ومنها: إذا خرج إنسان لسفر مباح، ثم نوى أثناء سفره العصيان فله الرخصة في الصلاة والصوم؛ لأن الشروط يكفي وجودها في الابتداء ولا يشترط بقاءها.
رابعاً: مما يستثنى من هذه القاعدة فيكون الابتداء أسهل من البقاء:
إذا فسق القاضي فإنه ينعزل، ولكن إذا ولِّي فاسقاً فإنه يصح عند بعضهم.
стр. 982
القاعدة السادسة والثلاثون [بقاء الحكم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
بقاء الحكم يستغني عن بقاء السبب (١).
وفي لفظ: بقاء الحكم مستغنْ عن بقاء علته (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان تعبران بحسب لفظهما عن أمر فيه مخالفة لقواعد الأصول حيث إن من قواعد الأصول: إن الحكم يدور مع علته وسببه وجوداً وعدماً؛ لأن من شروط العلة أن تكون مطردة منعكسة أي إذا وجدت وجد الحكم وإذا انتفت انتفى الحكم. ولكن على ما يظهر أن المقصود من لفظ العلة والسبب في هاتين القاعدتين هو الشرط لا العلة ولا السبب الحقيقيان، فإن الحكم يوجد باستيفاء شروط وجوده ثم بعد وجوده إذا زال أحد شروط وجوده بقي الحكم؛ لأنه ليس من شرط الشرط وجود الحكم بوجوده وانتفاؤه بعد وجوده بانتفائه. بل إن المشروط بشرط لا يوجد دون وجود الشرط ولكنه بعد وجوده لا ينتفي إذا انتفى شرطه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
شهود النكاح إذا ماتوا يبقى النكاح.
ومنها: الكافر الحربي يُسترقّ وإذا أسلم بعد ذلك بقي رقه، فلا يزول الرق
стр. 983
بالإِسلام وإنما يزول بالعتق. ولو قلنا في هذا المثال إن العلة قد انتفت - وليس شرطاً - وقد بقي الحكم، فيقال: إن هذا الحكم وإن زالت علته الأولى لكنه باق لوجود علة أخرى وهي تعلق حق الغير - أي السيد - به.
стр. 984
القاعدة السابعة والثلاثون [بقاء الحكم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
بقاء الحكم ببقاء سببه (١).
وفي لفظ: الحكم يدوم ما دامت علته وينتهي بانتهاء علته (٢). فقهيتان أصوليتان.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان تعبران عن مضمون القاعدة الأصولية القائلة: إن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. فإذا كانت العلة والسبب هما ما بني الحكم عليهما وعرف بهما فنتيجة ذلك أن يوجد الحكم بوجودهما وينتفي وينتهي بانتفائهما وانتهائهما. وهاتان القاعدتان تعارضان القاعدتين السابقتين ظاهراً، وأما إن اعتبرنا أن المراد بالسبب والعلة في القاعدتين السابقتين هو الشرط انتفى التعارض الظاهري.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
الزكاة إنما تجب إذا وجد اليسر والغنى ويزول الوجوب بزوالهما إذ لا تتصور الزكاة بدونهما.
رابعاً: من الأمثلة المستثناة من هاتين القاعدتين:
إن رسول الله ﷺ شرع الرمل في الثلاثة الأشواط الأولى لإظهار الجَلَد والقوة أمام المشركين، وقد زالت العلة وبقي الحكم، وذلك لعلة أخرى وهي تذكر نعمة الأمن بعد الخوف للشكر عليها.
стр. 985
القاعدة الثامنة والثلاثون [بقاء الشيء - الاستصحاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بقاء الشيء لا يستدعي دليلاً مبقياً (١).
وفي لفظ: البقاء لا يستدعي سبباً مبتدأً (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد هذه القاعدة أن الشيء إذا ثبت وجوده مستوفياً لشروطه فلا يحتاج لاستمراره لدليل جديد يدل على بقائه. وهذا معنى الاستصحاب أي أن (ما كان ثابتاً في الزمن الماضي يبقى على ما كان عليه حتى يقوم الدليل على تغييره).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الميراث يملكه الوارث بمجرد موت المورِّث، وللوارث رده بالعيب إن وُجد به - كأن اشترى المورِّث شيئاً ثم مات وبعد موته اكتشف الوارث عيبه - لأن ملك الوارث للموروث كان ثابتاً للمورِّث فبقي بعده للوارث.
ومنها: إذا أسلم الحربي في دار الحرب وله أولاد صغار كانوا مسلمين بإسلامه، فإذا جاء هو دار الإِسلام وخلَّفهم في دار الحرب كانوا مسلمين على حالتهم؛ لأن ما ثبت يكون باقياً ما لم يوجد الدليل المزيل، وهنا ثبت إسلامهم بإسلام أبيهم ولم يوجد المزيل - حتى لو افتتح المسلمون هذه الدار وسبوا أهلها كان أولئك الصغار أحراراً لإسلام أبيهم.
