فظهر أثناء التسليم أن وزنه خمسة قراريط ونصف فيصبح ذلك الحجر للمشتري بنفس الثمن الذي صار الاتفاق عليه؛ لأن نصف القيراط تابع للكل فلا يفرد بالحكم.
стр. 1087
القاعدة الثالثة عشرة [التابع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التابع لا يتقدم على المتبوع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لما كان التابع تالياً لمتبوعه ومتأخراً عنه في الوجود، فلا يجوز أن يتقدم عليه في الفعل والعمل؛ لأنه إذا تقدم عليه في الفعل تقدم في الحكم، وهذا تناقض؛ لأنه تابع لمتبوعه في أحكامه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يصح تقدم المأموم على إمامه في الموقف، ولا في تكبيرة الإحرام والسلام، ولا في سائر الأفعال.
стр. 1088
القاعدة الرابعة عشرة [التابع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
التابع لا يستتبع غيره فيما كان تبعاً (١).
وفي لفظ: التابع هل يكون له تابع (٢)؟
وفي لفظ: لا تبع للتبع (٣). وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
وردت هذه القواعد بأسلوبين: الأول: الأسلوب الخبري - وهو عند الحنفية - حيث رأوا أن التابع لا يستتبع غيره - أي أن التابع لا يصير أصلاً لتابع آخر.
والثاني: الأسلوب الإنشائي - وهو عند الشافعية - حيث أوردوا القاعدة بصيغة الاستفهام دليلاً على وجود خلاف بينهم في مضمونها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قطع أصابع اليد وحدها وجبت فيها الدية، فأما إذا قطع اليد من الكوع فلا يلزمه غير دية اليد، ويجعل الكف تبعاً للأصابع، وإن قطع زيادة على ذلك لم يجعل تبعاً، بل يلزمه للزيادة حكومة على قدرها؛ لأن التابع لا يكون له تابع (٢).
ومنها: هل يسن تكبير العيد خلف النوافل فيه خلاف، والأصح عند الشافعية لا يسن؛ لأن النفل تابع للفرائض. والتابع لا يكون له تابع.
стр. 1089
القاعدة الخامسة عشرة [التابع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التابع لا يفرد بالحكم (١).
ثانياً معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا كان التابع يلحق متبوعه في حكمه فينبني على ذلك أنه لا يفرد بحكم دون متبوعه؛ لأن ما لا يوجد مستقلاًّ بنفسه بل وجوده تبع لوجود غيره فهو ينزل منزلة المعدوم من حيث تعلق الأحكام، فلا يجوز إفراده بالحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الجنين في بطن أمه لا يباع دونها ولا يوهب.
والصفة القائمة بالموصوف لا تباع دونه.
وحق الشرب والمرور تبع للأرض لا يباعان دونها.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
الجنين في بطن الأمة يجوز عتقه دونها ويجوز الهبة والوصية له دونها كما سبق.
стр. 1090
القاعدة السادسة عشرة [التابع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
التابع يسقط بسقوط المتبوع (١).
وفي لفظ: الفرع يسقط إذا سقط الأصل (٢). وتأتي في حرف الفاء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة شبه مطردة في المحسوسات والمعقولات، فالشيء الذي يكون وجوده أصلاً لوجود شيء آخر يتبعه في الوجود يكون ذلك فرعاً مبتناً عليه، كالإيمان بالله تعالى أصل وجميع الأعمال فروعه، فإذا زال الإيمان - والعياذ بالله تعالى - حبطت الأعمال؛ لأن اعتبارها مبني عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا برئ الأصيل برئ الضامن والكفيل؛ لأنهما فرعه، فلو أبرأ ذمة مدينه تبرأ ذمة كفيله تبعاً، فلا حق له في مطالبة الكفيل. أما لو أبرأ الكفيل فلا يبرأ الأصيل.
ومنها: من فاتتها صلوات في أيام الحيض أو النفاس لا تقضي سننها الرواتب؛ لأن الأصل - وهو الفرائض - قد سقط فتسقط النوافل تبعاً.
ومنها: من فاته الحج بحيث لم يقف بعرفة يومها تحلل بأفعال العمرة ولا يأتي بالرمي ولا بالمبيت؛ لأنهما تابعان للوقوف بعرفة وقد سقط.
стр. 1091
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا مات المغازي المجاهد والعالم من له حق منهم في ديوان الخراج يفرض لأولادهم تبعاً ولا يسقط بموت الأصل ترغيباً في الجهاد وفي طلب العلم.
ومنها: المحرم الذي لا شعر على رأسه يندب إمرار الموسي عليه أو يجب. مع أن الأصل وهو الشعر قد سقط.
ومنها: إذا بطل أمان رجال لم يبطل أمان نسائهم وصبيانهم في الأصح.
