← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

يتجزأ. أو عفا مستحق القصاص عن بعضه. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا قال في الرجعة: راجعت يدك لم تصح الرجعة. ومنها: إذا قال: نصفي كفيل بدَينك. لم تصح الكفالة بخلاف ما لو قال: أنا كفيل بنصف دينك؛ لأن الدَّين يقبل التبعيض. وقد سبق ذكر هذه القاعدة في حرف الهمزة تحت كلمة أصل برقم ٤٤١.

стр. 1122

القاعدة السادسة والثلاثون [التبعيض] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: التبعيض في الأملاك المجتمعة عيب (١). أو الملك (٢). وفي لفظ: التبعيض في الأعيان المجتمعة عيب (٣). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القواعد تتعلق بتفريق الصفقة المجتمعة والتي لا تقبل التبعيض ولا التجزئة لما يسببه ذلك من ضرر على بعض ذوي العلاقة بالصفقة. ولما كان الضرر مدفوعاً ويجب إزالته ورفعه إذا وقع منع الفقهاء تفريق الصفقة وتبعيض الملك المجتمع دفعاً للضرر عن الغير. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا بيعت دار ولها شفعاء فقال أحد الشفعاء: سلمت شفعتي في نصف الدار. يكون ذلك تسليماً للشفعة كلها وذلك لسببين: الأول: أن الشفعة كلٌّ لا يتجزأ (فذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله) - كما سبق - فكأنه سلم الشفعة كلها. والسبب الثاني: إن في ذلك ضرراً على المشتري والبائع؛ لأن في ذلك تفريقاً للصفقة المجتمعة (والتبعيض في الملك المجتمع عيب)، والمشتري مصلحته في جميع الدار لا نصفها. ومنها: إذا اشترى داراً أو أرضاً أو سلعة فاستُحق جزء منها كالثلث أو

стр. 1123

الربع، فللمشتري أن يرد كل الدار أو الأرض أو السلعة ويسترد الثمن من البائع؛ لأن التبعيض في الأملاك المجتمعة عيب، ولكن إذا رضي المشتري بالجزء الباقي بجزء من الثمن فله ذلك؛ لأنه أدرى بمصلحته.

стр. 1124

القاعدة السابعة والثلاثون [التجاذب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تجاذب الفرع أصلان متعارضان (١). [فقهية أصولية]. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل: ما بني وتفرع عليه غيره، والفرع: ما بني على غيره. كالشجرة أصل والأغصان والثمار فروع. ففي المحسوسات لا يقبل الفرع إلا أصل واحد. ولا يعقل أن يتنازع أو يتجاذب أصلان فرعاً واحداً. ولكن في الأمور المعنوية كالقياس والأحكام قد يتعارض لدى المجتهد أصلان يتجاذبان الفرع المقيس أو الحكم المراد، ففي هذه الحال لا يكون أمام المجتهد - إن لم يمكنه التوفيق - سوى الترجيح بين هذين الأصلين وإلحاق الفرع المتنازع بينهما لأكثرهما به شبهاً، أو أكثر صفات، أو يعمل بالأصلين معاً على سبيل التوفيق. قال في المنثور (٢): قال صاحب الذخائر (٣) في باب زكاة الفطر: وعلى المجتهد ترجيح أحدهما بوجه من وجوه النظر. فلا يظن أن تقابل الأصلين يمنع المجتهد من إخراج الحكم، إذ لو كان كذلك لخلت الواقعة عن حكم الله تعالى، وهو لا يجوز.

стр. 1125

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا شك وهو في الجمعة هل خرج الوقت أم لا؟ أتم الجمعة على الصحيح؛ لأن الأصل بقاء الوقت. ومنها: إذا أدرك المسبوق الإمام وهو راكع وشك في إدراك حد الإجزاء، فهل يدرك الركعة؛ لأن الأصل بقاء الركوع أو لا؛ لأن الأصل عدم الإدراك وجهان، والأخذ بالاحتياط هنا أولى وهو الثاني. ومنها عند الأصوليين في قياس الشبه: العبد إذا قُتل فهل يجب على قاتله ديته قياساً على الحر؛ لأنه مكلف ومخاطب. أو تجب قيمته بالغة ما بلغت قياساً على الدابة؛ لأنه يباع ويوهب؛ خلاف بين الأصوليين. ومنها: إذا وقع في الماء نجاسة وشك في بلوغه قلتين، فهل يحكم بنجاسته؛ لأن الأصل عدم بلوغه قلتين؟ أو بطهارته؛ لأن الأصل في الماء الطهارة؟ وجهان.

