القاعدة الرابعة والستون [البيان المغيِّر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
البيان المغير للفظ صحيح، موصولاً بكلامه لا مفصولاً (١).
وفي لفظ: البيان بمنزلة الاستثناء لا يصح مفصولاً (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القواعد بمعنى واحد وهو: إن التفسير المغير لدلالة اللفظ يعتبر صحيحاً لكن بشرط أن يكون موصولاً بالكلام لا مفصولاً عنه فهو كالاستثناء الذي يصح إذا كان متصلاً ويبطل إذا جاء منفصلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: وهبتك هذه السيارة، ثم قال بعد ذلك بزمن: أردت بيعها. فلا يقبل منه هذا التفسير والبيان؛ لأنه لم يذكره موصولاً بكلامه، بخلاف ما لو قال: وهبتك هذه السيارة بعشرة آلاف، فيكون ذلك بيعاً؛ لأنه بيان موصول غيَّر دلالة لفظ الهبة التي هي عقد تبرع مجاني. فذكر العوض - وهو العشرة الآلاف - دليل على مراده من لفظه وهو البيع لا الهبة، فيأخذ العقد أحكام البيع.
ومنها: إذا قال: اشتريت منك هذه الخراف كلها بمائة ألف غير السود منها. فيصح العقد على غير السود لذكره إياها موصولاً بلفظه، أما لو قال: اشتريت منك هذه الخراف كلها، وسكت وبعد القبول قال: إلا السود أو غير السود فلا يقبل منه؛ لأنه ذكره مفصولاً حيث يلزمه كلها بيضها وسودها.
стр. 1017
القاعدة الخامسة والستون [البيان المقرر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيان المقرر لأول الكلام مقبول من المبيَّن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقرر: المؤكد.
إذا بين المتكلم بعبارته أو دلالته ما يؤكد ويقرر ما تكلم به أولاً كان بيانه هذا مقبولاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان لرجل على آخر ألف درهم، فقال الدائن: دفعت إليَّ منها مائة بيدك، لا بل أرسلت بها مع غلامك، فهي مائة واحدة.
وإذا أقر الدائن أنه قبض منه مائة درهم فقال المطلوب: وعشرة دراهم أرسلت بها إليك مع فلان، وثوب بعتكه بعشرة، فقال الطالب: قد صدقت. فقد دخل هذا في هذه المائة؛ لأن بيانه هذا تقرير لما أقر به أولاً؛ لأن قوله: قبض منه فهو قابض ما أوصله إليه رسوله وقابض بشراء الثوب أيضاً. هكذا قال السرخسي ﵀. ولكني أرى أن العشرة وثمن الثوب غير داخلين في المائة؛ لأن العطف بالواو يقتضي التغاير بين المائة المقبوضة أولاً، وبين العشرة المرسلة وثمن الثوب، فيكون المقبوض مائة وعشرين درهماً. ويدل على ذلك قول السرخسي بعد ذلك: وفي بعض الروايات فقال المطلوب: عشرة دراهم أرسلت بها إليك - بغير واو - وهذا أوضح لأنه في معنى التفسير للجهة فيما أقر أنه قبضه؟
стр. 1018
القاعدة السادسة والستون [البيان بالابتداء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيان يعتبر بالابتداء إن صح الابتداء وإلا فلا (١).
سبقت هذه القاعدة وبيانها في قواعد حرف الهمزة تحت كلمة أصل قاعدة رقم ٢٩٨، الجزء الأول.
стр. 1019
القاعدة السابعة والستون [بيت المال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيت المال هل هو وارث أو مردٌّ للأموال الضائعة (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اختلف في حكم استحقاق بيت المال المال الذي لا مالك له كإرث مَن لم يخلف وارثاً. فهل استحقاق بيت المال لهذا المال من جهة الوراثة؟ وهل هو وارث لهذا المال حقيقة؟ أو أنه مرجع تردُّ إليه الأموال الضائعة التي لا يعرف لها مالك؟ خلاف بين الأئمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أوصى بجميع ماله - ولا وارث له - فهل تنفذ الوصية بجميع المال للموصى له؟
إن قلنا: إن بيت المال وارث يجب رد ما زاد على الثلث، وإن قلنا: إنه مرجع ومرد للأموال الضائعة فلا.
ومنها: إذا أقر بوارث - وليس له وارث معروف - فهل لبيت المال أن يخاصم؟
إن قلنا: إنه وارث خاصم، وإلا فلا.
стр. 1020
القاعدة الثامنة والستون [بيع الأعمى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيع الأعمى وشراؤه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأعمى: هو فاقد البصر خلقة أو عاهة طارئة، وحيث إن المشتري يستحق رؤية المبيع والأعمى غير قادر على ذلك فقد اختلف الشافعية في جواز بيعه وشرائه.
