← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ولأحمد بن حنبل رخمه الله في عظم الميتة وظفرها روايتان. أما الصوف والشعر والريش فطاهر (١).

стр. 1157

القاعدة الثالثة والخمسون [تحكيم الحال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تحكيم الحال واجب في كل أمر أشكل في الماضي (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالحال: أي الزمن الحاضر. لهذه القاعدة صلة بقاعدة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، وتتعلق بأحد نوعي الاستصحاب عند الحنفية والشافعية وهو ما يسمى بالاستصحاب المقلوب أو المعكوس، ومحله في كل أمر اشتبه وأشكل في الماضي - حيث لا بينة ولا دليل - على الدعوى فتحكم الحال الحاضرة ويكون القول قول من يتمسك بها مع يمينه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الاختلاف في جريان ماء الطاحون إذا اختلف المؤجر والمستأجر في جريان ماء النهر الذي يدير الطاحون، فيقول المستأجر: إن الماء انقطع منذ ثلاثة أشهر مثلاً، وقال المؤجر: بل هو جار لم ينقطع. ولا بينة ولا دليل لأحدهما على قوله. فينظر إلى الحال الحاضرة حين الخصومة، فإن كان الماء منقطعاً كان القول قول المستأجر مع يمينه، وإذا كان جارياً كان القول قول المؤجر مع يمينه ويسمى هذه استصحاب الحال للماضي. ومنها: مسألة زوجة الذمي التي ادعت أنها أسلمت بعد وفاة زوجها، وتطالب بميراثها منه. وقال ورثة الميت: إنها أسلمت قبل وفاته فلا تستحق من الميراث لاختلاف الدين - ولا بينة ولا دليل لأحد منهم على

стр. 1158

قوله - فعند الأئمة الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف محمد رحمهم الله تعالى: القول قول الورثة مع يمينهم تحكيماً للحال حيث إنها الآن مسلمة فينسحب إسلامها إلى ما قبل الوفاة. وعند الإمام زفر بن الهذيل: إن القول قول المرأة بناء على الأصل الآخر وهو (إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته) وأقرب أوقات إسلامها بعد الوفاة هو الوقت المتفق على وجود إسلامها فيه. والوقت الأبعد، وهو ما قبل الوفاة مشكوك فيه، فيكون القول قول من يتمسك بالزمن الأقرب؛ لأنه المتيقن. ويكون القول قول المرأة أنها أسلمت بعد الوفاة مع يمينها فترث. وبناء على قول زفر تكون هذه المسألة مستثناة من القاعدة.

стр. 1159

القاعدة الرابعة والخمسون [تحكيم السيماء] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: تحكيم السيماء فيما يحكم فيه بالعلامة أصل (١). وفي لفظ: تحكيم السيماء أصل فيما لا يوقف على حقيقته (٢). وفي لفظ: تحكيم السيماء أصل في باب الإسلام (٣). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: السيماء في اللغة: العلامة، والسُّومة أيضاً. وتأتي مقصورة: السيمى والسيما والسيمياء (٤). قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٦). وأصل المادة: ما دل على طلب شيء يقال: سمت الشيء أسومه سوماً. واعتبر ابن فارس: السُّومة وهي العلامة تجعل في شيء، مما شذ عن الباب (٧). ومعناها في الاصطلاح هو معناها في اللغة. فمفاد القاعدة: أن ما لا يوقف على حقيقته وما يجهل - وكان لا بد من إعطائه حكماً شرعيًّا - أنه ينظر إلى العلامات المميزة وبناءً عليها يكون

стр. 1160

الحكم وهذا أصل شرعي عظيم. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا اختلط موتى مسلمين بموتى كفار، فإنه يفرق بينهم بالعلامة التي يتميز المسلم عن الكافر. حيث يجب تغسيل المسلم والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ولا يجوز الصلاة على الكافر ولا دفنه في مقابر المسلمين، ومن علامات المسلم الختان، وصبغ الشعر واللباس المميز إن وجد وآثار السجود. ومنها: إذا دخل المسلمون مدينة من مدائن المشركين عنوة فلا بأس أن يقتلوا من لقوا من رجالهم إلا أن يروا رجلاً عليه سيماء المسلمين فيجب أن لا يقتلوه ويجب عليهم التثبت في أمره حتى يتبين لهم حاله؛ لأنه متى وقع الغلط في القتل لا يمكن تداركه، وليس في تأخيره إلى أن يتبين الأمر تفويت شيء على المسلمين.

