمًا بالتحريم أدب. ومن استأجر امرأة للزنى، لم يكن عقد الإجارة دارئًا عنه الحد، بل يحد. ولا يسقط الحد عن أحد الزانين بجنون الآخر. وكذلك إكار أحدهما لا يسقط الحد الآخر، ولا كون الزاني يستحق على الزانية القصاص، وكذلك كونها حربية أو من المغنم. وإن كان له (فيها) نصيب لا يسقط الحد عن ابن القاسم. وقال أشهب: لا يحد. وقال عبد الملك: لا حد على من زنى بحربية. وفي كون الإكراه على الزنى دارئًا خلاف. قال القاضي أبو بكر: "لا حد عليه، وحكى

стр. 1146

بعض اأصحاب وجوب الحد". وقال القاضي أبو الحسن: "عندي أنه ينظر في حاله، فإن انتشر قضيبه حين أولج فعليه الحد سواء أكرهه سلطان أو غيره. وإن لم ينتشر قضيبه فلا حد عليه. والمكرهة على التمكين لا حد عليها. فرع: قال ابن القاسم "فيمن أصابته مسغبة قباع امرأته، وأقرت له بالرق، ووطئها المبتاع: إنهما يعذران بالجوع، ولا تحد". وقال ابن وهب: "إن طاوعته وأقرت أن المشتري أصابها طائعة، فعليها الحد". هذا بيان موجب الحد، وليظهر للقاضي بجميع قيوده. والأسباب التي بها يثبت الزنى ثلاثة، وهي: الإقرار، والبينة، وظهور الحمل. فأما الإقرار، فتكفي منه مرة يقيم عليها، فإن رجع عنه إلى شبهة أو أمر يعذر به قبل، وإن أكذب نفسه، ففي (القبول منه) روايتان. وأما البيئة فشهادة أربعة رجال عدول يشهدون مجتمعين، لا تراخي بين أوقات إقامتهم الشهادة، على معاينة الزنى الواحد، ورؤية فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، وما جرى مجرى ذلك. فإن قصر عددهم في الابتداء، أو يتوقف أحدهم عن الشهادة، أو برجوعه بعد

стр. 1147

إقامتها وقبل الحكم بها، لم يحد المشهود عليه، وحد الشهود كلهم، وإن كان ذلك بعد إقامة جميعهم الشهادة حد الرابع وحده. ولو شهد أربعة بزنى شخص فرجم، ثم ألفي مجبوبًا لم يحد الشهود لأنهم إنما قذفوا محبوبًا، وعليهم الدية في أموالهم مع وجيع الأدب وطول السجن. ولو شهد أربعة على زناها، فشهد أربع نسوة على أنها عذراء، لم يسقط الحد عنها. ولو شهد أربعة على أنه زنى، وعين كل واحد زاوية [أخرى] من البيت غير التي عين الآخر، فلا حد إذ لم يتفقوا على قول واحد. ولو شهد اثنان على (أنه) زنى بها مكرهة، وغثنان على أنه زنى بها طائعة لم يجب عليها الحد. وأما الحمل فإن يظهر بحرة أو أمة ولا يعلم لها زوج ولا سيد الأمة مقر بوطئها بل منكر، والحرة مقيمة ليست بغريبة، فإنها تحد، ولا يقبل قولها، إن قالت: غصبت أو استكرهت، إلا أن تظهر أمارة على ذلك بأن يرى بها أثر دم، أو يشاهد منها استغاثة أو صياح، أو ما أشبه ذلك مما يعلم (منه) في الظاهر صدقها. واعتبار ظهور الحمل على الوجه المذكور سببًا لوجوب الحد، هو مذهب أمراء المؤمنين الثلاثة عمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين. وقال عمر: الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال أو النساء (إن) ترجم، فقال له علي: ليس ذلك عليها، واستدل بقوله تعالى: (وحمله وفصله ثلثون شهرًا)، فحكم] عثمان برجمها بظهور الحمل.