وهذه المستثنيات تحت قاعدة تقول: قد يثبت الفرع مع سقوط الأصل (١)، وتأتي في حرف القاف إن شاء الله.
стр. 1092
القاعدة السابعة عشرة [التاريخ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التاريخ المنصوص عليه يترجح على التاريخ المدلول عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التاريخ: معناه تعريف الوقت وتحديده (٢)، وهو بيان انتهاء وقته، وذكر البينة - أي الشهود - تاريخ وقوع حادثة ما إما أن يكون نصًّا - أي توقيفاً وتعييناً - وإما أن يكون دلالة دون تعيين، كوضع اليد مثلاً.
فمفاد هذه القاعدة: أن تاريخ البينة المعيَّن تحديداً مقدم على تاريخ بينة أخرى دلالة دون تعيين، عند التعارض.
وهذا تحت قاعدة عامة تقول: (لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح) (٣). وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اختلف اثنان في استحقاق رهن عين - وكانت هذا العين المرهونة في يد أحدهما - فإذا صرح شهود الخارج بسبق تاريخ عقده وبما يوجب استحقاق اليد له على ذي اليد فهو أولى من ذي اليد ومقدم عليه؛ للنص على تقدم تاريخ استحقاقه لقبض المرهون، ولأن بينته نصت على تاريخ متقدم. واليد دلالة والنص مقدم على الدلالة.
стр. 1093
القاعدة الثامنة عشرة [تباين الدارين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تباين الدارين قاطع للعصمة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تباين الدارين: اختلافهما وتباعدهما. والمراد بالدارين دار الإسلام، ودار الكفر.
فمفاد هذه القاعدة: أن اختلاف الدارين مزيل لعصمة الملك وعصمة النكاح وعصمة الدم. إلا بسبب جديد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ارتدت امرأة ولحقت بدار الحرب انقطعت العصمة بينها وبين زوجها حتى إذا جاءت مسلمة أو تائبة أو سبيت فأعتقت أو لم تعتق فلا نفقة لها؛ لأن استحقاق النفقة باعتبار بقاء العصمة، وتباين الدارين قاطع لها.
ومنها: إذا خرجت امرأة حربي من دار الحرب ودخلت دار الإسلام بغير أمان - مسلمة أو غير مسلمة - فقد زال النكاح بينها وبين زوجها بتباين الدار.
ومنها: دخول حربي دار الإسلام بغير أمان فهذا الدخول يزيل عصمة دمه، ومن قتله من المسلمين فلا شيء عليه، وإن عُثر عليه فللإمام أن يقتله أو يأسره أو يفديه.
стр. 1094
القاعدة التاسعة عشرة [تبدل الاجتهاد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تبدل رأي المجتهد بمنزلة انتساخ النص، يعمل به في المستقبل لا فيما مضى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة: (لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان).
وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله، ولا تعارض هذه القاعدة قاعدة: "لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد ولكن ينقض بالنص" لاختلاف الموضعين.
ومفاد قاعدتنا: أن تغير رأي المجتهد في حكم مسألة من المسائل الاجتهادية يلغي العمل بالحكم السابق على تغير الرأي ويعتبر مبطلاً له بمنزلة نسخ النصوص الشرعية برفعها وإبطال العمل بها، ولكن الاجتهاد الجديد لا يعود على الحكم السابق تنفيذه بالإبطال والنقض. كما أن النسخ لا يرجع على الأحكام السابق العمل بها بالإبطال، ولكن يعمل بالرأي الجديد في المسائل الحادثة مستقبلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا رأى مجتهد أن الخلع فسخ فأفتى أو حكم في مسألة بهذا الحكم المجتهد فيه وكان المحكوم عليه بهذا قد خالع زوجته ثلاث مرات، أو سبق له تطليقها مرتين وكان الحكم بأن الخلع فسخ بعدهما، فإن المجتهد إذا تغير رأيه بعد ذلك ورأى أن الخلع طلاق، فلا يجوز له أن يأمر من أفتى
стр. 1095
له سابقاً أو حكم له - إذا كان حاكماً - أن يفارق زوجته. ولكن إذا وقعت حادثة أخرى فيحكم فيها بأن الخلع طلاق ويبني عليه ما يبنى على الطلاق. ولكن إذا كان المجتهد قد رأى لنفسه أولاً أن الخلع فسخ وراجع زوجته التي خالعها بعد ثلاث ثم تغير رأيه ورأى أن الخلع طلاق فعليه في هذه الحالة أن يفارقها إلا إذا حكم بالحكم السابق حاكم فليس له أن يفارقها؛ لأن القول بأن الخلع فسخ قد تأيد بالحكم.