قالوا: الأعمى لا يصح منه البيع والشراء ونحوهما ولكن له التوكيل في ذلك للضرورة.
وقد سبق ذكر بعض أحكام الأعمى في حرف الهمزة تحت القاعدة رقم ٥١٧.
стр. 1021
القاعدة التاسعة والستون [البيع بغير اختيار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع بغير اختيار من له العقد باطل (١).
ثانياً: معنى هذة القاعدة ومدلولها:
من شروط صحة عقد البيع ولزومه التراضي من المتعاقدين، فلا يصح عقد مكرهٍ بغير حق، فإذا وقع الرضا من أحدهما ولم يثبت رضا الآخر فلا يصح العقد، ولو رضي بالعقد غير من له العقد من فضولي وغيره؛ لأن في القول بصحة العقد في هذه الحال إلزام أحد المتعاقدين ما لم يلتزمه، وسواء في ذلك إذا كان البيع له أو منه، فالعقد بغير اختيار من له العقد باطل، إلا في مسائل ذكروها.
ثالثاً: من أمثلة هذة القاعدة ومسائلها:
إذا باع شخص من آخر داره بمبلغ سماه فلا يلزم العقد المشتري إلا إذا رضي وقبل، وإلا إذا فقد الرضا فليس للبائع إجبار المشتري على القبول، والعقد باطل.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
مَن كان عليه دين واحتيج إلى بيع ماله وامتنع المالك المدين أكرهه الحاكم على بيعه لحق الغرماء؛ لأن هذا إكراه بحق.
ومنها: بيع الكافر عبده المسلم إذا امتنع عن بيعه أجبر عليه.
стр. 1022
القاعدة السبعون [الشرط في البيع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع بشرط باطل (١).
وفي لفظ: الشروط الفاسدة تبطل العقود (٢). وتأتي في حرف الشين إن شاء الله.
دليل هذه القاعدة: أن النبي ﷺ "نهى عن بيع وشرط" (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشرط في اللغة: العلامة، واصطلاحاً: "ما يتوقف عليه الشيء وليس منه" (٤).
وهو عند الأصوليين: "ما يلزم من عدمه العلم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته" كالطهارة للصلاة.
وليس كل شرط يفسد البيع ويبطله، والبيع بشرط مسألة خلافية بين الأئمة. ولعل مقصود القاعدة هو الشرط الفاسد لا كل شرط كما هو نص القاعدة الثانية، وينظر في تفصيل حكم الشروط في البيع وأنواعها:
أشباه ابن السبكي جـ ١ ص ٢٧٠ - ٢٧٣.
المقنع لابن قدامة باب الشروط في البيع جـ ٢ ص ٢٦ فما بعدها.
أشباه السيوطي ص ٤٥٣ باب بيع وشرط.
стр. 1023
أشباه ابن نجيم ص ٢١٠ حيث عدد المواضع التي لا يبطل فيها البيع بالشرط.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع بشرط قرض أو بيع آخر، فالبيع باطل بناء على هذه القاعدة.
стр. 1024
القاعدة الحادية والسبعون [البيع الحلال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع الحلال مقابلة مال متقوم بمال متقوم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المال المتقوم: هو المال الذي له قيمة، حيث أباح الشارع الانتفاع به، فالبيع يكون حلالاً وجائزاً والعقد به صحيح إذا كان مبادلة مال متقوم منتفع به بمال متقوم منتفع به كذلك. أما إذا كان المال غير متقوم - سواء في ذلك المبيع أو الثمن - فيعتبر العقد باطلاً ولا يحل لأي من المتعاقدين الانتفاع بأحد البدلين. كبيع الميتة، أو الخنزير أو الخمر بين المسلمين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
باع سيارة بثمن معلوم مع استيفاء شروط صحة البيع فالبيع صحيح ويحل لكل واحد من المتعاقدين الانتفاع بالبدل، المشتري بالسيارة والبائع بالثمن.
стр. 1025
القاعدة الثانية والسبعون [بيع الخيار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيع الخيار هل هو منحلٌّ أو منبرم (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخيار: اسم من الاختيار، وبيع الخيار: أن يقول البائع أو المشتري: على أني بالخيار ثلاثة أيام فما دونها. وهو المسمى خيار الشرط.
فهل البيع المستحل على هذا الخيار يعتبر منحلاًّ فلا ينبرم - أي يتم - إلا بانتهاء المهلة أو بإسقاط الخيار، أو يكون منبرماً فينحل بالخيار؟ خلاف عند المالكية، وعند الحنابلة روايتان وأظهرهما أنه منبرم بمجرد عقد (٢).