стр. 986
القاعدة التاسعة والثلاثون [بقاء العبادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بقاء العبادة ببقاء ركنها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة وإن كانت نصًّا في بقاء العبادة ببقاء ركنها لكنها تعم كل عمل سواء كان عبادة أم معاملة مبنية على أركان، فإن بقاءها ببقاء أركانها وزوالها بزوال أركانها. والركن وإن كان لفظه في القاعدة مفرداً لكن يُراد به الجنس.
والركن في اللغة: الجانب. وأركان الشيء أجزاء ماهيته (٢) - أي حقيقته - وركن الشيء جانبه الأقوى، وفي الحج والصلاة ما يبطل العبادة عمده وسهوه (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ركن الحج: الوقوف بعرفة. وركن العمرة: الطواف والسعي. وهما ركنا الحج أيضاً.
ومن أركان الصلاة: القراءة والقيام للقادر والركوع وغيرها فإن ترك منها واحداً بدون عذر بطلت.
وركن البيع أو العقد: العاقدان والمعقود عليه والثمن فإذا فُقِد أحدها بطل العقد. وهكذا.
стр. 987
القاعدة الأربعون [البقاء على الشيء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البقاء على الشيء يجوز أن يعطى حكم الابتداء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة سبق لها أمثال حرف الهمزة تحت الأرقام ٢١٦، ٢١٧، ٢٩٢، ٢٩٣، وفي هذه القاعدة خلاف بين محمَّد بن الحسن وأئمة الحنفية الآخرين ﵏.
ومفاد هذه القاعدة: أن من فعل فعلاً أو تصرف تصرفاً يحتمل الدوام فإن الاستمرار عليه يأخذ حكم ابتدائه وإنشائه، أو يعتبر بأصله كما في قاعدة سابقة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تطيب الرجل قبل الإحرام وبقيت رائحته بعد الإحرام فهذا مكروه وعليه فدية. عند محمَّد بن الحسن حيث جعل البقاء عليه كابتدائه، وعند غيره ليس مكروهاً؛ لأنه معتبر بأصله وأصله مباح.
ومنها: إذا حلف لا يجلس في هذا البيت وهو جالس فيه، ولم يقم فهو حانث؛ لأن البقاء على الشيء كابتدائه.
стр. 988
القاعدة الحادية والأربعون [الاستصحاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بقاء ما عُرِف ثبوته لعدم الدليل المزيل لا لوجود الدليل المُبَقّي (١). [أصولية فقهية].
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تعبر على أصل الاستصحاب عند الحنفية: وهو أن الشيء يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل يغيره، وبقاؤه ليس لأن دليل ثبوته يدل على بقائه واستمراره؛ بل يحكم ببقائه لعدم وجود الدليل المزيل (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المفقود الذي انقطع خبره ولم يعلم موته ولا حياته فهو يحكم بحياته - فيما له - لأنه حين تغيبه كانت حياته محققه، فما لم يقم دليل على موته حقيقة فهو حي حكماً، ولذلك ليس لورثته اقتسام تركته، ولا تؤخذ وديعته من مودَعه، ولا تَبين منه امرأته. وهذا عند الجميع.
стр. 989
القاعدة الثانية والأربعون [البلوى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البلوى لا تعتبر في موضع النص (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
البلوى: اسم للابتلاء وهو الاختبار. ويراد به عند الفقهاء: الأمر العام الذي يعسر الاحتراز منه ويعم المصاب به.
والنص معناه في اللغة: الارتفاع والظهور. ومنه منصة العروس لارتفاعها وظهورها. والمراد به هنا عبارة الشارع من كتاب أو سنة.
ومفاد القاعدة: أن الأمر العام الذي يعسر الاحتراز منه يسَّره الشارع وخففه على المكلف بحيث يمكنه فعل العبادة بحسب قدرته دون مشقة أو إحراج لكن بشرط أن لا يكون هناك نص مانع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصلاة مع النجاسة المعفو عنها، ونجاسة المعذور التي تصيب ثيابه، وطين السوق، ومس المصحف للصبيان للتعلم.
ومما لا يعفى عنه بول الآدمي قليله وكثيره - لغير المعذور - لورود النص، وحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه إلا الإذخر.
стр. 990
القاعدة الثالثة والأربعون [فسخ العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بالاحتمال لا ينفسخ العقد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
معنى الاحتمال: مصدر احتمل الشيء بمعنى حمله، وهو افتعال من الحمل.
ومعناه: إن هذا الحكم المذكور قابل ومتهيء لأن يقال فيه بخلافه (٢).