ومنها: إذا رأى المجتهد أن بيع العينة جائز وأفتى به ثم تغير رأيه ورأى أنه حرام، فليس له أن ينقض فتاواه وأحكامه السابقة؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ولكنه فيما يستقبل يبني الأحكام على الرأي الجديد. وهكذا في كل مسألة اجتهادية لا تقع تحت نص بعينه.
وأساس هذه القاعدة ودليلها فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في المسألة المشركة (١) وقوله: "ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي" (٢).
стр. 1096
القاعدة العشرون [تبدل الملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات (١).
وفي لفظ: تبدل الملك كتبدل العين (٢).
وفي لفظ: اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان. وقد سبقت في حرف الهمزة تحت رقم ٥١ جـ ١ ص ٢٠٢.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد هذه القاعدة: أنه إذا تبدل سبب تملك شيء ما يُعَدُّ هذا الشيء متبدلاً حكماً، وإن لم يتبدل هو حقيقة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا تصدق رجل على قريبه أو أعطاه زكاة ماله ثم مات المتصدَّق عليه - وكان المتصدِّق وارثه - عادت الصدقة والزكاة للمعطي بالوراثة، فقد ملكها وما ضاع ثوابه إن شاء الله.
стр. 1097
القاعدة الحادية والعشرون [تبدل محل النجاسة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تبدل محل النجاسة إلى الطهارة باستعمال الماء شرعي أو حسي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تشير هذه القاعدة إلى مسألة من مسائل الخلاف بين الأئمة وهي: إذا طَهُرَ محل النجاسة الحسية بالماء فهل تعتبر تلك الطهارة حسية أو هي شرعية؟ عند الأئمة مالك ومحمد الشافعي وأحمد ﵏ هي شرعية، وعند أبي حنيفة وبعض المالكية هي حسية.
النجس: في اللغة هو القذر وغير النظافة. وفي الشرع: قذر مخصوص وهو ما يمنع جنسه الصلاة كالبول والدم (٢).
والطهارة: في اللغة النقاء من الدنس والنجس (٣)، وشرعاً: نظافة مخصوصة.
والطهر نقيض النجاسة (٤).
ما يترتب على هذا الخلاف:
إن من قال: إن التبدل حسي يرى أنه يجوز التطهر بكل مائع طاهر قالع، يقلع النجاسة ويذهب عينها، وهذا في النجاسة الحسية العينية، ولكن لا يصح الوضوء به كالخل وماء الورد، وهذا مذهب أبي حنيفة (٥).
стр. 1098
وأما من قال: إن التبدل شرعي، يرى أنه لا يجزئ في إزالة النجاسة إلا الماء المطلق الذي يصح الوضوء به (١).
стр. 1099
القاعدة الثانية والعشرون [تبدل النية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تبدل النية مع بقاء اليد على حالها هل يتبدل الحكم بتبدلها (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدخل هذه القاعدة تحت قاعدة - الأعمال بالنيات - وتدل على الاختلاف في حكم تبدل النية وتغيرها مع بقاء اليد على حالها - أي بدون تصرف عملي - فهل يتغير الحكم تبعاً لتغير النية، أو لا بد من تصرف عملي فعلي غير تبدل النية ليتغير الحكم؟
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند إنسان وديعة لآخر فنوى أن يتسلفها أو يتصرف فيها تصرفاً ما - بغير إذن صاحبها - ولم يحركها عن موضعها، فهل تعتبر نيته هذه ناقضة لعقد الوديعة فيعتبر خائناً فيضمنها لو تلفت في هذه الحالة؟ أو لا يعتبر ناقضاً أو خائناً وبالتالي لا يضمنها إذا تلفت؟ خلاف عند المالكية في هذه المسألة. وينبني على هذه القاعدة آثار فقهية:
منها: إذا أراد المؤتَمن صرف الوديعة ونوى ذلك فإذا قيل بالتبدل جاز صرفه؛ لأنه قبض الآن لنفسه، وإذا قيل بنفي التبدل بالنية امتنع الصرف للتأخير في التقابض - حتى يقبض لنفسه - أي يحرك الوديعة من مكانها بعد نية التسلف ثم يصارف بها.
стр. 1100
القاعدة الثالثة والعشرون [تبدل وصف العين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تبدل وصف العين لا يوجب تبدل العين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند الحنفية إن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن؛ لأنها توابع، (والتابع لا ينفرد بالحكم). فبناء على ذلك إذا تبدل وصف العين الذي ذكره البائع فإن ذلك التبدل لا يكون موجباً لتبدل العين ولا يكون سبباً في التعويض للمشتري وإنما له أن يأخذ السلعة بكل الثمن أو يترك وهو كذلك عند الشافعية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى سيارة حمراء - ولم يكن رآها - ثم تبين أنها بيضاء فلا يكون تبدل الوصف وهو اللون دليلاً على تبدل العين بل العين بحالها فالمشتري إما أن يقبل السيارة بالثمن المتفق عليه أو يترك؛ لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن.