стр. 1161

القاعدة الخامسة والخمسون [تحكيم العادة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تحكيم العادة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه قاعدة العرف وأثره في الأحكام الشرعية والمعنونة بقاعدة "العادة محكمة" وستأتي في حرف العين إن شاء الله تعالى بأدلتها وبعض تفصيلاتها ومسائلها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إن الله أمر بالاستئذان في الأوقات الثلاثة التي جرت العادة فيها بالابتذال ووضع الثياب، فانبنى الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه في حياتهم اليومية، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ (٢) الآية.

стр. 1162

القاعدة السادسة والخمسون [تحكيم المكان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تحكيم المكان أصل في الشرع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بتحكيم المكان بناء الحكم الشرعي على مكان وقوع الحادثة، حيث إن بعض الحوادث والوقائع تختلف أحكامها الشرعية تبعاً لاختلاف الأمكنة التي وقع فيها الحادث أو حدثت فيها الواقعة، فدار الإِسلام غير دار الحرب وأرض المعركة غيرهما. وأرض الحرم خلاف أرض الحل. وأحكام المساجد غير أحكام البيوت أو الشوارع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من رأى شخصاً في دار الحرب وهو لا يعلم حاله يباح له الرمي إليه ما لم يعلم أنه مسلم أو ذمي. وأما لو رآه في دار الإسلام فلا يحل له ذلك ما لم يعلم أنه حربي. ومنها: إذا دخل قوم من أهل الذمة بعض حصون أهل الحرب، ثم ظهر المسلمون على أهل الحصين فكل مَن في الحصين فيء - أي غنيمة - إلا من عُرف بالذمة بعينه؛ لأنهم وجدوا في موضع النهبة والإباحة فكانوا فيئاً، ما لم يظهر المانع في بعضهم، كأن يكون ذميًّا أو مسلماً. وتحكيم المكان في مثل هذا أصل في الشرع. ومنها: قضاء القاضي في غير مكان ولايته - قالوا - لا يصح؛ لأن القضاء

стр. 1163

يتخصص بالزمان والمكان (١). فلا يقضي القاضي في غير بناء المحكمة ولا في غير زمن القضاء عند الحنفية. ومنها: قتل صيد الحرم يوجب الجزاء بخلاف صيد خارجه ولو كان مجاوراً له.

стр. 1164

القاعدة السابعة والخمسون [التحليف] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: التحليف يتوقف على صحة الدعوى (١). وفي لفظ: لا يحلف القاضي على حق مجهول (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدتين ومدلولهما: هاتان القاعدتان أصل عظيم من أصول وقواعد الدعوى؛ لأن البت في الدعوى يتوقف على بينة المدعي أو يمين المدعى عليه عند عدم البينة، ولكن ليس كل من ادعى دعوى ولم يأت ببينة وطلب يمين خصمه تقبل دعواه ويجاب إلى طلبه بتوجيه اليمين على المدعى عليه؛ بل على القاضي: أولاً: أن يتحقق من صحة دعوى المدعي. فما لم يتبين صحة الدعوى فلا يجوز تحليف المدعى عليه، والدعوى الباطلة: إما أن لا تكون ملزمة شيئاً على الخصم، أو يكون المدعى به مجهولاً في نفسه (٣). ثانياً: أن يطلب من المدعي بينته أولاً، فإن عجز وقد ثبت صحة الدعوى وجه اليمين على المدعى عليه. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا ادعى معروف الفقر والمسكنة على رجل من كبار القوم وأغنيائهم أنه اقترض منه مبلغاً عظيماً من المال - ولم يعرف هذا الفقير بامتلاك عشر