стр. 1126

القاعدة الثامنة والثلاثون [مخالفة أهل البدع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تجب مخالفة أهل البدع فيما عرف كونه من شعارهم الذي انفردوا به عن جمهور أهل السنة، وإن صح مستندهم فيه خبراً (١) أو نظراً. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: البدع: جمع بدعة، والبدعة في اللغة: من الابتداع وهو الإنشاء والابتداء والإحداث. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢). أي ما كنت أول من أرسل، قد أرسل قبلي رسل كثير (٣). أو ما أنا أول من جاء بالوحي من عند الله وتشريع الشرائع بل أرسل الله تعالى الرسل قبلي مبشرين ومنذرين فأنا على هداهم (٤). وأما في الشرع: فالبدعة هي الفعلة المخالفة للسنة (٥). أو هي الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي، وهي مقابل للسنة. ولذلك يجب مخالفة أهل البدع فيما اشتهروا به من بدعهم التي انفردوا بها عن جمهور أهل السنة - حتى وإن صح لهم دليل على بدعتهم - كان الدليل خبراً أو استدلالاً واجتهاداً. هكذا قال المقري (٦).

стр. 1127

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ضرب المقري مثال البدعة التي يجب مخالفتها: بخمس تكبيرات في صلاة الجنازة وصيام يوم الشك وعلل لقوله: إن مستند البدعيين وإن كان صحيحاً في الخبر أو النظر فإن مستند جماعة أهل السنة ودليلهم مثله على الأقل أو أصح منه. ثم قال: ثم فيه مع صيانة العرض القيام مع أهل الحق والردع لأهل الباطل. وبنى المالكية على ذلك قاعدة قالوا فيها: (ينبغي لأهل الفضل اجتناب الصلاة على المجاهرين). قال: وهي قاعدة شرعية معلومة. وأقول وبالله التوفيق: إنه إذا صح الخبر ولم يعرف هذا الخبر بنسخ أو نهي عن الفعل الذي دل عليه واستند إليه مستند وإن خالف الجماعة، فهل يكون تمسك المتمسك به وعمل عليه بدعة؟ وكذلك إذا اجتهد مجتهد في صيام يوم الشك فهل يعتبر اجتهاده وصومه بدعة؟ فمثلاً التكبير على الجنازة خمس تكبيرات قد ثبت عند مسلم من رواية زيد بن أرقم ﵁ (أنه كبر على جنازة خمساً) وقال: كان النبي ﷺ يكبرها. وعن حذيفة بن اليمان ﵄ نحوه، رواه أحمد، والتكبير على الجنازة خمساً رواية عن أحمد ﵀. فهل يكون ذلك بدعة؟ وإن كان عمل الجماعة على التكبير أربعاً. ولِمَ لا يحمل ذلك على جواز الأمرين؟ بل عند أحمد ﵀: إن المأموم يتابع الإمام إلى سبع تكبيرات (١). وأما صيام يوم الشك وهو إذا حال دون منظر القمر غير أو قتر ليلة الثلاثين

стр. 1128

فقد أوجبه جماعة كبيرة - وإن كان العمل عند الأئمة بخلافه - (١). فكيف يقال: إن صيامه بدعة. والبدعة كما عرفناها مما لم يكن اقتضاه الدليل الشرعي؟ ومن الأمثلة الصحيحة لهذه القاعدة: إذا عرف عن جماعة اجتماعهم في وقت مخصوص لذكر مخصوص - لم يرد عن رسول الله ﷺ ولم يفعله أصحابه رضوان الله عليهم - كما يفعل الصوفية. فهذه بدعة محدثة في الدين، فيجب مخالفتهم فيها. ومنها: من يبيحون للمرأة المسلمة السفور والتكشف وتقصير الثياب والاختلاط مع الرجال ومجالستهم مع التكشف، فهذه بدعة وأولئك مبتدعون لا يصلى عليهم. ومنها: من يبيحون الربا ويسمونه بغير اسمه. فهؤلاء وأمثالهم هم المبتدعون الذين لا يصلى عليهم، لا من يكبر على الجنازة خمساً أو من يرى صوم يوم الشك بدليل أو اجتهاد صحيح.

стр. 1129

القاعدة التاسعة والثلاثون [اليمين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تجب اليمين في كل حق لابن آدم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: اليمين في اللغة يطلق على معان عدة: القوة والشدة، واليمين: البركة، واليمين: الجهة، واليد اليمنى، واليمين: الحَلِف. وهو مقصود القاعدة. وسمي الحلف يميناً لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه (٢). واليمين في الاصطلاح: توكيد الحكم بذكر معظَّم على وجه مخصوص (٣). أو هي: تقوية أحد طرفي الخبر بذكر الله تعالى (٤). أو هي: تأكيد الأمر وتحقيقه بذكر اسم الله أو بصفة من صفاته (٥). فمفاد القاعدة: أن مَن قُبل قوله في شيء أو حق كان عليه اليمين إذا طلبت منه؛ لأن إثبات الحق إذا لم تقم عليه البينة أو الإقرار وجبت اليمين للنفي.

стр. 1130

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ادعى شخص على آخر دعوى مال أو دم ولا بينة ولا إقرار فيوجه اليمين وجوباً على المدعى عليه لنفي الدعوى. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: القاضي إذا ادعي عليه - بعد العزل - الحكم بباطل وادعي عليه بقيمة المتلَف فأنكر. فلا يمين عليه. قاله الشافعي ﵁. ومنها: إذا ادعى رجلان زوجية امرأة فأقرَّت لأحدهما لم تُحلَّف للآخر (١).