وعند الحنابلة أن من اشترى شيئاً بصفة مخصوصة ثم تبين خلافها أن له الفسخ أو أرش فقد الصفة (٢).
стр. 1101
القاعدة الرابعة والعشرون [التبرع بالضمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التبرع بالضمان كالتبرع بالأداء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التبرع في اللغة: التطوع (٢)، وتبرع بالأمر: فعله غير طالب عوضاً، وأصل البرع: التفوق في العلم أو الشجاعة أو غير ذلك (٣).
فكأن المتبرع متفوق على غيره في فعله أمراً بدون عوض أو مقابل دنيوي أو مادي.
والتبرع في الاصطلاح الفقهي: التطوع بالشيء (٤)، فهو متفق مع المعنى اللغوي.
الضمان: مصدر ضمنته أضمنه: إذا كفلته (٥). فالضمان: الكفالة.
والأداء في اللغة: الإيصال. يقال: أدى الأمانة إلى أهلها: أوصلها.
والمراد هنا: دفع الدين عن المدين للدائن.
ومفاد هذه القاعدة: أن من تطوع بالكفالة فحكمه حكم من تطوع بأداء الدين في الالتزام والوجوب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وكل الرجلُ الرجلَ أن يزوجه امرأة، فزوجها إياه وضمن لها عنه المهر
стр. 1102
جاز. ولم يرجع الوكيل على الزوج بالمهر؛ لأنه ضمن عنه بغير أمره؛ لأن أمره إياه بالنكاح لا يكون أمراً بالتزام الصداق؛ لأن الوكيل بالنكاح سفير ومعبر لا ملتزم.
ومنها: من ضمن عن غيره دينه بغير أمره لم يرجع به عليه لأنه متبرع. أما إذا كان الزوج أمره بضمان المهر فهو يرجع عليه كما لو أمره بالأداء.
стр. 1103
القاعدة الخامسة والعشرون [التبرع في المرض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التبرع في المرض وصية (١).
والوصية تعتبر من الثلث (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا تبرع إنسان في مرض موته بشيء من المال لشخص أو جهة من الجهات فإن هذا التبرع يأخذ حكم الوصية، ولا ينفذ إلا بعد موت المريض بشرط أن يخرج من ثلث المال، فإذا زاد على الثلث فلا ينفذ إلا برضا الورثة.
ومنها: إذا باع ماله محاباة وهو في مرض الموت: يلزم المشتري أن يدفع ثلثي المبلغ حالاً، ويكون الثلث الباقي وصية إلى ما بعد الوفاة.
ومعنى المحاباة: البيع بدون ثمن المثل (٣).
стр. 1104
القاعدة السادسة والعشرون [تمام التبرع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التبرع لا يتم إلا بقبض (١).
وفي لفظ: الصدقة لا تتم إلا بالقبض (٢). وتأتي في حرف الصاد إن شاء الله.
دليل هاتين القاعدتين قول خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق ﵁ للسيدة عائشة ﵂ وكان ﵁ قد نحلها - أي وهبها - جذاذ عشرين وسقاً من ماله بالعالية، فلما مرض قال: يا بنية كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً ولو كنت حزتيه أو قبضتيه كان لك، فإنما هو اليوم مال وارث فاقتسموه على كتاب الله (٣). وفيه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مثله (٤).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تبين هذه القاعدة ركناً (٥) من أركان الهبة والهدية والصدقة وكل ما كان متبرَّعاً به وهو أنه لا يتم ملك الشيء الموهوب أو المهدي أو الصدقة من الموهوب له أو المهدي إليه أو المتبرَّع به إليه إلا بقبض الشيء المتبرع به، وإذا لم يقبضه فلا يتم الملك فيه وهو مازال على ملك الواهب أو المهدي أو المتبرع.
стр. 1105
والتبرع - كما قال الشافعي ﵀ ثلاثة أصناف: قال في الروضة: قسم الشافعي ﵁ العطايا فقال: تبرع الإنسان بماله على غيره ينقسم إلى معلَّق بالموت وهو الوصية وإلى منجز في الحياة وهو ضربان: أحدهما: تمليك محض كالهبات والصدقات. والثاني: الوقف.
والتمليك المحض ثلاثة أنواع: الهبة وهي تمليك لا بعوض، فإن انضم إليه حمل الموهوب من مكان الواهب إلى مكان الموهوب له إعظاماً أو إكراماً فهو هدية، وإن انضم إليه كون التمليك للمحتاج تقرباً إلى الله تعالى وطلباً لثواب الآخرة فهو صدقة (١).