وينبني على الخلاف مسائل لها ثمرات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع المسلم عبده الكافر من كافر على أن الخيار للبائع، ثم أسلم العبد في مدة الخيار، فهل يجوز للمسلم إمضاء البيع أو لا يجوز؟ قولان عند المالكية، إذا قلنا: إنه منبرم فيجوز إمضاؤه ويجبر الكافر على بيعه، وإذا قلنا: إنه منحل لا يجوز إمضاؤه لأنه كابتداء بيع.
ومنها: إذا اشترى من يعتق عليه أو اشترى زوجته فعند الحنابلة في أظهر الروايتين أنه يعتق عليه وينفسخ نكاح زوجته؛ لأن العقد قد تم. وعلى الرواية الأخرى لا يثبت ذلك.
стр. 1026
من أحكام القاعدة عند المالكية: أنهم اتفقوا على أن ما حدث في أيام الخيار من غلة كلبن وبيض وثمرة ونحو ذلك فللبائع، كما اتفقوا على أن الضمان منه، والنفقة وصدقة الفطر عليه؛ لأن الخراج بالضمان، كما اتفقوا على أنه لا شفعة في زمن الخيار إلا بعد الإمضاء، وهذا يرجح أن العقد منحل عندهم غير منبرم. خلافاً للحنابلة.
стр. 1027
القاعدة الثالثة والسبعون [بيع الدين بالدين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيع الدين بالدين باطل (١).
وفي لفظ: لا يصح بيع الدين بالدين قطعاً (٢). وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله.
ودليل هذه القاعدة "نهيه ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ" (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الكالئ: معناه النسيئة - أي البيع لأجل، ويقابله البيع الحالُّ.
والدَّين لغة: القرض (٤)، وهو في الاصطلاح: مال في الذمة، أو هو عبارة عن مال حُكمي يحدث في الذمَّة ببيع أو استهلاك (٥).
فمفاد القاعدة عدم جواز بيع مال في الذمة بمال في الذمة دون تقابض في المجلس - إلا لمن عليه الدين - لأن الدين ليس مالا حالاًّ وإنما يصير مالاً بعد القبض.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان لرجل على آخر دنانير وللآخر عليه دراهم فاشترى كل واحد ما
стр. 1028
على صاحبه بما عليه جاز وتم البيع لوجود قبضهما حكماً. أما إذا كان لرجل على آخر دنانير فاشتراها من عليه بعشرة دراهم - وصار صرفاً - وتفرقا قبل قبض العشرة كان باطلاً؛ لأن شرط الصرف التقابض في المجلس قبل التفرق.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
الحوالة مع أنها تمليك الدين لغير من هو عليه فهي صحيحة.
ومما استثني أيضاً: قضى دين غيره ليكون له ما على المطلوب فرضي جاز؛ لأنها نوع من الحوالة.
стр. 1029
القاعدة الرابعة والسبعون [البيع الفاسد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع الفاسد له حكم الصحيح في الضمان (١).
وفي لفظ: فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه (٢). وتأتي في حرف الفاء إن شاء الله.
وفي لفظ: كل عقد اقتضى صحيحه الضمان فكذلك فاسده، وما لا يقتضي صحيحه الضمان فكذلك فاسده (٣). وتأتي في حرف الكاف إنا شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
البيع الفاسد - أي الباطل عند غير الحنفية - هو ما لم يثمر المقصود منه بفقده شرطاً من شروط صحته. فالبيع موجب للضمان، فالمشتري ضامن ثمن السلعة بالمسمى إذا كان البيع صحيحاً، وأما إذا كان البيع فاسداً فهو ضامن للسلعة بالقيمة أو بالمثل لا بالمسمى. فالصحيح والفاسد مستويان في أصل الضمان لا في المقدار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استأجر أرضاً شهرين لزراعة الحنطة فإن شرطا القطع بعد مضي المدة جاز العقد - وكأنه كان لا يريد إلا القصيل - وإن شرطا الإبقاء فسد العقد للتناقض ولجهالة غاية الإدراك، ثم إذا فسد العقد فللمالك منعه من
стр. 1030
الزراعة لكن إذا زرع لم يقلع زرعه مجاناً للإذن بل يؤخذ منه أجرة المثل لجميع المدة (١).
ومنها: الشركة إذا فسدت كان ما عمل كل واحد من الشريكين مضموناً بأجرة المثل في مال صاحبه.
стр. 1031
القاعدة الخامسة والسبعون [بيع المجهول]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع في المجهول لا يصح أبداً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة متفق عليها بين جميع المذاهب؛ لأن من شروط صحة العقد ولزومه - عند الجميع - معرفة المبيع والعلم به قدراً وصفة أو رؤية؛ لأنه إذا لم يجز بيع الغائب مع القدرة على وصفه وتسليمه فبطلان بيع المجهول أولى؛ لأن الجهالة مفضية للنزاع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من باع حيواناً بدون تحديد نوعه وصفته أو رؤيته كان البيع باطلاً للجهالة.