стр. 1148

واعتذر علي ﵁ [عن] توجه الرجم عليها بإمكان كون الحمل من فراش النكاح، فبين أن دراءة الحد للإمكان المذكور لا لقصور في السبب. الطرف الثاني: في كيفية الاستيفاء ومتعاطيه: أما الكيفية: فلا يقتل بالسيف، بل ينكل بالرجم بالحجارة، ولا يقتل بصخرة كبيرة في دفعة واحدة، كما لا يعذب بالتطويل عليه بحصيات خفيفة، بل بما بين ذلك. قال الشيخ أبو إسحاق: يرجم بأكبر حجر يقدر الرامي على حمله، [قال] ويتقي الوجه. ولا يؤخر الرجم لمرض الزاني. ويؤخر الجلد إلى البرء، وينتظر بالحامل وضع الحمل. ثم المعتبر ظهوره إن كان من الزنى، فأما إن كان الزوج مرسلاً عليها فإنها تستبرأ ثم ترجم، لان طالب النطفة قائم. ولا يقام الحد في فرط الحر والبرد، بل يؤخر إلى اعتدال الهواء، وهذا التأخير واجب إذا غلب على ظن المستوفي هلاكه عند إقامة الحد. وروي أنه إنما يؤخر في البرد خاصة دون الحر. وأما مستوفي الحد فهو الإمامفي حق الأحرار، والسيد في حق الرقيق فقيم حد الزنى على عبده وأمته بالبينة أو الإقرار أو ظهور الحمل. وفي حده لهما بالرؤية روايتان. قال في المختصر الكبير: وإنما يحد السيد أمته إذا كانت غير ذات زوج أو كان زوجها عبده. قال أبو إسحاق التونسي: وكذلك العبد إذا له زوجة حرة أو أمة لغير سيده، فلا يقيم الحد عليها حنئذ إلا الإمام لحق الزوجين. قال الشيخ أبو محمد عقب هذه المسألة: "وكل من فيه بقية رق من كتابة أو تدبير أو أمية أم ولد أو من بعضه حر، فحدهم حد العبيد في جميع الحدود. ولا يقيم السيد على عبده حر السرقة، لكن إن شهد هو وأجنبي عليه بالسرقة عند الإمام قطعه. وإذا كان للسيد إقامة الحد، فأولى أن يكون له التعزير. وليس له استيفاء القصاص من عبده لعبد له آخر [له] أو لأجنبي، ولا يقتص منه إلا عند الحاكم إذا ثبت الحق عنده". فرع: كل من قتل حدًا أو لترك صلاة، غسل وكفن وصلي عليه، ودفن في مقابر المسلمين.

стр. 1149

كتاب حد القذف الجناية الرابعة: القذف ، وفيه بابان: الباب الأول: في ألفاظه، وموجبها ، وفيه فصلان الفصل الأول: في الألفاظ ، وهي ثلاثة: التصريح. والنفي. والتعريض الأول: اللفظ الصريح، وهو مثل أن يقول: زنيت أو لطت، أو يا زان ويا لائط، وكذلك كل لفظ يدل على الزنى واللواط صريحًا. اثاني: النفي، كقوله: لست لأبيك، أو لست ابن فلان، يعني أباه أو جده، أو أنت ابن فلان، يعني غيرهما. وفي معنى ذلك الكناية، كقوله للعربي: يا نبطي، أو يا بربري، أو يا ورمي، أو لفارسي يا رومي، أو لرومي يا فارسي، أو يقول: يا ابن الخياط، ولم يكن من آبائه من هذه صفته. ففي جميع ذلك الحد. ولا يشترط في [توجه] الحد على النافي أن يكون أبو المنفي عن أبيه ممن يحد قاذفهما، بل لو كان عبدين أو كافرين لوجب الحد للمنفي لا لهما، نعم يشترط أن يكون المنفي ممن يحد قاذفة. (ومن قال لرجل: لا أب لك، ففي كتاب محمد: لا شيئ عليه، إلا أن يريد النفي، وهذا مما يقوله الناس على الرضا، وأما من قاله على المشاتمة والغضب، فذلك شديد، وليحلف ما أراد نفيه).