стр. 1165

معشاره - وطلب تحليف خصمه، فإنه لا تقبل هذه الدعوى ولا توجه اليمين على المدعى عليه. ومنها: إذا باع أرضاً ثم ادعى أنها وقف وطلب يمين المشتري المدعى عليه قالوا: ليس له ذلك عند الكل؛ لأن التحليف يعتمد صحة الدعوى، ودعواه لم تصح للتناقض؛ حيث إنه باع الأرض ثم ادعى أنها وقف، والوقف لا يباع. ومنها: إذا ادعى على شريكه خيانة مبهمة وطلب يمينه لا يحلف (١). رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: وقد وجبت اليمين مع أن المحلوف عليه مجهول: دعوى المجهول في الوصية، فإن ادعى حقًّا من وصية أو إقرار فإنهما يصحان بالمجهول. وتصح دعوى الإبراء من المجهول بلا خلاف (٢). ومنها: إذا اتهم القاضي وصي اليتيم أو متولي الوقف بخيانة مبهمة فإنه يحلفهما نظراً لليتيم والوقف. ومنها: إذا ادعى المودِع على المودَع خيانة مطلقة فإنه يُحلَّف (١).

стр. 1166

القاعدة الثامنة والخمسون [تحمل الضرر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تحمل الضرر القليل لا يدل على تحمل الضرر الكثير (١). [والعكس صحيح]. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة معقولة المعنى؛ لأن من تحمل ضرراً قليلاً عند حاجته فلا يدل ذلك على أنه قادر على تحمل ضرر أكثر أو أكبر، ولكن العكس صحيح وهو أن مَن تحمل الضرر الكثير قادر على تحمل الضرر القليل بطريق الأولى. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: العبد لا تجب عليه الجمعة لحق المولى، ولكن يجب عليه صلاة الظهر وغيرها من الصلوات وإن كان يتضرر المولى. ولكن ذلك القدر مستثنى لحق الله تعالى. وأما الجمعة فإن الشرع أسقطها عنه لدفع الضرر عن المولى بترك خدمته؛ حيث إن شهود الجمعة وانتظار الإمام وسماع الخطبة يأخذ منه وقتاً كبيراً قد يتضرر بسببه المولى بخلاف صلاة الظهر حيث إنه يتمكن من أدائها بنفسه حيث هو، فلا ينقطع عن خدمة المولى. ومنها: من قدر على العمل تحت الشمس ساعة وتحمل حرها لا يدل ذلك على أنه يقدر على العمل وتحمل الحر ساعتين أو يوماً كاملاً.

стр. 1167

القاعدة التاسعة والخمسون [تحملات الغير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تحملات الغير عن الغير (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: من رحمة الله سبحانه ورأفته بعباده أجاز أن يتحمل بعض الناس عن غيرهم بعض شؤونهم؛ ولأنه لو وجب على كل إنسان أن يتصرف فيما يخصه بنفسه ومنع من الاستعانة بغيره لكان في ذلك من الحرج العظيم ما لا يخفى، والأصل أن الإنسان يتحمل مسؤولية تصرفاته وأفعاله، فمن زنا عوقب بالجلد أو الرجم، ولا يجوز إقامة الحد على غيره، ومن شرب الخمر أقيم عليه حده، ولا يجوز أن يتبرع غيره عنه فيقام عليه الحد بدلاً عنه، ولكن الشرع أوجب في بعض الحالات أن يتحمل بعض الناس أخطاء غيرهم وعواقب تصرفاتهم وأجاز التحمل في حالات أخرى استثناءً. لأن الأصل المستقر في الشريعة أنه (لا يعتد لأحد إلا بما عمله أو تسبب إليه باستنابة ونحو ذلك ولا يطالب عن الغير إلا بما التزم به عنه من ضمان وغيره). ولكن قد يتحمل الإنسان عن غيره ما لم يلزم به ولم يأذن له ذاك فيه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الإمام يتحمل عن المأمومين سهوهم إذا وقع السهو من المأموم في حال اقتدائه.