فمفاد القاعدة أن العقد إذا احتمل الصحة والفساد أنه لا ينفسخ إلا إذا ترجح جانب الفساد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اتفق رب أرض مع مزارع على أن يبذر ويسقي ويتعهد، فبذر رب الأرض ولم يسق البذر ولم ينبت حتى سقاه المزارع وقام عليه حتى استحصد فالخارج بينهما على ما اشترطا. ولا يعتبر إلقاء رب الأرض البذر في الأرض فسخاً للمزارعة؛ لأن إلقاء البذر وحده لم يكن سبباً في الخارج، وإنما حصل الخارج - أي الناتج - بالسقي والعمل والتعهد من المزارع؛ وهذا لأن فعل رب الأرض - وهو البذر - محتمل يجوز أن يكون على طريق الفسخ منه لعقد المزارعة، ويجوز أن يكون على وجه النظر لنفسه وللعامل كيلا يفوت الوقت لاشتغال المزارع بعمل آخر، أو لمرض حل به، وبالاحتمال لا ينفسخ العقد ولهذا كان الخارج بينهما على الشرط.
стр. 991
ومنها: إذا استأجر أجيراً لعمل ما فلا يجوز له فسخ العقد لاحتمال أن هذا الأجير قد يكون غير صالح لعمل ما استؤجر عليه. ولكن بعد الاختبار إذا تبين أنه غير صالح لعمل ما استؤجر له فله فسخ العقد.
ومنها: لو أن صاحب متجر استأجر عاملاً ليبيع في متجره، فجاء صاحب المتجر يوماً وباع بنفسه، فهل يعتبر عمله هذا فسخاً للعقد مع العامل؟ احتمال أن يكون فسخاً واحتمال أن يكون إعانة للعامل ونظراً لنفسه حتى لا يتعطل متجره. وبالاحتمال لا ينفسخ العقد.
стр. 992
القاعدة الرابعة والأربعون [الاحتمال/ الاستحقاق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بالاحتمال لا يثبت الاستحقاق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الاستحقاق: استفعال من الحق، والمراد به هنا ثبوت الحق لمستحقه.
فمفاد القاعدة أنه إذا احتمل ثبوت الحق وعدمه أنه لا يثبت الاستحقاق. فالحق لا يثبت إلا بالجزم والقطع واليقين لا بالاحتمال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادعى الغازي أنه دخل إلى أرض المعركة بفرس فنفق أو قتل، وقال صاحب المقاسم أو القائد: لا ندري أدخلت بفرس أم لا. فهو راجل وله سهم راجل حتى يقيم البينة أنه دخل بفرس؛ لأن بالاحتمال لا يثبت له استحقاق سهم فارس.
стр. 993
القاعدة الخامسة والأربعون [الإحراز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
باليد لا يتم القهر قبل الإحراز بالدار (١).
وفي لفظ: الملك بطريق القهر لا يثبت ما لم يتم القهر، وتمامه بالإحراز بدار تخالف دار صاحب المال (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند الحنفية أن الغنيمة لا تعتبر ملكاً للغانمين ولا تقسم بينهم إلا إذا دخلوا بها دار الإِسلام، فليس بمجرد الاغتنام تعتبر ملكاً للغانمين وهذا الذي عُبَّر عنه في القاعدة (باليد). فتمام القهر والغلبة هو إحرازها بدار الإِسلام، أو دار الحرب إذا كان الغانمون كفاراً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لو أن أهل الحرب دخلوا دار الإِسلام للإغارة فأخذوا أموالاً وسبايا، ثم أسلموا قبل أن يدخلوا بذلك دارهم فالإمام يأخذ منهم جميع ما أخذوا فرده على أهله؛ لأنهم لم يملكوا ما أخذوا حين لم يحرزوه بدارهم، فإن الملك يستدعي تمام القهر وذلك لا يتم إلا بالإحراز بالدار.
стр. 994
القاعدة السادسة والأربعون [التبرع، التوكيل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بمطلق التوكيل لا يملك الوكيل التبرع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التوكيل: الوكالة. ومعناهما: التفويض. يقال: وَكَّله: أي فوَّض إليه (٢).
والتوكيل: تفويض التصرف إلى الغير (٣). ومن معاني الوكالة: الحفظ. فمن وكَّل غيره وفوض إليه أمره مطلقاً عن القيد والتخصيص فهذه الوكالة لا تمنح الوكيل حق التبرع بمال الموكِّل؛ لأن التبرع ينافي الحفظ الذي هو معنى الوكالة والتوكل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من وكَّل شخصاً بماله يتصرف فيه بيعاً وشراء وإجارة لم يملك التبرع بشيء منه لمنافاته للحفظ (٤).
стр. 995
القاعدة السابعة والأربعون [مطلق اللفظ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بمطلق اللفظ لا يثبت إلا المتيقن (١).
وفي لفظ: بمطلق اللفظ لا يثبت إلا ما هو كامل في نفسه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدتين ومدلولهما:
مطلق اللفظ: هو اللفظ الذي لم يتقيد بقيد يخصصه، سواء كان القيد لفظاً أو حالاً أو عرفاً.