стр. 1131

القاعدة الأربعون [تجدد السبب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تجدد السبب بعد انقضاء تعلقه كابتدائه (١). وأما قبله: فإن كان معقولاً تداخلت كالحدود والأحداث، وإلا فقولان كالولوغ. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالسبب هنا: العلة. وهو ما ينبني عليه الحكم ويوجد بوجوده وينتفي بانتفائه. والمراد بهذه القاعدة: أن السبب الموجب للحكم إذا وجد مرة أخرى بعد استيفاء تعلقه السابق يجعل كابتداء سبب فيأخذ حكماً جديداً. وأما إذا تجدد السبب وتكرر قبل استيفاء تعلقه السابق فإن الأحكام تتداخل ويثبت لكل الأفعال حكم واحد هذا إذا كان تعلق الحكم بالسبب معقولاً أي معللاً، وأما إذا كان تعلق الحكم بالسبب تعبديًّا غير معقول المعنى فالخلاف فيه بين التداخل والتعدد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أ - مثال تجدد السبب بعد انقضاء تعلقه إذا زنا وأقيم عليه الحد، ثم إذا زنا مرة ثانية يقام عله حدٌّ آخر، كذلك إذا سرق فقطعت يده ثم سرق أخرى فتقطع رجله أو يده اليسرى. وكذلك إذا أحدث فتوضأ ثم أحدث مرة أخرى فعليه وضوء آخر. ب - مثال لتجدد السبب قبل انقضاء تعلقه وهو معقول المعنى: إذا زنا ولم

стр. 1132

يقم عليه الحد ثم زنا أخرى. فإنما يقام عليه حد واحد، وكذلك لو زنا مراراً دون إقامة حد فيحد حدًّا واحداً، وكذلك إذا قذف مراراً شخصاً واحداً، وأما إذا تعدد المقذوفون فيجب لكل مقذوف حدٌّ. ومنها إذا بال ثم لمس بشهوة وجب عليه طهارة واحدة. ج - مثال غير معقول المعنى: إذا ولغ الكلب في الإناء ولم يغسل ثم ولغ فيه نفس الكلب مرة أخرى. أو ولغت فيه كلاب أخرى، فهل يكفي فيه غسلة واحدة - أي غسلة ولوغ سبع مرات إحداهن بالتراب - أو يتعدد الغسل بتعدد الولوغ؟ الأول المشهور (١).

стр. 1133

القاعدة الحادية والأربعون [التدقيق في التحقيق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التدقيق في تحقيق حِكَم المشروعية من مُلَح المعلم لا من متنه عند المحققين بخلاف استنباط علل الأحكام وضبط أماراتها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التدقيق: المبالغة في التفحص. من دق الأمر إذا لطف إدراكه، ويقال: دَقَّ الأمر دِقة: إذا غمض وخفي معناه فلا يكاد يفهمه إلا الأذكياء (٢). والتحقيق: تفعيل من حقَّ الأمر إذا جعله ثابتاً لازماً ببلوغ منتهاه من التحقيق والتثبت (٣). والحكم: جمع حكمة. والمراد بحكم المشروعية علل تشريع الأحكام الإلهية بغير ما ورد به الشرع، أو باستنباط عقلي لا يقوم على دليل صحيح. والمُلَح: جمع مُلْحة وهي الأمور التي تستحسنها العقول وتستملحها النفوس. والمراد بالمُلَح هنا ما ليس قطعيًّا ولا مبنيًّا على قطعي غالباً ولا هي مطردة عامة. ومفاد القاعدة أنه لا ينبغي لطالب العلم المبالغة في التنقير عن الحِكم لا سيما ما ظاهره البعد إذ لا يؤمن فيه من ارتكاب الحظر والوقوع في

стр. 1134

الخطل، وحسب الفقيه من ذلك ما كان منصوصاً أو ظاهراً أو قريباً من الظهور. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لا يقال: الزوال وقت الانقلاب إلى العادة فطُلب منه البداية بالعبادة. فقولهم: وقت الانقلاب إلى العادة محاولة لمعرفة الحكمة من فرض صلاة الظهر عند الزوال، وهذا التعليل غير صحيح؛ لأن أوقات العبادات لا تقبل التعليل. وكذلك قولهم. وقت العصر وقت الانتشار في طلب المعاش فقيل لهم: تزودوا قبل ذلك للمعاد (١).

