← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

القاعدة التسعون [البينات] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: البينتان حجج فعند إمكان العمل يجب العمل بهما وإلا يرجح (١). وفي لفظ: البينات حجج مهما أمكن العمل بها لا يجوز ابطال شيء منها (٢). وفي لفظ: البينات حجج فيجب العمل بها بحسب الإمكان (٣). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: البينات: جمع بينة. وهي أدلة وبراهين على صدق المدعي في دعواه فيجب العمل بها ما أمكن ذلك ولا يجوز إبطال شيء منها - وإن كان ظاهره التعارض أو التناقض؛ لأنه إذا لم يعمل بالبينات خالفنا شرع الله وضاعت الحقوق؛ (لأنه لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءَهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (٤). ولكن إذا لم يمكن إجراء البينة ولا الترجيح بين المتعارض منها فتبطل حينئذ. وهذا مذهب الحنفية تمثله هذه القواعد في هذه المسألة. ولكن عند مالك ﵀: إذا تعارضت البينتان يقضى بأعدلهما، وعند الأوزاعي: يقضى لأكثرهما عدداً، وعند الشافعي في أحد قوليه تتهاتر البينتان وتبطلان، وفي قول أحمد يقرع بينهما (٥).

стр. 1052

ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا تنازع شخصان عيناً أو حقًّا كأرض أو شرب أو مسيل ماء أو ممر وغير ذلك وأقام كل منهما البينة على مدَّعاه، قضي بينهما بالحق أو العين مناصفة؛ لإمكان الاشتراك في العين أو الحق. ومنها: إذا ادعى كل واحد منهما الوصية بالثلث وأقام البينة على دعواه ولم يمكن الترجيح بينهما فهما يقتسمان الثلث بينهما نصفين. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا ادعى كل واحد من شخصين نكاح امرأة معينة وأقام بينة على دعواه ولم يمكن الترجيح قضي ببطلان البينتين؛ لأن ملك النكاح لا يحتمل الاشتراك.

стр. 1053

القاعدة الحادية والتسعون [البينة - استصحاب الحال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: البينة أقوى من استصحاب الحال (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق ذكر معنى البينة، وأما استصحاب الحال، فهو إبقاء ما كان على ما كان عليه لانعدام المغير. أو هو الحكم الذي يثبت في الزمان الثاني بناء على الزمان الأول. فالاستصحاب بناء حكم على ما كان سابقاً لعدم وجود الدليل المزيل، فإذا شهدت البينة بخلافه كان ذلك دليلاً على التغيير؛ لأن البينة صريح والاستصحاب دلالة، والصريح أقوى من الدلالة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الأصل براءة الذمة من حقوق الآخرين، فإذا شهدت البينة على أن هذا الشخص يطالب هذا الرجل بدين في ذمته فذلك دليل على انشغال ذمة المطالب بالدين، ولا يقبل قول المدعى عليه بأنه بريء الذمة وقد قامت البينة على شغلها. ومنها: إذا قامت البينة على أن هذا الشخص قد طلق زوجته أو خالعها لا يقبل قوله إنه زوجها بمجرد إبرازه وثيقة الزواج التي تثبت ذلك، إذا كان تاريخ الوثيقة متقدماً على دعوى الطلاق أو الخلع. إلا إذا ثبت أنه راجعها إذا كان الطلاق رجعيًّا، أو جدد العقد عليها إذا كان بائناً أو خلعاً.

стр. 1054

القاعدة الثانية والتسعون [البينة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: البينة حجة في حق الكل (١). وفي لفظ: البينة حجة متعدية إلى الناس كافة (٢). وفي لفظ: في حق الناس كافة (٣) وفي لفظ: البينة حجة شرعية (٤). وفي لفظ: البينة أقوى من الإقرار؛ لأنها حجة في حق الكل والإقرار ليس بحجة في حق الغير (٥). وفي لفظ: البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة (٦). ثانياً: معنى هذه القواعد مدلولها: المراد بتعدية البينة: أنها تعدي الحكم إلى غير المقضي عليه ممن له علاقة بالقضية وتجمعهم وحدة السبب الموجب. والمراد بقصور الإقرار: أنه لا يلزم إلا المقر خاصة - كما سبق بيانه في قواعد الإقرار في حرف الهمزة - لأن المقر لا ولاية له إلا على نفسه. فمدلول هذه القواعد أن البينة باعتبارها حجة شرعية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. وأنها أقوى من الإقرار فإن حكمها يشمل كل من له علاقة