فإذا أطلق لفظ احتمل أن يبقى على إطلاقه واحتمل أن يقيد، لكن لما لم يكن القيد ثابتاً، ولم يقم دليل التخصيص فلا يثبت بمطلق، اللفظ إلا المعنى المتيقن وهو الكامل في نفسه؛ لأن الإطلاق يقتضي الكمال.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا أوصى بالحج عنه - وله أوطان مختلفة - فمات وهو مسافر - فإنه يحج عنه من أقرب الأوطان إلى مكة لأنه هو المتيقن به.
стр. 996
القاعدة الثامنة والأربعون [مطلق العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بمطلق العقد يستحق المعقود عليه بصفة السلامة، ولا يستحق صفة الجودة إلا بالشرط (١).
وفي لفظ: بمطلق العقد يستحق صفة السلامة لا صفة الجودة أو لا نهاية الجودة (٢).
وفي لفظ: صفة الجودة تستحق بالشرط (٣) وتأتي في حرف الصاد إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
العقد المطلق: هو العقد الخالي عن الشروط.
والسلامة: معناها البراءة من العيوب.
مفاد القواعد: أن العقد إذا خلا عن الشروط لأحد المتعاقدين فإن المعقود عليه - سواء الثمن أو المبيع - يستحق أن يكون سليماً خالياً عن العيوب، ولكن لا يستحق الجودة إلا بالشرط؛ لأن الجودة صفة زائدة على صفة السلامة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا دفع رجل أرضه مزارعة بالنصف، فإن كانت تزرع بغير حرث وتحصل الثمرة سليمة على الوجه المعتاد فالعامل مخير بين الحرث وعدمه، وأما إذا ما حرثت يكون الخارج أجود فليس على العامل الحرث إلا بالشرط.
стр. 997
القاعدة التاسعة والأربعون [الاحتمال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بالمحتمل لا يزول الملك (١).
وفي لفظ: المحتمل لا يكون حجة (١). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ثبوت الملك وزواله لا يتمان إلا باللفظ أو الفعل المتيقن، وأما إذا كان اللفظ أو الفعل محتملاً للأمرين الزوال أو الثبوت وعدمه، فلا يثبت أي واحد منها، والقاعدة تشير إلى زوال الملك فقط وأنه لا يتم بالاحتمال بل لا بد من اليقين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع رجل فضولي متاعاً لرجل آخر وهو حاضر ساكت لم يجز ذلك عليه؛ لأنه لا ينسب إلى ساكت قول؛ فسكوته محتمل لرضاه بالبيع ومحتمل أن يكون تهاوناً وقلة التفات إلى تصرف الفضولي، وقد يكون بطريق التعجب. والمحتمل لا يكون حجة. وعند ابن أبي ليلى (٢) يعتبر سكوته إقراراً بالبيع؛ لأن السكوت في معرض الحاجة بيان.
стр. 998
القاعدة الخمسون [المشترك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بالمشترك لا يبطل حكم الإطلاق (١).
ثانياً: معنى هذة القاعدة ومدلولها:
المشترك: ما وضع لمعنى كثير، لاشتراكه بين المعاني، ومعنى الكثرة هنا: ما يقابل الوحدة فيدخل فيه المشترك بين المعنيين وغيره (٢).
فمفاد القاعدة: أن اللفظ إذا كان مشتركاً يدل على معنيين أو صفتين فأكثر وأطلق فإن اشتراكه لا يبطل حكم إطلاقه؛ بل يبقى على إطلاقه ويجوز استعماله في كل ما يدل عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لفظ البيع يحتمل البيع بالربح وبالغبن اليسير وبالغبن الفاحش، وبدون ربح، فمن وكَّل آخر في البيع مطلقاً جاز بيعه على كل وجه إلا ما خص بالنص أو العرف أو الحال.
стр. 999
القاعدة الحادية والخمسون [العقد الباطل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بالعقد الباطل لا تجب الشفعة (١). ضابط.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد الباطل: هو العقد الذي لا يثمر المقصود منه، ولا تترتب عليه آثاره.
ويشير هذا الضابط إلى أثر واحد من آثار العقد الباطل وهو أنه لا تجب الشفعة به. إذ الشفعة لا تجب ولا يستحق الشفيع المطالبة بها إلا بالعقد الصحيح النافذ لا العقد الباطل.
وإلا فالعقد الباطل لا يحل لأحد المتعاقدين الانتفاع بالمعقود عليه ولا الثمن ولا يترتب عليه أثر من آثار العقد الصحيح، إلا إذا كان العقد عقد زواج فإنه شبهة يدرأ بها الحد ويجب بالدخول مهر المثل.
стр. 1000
القاعدة الثانية والخمسون [بناء الأحكام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بناء الأحكام على عُرف الشريعة دون عادة الظلمة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دليل القاعدة قوله تعالى: ﴿إنِ الحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٢).