стр. 1135

القاعدة الثانية والأربعون [أحكام الذمي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تجري على الذمي أحكام المسلمين (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الذمي: هو الذي أعطي عهداً أن يكون في ذمة المسلمين ورضي بدفع الجزية والبقاء على دينه تحت حكم الإسلام. ويشمل ذلك: الكتابي: اليهودي والنصراني، وغير الكتابي كالمجوسي والوثني. فهؤلاء يجري عليهم من الأحكام ما يجري على المسلمين إلا ما استثني بسبب اختلاف الدين. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قتل الذمي ذميًّا عمداً قتل به قصاصاً، وإذا زنا أقيم عليه الحد، ولكنه لا يرجم لأنه غير محصن عند أبي حنيفة ﵀، وعند أحمد ﵀ يرجم؛ لأن الذميين يثبت لهما الإحصان عنده ولأن الرسول ﷺ رجم اليهوديين اللذين زنيا (٢). وكذلك عند الشافعي ومالك (٣) رحمهما الله تعالى. وإذا قذف يقام عليه حد القذف. وإذا سرق تقطع يده. وإذا ترافعوا إلى قاض مسلم في المواريث يحكم بينهم ويقسم مواريثهم

стр. 1136

كما يقسمها بين المسلمين. وإن كان في شرعهم ما يخالفه. رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة: لا يقام على الذمي حد الخمر لأنه مباح عندهم. ولا يمنع من اقتناء الخنزير. والخمر والخنزير في حقهم مال مقوم، فلو أتلف ذمي أو مسلم على ذمي خمره أو قتل خنزيره وجب عليه الضمان. بخلاف ما لو كان الخمر أو الخنزير لمسلم فلا ضمان في إتلافهما لأنهما ليسا بمال في حق المسلم. كما لا يمنع الذمي من لبس الحرير والذهب. ولا يؤمر بالعبادات ولا تصح منه لو فعلها. ولو تناكح أهل الذمة نكاحاً فاسداً أو تبايعوا فاسداً لم يتعرض لهم.

стр. 1137

القاعدة الثالثة والأربعون [التجهيل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التجهيل موجب للضمان (١). وفي لفظ: الأمانات تقلب مضمونة بالموت عن تجهيل. وقد سبقت في حرف الهمزة تحت رقم ٥٨١. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التجهيل: تفعيل من الجهل. يقال: جهَّل يجهِّل تجهيلاً. ككرَّم يكرِّم تكريماً. والجهل: ضد العلم. والتجهيل: فعل الجهل. والمراد به هنا: إغفال أمر الوديعة والسكوت عليها حتى الموت - مع عدم علم الوارث بها - فإن ذلك موجب لضمانها وإخراج قيمتها من التركة قبل القسمة. وإن كان الأصل في الأمانة والوديعة أنها غير مضمونة إلا بالتعدي أو التفريط، ويعتبر تجهيل الوديعة بعدم ذكرها لورثته وإعلامهم بها - وكانوا هم لا يعلمونها - يعتبر ذلك تفريطاً من الأمين، ولذلك وجب ضمانها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أودع رجل عند آخر مالاً، أو جوهراً أو ثياباً أو غيرها، ثم مات الأمين ولم يعلم ورثته بتلك الوديعة، فإن هذه الوديعة تنقلب مضمونة في مال الميت ويجب إما العثور عليها وتسليمها لصاحبها بعد إقامة البينة عليها، وهو أحق بها من باقي الغرماء، أو ضمان قيمتها في التركة قبل القسمة وتعتبر ديناً على الميت.

стр. 1138

فإن كان للميت غرماء آخرون بسبب ديون أو مضاربة أو بضاعة فإن عرِّفت الودائع بأعيانها كان أربابها أحق بها من الغرماء، وإن لم تعرف بأعيانها قسم المال بينهم بالحصص، وأصحاب الوديعة والمضاربة والبضاعة بمنزلة الغرماء عند الحنفية، وخالف في ذلك ابن أبي ليلى ﵀ حيث قال: الغرماء أحق بجميع التركة ولا يصبح الأمين إذا مات مجهِّلاً للأمانة ضامناً. وحجة الحنفية: أن الأمين بالتجهيل يصير مسلطاً غرماء الميت وورثته على أخذ الوديعة. والمودَع بمثل هذا التسليط يكون ضامناً كما لو دل سارقاً على سرقتها، ولأنه التزم أداء الأمانة، ومن أداء الأمانة بيانها عند موته وردها على المالك إذا طلب، فكما يضمن بترك الرد بعد الطلب يضمن أيضاً بترك البيان عند الموت. رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة: الناظر إذا مات مجهلاً غلات الوقت فلا يضمن. والقاضي إذا مات مجهلاً أموال اليتامى عند مَن أودعها. والسلطان إذا أودع بعض الغنيمة عند الغازي ثم مات ولم يبين عند مَن أودعها (١).