وقد روي عن مالك ﵁: أن الواهب إذا أشهد على نفسه بالهبة ومات، حُكِم للموهوب له بها، كما أنه لو مات الموهوب له بعد أن أشهد الواهب على نفسه حُكم لورثة الموهوب له بها إذا طلبوها. ولكن المعمول به عند جمهور المالكيين أنه لا يتم التبرع إلا بالقبض (٢) كالجمهور.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا بعث هدية إلى آخر فمات المهدي له قبل وصول الهدية إليه كانت على ملك المُهدي، وله حق الرجوع فيها، ولو مات المهدي لم يكن للرسول حملها إلى المهدى إليه.
ومنها: المسافر إذا اشترى هدايا لأصدقائه فمات قبل وصولها إليهم فهي له تركة (٣).
стр. 1106
رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة:
إذا غرس أشجاراً وقال: جعلته لابني - وهو صغير - صار للابن؛ لأن هبته له لا تقتضي قبولاً أو قبضاً، بخلاف ما لو جعله لبالغ.
стр. 1107
القاعدة السابعة والعشرون [التبرع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التبرع لا يصلح سبباً للاستحقاق على المتبرع في غير ما تبرع به (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد هذه القاعدة أن مَن تبرع لآخر بشيء معين لا يكون تبرعه هذا سبباً للاستحقاق عليه ومطالبته بشيء آخر غير ما تبرع به.
وموضع هذه القاعدة الصدقة الموقوفة، وهل تلزم بمجرد الإعلام بها وإن لم يخرجها من يده؟ أو لا يتم ذلك إلا بإخراجها من يده والتسليم إلى المتولي أو الناظر عليها؟ الأول قول أبي يوسف، والثاني قول محمد بن الحسن وابن أبي ليلى حيث قالا: إنه إزالة ملك بطريق التبرع فلا يتم إلا بالتسليم كما في الصدقة المنفذة؛ ولأنه لو لزمه - أي إزالة الملك قبل التسليم - لصارت يده مستحقة عليه، والتبرع لا يصلح سبباً للاستحقاق على المتبرع في غير ما تبرع به. فينبغي أن يكون متبرعاً في إزالة يده كما في إزالة ملكه. وعند أبي يوسف ومن معه ممن يقولون بجواز الصدقة الموقوفة بمجرد الإعلام - ولو لم يتم القبض والتسليم - يقولون: هذه إزالة ملك لا تتضمن التمليك - لأن الوقف عنده يخرج عن يد الواقف إلى غير مالك - فتتم بدون القبض كالعتق، بخلاف الصدقة المنفذة فإنها تتضمن التمليك. وقول أبي يوسف هو قول عامة العلماء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أوقف خاناً للمسافرين أو رباطاً للمحتاجين فيتم الوقف بمجرد التخلية
стр. 1108
بينه وبين الناس وإن لم ينزل فيه أحد. وهذا عند أبي يوسف وعامة العلماء. وأما عند محمد بن الحسن وابن أبي ليلى: لا يتم إلا بالتسليم إلى المتولي أو بنزول الناس فيه، وكذلك المقبرة والسقاية، وكذا المسجد لا يتم وقفه عن محمد إلا إذا صلى فيه الناس بالجماعة.
стр. 1109
القاعدة الثامنة والعشرون [التبع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
التبع يقوم بالأصل (١).
وفي لفظ: التبع لا يظهر مع ظهور الأصل (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التبع: المراد به هنا ما يكون تابعاً لغيره في وجوده ولا يكون قائماً بنفسه.
والأصل: ما يكون قائماً بنفسه ولا يكون وجوده تبعاً لوجود غيره أو ضمن غيره. فبناء على ذلك فإن التبع أو التابع لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بأصله وبالتالي لا يظهر مع ظهور أصله، ولا يأخذ حكماً غير حكم أصله.
ولذلك قالوا: ما كان تابعاً لغيره في الوجود فإنه لا ينفرد بالحكم وإنما يكون حكمه تبعاً لحكم أصله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشتمل المال الزكوي على النصاب والوقص (٣) فهلك منهما شيء يجعل الهالك من الوقص خاصة - عند أبي حنيفة وأبي يوسف - كما لو كان له فوق النصاب ثمانون من الغنم فحال عليها الحول ثم هلك أربعون فعليه في الباقي شاة؛ لأن الوقص تبع للنصاب باسمه وحكمه؛ فإنه لا يتحقق الوقص إلا بعد النصاب وهذا هو علامة التبع مع الأصل، فإن التبع يقوم بالأصل، فالأصل يستغني عن التبع؛ لأنه لو لم يوجد إلا أربعون شاة ففيها شاة.