стр. 1055

بالقضية ولا يقتصر حكمها على المقضي عليه بخلاف الإقرار فإن حكمه لا يتعدى المقر إلا استثناءً. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا أقر إنسان بدين لآخر عليه وعلى رجل آخر فإن إقراره على نفسه مقبول بالدين كله ولا يلزم الآخر بشيء إلا إذا أقر أو قامت بينة، ولكن إذا شهدت البينة أن فلاناً قد أقرض فلاناً وفلاناً مالاً فيُلزم الإثنان بأداء الدين. ومنها: إذا أقر أنه اشترك مع آخرين في قتل شخص أو سرقة مال فإنه يؤخذ بإقراره ولا يلزم الإقرار الآخرين إلا إذا أقروا أو قامت بينة على مشاركتهم. ومنها: إذا أقر أنه زنا بفلانة، فيؤخذ بإقراره ويقام عليه الحد، ولا يقام الحد على من ادعى الزنا بها إلا إذا أقرت أو قامت بينة، أما إذا قالا البينة على زنا الاثنين فيقام عليهما الحد معاً، وإذا لم تعترف المرأة المتهمة بالزنا فلها الحق في دعوى القذف على المقر. فيقام عليه حدان حد الزنا بإقراره وحد القذف بدعواها. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد: إذا أقرت امرأة بدين وأبت السداد والوفاء تحبس، وإن أصاب الضرر زوجها وبيتها. وهنا تعدى أثر الإقرار المقر ضرورة.

стр. 1056

القاعدة الثالثة والتسعون [بينة ذي اليد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: بينة ذي اليد في الملك المطلق لا تعارض بينة الخارج (١). وفي لفظ: البينة لا يعارضها اليد ولا قول ذي اليد (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ذو اليد: هو الشخص الذي يكون الشيء المتنازع عليه تحت يده وتصرفه، وذو اليد هو صاحب اليد المتصرف فيما تحت يده وإن كان غير مالك له. والخارج: هو الشخص الذي لا يكون الشيء المتنازع عليه تحت يده وتصرفه. فإذا أقام اثنان بينتين أحدهما ذو يد والآخر خارج فإن بينة ذي اليد لا تعارض بينة الخارج في الملك المطلق؛ لأن بينة الخارج أقوى فهي المقدمة والمقبولة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أخذ رجل جملاً نادًّا - أي شارداً - فادعاه رجل شهد شاهدان عنده بملكيته له فدفعه إليه بغير حكم. ثم أقام آخر البينة عند القاضي أن الجمل له، فإن القاضي يقضي بالجمل لهذا الأخير؛ لأن البينة الأولى أقامها صاحبها في غير مجلس الحكم فلا تعارض البينة التي قامت في مجلس الحكم؛ لأن وجوب الحكم يختص ببينة تقوم في مجلس القضاء، ثم لو أعاد الأول بينته لم تقبل لأن اليد في الجمل له.

стр. 1057

وعلى ذلك إذا أقام الاثنان بينتين في مجلس الحكم فإن القاضي يقضي لأقوى البينتين أو يحكم بمشاركتهما في الشيء المتنازع عليه كما سبق في قاعدة سابقة.

стр. 1058

القاعدة الرابعة والتسعون [البينة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: البينة العادلة أحق بالعمل بها من اليمين الفاجرة (١). وأصل هذه القاعدة قول عمر ﵁: اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: البينة العادلة: هي البينة الصادقة المشهود لها بالعدالة والصدق والورع والتقوى. فهي أولى وأحق بالعمل من اليمين الفاجرة الكاذبة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى شخص حصاناً أو عبداً مأسوراً من العدو وأخرجه إلى دار الإِسلام، ثم حضر صاحب الحصان أو مولى العبد وأراد أخذ الحصان أو العبد فلا يأخذه إلا بالثمن الذي دفعه المشتري مثليًّا كان أو قيميًّا، فإذا اختلفا في المدفوع فالقول قول الذي جاء به من العدو بيمينه؛ لأنه أعرف بقيمته وبما دفع، وعلى المولى البينة، فإذا أقام المولى البينة بشاهدين مسلمين أو ذميين - إذا كان المشتري ذميًّا - فتقبل بينة الولي؛ لأنه أثبت دعواه بما هو حجة على خصمه.

стр. 1059

القاعدة الخامسة والتسعون [اليمين - البينة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (١). وفي لفظ: واليمين على من أنكر (٢). ثانياً: تخريج الحديث وبيان معناه: هذا الحديث جزء من حديث عن ابن عباس ﵄ أخرجه مسلم والبخاري رحمهما الله تعالى، ولفظ الحديث عند مسلم في كتاب القضاء باب اليمين على المدعى عليه، (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه). وعند البخاري في كتاب تفسير القرآن، كما أخرج الجزء الأخير وهو (اليمين على المدعى عليه) البخاري في كتاب الرهن من صحيحه, وكذلك مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه في سننه. ومعنى الحديث: إنه لما كان جانب المنكر أقوى لتمسكه بالظاهر وهو النفي والأصل براءة الذمة وفراغها عما ادعي به عليه جعل اليمين بجانبه؛ لأن إقامة البينة على النفي مستحيلة، ولما كان المدعي متمسكاً بخلاف الأصل وخلاف الظاهر ويريد إثبات غير الثابت جعلت البينة في جانبه لأنها حجة قوية، ولأن الشاهد العدل لا يجلب لنفسه بهذه الشهادة خيراً ولا يدفع عنها ضرًّا ولكن ليعتضد جانب المدعي بهذه الحجة القوية.