стр. 1139

القاعدة الرابعة والأربعون [تحديد ما يتعذر إحضاره] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التحديد فيما يتعذر إحضاره بمنزلة الإشارة إلى العين فيما يتيسر إحضاره (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التحديد: أي ذكر الحدود. فمفاد القاعدة: أن ما لا يمكن إحضاره في مجلس العقد يعتبر تحديده بذكر حدوده أو أوصافه المميزة له بمنزلة الإشارة إلى ما يسهل إحضاره وإيجاده في مجلس العقد كالدابة والأداة والسلعة؛ لأن الوصف في الغائب كالإشارة للحاضر في إزالة الجهالة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى شخص من آخر أرضاً وذكر حدودها ومساحتها وموقعها فهذا يكفي في تعريفها ويتم العقد عليها بناء على ذلك. فإذا وجد المشتري بعد ذلك الأرض مستوفية للحدود المبينة في العقد لزمه العقد ولا يجوز له الفسخ، وأما إذا وجد اختلافاً فهو بالخيار بين إمضاء العقد أو فسخه (٢). ومنها: إذا اشترى إنسان من آخر سيارة ولم يمكن إحضارها في مجلس العقد، كأن تكون في بلد آخر أو غائبة وذكرت له أوصافها المميزة من النوع وسنة الصنع واللون وكل ما يمكن أن تميز به السيارة، ثم حين

стр. 1140

إحضارها وجدت حسب الصفات المذكورة لزمت المشتري ولا حق له في الفسخ، وأما إن وجدت مخالفة لبعض الأوصاف فهو بالخيار بين إمضاء العقد أو فسخه.

стр. 1141

القاعدة الخامسة والأربعون [البدعة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التحرز عن البدعة واجب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التحرز من الحرز، والحرز المكان الذي يحفظ فيه ويتحصن به، فالتحرز هو التحفظ. فمفاد القاعدة: أنه عند وجود البدعة أو ظن وقوعها فعلى المسلم أن يتحرز ويتحفظ منها، وعليه البعد عنها. وما تردد بين المباح والبدعة فلا يؤتى به. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: امرأة ضلت عن أيام حيضها بسبب استمرار الدم معها ولا تدري متى بدء حيضتها أو انتهائها، فهذه تغتسل لكل صلاة، ولا تصلي بغسلها إلا المكتوبات والسنن المشهورة. ولا تصلي شيئاً من التطوعات سوى هذا؛ لأن أداء التطوع في حالة الطهر مباح وفي حالة الحيض حرام، وما تردد بين المباح والسنة والبدعة لا يؤتى به؛ لأنها في كل وقت على احتمال أنها حائض. وقيل هذه تمتنع عن الصلاة والصيام عدد الأيام التي كانت تحيضها قبل إضلال حيضتها إما من أول الشهر أو آخره بحسب آخر عادة لها. والله أعلم.

стр. 1142

القاعدة السادسة والأربعون [التحرز عن الغدر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التحرز عن الغدر واجب (١). وفي لفظ: التحرز عن صورة العذر واجب (٢). من أدلة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ (٣). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الغدر: نقض العهد. فلا يجوز نقض العهد ولذلك كان التحفظ والامتناع من نقضه واجباً، بل الامتناع عن حدوثه واجباً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا نادى المسلمون الكفار بالأمان بلسان - أي بلغة - لا يعرفه أهل الحرب وذلك معروف للمسلمين، فهم آمنون بإسماعهم كلمة الأمان وإن كانوا لم يفهموها. ولعل فيهم ترجمان يعرف معنى نداء المسلمين، ولذلك لا يجوز إخلاف ذلك؛ لأن التحرز عن صورة الغدر واجب. ومنها: لو جاء رجل مستأمناً وأراد الإسلام بشرط أن يرتكب شيئاً من الفواحش أو أراد أن يكون ذمة ولكن بشرط لا يوافق حكم الإسلام فإنه يبلَّغ مأمنه كغيره من المستأمنين، ولا يجوز قتله أو استرقاقه؛ لأنه غدر

стр. 1143

والتحرز عن الغدر واجب. ومنها: إذا وادع أو عاهد الإمام قوماً لمدة معلومة ثم نظر فرأى أن موادعتهم شرٌّ للمسلمين فلا يجوز له أن يقاتلهم بدون أن ينبذ إليهم عهدهم ويعلمهم بنبذ المعاهدة وإنهائها ثم يقاتلهم إن أراد.

стр. 1144

القاعدة السابعة والأربعون [التحري] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: التحري يقوم مقام الدليل الشرعي عند انعدام الأدلة (١). وفي لفظ: التحري يجوز في كل ما جازت فيه الضرورة (٢). وفي لفظ: التحري إنما يجوز فيما يحل تناوله بالضرورة (٣). وفي لفظ: التحري في باب الفروج لا يصح (٤). وفي لفظ: التحري في الفروج لا يجوز بحال (٥). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التحري لغة: القصد. يقال: تحريت الشيء قصدته، وتحريت في الأمر طلبت أحرى الأمرين وهو أولاهما (٦). وقال في المختار: التحري في الأشياء طلب ما هو أحرى في الاستعمال في غالب الظن أي أجدر وأخلق. وفلان يتحرى كذا أي يتوخاه ويقصده (٧). وقال الراغب: حرى الشيء يحرى: أي قصد حراه أي جانبه، وتحرّاه كذلك (٨).