стр. 1110
ومنها: إذا اشترى المضارب ببعض المال داراً في قيمتها فضل على رأس المال فباع رجل إلى جنبها داراً وفي يد المضارب من مال المضاربة مثل ثمن الدار التي بيعت إلى جنب دار المضاربة - فأراد المضارب أن يأخذ الدار بالشفعة لنفسه - لم يكن له ذلك وإنما يأخذها على المضاربة أو يدع؛ لأن حق رب المال أصل وحق المضارب تبع؛ لأن حق المضارب في الربح فقط، وهو تبع لرأس المال، وهو متمكن من أخذها بما هو الأصل، (والتبع لا يظهر مع ظهور الأصل) (١).
стр. 1111
القاعدة التاسعة والعشرون [التبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التبع لا يقوم مقام الأصل في إثبات الحكم به ابتداءً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا كان التبع لا ينفرد عن متبوعه في الأحكام فهو إذاً لا يقوم مقام أصله في إثبات الحكم به ابتداءً بطريق الأولى؛ لأن في إثبات الحكم في التبع ابتداءً قلباً للحقائق حيث يصبح التبع أصلاً والأصل تبعاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا غصب جارية أو بقرة فحملت وعند الولادة ماتت الأم وبقي الولد وفيه وفاء بقيمتها، فإذا رد الغاصب ولد المغصوبة الميتة فهل تبرأ ذمته؟ في ظاهر الرواية عند الحنفية أن على الغاصب قيمة الأم يوم الغصب كاملة؛ لأن الولد تبع والتبع لا يقوم مقام الأصل.
стр. 1112
القاعدة الثلاثون [التبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التبع يتبع الأصل ولا يسبقه (١).
وفي لفظ: ما ثبت ضمناً لشيء لا يثبت قبله (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان معقولتا المعنى حيث إن الأصل هو الأساس والتبع تالٍ له، فلا يعقل أن يسبق التبع أصله، أو يوجد قبل وجوده.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا أذن أب لابنه المحجور عليه في البيع والتصرف وأعلم الأب قوماً مخصوصين بهذا الإذن وأمرهم بمبايعة ابنه، فإن لم يبايعه أولئك وبايعه غيرهم وهم لا يعلمون بإذن الأب، والابن لا يعلم بالإذن أيضاً، كانت مبايعة هؤلاء باطلة، والابن محجور عليه على حاله؛ لأن الابن لا يعتبر مأذوناً قبل أن يعلم بالإذن، وإنما ثبت الإذن في حق الذين أمرهم بمبايعته للحاجة إلى دفع الضرر والغرر عنهم.
وأما ثبوت الإذن في حق سائر الناس كان لضرورة الحكم بنفوذ تصرفه مع الذين أمرهم الأب بمبايعته فلا يثبت الإذن مع غيرهم قبل تصرفه معهم. فإن بايع الابن الذين أمرهم الأب بمبايعته ثم بايع الابن بعدهم قوماً غيرهم جازت مبايعته مع الجميع إلا المبايعة التي كانت قبل ذلك؛ لأن الإذن في
стр. 1113
حق الذين أمرهم ثبت حكمه مقصوداً وفي حق غيرهم تبع، والتبع يتبع الأصل ولا يسبقه.
ومنها: يجوز شراء بقرة في بطنها حمل، ولكن لا يجوز شراء حمل في بطن بقرة ثم شراء البقرة بعد ذلك؛ لأن البقرة أصل والحمل تبع والتبع يتبع الأصل ولا يسبقه.
стр. 1114
القاعدة الحادية والثلاثون [التبع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
التبع يصير مذكوراً بذكر الأصل (١).
وفي لفظ: التبع يملك بملك الأصل (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان بمعنى ما سبق من قواعد تتعلق بالتابع وأحكامه، فالتابع يذكر بذكر أصله ويملك بملك أصله؛ لأنه سبق وأن ذكرنا أن التابع حكمه حكم أصله وأنه لا يفرد بحكم.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
من اشترى أرضاً أو داراً لها طريق بحيث لا يوصل إليها إلا بها فإن الطريق يدخل في البيع تبعاً ويصير مذكوراً بذكر الأرض أو الدار ولا يفرد بالحكم، كما أنه يملك بملك الأرض أو الدار وليس للبائع بعد ذلك ادعاء أن الممر أو الطريق لم يذكر في العقد؛ (لأن التبع يملك بملك الأصل ويصير مذكوراً بذكر الأصل).
رابعاً: مما استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
من اشترى نخلاً مثمرة فإن ثمرتها - وإن كانت تبعاً - لا تدخل في البيع إلا بالنص عليها؛ لأن الحديث صريح في أن الثمرة ملك للمؤبر ولا تدخل في البيع إلا بالشرط.
والحديث هو: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من
стр. 1115
ابتاع نخلاً بعد أن يؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع" (١). الحديث. ومثله عن عبادة بن الصامت ﵁.
стр. 1116
القاعدة الثانية والثلاثون [التبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التبع يلحق الأصل في حكمه وإن لم يشاركه في علته (١).