стр. 1060

القاعدة السادسة والتسعون [البينة على المقر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: البينة على المقر باطلة؛ لأن الإقرار هو الأصل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ما يثبت به الحق درجات أعلاها: الإقرار. وهو الأصل في الإثبات، ثم البينة عند الإنكار، ثم النكول عن اليمين. وأما اليمين فهي للنفي لا للإثبات. فإذا أقر إنسان بحق أو تصرف وأقام خصمه البينة عليه بذلك فإن هذه البينة باطلة وغير معتبرة ولا يجوز للقاضي أو الحاكم قبولها؛ لأن الحق ثبت بإقرار المدعى عليه الذي هو أعلى من البينة؛ لأن البينة مع قوتها تحتمل أن تكون كاذبة، وأما الإقرار فاحتمال الكذب فيه معدوم؛ لأن الإنسان لا يقر على نفسه كاذباً فيما فيه ضرر عليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ادعى شخص ديناً على تركة ميت فأقر بذلك أحد الورثة، فإن الدين يؤخذ من نصيب المُقرّ، حتى لو أقام المدعي البينة على دعواه فيكون ما يأخذه من نصيب المقر بالإقرار لا بالبينة، وإنما يؤخذ بالبينة من نصيب غير المقر.

стр. 1061

القاعدة السابعة والتسعون [البينة لإبطال القضاء] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: البينة لإبطال القضاء لا تقبل (١). وفي لفظ: بينة المقضي عليه على إبطال القضاء لا تكون مقبولة (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: البينة لإثبات ما لم يكن ثابتاً، فإذا قضى القاضي بالبينة وحكم بها فالقضاء لازم، وما ثبت بالبينة المقضي بها يكون برهاناً صريحاً على عدم صحة ما يتمسك به المدعى عليه، فإذا أقام المدعى عليه وهو المقضي عليه بينة لإبطال ما قضي به عليه فإن هذه البينة غير مقبولة ولا يلتفت إليها؛ لأن القضية إذا حكم بها على الوجه الشرعي لا تنقض إلا بسبب جديد، وكذلك لو أقام غير المقضي عليه بينة أخرى لإبطال الحكم السابق. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قضى القاضي بالبينة باستحقاق المدعي ما ادعاه فلا تقبل دعوى خصمه بخلاف ذلك، كما إذا شهدت البينة أن فلاناً باع داره من فلان يوم كذا، أو أعتق عبده سالماً وحكم القاضي بجواز البيع وصحته وعتق العبد، ثم شهد آخران أنه باعها من شخص آخر يوم كذا - لتاريخ آخر - أو أعتق عبده سليماً - لا سالماً - فإن البينة الثانية لا تقبل؛ لأن البينة الأولى ترجح صدقها بالقضاء فتعين معنى الكذب في الثانية؛ ولأنه إذا قبلت البينة الثانية وأبطل القضاء بالبينة الأولى لا يمكن أن تستقر الأحكام أو

стр. 1062

يطمئن الناس للقضاء؛ لأن النقض بالثانية لا يمنع النقض بأخرى فيتسلسل الأمر. ومنها: إذا شهدوا أن ما في يد ذي اليد هو مال بينهما أو من شركتهما وحكم الحاكم بهذه البينة، ثم ادعى ذو اليد أن بعض ما في يده ميراث، وأقام البينة على ذلك، فإن هذه البينة لا تقبل لتضمنها إبطال حكم الحاكم.

стр. 1063

القاعدة الثامنة والتسعون [البينة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: البينة لا تكون حجة إلا على خصم جاحد (١). وفي لفظ: البينة في حقوق العباد إنما تسمع عند الدعوى والإنكار من الخصم (٢). وفي لفظ: البينة لا تصير حجة إلا بالقضاء (٢). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: مفاد هذه القواعد أن البينة إنما تعتبر وتلزم وتسمع وتكون حجة وبرهاناً بأمرين: الأول عند القضاة والحكام أي في مجلس القضاء عند الدعوة. الأمر الثاني: أنها لا تسمع إلا إذا جحد المدَّعى عليه وأنكر ما يدَّعي به عليه. وبدون توفر هذين الشرطين لا تقبل البينة وذلك في حقوق العباد. وأما في حقوق الله تعالى فتقبل الدعوى والبينة حسبة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادَّعى شخص على آخر مالاً وأقام بينة على ذلك خارج مجلس القضاء فهذه البينة غير مقبولة ولا ملزمة. ومنها: إذا ادّعى إنسان على مفقود صكًّا من دين أو وديعة أو شركة أو غير ذلك لم يلتفت إلى دعواه ولم تقبل منه البينة، ولم يكن وكيل المفقود أو أحد ورثته خصماً له.

стр. 1064

ومنها: إذا ادعى شخص على غائب مالاً وأقام البينة فلا تقبل دعواه ولا بينته لعدم وجود الخصم الجاحد. وكذلك إذا كان المدعى عليه حاضراً وأقر بالمدعى فلا تقبل بينة المدعي؛ لأنه أمام خصم مقر لا جاحد.