стр. 1145

وأما في الاصطلاح فالتحري: هو طلب الأحرى وهو الصواب. فالتحري والاجتهاد والتأخي بمعنى (١). وقالوا: التحري هو التثبت في الاجتهاد لطلب الحق والرشاد عند تعذر الوصول إلى حقيقة المطلوب والمراد (٢). فمفاد القواعد: أن التحري هو الاجتهاد في الوصول إلى الأولى من الأمرين إذا التبس الأمر واشتبه ولم يمكن الوصول إلى حقيقة المطلوب والمراد لانعدام الأدلة. وهذا يستلزم التثبت والتمكث والتأني فما غلب على ظن المجتهد أنه الحق أو أقرب إلى الحق اتبعه وحكم به، فالتحري في هذه الحال يقوم مقام الدليل الشرعي عند انعدام الدليل الواضح على المسألة المطلوب بيان حكمها. ولكن ليس كل ما اشتبه يجوز التحري فيه إذ يشترط فيما يجوز فيه التحري أن يكون من الأمور التي تحلها وتبيحها الضرورة، فما لا تحله الضرورة لا يجوز فيه التحري والاجتهاد، وخاصة ما يتعلق بالفروج والنساء حيث لا يحل فيه التحري؛ لأنه لا يحل ولا يباح في الضرورة. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: من اشتبهت عليه جهة القبلة فيجب عليه التحري والاجتهاد، فما غلب على ظنه أنه جهة القبلة توجه إليها وصلى. وصلاته صحيحة حتى ولو تبين خطؤه بعد ذلك. ومنها: إذا اختلطت ثياب طاهرة بنجسة وليس معه ثياب غيرها ولا ما

стр. 1146

يغسلها به ولا يعرف الطاهر من النجس فإنه يتحرى ويصلي فيما يقع تحريه أنه طاهر. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد ولا يجوز فيه التحري: إذا اشتبهت محرمة برضاع أو نسب بأجنبيات يريد الزواج من إحداهن، أو زوجة بمحرمات، فلا يجوز التحري؛ (لأن الأصل في الأبضاع التحريم). ومنها: إذا اشتبهت شاة مذكاة بميتة وكلاهما مسلوخة، فلا يجوز التحري؛ (لأن الأصل في الذبائح التحريم)، إلا في حال الضرورة فيجوز أن يأكل من أيها شاء. أما في غير حال الضرورة فلا يجوز التحري.

стр. 1147

القاعدة الثامنة والأربعون [إعواز المثل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تحرير إعواز المثل، ومقدار ما يجب عنده من القيمة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التحرير في اللغة: الأصل فيه جعل الإنسان حرًّا أي خالصاً من شوب الرق. فالتحرير معناه التخليص من الشوائب (٢). وفي الاصطلاح لمعنى إعواز المثل: تحديد مقدار القيمة الواجبة عند انعدام المثل في المثليات؛ لأن معنى إعواز المثل: انعدامه وعدم وجوده. والأصل في معنى الإعواز الفقر، فكأن الذي لا يجد المثل عند قتل صيد الحرم أو اغتصاب مثلي عز مثله فقير إليه. فمفاد القاعدة: أنه إذا انعدم المثل عند الحاجة إليه وجب إخراج قيمته لتقوم مقامه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من اغتصب شيئاً أو أتلفه فإن كان هذا الشيء مثليًّا وجب رد مثله كمن اغتصب حنطة أو تمراً؛ لأن الواجب أصلاً رد العين إذا كانت موجودة، فإذا تعذر ردها وكانت مثلية وجب المثل، فأما إذا تعذر وجود المثل وجبت القيمة؛ لأنها مثل العين فكانت بدلاً عن العين لا عن المثل،

стр. 1148

وقيل: هي - أي القيمة - بدل عن المثل. واختلفوا في المعتبر من القيمة هل هي يوم التلف أو يوم الغصب أو يوم الإعواز؟ عدها ابن الوكيل أحد عشر وجهاً (١).

стр. 1149

القاعدة التاسعة والأربعون [تحريم الحلال والحرام يمين] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: تحريم الحلال اليمين (١). وفي لفظ: تحريم الحلال يكون يميناً إذا صادف محله، فأما إذا لم يصادف محله كان لغواً (٢). ومثله: تحريم الحرام يمين. ودليل هذه القواعد وأصلها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ (٣). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: تحريم الحلال: جعل ما هو حلال شرعاً محرماً بيمينه، لكن بشرط أن يصادف محلاًّ صالحاً للإيقاع، وكذلك تحريم الحرام شرعاً يمين إذا نواه. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا حلفت امرأة أن لا تمكن زوجها من نفسها ثم مكنته فعليها كفارة يمين. ومنها: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام كأمي. ولم تكن له نية ظهار أو طلاق، فهو ظهار؛ لأن الحرمة بالظهار هنا دون الحرمة بالطلاق؛ لأن الحرمة بالظهار لا تزيل الملك، والحرمة بالطلاق تزيله (٤). ومنها: إذا قال: هذا الخمر علي حرام، ونوى به اليمين كان يميناً.