هذه القاعدة كبيرة الأهمية عظيمة المغزى؛ إذ ترسم للقضاة والمفتين الطريق الصحيح لبناء الأحكام، وهو أن الأحكام كلها إنما تبنى على ما عُرِف في الشرع وثبت بالدليل الشرعي، وليس على ما اعتاده ظلمة الحكام وجبابرتهم من عادات وأعراف باطلة وقوانين جائرة تعارض وتناقض شرع الله الذي شرعه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادعى مصرف ضد مقترض منه مبلغاً من المال فوائد قروض وترافعا إلى القاضي فلا يجوز للقاضي أن يحكم باستحقاق المصرف هذه الفوائد؛ لأنها ربا، وإن كان عرف الظلمة يجيزها. بل على القاضي أن يحكم بشرع الله الذي يحرم الربا ولا يقضي للمصرف إلا برأس ماله الذي اقترضه المدعى عليه.
ومنها: إذا ادعى رجل على آخر أنه زنا بامرأته وأنه يطالب بالتعويض عن ذلك أو أنه صالح الزاني وتنازل عن دعواه هذه، فلا يجوز للقاضي أو
стр. 1001
الحاكم المسلم أن يحكم بينهما بقانون وضعي يجعل الحق للزوج، بل يجب عليه أن يحكم بشرع الله الذي يوجب إقامة الحد على الزوجة وعلى الزاني إذا ثبت الزنا بالشهود أو الإقرار.
стр. 1002
القاعدة الثالثة والخمسون [بناء الأيمان - العرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بناء الأيمان على العرف إذا لم يضطرب (١). وقد سبق مثلها في حرف الهمزة تحت رقم ٦٣٣.
وفي لفظ: هل الأيمان مبنية على العرف (٢)؟ وستأتي في حرف الهاء إن شاء الله.
وفي لفظ: إن الأيمان مبنية على عرف الحالف إن لم يمكن الحمل على المعنى الشرعي.
وفي لفظ: الأيمان تبنى على العرف. وقد سبقت في حرف الهمزة تحت رقم ٦٦٠.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأيمان جمع يمين وهو القسم، وهو لغة: القوة، وشرعاً: تقوية أحد طرفي الخبر بذكر اسم الله تعالى (٣).
وقيل: اليمين توكيد الحكم بذكر معظَّم على وجه مخصوص (٤).
والعرف: ما عرف في الشرع والعقل حسنه وهو ما تعارفه الناس واعتادوه في دلالة ألفاظهم ومعاملاتهم.
فالأيمان إنما تبنى على عرف الناس إن كان شائعاً مطرداً غالباً بينهم، وأما
стр. 1003
إذا اضطرب واختلف فلا، وإنما يبنى اليمين حينئذ على دلالة اللفظ اللغوية لا العرفية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يأكل اللحم - وليس له نيَّة - لا يحنث بأكل السمك أو الدجاج؛ لأن العرف مستقر ومستمر على أن المراد باللحم عند الإطلاق هو لحم الإبل أو البقر أو الغنم فقط.
стр. 1004
القاعدة الرابعة والخمسون [بناء الحكم، العادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بناء الحكم على العادة الظاهرة دون النادر (١).
وفي لفظ: بناء الأحكام الشرعية على الظاهر دون النادر (٢).
وفي لفظ: البناء على العادة الظاهرة واجب (٣).
وينظر القواعد في حرف الهمزة رقم ٤٣، ١٦٧، ٣٠٧، ٣٠٨.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا لم يكن هناك نص شرعي أو نص لأحد المتعاقدين فإن أحكام التصرفات تبنى على عادة الناس الظاهرة - أي المعروفة الشائعة بينهم - وبناء الأحكام على العوائد عند عدم النصوص واجب، إلا إذا كان للمكلف نيَّة فيحمل تصرفه على نيته - عند كثير من العلماء - إن قام الدليل عليها. وإلا فعلى العادة، وأما إذا كانت العادة أو العرف قليل الاستعمال فلا يبنى عليه حكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تعاقد شخص مع آخر على شراء جديد أو حجارة أو أي شيء ثقيل فعلى البائع أن يحمل المتعاقد عليه إلى محل المشتري ولو لم ينص في العقد على ذلك للعادة الجارية بين الناس إن حمولة الأشياء الثقيلة وإيصالها على البائع إلا إذا وجد نص بخلاف ذلك.
стр. 1005
القاعدة الخامسة والخمسون [بناء العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بناء العقود على قول أربابها (١).
سبقت هذه القاعدة بشرحها وأمثلتها في حرف الهمزة بلفظ (الأصل في العقود بناؤها على قول أربابها) حـ ٢ تحت القاعدة رقم ٣٦٨.
стр. 1006
القاعدة السادسة والخمسون [البناء على الظاهر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
البناء على الظاهر فيما يتعذر الوقوف على حقيقته جائز (١).