стр. 1150

الثالث: التعريض، وأما أنا فلست [بزان، فو تعريض، وحكمه] حكم الصريح إذا فهم منه القذف أو النفي. ثم فيه مسائل: إحداها: لو قال لامرأة: زنيت بك، فهذا إقرار وقذف. ولو قال لها: يا زانية، فقالت: بك زنيت، فعليها حد الفرية والزنى، إلا أن ترجع عن الزنى فتحد للقذف فقط، ولا يحد الرجل لأنها صدقته. وقاله مالك. قال محمد: قال أشهب: إلا أن تقول: ما قلت ذلك إلا مجاوبة، ولم أرد قذفًا ولا إقرارًا، فلا حد عليها، ويحد الرجل. وقال أصبغ: يحد كل واحد منهما لصاحبه وإن نزعت، لأن ردها عليه ليس إقراراً بالزنى وهو وجوب، تقول: إنك كنت زنيت فبك. الثانية: لو قال لرجل: يا زان، فقال: أنت أزنى مني، حدًا جميعًا حد القذف. وقال أصبغ: قوله: أزنى مني، إقرار منه بالزنى، ومحمله محمل الرد لما قال له، ولو قال لغيره: أنت أزنى الناس، كان قاذفًا. الثالثة: إذا قال للرجل: يا زانية، بإثبات الهاء، فهو قاذف. كما لو قال للمرأة: يا زان، بإسقاطها، قاله القاضي أبو الحسن. الرابعة: لو قال: زنى فرجك، فهو قذف، وكذلك لو قال: زنت (عينك) أو يدك، فإن يحد عند ابن القاسم، ورآه من التعريض. وقال أشهب: لا يحد. الخامسة: (إذا قال الأب لابنه في منازعة: أشهدكم أنه ليس بابني، فطلبت الأم أو ولدها من غيره الحد وقد كان فارقها فعفاه ولده، فقال مالك: يحلف ما أراد قذفًا، وما قاله إلى بمعنى أنه لو كان ولدي لم ينصع ما صنع، ثم لا شيئ عليه. فأما الجد والعم والخال. فروى ابن القاسم ي العتبية، يحدون له في الفرية إن طلب

стр. 1151

ذلك وأما إ شتموه فلا شيئ عليهم، إذا كان على وجه الأدب، ولم ير الأخ مثلهم). ومن قذف ولده بالزنى فقام بطلب حده، فله ذلك. وقال أصبغ: لا يحد الأب لولده. وإذا فرعنا على المشهور فحده، فإن ذلك يسقط عدالته، رواه محمد، قال: لأن الله ﵎ يقول: (فلا تقل لهما أف)، وهذا يضربه. ومن نفى ولد الملاعنة عن أبيه في مشاتمة حد، وإن كان على وجه الخبر لم يحد، ويحد قاذفها هي، لاعنت عن غير ولد أو عن ولد، والولد الذي لاعنت منه معها أو ليس معها. فروع متتالية: من قذف مجهولاً فلا حد عليهز (قال محمد في رجل قال لجماعة: أحجكم زان، أو ابن زانية، لا يحد، إذ [لا] يعرف من أراد. وإن قام به جميعهم فقد قيل: لا حد عليه. وإن قام به أحدهم فادعى أنه أراده لم يقبل منه إلا ببيان أه أراده. ولو عرف من أراده لم يكن للإمام أن يحده إلا بعد أن يقوم به، لأن من (شرط) وجوب حد القذف أن يقوم به وليه. وفي العتبية والواضحة عن ابن لاقاسم فيمن قال لرجل: يا زوج الزانية وتحته امرأتان، فعفت إحداهما وقامت الأخرى تطلبه، يحلف ما أراد إلا التي عفت ويبرأ، فإن نكل حد، وهذا لأن عفو المقذوف قبل القيام لازم له وجائز عليه. ورأى القاضي أبو الوليد أنه يحتمل أن يفرق بين المسألتين، بأن الجماعة كانوا كثيرًا فخرجوا بكثرتهم عن حد التعيين، وأن الاثنين وما قرب من ذلك في حد المعين. قال: ويحتمل أن يكون اختلافًا من القولين". وإذا بنينا على هذا الاحتمال فيجريان في كل مسألة منهما بالنقل والتخريج. (ومن قال لرجل: ما لك أصل ولا فصل، فروي في العتبية: "لا حد في هذا). وقال