стр. 1150

رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة ولم يكن يميناً: إذا قال لرجل: إن أكلت عندك طعاماً أبداً فهو كله حرام - ينوي بذلك اليمين - فأكله عنده لم يحنث؛ لأنه يجعل الحرام ما أكله وبعدما أكله لا يتصور أن يجعله حراماً. فإذن هذا لا يكون يميناً وإن نواه؛ لأنه لم يصادف محله.

стр. 1151

القاعدة الخمسون [الحال والمآل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: التحريم المتوقع لا يؤثر في الحال عدم الحل، كما أن الحلَّ المتوقع لا يؤثر في منع الحل في الحال (١). وفي لفظ: هل الاعتبار بالحال أو بالمآل (٢)؟ أو العبرة. وتأتي في حرف الهاء إن شاء الله. وفي لفظ: المتوقع هل جعل كالواقع (٣)؟ وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. وفي لفظ: ما قارب الشيء هل يعطى حكمه (٣)؟ وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. وفي لفظ: المشرف على الزوال هل يعطى حكم الزائل (٣)؟ وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. وفي لفظ عند المالكية: الحكم هل يتناول الظاهر والباطن أم لا يتناول إلا الظاهر فقط. وهو الصحيح (٤). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القواعد وإن اختلفت عباراتها فمعناها متحد ويتعلق موضوعها بالمآل والعاقبة المغيبة التي لا يدركها المكلف، وإنما تبنى الأحكام على الظواهر لا العواقب المستورة، فما كان ظاهره الحل فهو حلال، وإن كان

стр. 1152

قد يحرم في العاقبة، وكذلك ما كان ظاهره التحريم فهو حرام وإن كان يحل في العاقبة والمآل. وقديماً قال الزركشي (١): إن الضابط لهذه الأمور: أن ما بني على أمر ظاهر مأذون فيه فلا توقف في جواز التصرف، وكذلك ما بني على أمر ظاهر غير مأذون فيه فلا توقف أيضاً على عدم جواز التصرف (٢). ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: من أعتق في مرضه أمةً، جاز لوليها القريب أن يزوجها، وكذلك يجوز للمعتق أن يتزوجها؛ لأن العتق قد وقع ممن هو أهله. والتحريم المتوقع هو احتمال أن لا تخرج من ثلث مال المريض عند الوفاة فيكون بعضها مازال رقيقاً. أو أن يوجد على الميت دين مستعرق فتباع في دينه فتكون كلها رقيقاً؛ لأن العتق في مرض الموت وصية. ومنها: جواز عقد النكاح بشهادة شاهدين مستورين ويتسلط الزوج على الاستمتاع في الحال، مع أنه لو ظهر عند العقد أن الشاهدين فاسقان لبطل النكاح. ومنها: أن للزوجة التصرف في جميع الصداق بمجرد العقد وإن كان لا يستقر ملكها عليه إلا بالدخول. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: الزوجة إذا ارتدت بعد الدخول فإنه يحرم على زوجها نكاح أختها وأربع

стр. 1153

سواها قبل انقضاء عدتها. ووجه الاستثناء أن الردة تقطع الزوجية لكن لما كان النكاح ثابتاً قبل الردة فلهذا منعوا أن يتزوج أختها أو أربعاً سواها إلا بعد انقضاء عدتها منه حتى لا يكون جامعاً أختين معاً.

стр. 1154

القاعدة الحادية والخمسون [تحصيل المقصود] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تحصيل مقصود العاقدين بقدر الإمكان واجب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها تعلق بقاعدة: العبرة في العقود بالمقاصد لا بالألفاظ. فإن تحصيل وتحقق ما يريده المتعاقدان من عقدها يجب حصوله بقدر الإمكان ولو خالف اللفظ المنطوق به إذا قامت قرينة على المراد وإذا لم تقم قرينة فلا يهمل اللفظ. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: وهبتك هذا الكتاب بدينارين. فقال: قبلت. كان العقد عقد بيع لا عقد هبة لذكر العوض في العقد. ومنها: إذا استصنع عند حائك - أي خياط - ثوباً موصوف الطول والعرض والرفعة والجنس ينسجه من غزل الحائك، أو من قماش الخياط، وضرب لتسليم هذا الثوب أجلاً وتعجل الثمن كان جائزاً وكان عقد سلم لا خيار له فيه، وليس عقد استصناع.

стр. 1155

القاعدة الثانية والخمسون [دليل الحياة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التحقيق أن دليل الحياة هو الحس (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: تبين هذه القاعدة الدليل على قيام الحياة ووجودها في الإنسان أو الحيوان - بالنسبة لأعضاء كل منهما وعظمه وشعره - عند الاشتباه. فاعتبر الفقهاء أن الحس أو الإحساس هو دليل الحياة، فإذا وجد الإحساس وجدت الحياة، وإذا عدم الإحساس عدمت الحياة. وهذه قاعدة مهمة للتفريق بين الطاهر والنجس في أعضاء الحيوان. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: عظم الحيوان الميت هل هو طاهر أو نجس؟ من قال: إنه لا إحساس فيه حكم بطهارته. ومن قال: إنه تحله الحياة حكم بنجاسته كظاهر مذهب الشافعي ﵀. وكذلك بالنسبة للشعر حيث أتبعه الشافعية المنبت فاعتبروه نجساً بالموت (٢). كالمالكية في قول لهم. والحنفية عندهم أن شعر الميتة وعظمها وحافرها وعصبها طاهر (٣).