وفي لفظ: البناء على الظاهر واجب ما لم يتبين خلافه (٢).
وفي لفظ: الحكم يبنى على الظاهر (٣).
وفي لفظ: البناء على الظاهر واجب فيما لا تعلم حقيقته (٤).
وفي لفظ: يجب البناء على الظاهر ما لم يتبين خلافه (٥). وتأتي في حرف الياء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
المراد بالظاهر هنا: من الظهور وهو العلن، واصطلاحاً عند الأصوليين: هو اللفظ المتردد بين احتمالين فأكثر هو في أحدهما أرجح فيسمى ظاهراً لذلك المعنى (٦). وقد يراد بالظاهر القرائن الواضحة.
مفاد القاعدة: إن بناء الأحكام على الراجح من المعاني، أو الأمور الظاهرة واجب لا يجوز العدول عنه والبناء على خلافه إلا إذا رجح جانب آخر بقرينة أو بيِّنة.
стр. 1007
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز حمل على الحقيقة؛ لأن الظاهر والراجح من استعمال الألفاظ استعمالها في حقائقها، إلا إذا قامت قرينة على إرادة المجاز.
ومنها: إذا ارتد شخص واستتيب فتاب ثم ارتد وتكرر منه ذلك فمن العلماء من يرى أنه يقتل؛ لأن الظاهر أنه مستهزئ، وبناء الحكم على الظاهر جائز فيما لا يوقف على حقيقته.
ومنها: إذا وجدنا قتيلاً في محله وبجواره رجل بيده سكين أو سيف ملوث بالدم، فبحسب الظاهر أنه هو القاتل فيؤخذ حتى تقوم بينة على خلاف ذلك.
ومنها: إذا وجد كافر في دار الإِسلام وزعم أنه من أهل الذمة فيكون القول قوله ولا يتعرض له، فيكون آمناً باعتبار الظاهر، إلا إذا قامت قرائن على خلاف ذلك.
стр. 1008
القاعدة السابعة والخمسون [البناء على فعل الغير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البناء على فعل الغير في العبادات والعقود (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في العبادات أن من شرع فيها عليه أن يتمَّها لكن إن حدث طارئ لمن شرع في عبادة من العبادات فهل لغيره أن يتم ما بدأه؟
تحت هذه القاعدة صور تختلف فيها الأنظار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شرع في الأذان ثم طرأ طارئ منع من الإتمام فهل يتمه غيره أو يستأنف؟ قولان عند الشافعية، والأصح المنع لبطلان الأذان للفصل الذي تخلل العبادة.
ومنها: خطبة الجمعة، فهل يبني الثاني على خطبة الأول، أو يستأنف خطبة جديدة؟
قولان كذلك، والأصح في هذه المسألة جواز البناء، وعند المالكية البناء (٢).
ومنها: الاستخلاف في الصلاة، والأصح الجواز.
ومنها: البناء في الحج، والصحيح الجديد عند الشافعية المنع.
وأما في العقود: فالصحيح أنه إذا أوجب البائع ثم مات، لم يصح قبول المشتري بعده، ولو مات المشتري قبل القبول لم يقم وارثه مقامه فيه.
стр. 1009
وفي وجه شاذ أن وارثه يصح منه القبول على ذلك الإيجاب الأول كما في الخيار - حيث إن الخيار يورث - وهذا الوجه ضعيف جدًّا.
стр. 1010
القاعدة الثامنة والخمسون [البناء على المنقطع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البناء على المنقطع غير ممكن (١).
ثانياً: معنى هذة القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى سابقتها ولكن تلك عند الشافعية وهذه عند الحنفية.
البناء: معناه إتمام ما بدأه غيره دون استئنافه.
المنقطع: المراد بالمنقطع هنا ما لا يمكن وصله.
فمفاد القاعدة: أن إتمام ما بدأه غيره وانقطع عنه فهو غير جائز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أصيب الإِمام بالإغماء فلا يجوز لغيره أن يبني على صلاته بل يستقبل القوم الصلاة بإمام آخر. وكذلك إذا مات الإِمام أثناء الصلاة؛ لأن الإغماء والموت يقطع العمل، بخلاف سبق الحدث فإن البناء على الصلاة عنده مستحسن.
стр. 1011
القاعدة التاسعة والخمسون [البناء على المتكرر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البناء في زمن الاستمرار على ما تأكد بالتكرار (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن ما تأكد بتكرره مرتين أو ثلاثاً يبنى الحكم عليه لا على ما حصل مرة واحدة؛ لأنه لم يتأكد بالتكرار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إن من حاضت ستة أيام ثم حاضت سبعة أيام ثم حاضت ستة أيام إن أيام حيضها ستة؛ لأن ذلك تأكد بتكرارها بخلاف السبعة حيث لم تتكرر.