стр. 1152

أصبغ: عليه الحد. وقيل: إلا أن يكون من العرب، فعليه الحد. ومن قال: يا ابن منزلة الركبان، ففي لواضحة: يحد. وكذلك من قال: يا ابن ذات الراية). ومن قال لابن أمة أو كتابية: يا ابن الزانية، فلا حد عليه. ولو قال يا ابن زنية، لحد. والفرق بينهما أن لفظ الثاني نفى له من نسبه وإضافته إلى فعل لا يلحق الولد فيه، وقوله الأول قذف لأمه لا نفي لنسبه. وذكر القاضي أبو عبد الهل بن هارون المالكي البصري أن من قال لرجل: يا نغل، فإنه [يحد، لأنه قذف، قال: ولو قال] الرجل لنفسه: أنا نغل، فإنه يحد، لأنه قذف أمه وكذلك لو نسب إلى بَطْنِ أو نسبٍ أو عشيرة غير بطنه ونسبه وعشيرته فإن قذف أمه. قال الشيخ أبو إسحاق: لو قال مولى لعربي: أنا خير منك، (حد). وكذلك لو كانا ابني عم قاله أحدهما لصاحبه. قال: وفي هاتين المسألتين اختلاف، وبهذا أقول. (ولو قال لرجل: أنا أفتري عليك، أو أنا أقذفك، فلا حد عليه، ويحلف ما أراد الفاحشة. ومن قال لرجل: أنت ابن فلان، فنسبه إلى غير أبيه أو غير جده، فقال ابن القاسم: عليه الحد، وإن لم يقله على سباب ولا غضب، إلا أن يقوله على وجه الإحسان. وقال أشهب: لا يحد، إلا أن يقوله على وجه السباب، لأنه قد يقوله وهو يرى أنه كذلك. ولو نسبه إلى جده في مشاتمة لم يحد عند ابن القاسم. وقال أشهب: يحد. قال محمد: قول ابن القاسم أحب إلي، إلا أن يعرف أنه أراد القذف، مثل أن يتهم الجد با/هـ ونحوه، وإلا لم يحد، فقد ينسب إليه لشبهه له في خلق أو طبع.

стр. 1153

(ولو) نسبه إلى عمه أو خاله أو زوج أمه فعليه الحد عند ابن القاسم. وقال أشهب: لا حد عليه إلا أن يقوله في مشتمة. وقاله أصبغ ومحمد. قال أصبغ: وقد سمى الله العم أبًا في كتابه الكريم فقال: "إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق). هذا بيان ألفاظ القذف، ونعني به موجب الحد. أما التعزيز فيجب بأكثر من هذه الكلمات. الفصل الثاني: في موجب القذف إذا صدر من مكلف وهو التعزير. إذا قذف محصنًا فموجبه ثمانون جلدة، وهو الحد الكامل. ويتنصف على الرقيق. والمحصن هو المكلف المسلم الحر العفيف عما رمي به. ولا يشترط البلوغ في حق الأنثى، بل المطبقة للوطء كالبالغ في ذلك. قال الأستاذ أبو بكر: ومعنى العفاف هو ألا يكون معروفًا بالقيان ومواضع الفساد والزنى، فلو قذف معروفصا بالظلم والغضب والسرقة وشرب الخمر وأكل الربا والقذف لحد له، إذا كان غير معروف بما ذكرنا ولم يثبت عليه ما رمي به، فإن ثبت أو كان معروفًا بذلك لم يحد قاذفه. ثم يسقط الإحصان المذكور بكل وطء موجب للحد. أما الحرام الذي لا يوجب الحد كوطء المملوكة المحرمة بالرضاع، أو الجارية المشتركة، أو جارية الإبن، أو المنكوحة لحر، أو لعبد له أو لغيره، فلا يسقط الإحصان. وكذلك الوطء بالشبهة. والوطء في الصبا، ووطء الحائط والمحرمة الصائمة لا يسقط. ويسقط إحصان المقذوف بالزنى الطارئ بعد القذف، ومتى سقط الإحصان بالزنى لم يعد بالعدالة بعده. وروى ابن الماجشون فيمن قذف من حد في الزنى بعد أن حسنت توبته لم يحد.