стр. 1156

ولأحمد بن حنبل رخمه الله في عظم الميتة وظفرها روايتان. أما الصوف والشعر والريش فطاهر (١).

стр. 1157

القاعدة الثالثة والخمسون [تحكيم الحال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تحكيم الحال واجب في كل أمر أشكل في الماضي (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالحال: أي الزمن الحاضر. لهذه القاعدة صلة بقاعدة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، وتتعلق بأحد نوعي الاستصحاب عند الحنفية والشافعية وهو ما يسمى بالاستصحاب المقلوب أو المعكوس، ومحله في كل أمر اشتبه وأشكل في الماضي - حيث لا بينة ولا دليل - على الدعوى فتحكم الحال الحاضرة ويكون القول قول من يتمسك بها مع يمينه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الاختلاف في جريان ماء الطاحون إذا اختلف المؤجر والمستأجر في جريان ماء النهر الذي يدير الطاحون، فيقول المستأجر: إن الماء انقطع منذ ثلاثة أشهر مثلاً، وقال المؤجر: بل هو جار لم ينقطع. ولا بينة ولا دليل لأحدهما على قوله. فينظر إلى الحال الحاضرة حين الخصومة، فإن كان الماء منقطعاً كان القول قول المستأجر مع يمينه، وإذا كان جارياً كان القول قول المؤجر مع يمينه ويسمى هذه استصحاب الحال للماضي. ومنها: مسألة زوجة الذمي التي ادعت أنها أسلمت بعد وفاة زوجها، وتطالب بميراثها منه. وقال ورثة الميت: إنها أسلمت قبل وفاته فلا تستحق من الميراث لاختلاف الدين - ولا بينة ولا دليل لأحد منهم على

стр. 1158

قوله - فعند الأئمة الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف محمد رحمهم الله تعالى: القول قول الورثة مع يمينهم تحكيماً للحال حيث إنها الآن مسلمة فينسحب إسلامها إلى ما قبل الوفاة. وعند الإمام زفر بن الهذيل: إن القول قول المرأة بناء على الأصل الآخر وهو (إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته) وأقرب أوقات إسلامها بعد الوفاة هو الوقت المتفق على وجود إسلامها فيه. والوقت الأبعد، وهو ما قبل الوفاة مشكوك فيه، فيكون القول قول من يتمسك بالزمن الأقرب؛ لأنه المتيقن. ويكون القول قول المرأة أنها أسلمت بعد الوفاة مع يمينها فترث. وبناء على قول زفر تكون هذه المسألة مستثناة من القاعدة.

стр. 1159

القاعدة الرابعة والخمسون [تحكيم السيماء] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: تحكيم السيماء فيما يحكم فيه بالعلامة أصل (١). وفي لفظ: تحكيم السيماء أصل فيما لا يوقف على حقيقته (٢). وفي لفظ: تحكيم السيماء أصل في باب الإسلام (٣). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: السيماء في اللغة: العلامة، والسُّومة أيضاً. وتأتي مقصورة: السيمى والسيما والسيمياء (٤). قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٦). وأصل المادة: ما دل على طلب شيء يقال: سمت الشيء أسومه سوماً. واعتبر ابن فارس: السُّومة وهي العلامة تجعل في شيء، مما شذ عن الباب (٧). ومعناها في الاصطلاح هو معناها في اللغة. فمفاد القاعدة: أن ما لا يوقف على حقيقته وما يجهل - وكان لا بد من إعطائه حكماً شرعيًّا - أنه ينظر إلى العلامات المميزة وبناءً عليها يكون

стр. 1160

الحكم وهذا أصل شرعي عظيم. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا اختلط موتى مسلمين بموتى كفار، فإنه يفرق بينهم بالعلامة التي يتميز المسلم عن الكافر. حيث يجب تغسيل المسلم والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ولا يجوز الصلاة على الكافر ولا دفنه في مقابر المسلمين، ومن علامات المسلم الختان، وصبغ الشعر واللباس المميز إن وجد وآثار السجود. ومنها: إذا دخل المسلمون مدينة من مدائن المشركين عنوة فلا بأس أن يقتلوا من لقوا من رجالهم إلا أن يروا رجلاً عليه سيماء المسلمين فيجب أن لا يقتلوه ويجب عليهم التثبت في أمره حتى يتبين لهم حاله؛ لأنه متى وقع الغلط في القتل لا يمكن تداركه، وليس في تأخيره إلى أن يتبين الأمر تفويت شيء على المسلمين.
следующие страницы →