стр. 1065

القاعدة التاسعة والتسعون [البينة واليمين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: البينة لمن يثبت الزيادة (١) "واليمين على من ينفيها". ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل أن البينات للإثبات - كما سيأتي في قاعدة لاحقة - لا للنفي فكل مَن أراد أن يثبت ما يدعيه على خصمه قبلت بينته، وكذلك من أراد أن يثبت زيادة على ما يدعيه خصمه قبلت بينته، ويكون القول قول من ينكر الزيادة أو يريد نفي الدعوى مع يمينه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اختلف المؤجر والمستأجر في اشتراط نوع العمل في العين المؤجرة - كما لو اشترط المستأجر أن يعمل فيها حداداً أو طحاناً - وأنكر المؤجر الشرط فإن البينة هنا بينة المستأجر لأنها تثبت الزيادة. والقول مع اليمين للمؤجر لأنه ينفي الاشتراط، إذا لم يأت المستأجر ببينة (٢).

стр. 1066

القاعدة تمام المائة [بينة المناقض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: بينة المناقض في الدعوى لا تكون مقبولة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المناقض: الهادم لما سبق، من النقض وهو الهدم والنكث والتغيير والحل. فمفاد القاعدة: أن المغير لأول كلامه لا تكون بينته مقبولة وإن أقامها لتكذيب نفسه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: هذه السيارة هي لك. فقال: ليست هي لي. ثم قال: بلى هي لي. لم تكن له؛ لأن الإقرار قد بطل بالتكذيب ولم يوجد إقرار آخر، فكذلك لو أقام البينة عليه لم تقبل بينته؛ لأن شرط قبول البينة دعوى صحيحة، ولكنه بعد ما قال: هي ليست لي، لا تصح دعواه أنها له، لكونه مناقضاً فلا تقبل بينته عليها. إلا إذا صدقه المقر.

стр. 1067

القاعدة الواحدة بعد المائة [بينة النفي] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: بينة النفي غير مقبولة (١). وفي لفظ: البينات للإثبات دون النفي (٢). وفي لفظ: البينات تترجح بالإثبات (٣) أو بزيادة الإثبات (٤). وفي لفظ: الشهادة على النفي لا تكون مقبولة (٥). وتأتي في حرف الشين إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: سبق في قواعد متقدمة أن البينات إنما تكون لإثبات ما لم يكن ثابتاً، ولذلك فهي إلى جانب المدعي لضعف موقفه، وإن اليمين إنما تكون للنفي فهي إلى جانب المدعى عليه لقوة موقفه، وقد سبق بيان ذلك والحديث السابق دليل على ذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا تعارضت بينة رب الدابة وبينة الغاصب في نفوق الدابة - أي هلاكها - فالبينة بينة رب الدابة لأنها لإثبات الضمان على الغاصب، وأما الغاصب فعليه اليمين - إذا لم تكن بينة لرب الدابة - لأنه ينفي عن نفسه سبب

стр. 1068

وجوب الضمان. ومنها: إذا أسلم عشرة دراهم في كر حنطة فأقام رب السلم البينة أنهما تفرقا قبل قبض المسلم إليه رأس المال، وأقام المسلم إليه البينة أنه قبض رأس المال قبل أن يتفرقا، فالسلم جائز ويؤخذ ببينة المسلم إليه لأنها تثبت القبض في المجلس، وبينة رب السلم تنفي ذلك، والبينات تترجح بالإثبات. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد إذ ترجحت بينة النفي: إذا علَّق طلاقها على عدم شيء فشهدت البينة بالعلم. قبلت شهادتهما. مع أن العلم نفي. ومنها: إذا شهدا أنه قال: المسيح ابن الله ولم يقل: قول النصارى. ومنها: إذا شهدا بخلع أو طلاق ولم يستثن، فهي شهادة على نفي الاستثناء. ومنها: إذا شهدا في الإرث أنه لا وارث له غير هذا. فهي شهادة على نفي غير الوارث (١). وأقول: لعل قبول البينة في هذه المسائل وأشباهها - مع أن ظاهرها أنها شهادة على النفي - أنها أقيمت لإثبات الضد، ففي المسألة الأولى ترتب على البينة إثبات وقوع الطلاق. وفي المسألة الثانية: إثبات كفره حيث لم يقل إن هذا قول النصارى. وفي المسألة الثالثة: إثبات الخلع أو الطلاق بنفي الاستثناء. وفي المسألة الرابعة: إثبات الإرث للمشهود له وحده بنفي من عداه.

стр. 1069

قواعد حرف التاء

стр. 1070

القاعدة الأولى [الأجل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تأثير الأجل في المنع من المطالبة لا في نفير أصل الوجوب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: مفاد هذه القاعدة أن الأجل في الدين إنما يظهر أثره ليس في نفي أصل وجوب الدين وإنما في منع الدائن من المطالبة بوفاء الدين وأدائه قبل حلول أجله؛ لأن المؤجل لا يحل قبل وقته. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا باع سلعة بثمن مؤجل إلى شهر - مثلاً - فليس له مطالبة المشتري بالثمن قبل مضي الشهر وحلول الأجل. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا مات المدين فقد خربت ذمته وحل الدين فللدائن مطالبة الورثة بالأداء (٢). ومنها: إذا قتل الدائن مدينه حل الأجل في الأصح (٣). وكذا لو قتل الموصى له الموصي (٣).