стр. 1154

ولو مات المقذوف قبل استيفاء الحد قام ورثته مقامه. وكذلك لو قذف موروثه بعد موته لكان للوارث القيام بالحد. الباب الثاني: في مجامع أحكام القذف وإذا قذفه بزنيتين، وقد تخلل بينهما الحد، تعدد. وذكر الشيخ أبو عمر: "أنه لا يحد له ثانيًا، بل يزجر عن ذلك فقط". ولو ضرب بعض الحد فقذف الأول أو غيره، (فقال ابن الماجشون: إن كان إنما مضى مثل السوط أو الأسواط السيرة، فإنه يتمادى ويجزيه لهما. قال أشهب: والعشرة الأسواط يسيرة. وقال ابن القاسم: يستأنف إلا أن يبقى من الحد الأول مثل سوط أو أسواط فيتم. ثم يبتدئ [حدًا ثانيًا]. وقال محمد: "إذا لم يبق إلا أيسر الحد مثل العشرة والخمسة عشر فليتم الحد، ثم يؤتنف. قال القاضي أبو الوليد: "ويجيئ على قول أشهب أنه إن ذهب اليسر تمادى وأجزى الحد لهما، وإن مضى نصف الحد أو ما يقرب منه استؤنف لهما، وإن لم يبق إلا اليسير فيتمه ثم يستأنف حدًا آخر للقذف الثاني. وإن لم يتخلل بين القذفين حد ولا شيئ منه تداخلاً. وكذلك لو قذف جماعة". وبالجملة [فحده للقذف يجزي عنه] لكل قذف تقدمه، لواحد أو لجماعة. قال القاضي أبوالوليد: "سواء قذفهم متفرقين أو مجتمعين". وقال الشيخ أبو إسحاق: بعض أصحابنا يقول: إن قذفهم فقام به أحدهم حد له، ثم من قام حد له أيضًا هكذا. وقال رجل من أصحابنا: سواء كان متفرقًا أو بكلمة واحدة يحد بعدد من رماه. قال: وبالأول أقول. وخرج الأستاذ أبو بكر هذا الخلاف على الخلاف في أن حد [القذف] هل هو من حقوق اللهتعالى أو من حقوق الآدميين.

стр. 1155

وحكى القاضي أبو محمد في هذه المسألة روايتين، وخرج عليهما جواز العفو عنه بعد بلوغه إلى الإمام، ثم قال: "والصحيح أنه من حقوق الآدميين بدليل أنه يورث عن المقذوف، وحقوق اللهتعالى لا تورث، وأنه لا يستحق إلا بمطالبة الآدمي. (يوتخرج على الروايتين أيضًا حكم العفو قبل بلوغ الإمام، فروى ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم جوازه. وروى أشهب أن ذلك ليس بلازم له، وله القيام متى شاء، إلا أن يريد سترًا. وعلل القاضي أبو الوليد الأول "بأنه حق لمخلوق ولم يبلغ الإمام فلزم العفو وعلل الثاني بأنه حق لله تعالى يجوز القيام به، ولا يزلم العفو عنه بعد بلوغ الإمام، فلا يلزمه قبل بلوغه كحد الزنى"). (ولو أعطى القاذف للمقذوف دينارًا على أن يعفو عنه، ففي العتبية من رواية أشهب: لا يجوز ذلك، ويجلد الحد"). (وفي كتاب محمد: قال مالك: للمقذوف أن يكتب بالقذف كتابًا أنه متى شاء قام به. قال وإني لأكرهه. قال اقاضي أبو الوليد: "ومعنى ذلك، عندي، قبل أن يبلغ الإمام". قال: "وقد رأيت لمالك نحو هذا". وقال: "هذا يشبه العفو"). فرع: إذا ادعى على رجل أنه قذف ولا بينة للمدعي، لم يكن له أن يحلف المدعى عليه، لكن إن أقام شاهدًا واحدًا أحلف له، فإن نكل سجن أبدًا حتى يحلف. قال محمد: ولم يختلف أصحاب مالك أنه يحبس أبدًا حتى يحلف.