ومنها: إذا قال لشخصين: بعت لأحدكما هذه السيارة، فالبيع باطل لجهالة المشتري منهما.
ومنها: بيع حبل الحبلة، وهو نتاج النتاج وهذا بيع معدوم.
وبيع الملاقيح وهي ما في بطون الأمهات، وبيع المضامين وهو ما في أصلاب الفحول.
стр. 1032
القاعدة السادسة والسبعون [البيع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع عقد تمليك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد هذه القاعدة أن البيع هو عقد تمليك حيث إن كلاًّ من المتعاقدين يملِّك الآخر ما عنده، فالبائع يملِّك المشتري السلعة، والمشتري يملِّك البائع الثمن.
والأصل في البيع وحله قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢).
وعرَّفوا البيع في اللغة: بأنه مطلق المبادلة وكذلك الشراء.
وفي الشرع: هو مبادلة المال المتقوم تمليكاً وتملكاً (٣).
والبيع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تبايعا سلعة وتقابضا حلّ لكل واحد منهما ما أخذه وله حق الانتفاع بما ملك، فالبائع يملك الثمن وله حق التصرف فيه، والمشتري يملك السلعة وله حق التصرف فيها بكل وجوه التصرف المباحة.
ويستثنى من ذلك إذا ظهر بطلان العقد أو فساده.
стр. 1033
القاعدة السابعة والسبعون [البيع - التعليق بالشرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع لا يحتمل التعليق بالشرط (١).
وفي لفظ: تعليق التمليكات والتقييدات بالشرط باطل (٢). وتأتي في حرف التاء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التعليق: معناه ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى (٣).
فمفاد القاعدتين أن البيع إذا علق بشرط معدوم على خطر الوجود أن هذا البيع باطل. والقاعدة الثانية أعم حيث عممت بطلان التعليق على التمليكات وهي أعم من البيع، والتقييدات أيضاً. وسيأتي بيان ذلك عند ذكر الثانية إن شاء الله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: بعتك هذا الشيء إذا رهنتني دابتك، أو إن جاء فلان من سفره، فهذا العقد لا يتم وهو باطل.
ومنها: إذا اشترى الرجل من الرجل ألف درهم بمائة دينار واشترط الخيار فيه يوماً، فإن بطل الخيار قبل أن يتفرقا جاز البيع - الصرف - وإن تفرقا قبل إبطال الخيار - وقد تقابضا - فالبيع فاسد؛ لأنهما تفرقا قبل تمام
стр. 1034
العقد؛ لأن الخيار يدخل على حكم العقد فيجعله متعلقاً بالشرط، والحكم المتعلق بالشرط معدوم قبل وجود الشرط.
رابعاً: من مستثنيات هذه القاعدة:
إذا قال: بعتك هذا الشيء إذا رضي أبي فالبيع صحيح موقوف على رضا الأب.
стр. 1035
القاعدة الثامنة والسبعون [بيع ما لا يُرى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيع ما لا يراه المتعاقدان باطل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في لزوم البيع رؤية المبيع والعلم بالثمن، فإذا كان المبيع غائباً لا يراه المتعاقدان فالبيع باطل - بناء على هذه القاعدة - وبناء عليها أيضاً منع الشافعية بيع الأعمى وشراءه. ولكن - عند غير الشافعية - إذا وُصِف المبيع الغائب جاز البيع بالصفة وللمشتري حق فسخ العقد إذا ظهر المبيع مخالفاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع سيارة غير حاضرة ولم يذكر من أوصافها ما يُعَرِّفها فالبيع باطل.
رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة:
بيع النحل في الخلية.
ومنها: جواز عقد السلم بذكر أوصاف المُسْلَم فيه.
стр. 1036
القاعدة التاسعة والسبعون [بيع ما ليس عند الإنسان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز (١).
دليل هذه القاعدة حديث حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق؟ فقال: "لا تبع ما ليس عندك" (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
للإنسان أن يبيع ما يملكه وما هو عنده مما يملكه، وأما أن يبيع ما لا يملكه وما ليس عنده فإنه بيع باطل لا يصح، إلا ما استثني.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا زكى مال مورثه على ظن موته وأنه ملك له، فظهر موته، لم يحسب ذلك؛ لأن الأصل عدم الإرث، ولعل السبب في عدم الصحة أن إخراج الزكاة يشترط فيها تحقق الملك، والملك هنا غير متحقق وغير متيقن، بخلاف مسألة البيع على الأظهر.
ومنها: بطلان بيع الفضولي على الجديد عند الشافعي ﵁؛ لأن الفضولي باع مال غيره.
رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة:
بيع السلم للنص عليه.