стр. 1071

القاعدة الثانية [اقتران الحكم بالسبب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تأثير الشيء في الحكم مقترناً بالسبب أقوى من تأثيره طارئاً على السبب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالسبب في القاعدة: ما كان موجباً للحكم كالقتل العمد العدوان الموجب للقصاص ممن كان أهلاً له. فمفاد القاعدة أن تأثير ما يؤثر في الحكم إذا كان مقترناً وموجوداً مع وجود السبب يكون تأثيره أقوى مما لو طرأ على السبب بعد وجوده. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قتل إنسان آخر عمداً عدواناً وكان القاتل مجنوناً أو أباً فإن الجنون والأبوة المقترنان بالسبب مانعان من وجوب القصاص من المجنون والأب. ولكن إذا قتل عاقلاً ثم جن فإن تأثير الجنون الطارئ على الحكم ليس كتأثير الجنون المقارن، حيث في الجنون الطارئ ينتظر إفاقته وبرؤه ليقتص منه إذا عقل ولكن الجنون المقارن لا ينتظر به ذلك لأن القاتل المجنون عمده خطأ. ومنها: لو قتل إنسان آخر عمداً عدواناً ووجب عليه القصاص ثم تبين أن المقتول ابن للقاتل فليس تأثير الأبوة الطارئة على الحكم كتأثير الأبوة الأصلية المقترنة بالفعل.

стр. 1072

القاعدة الثالثة [التأجيل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التأجيل بمنزلة الإسقاط (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إن تأجيل المطالبة بالدين المؤجل إلى حلول أجله بمنزلة ومرتبة إسقاط الدين ذاته، ولكن المقصود هنا إسقاط المطالبة مدة التأجيل لا إسقاط الدين بالكلية. فإذا أسقط الدائن دينه - أي أبرأ مدينه براءة إسقاط - فلا حق له في المطالبة بالدين بعد ذلك. وكذلك إذا أجله لمدة محدودة فلا حق له في المطالبة بالأداء ما لم يحل الأجل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أجلت امرأة استيفاء مهرها من زوجها خمس سنوات، فلا حق لها في المطالبة بالأداء قبل مضي الخمس السنوات، إلا إذا أسقط المدين - وهو الزوج - الأجل. ومنها: إذا باع المريض - مرض الموت - ماله محاباة بنصف الثمن إلى سنة بأن كان يساوي ألفين فباعه منه بألف، فيقال للمشتري: عجل ثلثي الثمن، والثلث إلى سنة، فهو بمنزلة الوصية له، والتأجيل في حق الورثة كالإسقاط.

стр. 1073

القاعدة الرابعة [تأخير البيان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١). وفي لفظ: السكوت عن البيان بعد تحقق الحاجة إليه لا يجوز (٢). وتأتي في حرف السين إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إن المقصود من تشريع الأحكام تطبيقها عند الحاجة إليها بوجود أسبابها واستيفاء شروطها, ولا يمكن تطبيق الأحكام دون معرفة حقائقها وبيان كيفية أدائها , ولذلك لا يجوز أن يؤخر بيان المجمل عن وقت الحاجة إليه وإلا كان تكليفاً بالمستحيل وذلك لا يجوز. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا فرض الله علينا الصلاة وحدد لنا أوقاتها فإذا حان وقت الأداء ولم يبين لنا كيفية أدائها فيكون ذلك تكليفاً لنا بالمستحيل من الأحكام؛ لأنه لا ندري كيف نصلي. ويترتب على ذلك: إما ترك الأمر وإما الاختلاف في تطبيقه وكلاهما لا يجوز، ولكن من رحمة الله بنا أنه سبحانه ما ترك بيان ما افترض علينا ولا أخر بيانه عن وقت الحاجة إليه بل بُيِّن كل حكم مجمل على لسان رسول الله ﷺ . ومن أمثلتها - ما عند الأوزاعي (٣) ﵀ أن المفطر بالجماع في نهار

стр. 1074

رمضان ليس عليه القضاء مع الكفارة؛ لأن الرسول ﷺ بيَّن له حكم الكفارة ولم يبين حكم القضاء. ومنها: أن عمير بن مالك (١) ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله إني لقيت أبي في العدو فسمعت منه مقالة لك سيئة فقتلته، فسكت رسول الله ﷺ أي لم ينكر عليه ما فعله من قتل أبيه، ولو كان ما فعله منكراً لأنكر عليه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٢).

стр. 1075

القاعدة الخامسة [تأخير العبادة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تأخير العبادة المؤقتة عن وقتها يكون تفويتاً لأدائها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: من العبادات ما هو مؤقت بوقت يفوت الأداء بفواته، ومنها ما ليس مؤقتاً بوقت. فالنوع الأول: منه ما وقته موسع بمعنى أن وقته يسعه ويسع غيره من جنسه معه - أي أن الوقت أوسع من العبادة - كالصلاة. ومنها ما وقته مضيق أي أنه لا يسع غيره من جنسه معه، أي أن الوقت بقدر العبادة لا يفضل عنها ولا تفضل عنه كصوم رمضان، ففي كلا النوعين إذا أخر المكلف الصلاة عن وقتها الموقت لها أو الصوم عن وقته الموقت له - سواء كان ذلك التأخير بعذر أم بغير عذر - فيعتبر ذلك تفويتاً للأداء وما يؤدى خارج الوقت فهو القضاء لا الأداء. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أخر صلاة عن وقتها بنوم أو نسيان فهو مفوت لأدائها، ثم صلاها بعد خروج وقتها فيكون فعله لها خارج الوقت قضاء لتلك الصلاة لا أداءً. لأن الأداء هو فعل العبادة في الوقت المقدر لها شرعاً ولم تسبق بأداء مختل أو ناقص. ومنها: عدم صوم رمضان لسفر أو مرض أو حيض أو نفاس ففعله بعد خروج رمضان يعتبر قضاء لا أداءً، وعدم الصوم في رمضان يعتبر تفويتاً للأداء.