стр. 1156

كتاب السرقة الجناية الخامسة: السرقة ، والنظر في ثلاثة أطراف: الطرف الأول: في الموجب ، وهو السرقة، ولها ثلاثة أركان: الركن الأول: المسروق، وهو كا ما تمتد إليه الأطماع، ويصلح عادة وشرعًا لانتفاع به. فإن منع منه الشرع فلا ينفع تعلق الطماعية به، ولا يتصور الانتفاع منه عادة كالخمر والخنزير وشبههما. ثم هو مال وغير مال. فأما غير المال، فهو كالحر الصغير، فإذا سرق من حرز مثله قطع سارقه، وذلك مروي عن عمر رضي اللهعنه وعبد الملك بن مروا، وبه قال الفقهاء السبعة والقاسم بن محمد والشعبي والزهري وربيعة. وقال عبد الملك بن الماجشون: "لا قطع في سرقة الحر". ودليل المذهب عموم الآية، وما روي عن النبي ﷺ ، أنه ذكر عنده رجل يسرق الصباين فأمر بقطعه. وأما المال فشرطه أن يكون نصابًا مملوكًا لغير السارق ملكًا محترمًا تامًا محرزًا لا شبهة فيه. فهذه ستة شروط.

стр. 1157

الشرط الأول: النصاب، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي الثلاثة (درام). وقيل: ما يساوي أحدهما إذا كانا غالبين. وتأوله الشيخ أبو بكر [عن] ابن القاسم، ونزل كلامه عليه. وقال القاضي أبو الوليد: "يجب أن يكون الاعتبار في قيمة العرض بما يباع به غالبصا في بلد التقويم. كقيم المتلفات". ويقطع في خاتم وزنه ثلاثة دراهم وإن لم يساو ربع دينار، واختار القاضي أبو بكر الاقتصار على اعتبار الذهب خاصة. ولو سرق دنانير وظنها فلوسًا لم تبلغ نصابًا قطع. وكذلك من سرق ثوبًا لا يساوي ثلاثة دراهم، فيه دنانير أو دراهم مصرورة وهو لا يشعر، فقال مالك: أما الثوب وشبهه مما يعلم الناس أنه يرفع ذلك في مثله، فإنه يقطع، وإن لم يدر ما فيه، (وأما ما لا) يرفع ذلك في مثله كالخشبة والعصى والحجر، ف لا يقطع إلا في قيمة ذلك دون ما رفع فيه من ذهب أو فضة. فأما لو سرق مالاً قطع فيه فلم يعلم به حتى سرق ما يكون [فيه مع الأول القطع]، فقال أشهب في كتاب محمد: لا يقطع حتى يسرق في مرة واحدة نصابًا. قال: ولو سرق قمحًا من بيت، فكان يدخل إلى البيت عشر مرات في ليلة، يخرج (في) كل مرة بقيمة درهم أو درهمين، فإنه لا يقطع حتى يخرج في مرة واحدة ثلاثة دراهم.

стр. 1158

وقال سحنون: إذا كانفي فور واحد فإنه يقطع. وهذا من باب الحيلة والتسبب إلى أخذ أموال الناس. ولو أخرج نصابًا من حزرين، فقال عبد الملك: لا يقطع حتى يسرق من حرز واحد. قال محمد: ولو كان لرجل تابوتان في دار، فسرق السارق من كل تابوت درهمًا ونصفًا لم يقطع إذا كانت دارًا مشتركة، ولو خرج بذلك من الدار كلها. ولو لم تكن مشتركة، وخرج بذلك من جميع الدار لقطع، وإن أخذ فيها لم يقطع. ولو اشترك رجلان في حمل ما يساوي نصف دينار قطعًا. ولو كان إنما يساوي ربع دينار فقط، فقال ابن الماجشون: يقطعان إذا كان المسروق بحيث لا يمكن أحدهما إخراجه دون الآخر. فا/الو اشتركا فيما يستقل أحدهما بإخراجه، فلا قطع على واحد منهما، إلا أن يكون في نصيبه نصاب. وقال غيره: بل يقطعان، وإن كان المسروق مما يستقل أحدهما بحمله إذا ساوى بجملته نصاباً، لو خرج كل واحد منهما بشيئ لم يقطع إلا من أخرج نصابًا. قال ابن القاسم: "ومن سرق هو وصبي أو مجنون شيئًا قيمته ثلاثة دراهم، لم يقطع الصبي والمجنون، وقطع الذي معه. وينبغي أن تكون القيمة بالغة نصاباً بقول عدلين من أهل المعرفة بقيمة جنس المسروق. فرع: المعتبر في القيمة المنعفة المقصودة من المسروق عادة وشرعًا، فلو سرق حمامًا عرف بالسبق، أو طائرًا عرف بالإجابةإذا ادعي، قوم ذلك على أنه ليس فيه ذلك ولا سواء مما هو للعب والباطل. وأما سباع الطير المعلمة، فينظر إلى قيمتها على ما فيها من ذلك. وذكر عن أشهب: أنه يقوم ذلك كله بغير ما فيه، كان بازيًا معلمصا أو غيره. قال: وهو نحو قول مالكف ي قتل المحرم إياه. الشرط الثاني: أن يكون مملوكًا لغير السارق، فلو سرق ملك نفسه من المرتهن أو المستأجر، فلا قطع. ولو طرأ الملك بإرث قبل الخروج من الحرز، فلا قطع، وبعده لا يؤثر. وكذلك نقصان القيمة باأكل والإتلاف قبل الإخراج يؤثر، وبعد لا (يؤثر).