стр. 1037
القاعدة الثمانون [بيع سبب المعصية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيع ما يحتمل أن يكون سبباً للمعصية وغيرها ممن يتخذه سبباً لها يجوز (١). عند أبي حنيفة ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد هذه القاعدة أنه إذا صدر العقد من مالك ومشتر جائزي التصرف صح العقد وثبت للعاقدين الخيار، وأنه لا يأثم البائع بسبب العقد وإن كان يحتمل أن يكون المبيع سبباً للمعصية ممن يتخذه سبباً لها. وهذا عند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لصاحبيه وللمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤). وحجة أبي حنيفة في ذلك: أنه لما كان المبيع محتملاً للطاعة والمعصية أو الإباحة فتخصيص المعصية ترجيح بلا مرجح سوى سوء الظن وسوء الظن لا يصلح معيِّناً، ونحن أمرنا بحسن الظن بأهل القبلة. ولكن التنزه عن ذلك أولى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
بيع العنب لمن يحتمل أن يتخذه خمراً جائز عند أبي حنيفة باطل عند غيره.
стр. 1038
وعند الشافعية هو مكروه مع التوهم، وأما عند التحقق فوجهان أصحهما التحريم.
ومنها: بيع السلاح لمن يتحقق إثمه به كقاطع طريق وقاتل نفس، فحرام ومع التوهم مكروه (١).
стр. 1039
القاعدة الحادية والثمانون [بيع الحقوق]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
بيع مجرد الحق باطل (١).
وفي لفظ: بيع الحقوق لا يجوز بالانفراد (٢).
وفي لفظ: الحقوق المجردة لا يجوز الاعتياض عنها (٣). وتأتي في حرف الحاء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحق: غير العين، وفي اللغة: هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، من حق الشيء إذا ثبت. فالعين أصل في البيع والحقوق تابعة للأعيان، فبيع الحقوق وحدها دون أصولها لا يجوز وهو بيع باطل.
والمراد هنا أن الحقوق المجردة عن الأعيان التي لا يجوز الاعتياض عنها: أي لا تقابل بمال بدلاً منها وعوضاً عنها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حق الشرب - أي النصيب من الماء - بدون الأرض، وحق الطريق - أي المرور فيها - وحق التعلِّي - أي البناء الأعلى - وحق المسيل للماء، كل ذلك لا يجوز بيعه منفرداً؛ لأنها توابع، ولكون بعضها ليس بمال أصلاً وبعضها مجهول.
أما إذا بيع حق الشرب وحق الطريق والمسيل تبعاً للأرض فيجوز.
стр. 1040
ومنها: حق الشفعة - فلو صالح عنه بمال - بطلت شفعته (١) ورجع بالمال أي رده على صاحبه لعدم حِلِّه له.
ومنها: لو صالح المخيَّرة بمال لتختاره بطل الصلح وبطل خيارها ولا شيء لها.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا تزوج رجل امرأة على شِرب بغير أرض فالنكاح جائز، وليس لها من الشرب شيء؛ لأن الشرب بدون الأرض لا يحتمل التمليك بعقد المعاوضة؛ ولأنه ليس بمال متقوم، ثم هو مجهول جهالة فاحشة فلا يصح تسميته.
ولكن بطلان التسمية لا يمنع جواز النكاح فيكون لها مهر مثلها إن دخل بها، والمتعة إن طلقها قبل الدخول كأنه لم يسم لها مهراً (٢).
ومما استثني وجاز الاعتياض عنه:
حق القصاص حيث يعتاض عنه بالدية.
وحق الرق حيث يعتاض عنه ببدل الكتابة.
وملك النكاح بالمهر.
стр. 1041
القاعدة الثانية والثمانون [البيع المجمع على فساده]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع المجمع على فساده هل ينقل شبهة الملك لقصد المتبايعين أم لا (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالبيع الفاسد هنا عين الباطل، والبيع الباطل لا يثبت ملكاً للعاقدين في البدلين ولا يحل لأحدهما الانتفاع؛ لأن البيع الفاسد لا ينقل الملك، وما دام لا ينقل الملك فكل تصرف بناء عليه يعتبر باطلاً، ولكن إن قبض المشتري المبيع وتغير بيده أو فات بهلاك أو عتق فعليه ضمانه بالقيمة لا بالثمن المتفق عليه أو بالمثل إن كان مثليًّا، ففي هذه الحال ينتقل الملك للمشتري بالقبض والتغيير أو الفوات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع داره بيعاً فاسداً ثم وهبها لغير المشتري قبل التغير فإن الهبة صحيحة؛ لأن البيع الفاسد لا ينقل الملك، وهو مفسوخ بين المتعاقدين قبل الفوات، فإن فات المبيع بأن استهلكه المشتري أو أتلفه أو باعه أو أعتقه - إن كان عبداً - فهو مضمون بالقيمة يوم القبض.