стр. 1076

القاعدة السادسة [التأسيس - التوكيد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التأسيس أولى من التأكيد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التأسيس: هو عبارة عن إفادة معنى آخر لم يكن حاصلاً قبلاً. التأكيد: هو عبارة عن إعادة المعنى الحاصل قبله (٢). فمفاد القاعدة: أنه لما كان إعمال الكلام أولى وأفضل من إهماله كان حمل اللفظ - ولو مكرراً - على معنى جديد أولى من حمله على تأكيد وتكرار المعنى السابق؛ لأن حمله على التكرار فيه إهمال الكلام من وجه، وحمله على الإفادة لمعنى جديد خير من حمله على الإعادة، أو أن الكلام إذا دار بين أن يفيد معنى جديداً وبين أن يؤكد معنى سابقاً كان حمله على إفادة المعنى الجديد خير وأولى من حمله على التكرار والتأكيد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال لزوجته: أنت طالق طالق طالق طلقت ثلاثاً، فإن قال أردت به التوكيد صدِّق ديانة لا قضاء؛ لأن القاضي مأمور باتباع الظاهر - وهذا عند أبي حنيفة ومالك ﵄، وأما عند الشافعي وأحمد ﵄ لا يلزمه إلا واحدة (٣).

стр. 1077

ومنها: إذا قال: أنت طالق أنت طالق، فهل يحمل على التأسيس فيقع طلقتان أو على التأكيد فتكون واحدة، خلاف، وصحح السيوطي حمله على الاستئناف (١).

стр. 1078

القاعدة السابعة [التأقيت] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التأقيت إلى مدة لا يعيشها الإنسان غالباً تأبيد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التأقيت: تفعيل من الوقت، وأصله التوقيت، أي ذكر الوقت - أي الزمن - الذي يمكن بقاء الشيء فيه، فإذا حددت مدة لعمل ما أو عقد ما وكانت هذه المدة - لطولها - لا يعيشها الإنسان غالباً كمائتي سنة، فيعتبر ذلك تأبيداً للعقد أو العمل، أي يكون العقد مؤبداً كأنه أطلق المدة ولم يحددها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا باع أرضاً لمدة مائتي عام فيكون هذا العقد تمليكاً مؤبداً؛ لأن الإنسان لا يعيش مائتي عام غالباً. رابعاً: ما يستثنى من مسائل هذه القاعدة: إذا أقت النكاح مائة عام فسد العقد؛ لأن النكاح لا يجوز فيه التوقيت. ومنها: إذا أجره مائة سنة فتكون إجارة فاسدة؛ لأنه لو اعتبرناه تأبيداً لكان تمليكاً لا إجارة.

стр. 1079

القاعدة الثامنة [التأويل الباطل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التأويل الباطل ملحق بالتأويل الصحيح في الحكم وإن كان مخالفاً له في الإثم (١). بشرط المنعة. وفي لفظ: التأويل الباطل من الكفار أو من أهل الحرب معتبر بالتأويل الصحيح في الحكم أو في الأحكام (٢). دليل هذه القاعدة: حديث الزهري (٣). قال: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا متوافرين فاتفقوا على أنه لا قود في دم استحل بتأويل القرآن، ولا حد في فرج استحل بتأويل القرآن، ولا ضمان في مال استحل بتأويل القرآن، إلا أن يوجد الشيء بعينه فيرد على أهله (٤). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التأويل صرف النص عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله (٥).

стр. 1080

وهو تفسير ما يئول إليه الشيء: أي يرجع. من آل بمعنى رجع. فمفاد القاعدة: أنه إذا صدر من كفار أو من أهل الحرب أو من المحاربين الخارجين من أهل المنعة والقوة تأويل بفهم لآية أو حديث. وإن كان هذا التأويل مخالفاً لما عليه الجمهور - فإن تأويلهم هذا - وإن كان خطأ - معتبر قياساً على التأويل الصحيح في الحكم وإن كان مخالفاً للتأويل الصحيح في الإثم، وشرط اعتبار هذا التأويل المنعة والقوة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا سبى أهل الحرب امرأة مسلمة حرة أو مملوكة، أو ذمية حرة أو مملوكة فاشتراها من السابي رجل منهم فاستولدها ثم أسلم أهل الدار أو صاروا ذمة فإن كانت مسلمة أو ذمية حرة في الأصل فهي حرة على حالها؛ لأن الحرية المتأكدة في دار الإِسلام لا ناقض لها، وأولادها أحرار بطريق التبعية لأمهم. والنسب ثابت من المشتري؛ لأنه وطئها على وجه الملك بشبهة. فتأويلهم الباطل - أي أنهم يملكون ما يسبونه منا - بمنزلة التأويل الصحيح في الحكم. وكذلك الحكم في أهل البغي إذا كانوا سبوا من أهل العدل. ومنها: إذا ارتد مسلم ولحق بدار الحرب مرتدًّا فأصاب شيئاً يجب به القصاص أو الحد كالزنا والقذف، ثم أسلم بعد ذلك، فكل ذلك موضوع عنه؛ لأنه أصابه وهو حربي في دار الحرب. والحربي إذا أسلم لا يؤاخذ بما كان أصابه حال كونه محارباً للمسلمين (١).