ومنها: إذا اشتُبِه بشخصين أن أحدهما سارق، فإذا حدث أنه كلما وُجِد أحدهما بعينه في المحلة وقعت فيها سرقة، وإذا وجد الثاني لم تقع سرقة، وتكرر ذلك أمكننا أن نحكم على الأول بأنه السارق دون الثاني، وذلك لتكرر وجود السرقة كما تكرر وجود الأول.
стр. 1012
القاعدة الستون [بناء القوي على الضعيف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بناء القوي على الضعيف فاسد (١).
وفي لفظ: لا يجوز.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من العبادات ما هو قوي كالفرض والواجب، ومنها ما هو ضعيف كالنفل والتطوع. فما كان ضعيفاً يبنى على القوي، ولكن ما كان قويًّا فلا ينبني على الضعيف. وهذه المسألة من مسائل الخلاف بين الحنفية وغيرهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من نذر أن يصلي لله ركعتين فاقتدى فيهما بمتطوع لم يجزه عن ركعتي النذر؛ لأن المنذور واجب والتطوع ليس بواجب وصلاة المقتدي بناء على صلاة إمامه وبناء القوي على الضعيف لا يجوز.
ومنها: إذا قدم الإِمام المُحْدِث صبيًّا ليؤم الناس فسدت صلاته وصلاتهم؛ لأن صلاة الصبي نفل فلا يصلح خليفة للإمام في الفرض. كما لا يصلح للإمامة في هذه الصلاة أصلاً بنفسه.
وعند الشافعي ﵀ كل ذلك جائز: اقتداء المفترض بالمتنفل، والكبير بالصغير المميز في الفرض والنفل (٢). وعند أحمد ﵁ لا تصح إمامة الصبي لبالغ في الفرض وفي المتنفل روايتان (٣)، ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل (٤).
стр. 1013
القاعدة الحادية والستون [البيان بالكتاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيان بالكتاب كالبيان باللسان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الكتاب أحد اللسانين والكتاب ممَّن نأى كالخطاب ممن دنا. فعبارة الكتاب في بناء الأحكام عليها كعبارة الناطق بلسانه، ولكن يشترط في الكتابة أن تكون مستبينة واضحة مكتوبة على الوجه المتعارف بين الناس.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كتب إنسان لآخر: بعتك داري أو سيارتي، وحد حدود الدار وذكر أوصاف السيارة وذكر الثمن الذي يريد أن يبيعها به، وعند وصول الكتاب للمشتري كتب بقبوله، تمَّ البيع بينهما كما لو كانا حاضرين.
وكذلك في النكاح لكنه يشترط عند القبول وجود الشاهدين ليشهدا على قبول النكاح عند ذكر اسمها وكنيتها في الكتاب (٢).
стр. 1014
القاعدة الثانية والستون [البيان في حق المحل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيان في حق المحل كالإيجاب ابتداء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
البيان: الفصاحة واللسن، والوضوح. يقال: بأن الشيء يبين بياناً: اتضح (٢).
الإيجاب: الإلزام.
مفاد القاعدة: أن بيان حكم الشيء وإيضاحه كما يكون بالنطق يكون بما يدل عليه من فعل وتصرف. فعند التصرف بما يناسب حكم المحل يكون ذلك كإيجاب الحكم ابتداء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومدلولها:
من طلق إحدى امرأتيه منكَّرة ثم وطئ إحداهما فيكون ذلك دليلاً وبياناً على طلاق الأخرى.
وكذلك من أعتق إحدى أمتيه منكَّرة كان الوطء دليلاً على أن الأخرى - غير الموطوءة - هي المعتقة.
وهذا من باب حسن الظن بالمسلمين لأن المسلم يتورع أن يطأ امرأة طلقها أو أعتقها وهو يعلم أنه لا يحل له وطؤها.
стр. 1015
القاعدة الثالثة والستون [البيان بالدلالة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيان كما يكون بالصريح يكون بالدلالة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى سابقتها وإن كانت أوضح منها بياناً.
فالصريح: ما كان منطوقاً به، وهو اللفظ الموضوع لمعناه لا يفهم منه غيره عند الإطلاق. كلفظ الطلاق والعتق والبيع في معناه.
فمفاد القاعدة: أن بيان وتوضيح المقصود كما يكون بالعبارة الدالة عليه يكون أيضاً بغيرها كالإشارة والعرف والفعل وغير ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من اشترى سيارة على أن له الخيار، ثم باعها من غيره، فيكون ذلك دلالة على إسقاط خياره وتقرر البيع.
ومنها: من طلق إحدى زوجتيه منكَّرة ثم وطئ إحداهما فيكون ذلك دلالة على طلاق غير الموطوءة.
стр. 1016
القاعدة الرابعة والستون [البيان المغيِّر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
البيان المغير للفظ صحيح، موصولاً بكلامه لا مفصولاً (١).