قال في الكافي (٢): والحكم في البيوع الفاسدة أن يفسخ ما لم يفت عند المشتري، وتُردّ السلعة إلى ربها والثمن إلى المشتري. فإن فاتت عند
стр. 1042
المشتري بعد قبضه لها رد قيمة ذلك الشيء بالغاً ما بلغ كان أكثر من الثمن أو أقل، إلا إذا كان البيع مكيلاً أو موزوناً غير مأكول ولا مشروب رد مكيلته أو وزنه في صفته وحالته.
стр. 1043
القاعدة الثالثة والثمانون [بيع المرابحة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيع المرابحة مبني على الاحتياط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
بيع المرابحة: هو البيع بما اشترى وبزيادة ربح معلوم عليه (٢).
أو هو: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح (٣).
أو هو: عقد يبنى الثمن فيه على ثمن المبيع الأول مع زيادة (٤).
ولما كان بيع المرابحة مبنيًّا على الأمانة فالاحتياط فيه واجب وعلى البائع الصدق في الإخبار عما اشترى به وعما قام عليه إن باع بلفظ القيام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادعى رجل على آخر ألف درهم فأنكرها المدعى عليه ثم صالحه على أن باعه بها سيارة، فهو جائز، ويجوز أن يبيع المدعي السيارة مرابحة؛ لأن هذا إقرار من المدعى عليه بالدين.
أما إذا قال: صالحتك من دينك على أن لك هذا العبد وقبضه المدعي لم يكن له أن يبيعه مرابحة على الدين؛ لأن مبنى الصلح على الإغماض والتجوز بدون الحق فيتمكن فيه شبهة الحط. والشبهة فيما هو مبني على الاحتياط تعمل عمل الحقيقة.
стр. 1044
القاعدة الرابعة والثمانون [بيع المعدوم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيع المعدوم باطل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمعدوم هنا: الهالك أو المستهلك وهو غير الموجود.
فبيع الهالك وغير الموجود حقيقة بيع باطل، لا يترتب عليه شيء؛ لأن الشرط في المبيع إمكان تسليمه وقبضه، والمعدوم لا يمكن فيه ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع ما ستحمله هذه الفرس في المستقبل، فالبيع باطل؛ لأن المعقود عليه معدوم حين العقد.
ومنها: بيع الثمرة والزرع قبل ظهوره؛ لأنه معدوم.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
ما يستجره الإنسان من البقال إذا حاسب على أثمانها بعد استهلاكها، فإنها جائزة استحساناً لتعامل الناس بها للضرورة والحاجة، وعدم التنازع.
стр. 1045
القاعدة الخامسة والثمانون [البيع الموقوف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع الموقوف إذا تمَّ أوجب الملك للمشتري من وقت العقد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
البيع الموقوف - عند الحنفية - بيع يفيد الملك على سبيل التوقف ولا يفيد تمامه لتعلق حق الغير به. وهو عقد الفضولي، وحكمه الجواز عند الحنفية والمالكية، ورواية عند أحمد، والقول القديم للشافعي، والجديد هو باطل.
فإذا باع فضولي مال آخر ثم أجازه المالك فإن العقد يوجب الملك للمشتري من وقت العقد لا وقت الإجازة، ويترتب على ذلك أن زوائد المبيع في المدة بين العقد والإجازة تكون للمشتري؛ لأنها زوائد ملكه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عقد فضولي عقد امرأة على رجل غائب فلما علم الرجل أجاز العقد، فالعقد صحيح عند الحنفية والمالكية خلافاً للشافعي والراجح عند أحمد (٢).
ومنها: باع شخص ملك غير بغير إذنه فلما علم أجازه صح البيع ولزم المشتري (٣).
стр. 1046
القاعدة السادسة والثمانون [البيع الموقوف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع الموقوف لا يوجب الملك ولا تنفذ تصرفات المشتري فيه قبل إجازة المالك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لما كان عقد الفضولي موقوفاً على إجازة المالك فهو لا يوجب الملك للمشتري ولا تنفذ تصرفاته في المبيع قبل إجازة المالك؛ لأن إيجاب الملك ونفاذ التصرفات مبني على رضا المالك بالعقد، ولا يظهر ذلك إلا بالإجازة والموافقة على العقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع فضولي سيارة شخص لآخر فلا يجوز للمشتري أن يستعمل السيارة ولا ينقلها من مكانها إلا بعد إجازة المالك، وإلا كان غاصباً، وإذا سلمها له الفضولي كان ذلك التصرف غصباً ويأخذ أحكام الغصب لا أحكام البيع الموقوف؛ لأن العقد الموقوف تصرف قولي فقط، فإذا صاحب ذلك تصرف فعلي خرج عن حيز العقد الموقوف إلى حيز الغصب فتلزمه أحكامه.