стр. 1081

القاعدة التاسعة [التأويل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التأويل إذا تجرد عن المنعة لا يكون معتبراً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها ارتباط بالقاعدة السابقة حيث تثبت شرطاً لاعتبارها، وهو أن التأويل الباطل إنما يكون له حكم التأويل الصحيح بشرط المنعة والقوة، أما إذا تجرد عن المنعة فلا يكون معتبراً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أصاب المسلم مالاً أو شيئاً يجب به القصاص أو حدًّا أقر به ثم ارتد، أو أصابه وهو مرتد في دار الإِسلام ثم لحق بدار الحرب وحارب المسلمين زماناً ثم جاء تائباً فهو مأخوذ بذلك كله؛ لأنه اكتسب أسباب هذه الأشياء وهو في دار الإِسلام حيث لا منعة للمرتد في دار الإِسلام. ومنها: المستأمن إذا أصاب شيئاً من ذلك في دار الإِسلام كان مستوجباً هذه الحقوق لما فيها من حقوق العباد (٢).

стр. 1082

القاعدة العاشرة [التأويل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التأويل لا يعارض حقيقة الملك (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إن التأويل إذا اجتمع مع ملك حقيقي فلا معارضة بينهما؛ لأن الملك الحقيقي مقدم على التأويل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أمة بين رجل وامرأة صغيرة أو كبيرة، فولدت الأمة فادعى الولد الرجل وأب المرأة، فإن النسب يثبت من صاحب الرقبة وهو الرجل؛ لأنه يملك نصفها حقيقة، وأب المرأة ليس له فيها حقيقة ملك ولا حق ملك. وإنما له مجرد التأويل، وهو تأويل الحديث "أنت ومالك لأبيك" (٢). والتأويل لا يعارض حقيقة ذلك، ودعوة الشريك دعوة صحيحة من غير شرط تقديم الملك فكان هو أولى (٣).

стр. 1083

القاعدة الحادية عشرة [التابع] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: التابع تابع (١). وفي لفظ: التابع يثبت له حكم أصله (٢). وفي لفظ: ثبوت الحكم في التبع بثبوته في الأصل (٣) وتأتي في حرف الثاء إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: التابع: هو ما لا يوجد مستقلاًّ بنفسه، بل وجوده تابع لوجود غيره. التبع: هو التابع. مفاد هذه القواعد: إن ما كان تابعاً لغيره في الوجود - سواء كان جزءاً من متبوعه أو ضمن متبوعه أو من ضرورات متبوعه ولوازمه، أو فرعاً له أنه لا حكم له منفرداً بل إن الحكم الذي يثبت لأصله يثبت له. فإذا ثبت لأصله حكم بالإيجاب أو التحريم أو الندب أو الكراهة أو الإباحة، فإن هذا الحكم يثبت له أيضاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا بيعت دابة في بطنها حمل يدخل الحمل في البيع تبعاً لأمه، ولا يجوز إفراده بالبيع.

стр. 1084

ومنها: القفل يدخل في البيع مفتاحه، وكذلك توابع المبيع المتصلة به اتصال قرار كالأبواب والنوافذ والأحواض في بيع الدور، والأشجار في بيع الحدائق والبساتين. فكل ذلك يدخل في البيع دون ذكر. وكذلك بالنسبة للعقود فكل ما كان من توابع العقد التي لا ذكر لها فيه تحمل على عادة كل بلد وعرفها. رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القواعد: يصح إعتاق حمل الجارية دون إعتاق أمه بشرط أن تلده لأقل من ستة أشهر من تاريخ العتق ويجوز إفراده بالوصية كذلك. ومنها: إذا ادعى الزوج الخلع على مال، وأنكرت المرأة المال، بانت منه ولم يثبت المال الذي هو الأصل في الخلع، وثبتت البينونة التي هي فرع عن المال.