وفي لفظ: الفرع يلتحق بالأصل في حكمه وإن لم توجد فيه علته (٢). وتأتي في حرف الفاء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان تفيدان معنى متحداً وهو أن التبع يلحق الأصل في حكمه - كما سبق في القواعد السالفة - كما أنه لا ينفرد عن متبوعه بحكم خاص، وسواء في ذلك كانت العلة والسبب في الحكم متحداً بين الفرع والأصل أم غير متحدة بينهما.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا ذبح صبي أو نصراني صيداً في الحرم لم يؤكل؛ لأن الصبي والنصراني في حكم الذكاة تبع المسلم البالغ، فإذا لم يكن هذا الفعل من المسلم البالغ موجباً للحل فكذلك من الصبي والنصراني؛ لأنهما تبع للمسلم البالغ وإن لم يشاركاه في علته.
стр. 1117
القاعدة الثالثة والثلاثون [تبعية المالك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تبعية المالك بمنزلة تبعية الأبوين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق ببعض مسائل الرقيق وتفيد أن مالك الصغير ينزل منزلة الأبوين في تبعية الصغير له، وحيث إن الابن يتبع خير الأبوين ديناً، فكذلك بالنسبة للمالك حيث إن الصغير يتبعه في دينه؛ لأن الصغير لا يعبر عن نفسه بخلاف الكبير.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وقع صبي في سهم مسلم أو اشتراه فهو مسلم تبعاً للمالك؛ لأن تأثير التبعية للمالك فوق تأثير التبعية للدار؛ لأن الصغير إذا دخل دار الإسلام وليس معه أحد من أبويه فهو يعتبر مسلماً تبعاً للدار فأولى أن يكون مسلماً إذا ملكه مسلم.
ومنها: إذا دخل ذمي دار الحرب بأمان واشترى صغيراً من ممالكيهم وأخرجه إلى دار الإسلام لم يكن مسلماً بل هو تابع للذمي.
وحتى لو كان هذا الصبي من المجوس أو عبدة الأوثان فهو يعتبر بمنزلة أهل الكتاب تؤكل ذبيحته، ويحل وطؤها إن كانت جارية بمنزلة ما لو كان أحد أبويه كتابيًّا والآخر مجوسيًّا؛ لأن تبعية المالك بمنزلة تبعية الأبوين.
رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة:
إذا كان الصغير في الأصل كتابيًّا والذي أخرجه مجوسي فيعتبر الصغير
стр. 1118
كتابيًّا باعتبار الأصل فلا يتحول عن ذلك باعتبار تبعية المالك.
وكذلك - بل أولى - إذا كان الصغير مسلماً مملوكاً فاشتراه المجوسي فهو يكون مسلماً ويجبر المجوسي على بيعه. ويتصور كون الصغير مسلماً مملوكاً إذا وقع هذا الصغير في يد الأعداء أسيراً وكان أبواه مسلمين أصلاً ثم اشتراه المجوسي من أهل الحرب.
стр. 1119
القاعدة الرابعة والثلاثون [تبعية الميت]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تبعية الميت لا تعتبر في ابتداء الإسلام وإن كان معتبراً في البقاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومثالها:
الصغير تابع لأبيه في دينه: إن كان الأب مسلماً فهو مسلم أو كافراً فهو كافر، واختلاف الدارين قاطع للتبعية، كما هو قاطع للتوريث، فإذا كان الأب كافراً ثم دخل دار الإسلام وأسلم وله أولاد صغار في دار الحرب فهم كفار غير تابعين لأبيهم لاختلاف الدار، لكنهم إن دخلوا دار الإسلام بسبي أو غيره وأبوهم مازال حيًّا صاروا تبعاً لأبيهم فهم مسلمون بإسلامه، وأما إن مات الأب مسلماً في دار الإسلام ثم أسر الصبي فإنه لا يكون مسلماً ما دام في دار الحرب حتى يقسم أو يباع أو يخرج إلى دار الإسلام فإذا أخرج إلى دار الإسلام حكم بإسلامه تبعاً لأبيه.
стр. 1120
القاعدة الخامسة والثلاثون [التبعيض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التبعيض في الأعضاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التبعيض معناه: التجزئة وجعل الشيء أبعاضاً أي أجزاء (٢).
هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة: (ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه كاختيار كله وإسقاط بعضه كإسقاط كله) (٣). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
وفي لفظ: (ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله) (٣). وتأتي في حرف الذال إن شاء الله.
ومفادها: أن الشيء الذي لا يقبل التبعيض ولا التجزئة - أي يكون الحكم فيه كليًّا - فذكر بعض أجزائه بالحكم يكون حكماً لكله، وكذلك الحكم بإسقاط بعض أجزائه يكون حكماً بإسقاط كله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: يدك طالق. طلقت كلها؛ لأن الطلاق لا يتجزأ.