стр. 1047
القاعدة السابعة والثمانون [البيع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع هل هو العقد فقط أم العقد والتقابض عن تعاوض (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد هو ارتباط الإيجاب بالقبول فهل يكفي ذلك في إتمام عقد البيع؟ أو لا بد من التقابض أيضاً؟ أي أن يقبض كل من البائع والمشتري البدل فيقبض البائع الثمن والمشتري المبيع؟ أو لعل المقصود هو قبض المبيع لأن الثمن يجوز تأجيله بخلاف العين فلا تقبل التأجيل.
هل يترتب على هذا الخلاف ثمرة؟
عند المالكية نعم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وقع الإيجاب والقبول وهلك المبيع، فإذا قلنا: إن البيع التعاقد فالمبيع يهلك من ضمان المشتري، وإن قلنا: العقد مع التقابض مع تعاوض فيهلك من ضمان البائع.
وأما عند غير المالكية فإن المبيع قبل قبضه من ضمان البائع سواء كان مكيلاً أم غير مكيل إلا إذا طلب البائع من المشتري أن يتسلمه فأبى استلامه فهلك فهو من ضمان المشتري (٢)، وكذلك إذا أتلفه المشتري قبل تسلمه؛ لأن ذلك كالقبض. ويمكن أن تقوم التخلية مع التمييز مقام القبض فتعتبر تسليماً (٣).
стр. 1048
القاعدة الثامنة والثمانون [البيع المشروط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيع يوجب الاستحقاق فيما شرط في البيع لا فيما لم يشرط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما يستحقه المتبايعان بعقد البيع هو ما اشترطاه في العقد دون ما لم يشترطاه؛ لأن الشرط أملك عليك أم لك. ولأن المطالبة باستحقاق غير المشروط زيادة لم يلتزمها من لم يشترطها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى بقرة ثم أراد إرجاعها وردها وفسخ العقد لكونها غير حلوب. فلا يقبل منه ذلك؛ لأنه لم يشترط الحلب على البائع عند شراء البقرة فلا يستحقه.
ومنها: اشترى سيارة ثم أراد إرجاعها للبائع لأنها حمراء وهو يريدها بيضاء فهذا أيضاً لا حق له في طلب الفسخ؛ لأن هذه الشرط غير مشترط في عقد البيع.
ومنها: اشترى بضاعة ثم طلب من البائع إيصالها إلى منزله فللبائع الرفض؛ لأن المشتري لم يشترط عليه إيصالها إلا إذا كان العرف يقتضي ذلك فهو كالمشروط. كالأشياء الثقيلة فإن العرف جرى بأن على البائع إيصالها وحمولتها لمحل المشتري.
مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة:
فيما إذا وجد شرط مما يقتضيه العقد وتفوت المنفعة بفوته، كما إذا
стр. 1049
اشترى أرضاً ليبني عليها بيتاً ولم يشترط في العقد حقوقها ومرافقها، فالحقوق والمرافق داخلة ومستحقة وإن لم يشترطها؛ لأنه لا ينتفع بالأرض إلا بها.
стр. 1050
القاعدة التاسعة والثمانون [البينات المتعارضة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البينتان إذا تعارضتا وإحداهما تبطل الأخرى قدمت التي تبطل على الأخرى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
البينة المراد بها هنا شهود الدعوى.
فإذا تعارضت شهادتان وإحدى هاتين الشهادتين تبطل الأخرى لأنها أقوى منها، فيجب تقديم المبطلة على الأخرى؛ لأن الضعيف يسقط بالقوي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شهد شاهدان أن عقد البيع الذي عقده البائعان عقد صحيح، وشهد آخران بأنه عقد فاسد، فتقدم الشهادة بالصحة على الشهادة بالبطلان؛ لأن الأصل في العقود الصحة لا البطلان.
стр. 1051
القاعدة التسعون [البينات]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
البينتان حجج فعند إمكان العمل يجب العمل بهما وإلا يرجح (١).
وفي لفظ: البينات حجج مهما أمكن العمل بها لا يجوز ابطال شيء منها (٢).
وفي لفظ: البينات حجج فيجب العمل بها بحسب الإمكان (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
البينات: جمع بينة. وهي أدلة وبراهين على صدق المدعي في دعواه فيجب العمل بها ما أمكن ذلك ولا يجوز إبطال شيء منها - وإن كان ظاهره التعارض أو التناقض؛ لأنه إذا لم يعمل بالبينات خالفنا شرع الله وضاعت الحقوق؛ (لأنه لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءَهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (٤).
ولكن إذا لم يمكن إجراء البينة ولا الترجيح بين المتعارض منها فتبطل حينئذ. وهذا مذهب الحنفية تمثله هذه القواعد في هذه المسألة. ولكن عند مالك ﵀: إذا تعارضت البينتان يقضى بأعدلهما، وعند الأوزاعي: يقضى لأكثرهما عدداً، وعند الشافعي في أحد قوليه تتهاتر البينتان وتبطلان، وفي قول أحمد يقرع بينهما (٥).