وفي لفظ: البيان بمنزلة الاستثناء لا يصح مفصولاً (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القواعد بمعنى واحد وهو: إن التفسير المغير لدلالة اللفظ يعتبر صحيحاً لكن بشرط أن يكون موصولاً بالكلام لا مفصولاً عنه فهو كالاستثناء الذي يصح إذا كان متصلاً ويبطل إذا جاء منفصلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: وهبتك هذه السيارة، ثم قال بعد ذلك بزمن: أردت بيعها. فلا يقبل منه هذا التفسير والبيان؛ لأنه لم يذكره موصولاً بكلامه، بخلاف ما لو قال: وهبتك هذه السيارة بعشرة آلاف، فيكون ذلك بيعاً؛ لأنه بيان موصول غيَّر دلالة لفظ الهبة التي هي عقد تبرع مجاني. فذكر العوض - وهو العشرة الآلاف - دليل على مراده من لفظه وهو البيع لا الهبة، فيأخذ العقد أحكام البيع.
ومنها: إذا قال: اشتريت منك هذه الخراف كلها بمائة ألف غير السود منها. فيصح العقد على غير السود لذكره إياها موصولاً بلفظه، أما لو قال: اشتريت منك هذه الخراف كلها، وسكت وبعد القبول قال: إلا السود أو غير السود فلا يقبل منه؛ لأنه ذكره مفصولاً حيث يلزمه كلها بيضها وسودها.
стр. 1017
القاعدة الخامسة والستون [البيان المقرر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيان المقرر لأول الكلام مقبول من المبيَّن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقرر: المؤكد.
إذا بين المتكلم بعبارته أو دلالته ما يؤكد ويقرر ما تكلم به أولاً كان بيانه هذا مقبولاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان لرجل على آخر ألف درهم، فقال الدائن: دفعت إليَّ منها مائة بيدك، لا بل أرسلت بها مع غلامك، فهي مائة واحدة.
وإذا أقر الدائن أنه قبض منه مائة درهم فقال المطلوب: وعشرة دراهم أرسلت بها إليك مع فلان، وثوب بعتكه بعشرة، فقال الطالب: قد صدقت. فقد دخل هذا في هذه المائة؛ لأن بيانه هذا تقرير لما أقر به أولاً؛ لأن قوله: قبض منه فهو قابض ما أوصله إليه رسوله وقابض بشراء الثوب أيضاً. هكذا قال السرخسي ﵀. ولكني أرى أن العشرة وثمن الثوب غير داخلين في المائة؛ لأن العطف بالواو يقتضي التغاير بين المائة المقبوضة أولاً، وبين العشرة المرسلة وثمن الثوب، فيكون المقبوض مائة وعشرين درهماً. ويدل على ذلك قول السرخسي بعد ذلك: وفي بعض الروايات فقال المطلوب: عشرة دراهم أرسلت بها إليك - بغير واو - وهذا أوضح لأنه في معنى التفسير للجهة فيما أقر أنه قبضه؟
стр. 1018
القاعدة السادسة والستون [البيان بالابتداء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
البيان يعتبر بالابتداء إن صح الابتداء وإلا فلا (١).
سبقت هذه القاعدة وبيانها في قواعد حرف الهمزة تحت كلمة أصل قاعدة رقم ٢٩٨، الجزء الأول.
стр. 1019
القاعدة السابعة والستون [بيت المال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيت المال هل هو وارث أو مردٌّ للأموال الضائعة (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اختلف في حكم استحقاق بيت المال المال الذي لا مالك له كإرث مَن لم يخلف وارثاً. فهل استحقاق بيت المال لهذا المال من جهة الوراثة؟ وهل هو وارث لهذا المال حقيقة؟ أو أنه مرجع تردُّ إليه الأموال الضائعة التي لا يعرف لها مالك؟ خلاف بين الأئمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أوصى بجميع ماله - ولا وارث له - فهل تنفذ الوصية بجميع المال للموصى له؟
إن قلنا: إن بيت المال وارث يجب رد ما زاد على الثلث، وإن قلنا: إنه مرجع ومرد للأموال الضائعة فلا.
ومنها: إذا أقر بوارث - وليس له وارث معروف - فهل لبيت المال أن يخاصم؟
إن قلنا: إنه وارث خاصم، وإلا فلا.
стр. 1020
القاعدة الثامنة والستون [بيع الأعمى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
بيع الأعمى وشراؤه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأعمى: هو فاقد البصر خلقة أو عاهة طارئة، وحيث إن المشتري يستحق رؤية المبيع والأعمى غير قادر على ذلك فقد اختلف الشافعية في جواز بيعه وشرائه.
قالوا: الأعمى لا يصح منه البيع والشراء ونحوهما ولكن له التوكيل في ذلك للضرورة.
وقد سبق ذكر بعض أحكام الأعمى في حرف الهمزة تحت القاعدة رقم ٥١٧.