ومنها: إذا أعتق بعض عبده، عتق كله؛ لأن العتق لا يتجزأ.
ومنها: عفو بعض الأولياء عن الدم إسقاط للقصاص؛ لأن القصاص لا
стр. 1121
يتجزأ. أو عفا مستحق القصاص عن بعضه.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا قال في الرجعة: راجعت يدك لم تصح الرجعة.
ومنها: إذا قال: نصفي كفيل بدَينك. لم تصح الكفالة بخلاف ما لو قال: أنا كفيل بنصف دينك؛ لأن الدَّين يقبل التبعيض.
وقد سبق ذكر هذه القاعدة في حرف الهمزة تحت كلمة أصل برقم ٤٤١.
стр. 1122
القاعدة السادسة والثلاثون [التبعيض]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
التبعيض في الأملاك المجتمعة عيب (١). أو الملك (٢).
وفي لفظ: التبعيض في الأعيان المجتمعة عيب (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القواعد تتعلق بتفريق الصفقة المجتمعة والتي لا تقبل التبعيض ولا التجزئة لما يسببه ذلك من ضرر على بعض ذوي العلاقة بالصفقة. ولما كان الضرر مدفوعاً ويجب إزالته ورفعه إذا وقع منع الفقهاء تفريق الصفقة وتبعيض الملك المجتمع دفعاً للضرر عن الغير.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا بيعت دار ولها شفعاء فقال أحد الشفعاء: سلمت شفعتي في نصف الدار. يكون ذلك تسليماً للشفعة كلها وذلك لسببين: الأول: أن الشفعة كلٌّ لا يتجزأ (فذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله) - كما سبق - فكأنه سلم الشفعة كلها.
والسبب الثاني: إن في ذلك ضرراً على المشتري والبائع؛ لأن في ذلك تفريقاً للصفقة المجتمعة (والتبعيض في الملك المجتمع عيب)، والمشتري مصلحته في جميع الدار لا نصفها.
ومنها: إذا اشترى داراً أو أرضاً أو سلعة فاستُحق جزء منها كالثلث أو
стр. 1123
الربع، فللمشتري أن يرد كل الدار أو الأرض أو السلعة ويسترد الثمن من البائع؛ لأن التبعيض في الأملاك المجتمعة عيب، ولكن إذا رضي المشتري بالجزء الباقي بجزء من الثمن فله ذلك؛ لأنه أدرى بمصلحته.
стр. 1124
القاعدة السابعة والثلاثون [التجاذب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تجاذب الفرع أصلان متعارضان (١). [فقهية أصولية].
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل: ما بني وتفرع عليه غيره، والفرع: ما بني على غيره. كالشجرة أصل والأغصان والثمار فروع. ففي المحسوسات لا يقبل الفرع إلا أصل واحد. ولا يعقل أن يتنازع أو يتجاذب أصلان فرعاً واحداً.
ولكن في الأمور المعنوية كالقياس والأحكام قد يتعارض لدى المجتهد أصلان يتجاذبان الفرع المقيس أو الحكم المراد، ففي هذه الحال لا يكون أمام المجتهد - إن لم يمكنه التوفيق - سوى الترجيح بين هذين الأصلين وإلحاق الفرع المتنازع بينهما لأكثرهما به شبهاً، أو أكثر صفات، أو يعمل بالأصلين معاً على سبيل التوفيق.
قال في المنثور (٢): قال صاحب الذخائر (٣) في باب زكاة الفطر: وعلى المجتهد ترجيح أحدهما بوجه من وجوه النظر. فلا يظن أن تقابل الأصلين يمنع المجتهد من إخراج الحكم، إذ لو كان كذلك لخلت الواقعة عن حكم الله تعالى، وهو لا يجوز.
стр. 1125
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شك وهو في الجمعة هل خرج الوقت أم لا؟ أتم الجمعة على الصحيح؛ لأن الأصل بقاء الوقت.
ومنها: إذا أدرك المسبوق الإمام وهو راكع وشك في إدراك حد الإجزاء، فهل يدرك الركعة؛ لأن الأصل بقاء الركوع أو لا؛ لأن الأصل عدم الإدراك وجهان، والأخذ بالاحتياط هنا أولى وهو الثاني.
ومنها عند الأصوليين في قياس الشبه: العبد إذا قُتل فهل يجب على قاتله ديته قياساً على الحر؛ لأنه مكلف ومخاطب. أو تجب قيمته بالغة ما بلغت قياساً على الدابة؛ لأنه يباع ويوهب؛ خلاف بين الأصوليين.
ومنها: إذا وقع في الماء نجاسة وشك في بلوغه قلتين، فهل يحكم بنجاسته؛ لأن الأصل عدم بلوغه قلتين؟ أو بطهارته؛ لأن الأصل في الماء الطهارة؟ وجهان.