стр. 1052
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا تنازع شخصان عيناً أو حقًّا كأرض أو شرب أو مسيل ماء أو ممر وغير ذلك وأقام كل منهما البينة على مدَّعاه، قضي بينهما بالحق أو العين مناصفة؛ لإمكان الاشتراك في العين أو الحق.
ومنها: إذا ادعى كل واحد منهما الوصية بالثلث وأقام البينة على دعواه ولم يمكن الترجيح بينهما فهما يقتسمان الثلث بينهما نصفين.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا ادعى كل واحد من شخصين نكاح امرأة معينة وأقام بينة على دعواه ولم يمكن الترجيح قضي ببطلان البينتين؛ لأن ملك النكاح لا يحتمل الاشتراك.
стр. 1053
القاعدة الحادية والتسعون [البينة - استصحاب الحال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البينة أقوى من استصحاب الحال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق ذكر معنى البينة، وأما استصحاب الحال، فهو إبقاء ما كان على ما كان عليه لانعدام المغير. أو هو الحكم الذي يثبت في الزمان الثاني بناء على الزمان الأول.
فالاستصحاب بناء حكم على ما كان سابقاً لعدم وجود الدليل المزيل، فإذا شهدت البينة بخلافه كان ذلك دليلاً على التغيير؛ لأن البينة صريح والاستصحاب دلالة، والصريح أقوى من الدلالة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأصل براءة الذمة من حقوق الآخرين، فإذا شهدت البينة على أن هذا الشخص يطالب هذا الرجل بدين في ذمته فذلك دليل على انشغال ذمة المطالب بالدين، ولا يقبل قول المدعى عليه بأنه بريء الذمة وقد قامت البينة على شغلها.
ومنها: إذا قامت البينة على أن هذا الشخص قد طلق زوجته أو خالعها لا يقبل قوله إنه زوجها بمجرد إبرازه وثيقة الزواج التي تثبت ذلك، إذا كان تاريخ الوثيقة متقدماً على دعوى الطلاق أو الخلع.
إلا إذا ثبت أنه راجعها إذا كان الطلاق رجعيًّا، أو جدد العقد عليها إذا كان بائناً أو خلعاً.
стр. 1054
القاعدة الثانية والتسعون [البينة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
البينة حجة في حق الكل (١).
وفي لفظ: البينة حجة متعدية إلى الناس كافة (٢).
وفي لفظ: في حق الناس كافة (٣)
وفي لفظ: البينة حجة شرعية (٤).
وفي لفظ: البينة أقوى من الإقرار؛ لأنها حجة في حق الكل والإقرار ليس بحجة في حق الغير (٥).
وفي لفظ: البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة (٦).
ثانياً: معنى هذه القواعد مدلولها:
المراد بتعدية البينة: أنها تعدي الحكم إلى غير المقضي عليه ممن له علاقة بالقضية وتجمعهم وحدة السبب الموجب.
والمراد بقصور الإقرار: أنه لا يلزم إلا المقر خاصة - كما سبق بيانه في قواعد الإقرار في حرف الهمزة - لأن المقر لا ولاية له إلا على نفسه.
فمدلول هذه القواعد أن البينة باعتبارها حجة شرعية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. وأنها أقوى من الإقرار فإن حكمها يشمل كل من له علاقة
стр. 1055
بالقضية ولا يقتصر حكمها على المقضي عليه بخلاف الإقرار فإن حكمه لا يتعدى المقر إلا استثناءً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أقر إنسان بدين لآخر عليه وعلى رجل آخر فإن إقراره على نفسه مقبول بالدين كله ولا يلزم الآخر بشيء إلا إذا أقر أو قامت بينة، ولكن إذا شهدت البينة أن فلاناً قد أقرض فلاناً وفلاناً مالاً فيُلزم الإثنان بأداء الدين.
ومنها: إذا أقر أنه اشترك مع آخرين في قتل شخص أو سرقة مال فإنه يؤخذ بإقراره ولا يلزم الإقرار الآخرين إلا إذا أقروا أو قامت بينة على مشاركتهم.
ومنها: إذا أقر أنه زنا بفلانة، فيؤخذ بإقراره ويقام عليه الحد، ولا يقام الحد على من ادعى الزنا بها إلا إذا أقرت أو قامت بينة، أما إذا قالا البينة على زنا الاثنين فيقام عليهما الحد معاً، وإذا لم تعترف المرأة المتهمة بالزنا فلها الحق في دعوى القذف على المقر. فيقام عليه حدان حد الزنا بإقراره وحد القذف بدعواها.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد:
إذا أقرت امرأة بدين وأبت السداد والوفاء تحبس، وإن أصاب الضرر زوجها وبيتها. وهنا تعدى أثر الإقرار المقر ضرورة.