стр. 1085

القاعدة الثانية عشرة [التابع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التابع قد يكون غير مستقل بنفسه حقيقة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة متابعة ومندرجة تحت سابقتها - التابع تابع - ولكنها تشير إلى أن التوابع تنقسم إلى قسمين: قسم يكون تابعاً من جانب وهو مستقل بنفسه حقيقة من جانب آخر. وقسم يكون تابعاً من كل وجه، ولا يكون له استقلال بنفسه حقيقة من أي وجه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أ - من أمثلة القسم الأول: الجنين في بطن أمه هو تابع لها ومتصل بها فلا يجوز بيعها دونه ولا بيعه دونها. ولكن هذا الجنين من جانب آخر له استقلال بنفسه من حيث أنه يجوز عتقه دونها، وتجوز الوصية له، كما يرث من مورثه دون أمه، ويجوز له الهبة دونها، إذا ما ولدته لأقل من ستة أشهر من تاريخ التصرف. ومنها: أن الكفيل بالدين يبرأ إذا أبرأ الدائن مدينه المكفول. ومنها: الصبي إذا أسر معه أحد أبويه فإنه يتبعه وإن كان منفصلاً عنهما، وكذلك ولد الذمي يتبعه إذا لم يكن بالغاً (٢). ب - من أمثلة القسم الثاني في الذي لا استقلال له من كل وجه: إذا باع شخص حجراً من الماس بعينه على أن وزنه خمسة قراريط بثمن محدد،

стр. 1086

فظهر أثناء التسليم أن وزنه خمسة قراريط ونصف فيصبح ذلك الحجر للمشتري بنفس الثمن الذي صار الاتفاق عليه؛ لأن نصف القيراط تابع للكل فلا يفرد بالحكم.

стр. 1087

القاعدة الثالثة عشرة [التابع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التابع لا يتقدم على المتبوع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: لما كان التابع تالياً لمتبوعه ومتأخراً عنه في الوجود، فلا يجوز أن يتقدم عليه في الفعل والعمل؛ لأنه إذا تقدم عليه في الفعل تقدم في الحكم، وهذا تناقض؛ لأنه تابع لمتبوعه في أحكامه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لا يصح تقدم المأموم على إمامه في الموقف، ولا في تكبيرة الإحرام والسلام، ولا في سائر الأفعال.

стр. 1088

القاعدة الرابعة عشرة [التابع] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: التابع لا يستتبع غيره فيما كان تبعاً (١). وفي لفظ: التابع هل يكون له تابع (٢)؟ وفي لفظ: لا تبع للتبع (٣). وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: وردت هذه القواعد بأسلوبين: الأول: الأسلوب الخبري - وهو عند الحنفية - حيث رأوا أن التابع لا يستتبع غيره - أي أن التابع لا يصير أصلاً لتابع آخر. والثاني: الأسلوب الإنشائي - وهو عند الشافعية - حيث أوردوا القاعدة بصيغة الاستفهام دليلاً على وجود خلاف بينهم في مضمونها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قطع أصابع اليد وحدها وجبت فيها الدية، فأما إذا قطع اليد من الكوع فلا يلزمه غير دية اليد، ويجعل الكف تبعاً للأصابع، وإن قطع زيادة على ذلك لم يجعل تبعاً، بل يلزمه للزيادة حكومة على قدرها؛ لأن التابع لا يكون له تابع (٢). ومنها: هل يسن تكبير العيد خلف النوافل فيه خلاف، والأصح عند الشافعية لا يسن؛ لأن النفل تابع للفرائض. والتابع لا يكون له تابع.

стр. 1089

القاعدة الخامسة عشرة [التابع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التابع لا يفرد بالحكم (١). ثانياً معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا كان التابع يلحق متبوعه في حكمه فينبني على ذلك أنه لا يفرد بحكم دون متبوعه؛ لأن ما لا يوجد مستقلاًّ بنفسه بل وجوده تبع لوجود غيره فهو ينزل منزلة المعدوم من حيث تعلق الأحكام، فلا يجوز إفراده بالحكم. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الجنين في بطن أمه لا يباع دونها ولا يوهب. والصفة القائمة بالموصوف لا تباع دونه. وحق الشرب والمرور تبع للأرض لا يباعان دونها. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: الجنين في بطن الأمة يجوز عتقه دونها ويجوز الهبة والوصية له دونها كما سبق.

стр. 1090

القاعدة السادسة عشرة [التابع] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: التابع يسقط بسقوط المتبوع (١). وفي لفظ: الفرع يسقط إذا سقط الأصل (٢). وتأتي في حرف الفاء إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة شبه مطردة في المحسوسات والمعقولات، فالشيء الذي يكون وجوده أصلاً لوجود شيء آخر يتبعه في الوجود يكون ذلك فرعاً مبتناً عليه، كالإيمان بالله تعالى أصل وجميع الأعمال فروعه، فإذا زال الإيمان - والعياذ بالله تعالى - حبطت الأعمال؛ لأن اعتبارها مبني عليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا برئ الأصيل برئ الضامن والكفيل؛ لأنهما فرعه، فلو أبرأ ذمة مدينه تبرأ ذمة كفيله تبعاً، فلا حق له في مطالبة الكفيل. أما لو أبرأ الكفيل فلا يبرأ الأصيل. ومنها: من فاتتها صلوات في أيام الحيض أو النفاس لا تقضي سننها الرواتب؛ لأن الأصل - وهو الفرائض - قد سقط فتسقط النوافل تبعاً. ومنها: من فاته الحج بحيث لم يقف بعرفة يومها تحلل بأفعال العمرة ولا يأتي بالرمي ولا بالمبيت؛ لأنهما تابعان للوقوف بعرفة وقد سقط.
следующие страницы →