стр. 1159

ولو قال عن متاع في يده: سرقته من فلان، فكذبه فلان لقطع بإقراره، يبقى المتاع له، إلا أن يدعيه ربه فيأخذه. ومن سرق متاعًا مستسرًا لرجل غائب، فقام به أجنبي، فقال: بعثني (به) ربه، قطع، وإن صدقه ربه أنه بعثه، كان معه في بلد أو لم يكن. (وقال مالك "فيمن أخذ ف يجوف الليل ومعه متاع أخذه من منزل رجل، وقال: وهو أرسلني بذلك، وصدقه ربه، فإن عرف منه انقطاع إليه وأسبه ما قال، لم يقبطع، وإلا قطع ولم يصدق". وقال عيسى: "أحب إلي، إذا صدقه، ألا يقطع". وقال أصبغ: معنى قول مالك: ويشبه ما قال، أن يدخل إلى المتاع من مدخله غير مستسر وأتى في وقت أن يدخله فيه". الشرط الثالث: أن يكون محترمًا، فال قطع على سارق الخمر والخنزير، (ولا على سارق الطنبور والملاهي من المزمار والعود، وشبهه من آلات اللهو، إلا أن يكون في قمية ما يبقى منها، بعد إفساد صورتها وإذهاب (المنفعة) المقصودة بها، ربع دينار فأكثر). وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها، فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة. وكذلك الصليب من ذهب أو فضة، والزيت النجس إن كانت قيمته [على نجاسته نصابًا]. وقال غيره: إنما يقطع فيه إذا كانت قيمة ما فيه من الصنعة نصابًا. وروي أنه لا يقطع في جلد ميتة أصلاً وإن دبغ.

стр. 1160

ولا يقطع سارق الكلب عن ابن القاسم. (وقال أشهب: ذلك في المنهي عن اتخاذه، فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه. (ومن سرق لحم أضحية أو [جلدها] قطع، إذا كانت قيمة ذلك ثلاثة دراهم، وقاله أشهب. وقال ابن حبيب: قال أصبغ، إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع، وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع لأنها لا تباع. ولو سرقت ممن تصدق بها عليه لقطع إن كانت قيمة ما سرق نصابًا، قولاً واحدًا). ومن سرق سبعًا يذكى لجلده وينتفع به، على ما تقدم، قطع فيه، إلا أن الاختلاف واقع في المعتبر في نصاب القطع، هل هو قيمة جلده ذكيًا أو قيمة عينه حيًا، على قولين بين ابن القاسم وأشهب. الشرط الرابع: أن يكون الملك تامًا قويًا، فلو كان للسارق فيه شركة ولو بجزء يسير، ولم يحجب عنه، بل يده جائلة مع شريكه، فلا قطع. وأما ما حجب عنه فسرق منه ما يزيد على نصيبه من المسروق نصابًا كاملاً، فعليه القطع، أما مال بين المال، وأهداء المسلمين، والمغانم بعد حيازتها، فيقطع سارقها وإن لم يزد ما أخذ على النصاب، إذ لا بال لما يستحقه من ذلك. وقال عبد الملك: لا قطع عليه، إلا أن يسرق ربع دينار زيادة عىل سهمه. ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما. ويقطع في سرقة مالهما. واختلف في الجد، فقال مالك وابن القاسم: لا يقطع. وقال أشهب: يقطع.
следующие страницы →