стр. 1168

ومنها: تحمل الغارم الذي غرم لإصلاح ذات البين. ومنها: تحمل العاقلة دية الخطأ عن القاتل خطأ. ومنها: تحمل الزوج عن الزوجة صدقة الفطر.

стр. 1169

القاعدة الستون [اختلاف المشاق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تختلف المشاق باختلاف العبادات (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: العبادات البدنية مختلفة فمنها: الصلاة، والصوم، والحج، والمشقات الحاصلة من هذه العبادات ليس متساوية، فمشقة الصلاة تختلف عن مشقة الصيام عن مشقة الحج. بل إن مشقة الصلاة تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، فالصلاة في شدة البرد مع الضعف والكبر أشق وأشد من الصلاة مع اعتدال الوقت والصحة والشباب. وكذلك الصيام في شدة الحر أشق منه في اعتدال الوقت أو برده، والحج كذلك. ولاختلاف المشاق باختلاف العبادات وأحوالها تختلف الأجور أيضاً حيث إنه كلما ازدادت المشقة زاد الأجر والمثوبة، ولما قال ﵊ لعائشة ﵂: "أجرك على قدر نصبك" (٢). وعلى قدر المشقة يكون تخفيف الشرع، فما كان في الشرع أهم اشتُرط في إسقاطه الأشق الأعم، وما لم تعظم مرتبته فإنه تؤثر فيه المشاق الخفيفة، وبالطرفين يعتبر الوسط.

стр. 1170

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من كان في رأسه قمل وآذاه وهو محرم أبيح له حلق شعره للأذى وعليه الفدية. ومنها: السفر مبيح للفطر وجواز القصر. ومنها: التيمم عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله.

стр. 1171

القاعدة الحادية والستون [تخصيص الشيء بالذكر، مفهوم المخالفة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه في متفاهم الناس وعرفهم، لا في خطابات الشارع (١). وفي لفظ: لا يجوز الاحتجاج بالمفهوم في كلام الناس في ظاهر المذهب كالأدلة (٢). وفي لفظ: تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه (٣). وفي لفظ: تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه (٤). قواعد أصولية فقهية. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد تتعلق بمسألة من المسائل الأصولية الخلافية بين الحنفية وجمهور الأصوليين من غيرهم. حيث إن غير الحنفية يرون الاحتجاج بمفهوم المخالفة، وهو ما يسميه الحنفية: تخصيص الشيء بالذكر، ويستدل غير الحنفية بهذا المفهوم في كثير من المواضع - مذكورة في مظانها من كتب أصول الفقه - ولكن الحنفية يخالفونهم في ذلك ويقولون: إن ما عدا المخصوص مسكوت عنه فيبقى حكمه على ما دل

стр. 1172

عليه الدليل العام. ولكن الحنفية من جهة أخرى يُعمل جمهورهم مفهوم المخالفة في كلام الناس، وأعرافهم وإن كان ابن نجيم - كما هو مذكور أعلاه - يخالف في ذلك ويرى أن ظاهر المذهب على عدم العمل بالمفهوم مطلقاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: الاختلاف في مفهوم قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١). فعند غير الحنفية لا يجوز أن يتزوج غير الأمة المؤمنة، وأما عند الحنفية فيرون جواز ذلك؛ لأن غير المؤمنة مسكوت عنها، والحق في هذه المسائل مع غير الحنفية. وأما في كلام الناس فالحنفية يعملون بالمفهوم، فمثلاً إذا قال: مالك علي أكثر من مائة درهم، كان إقراراً بالمائة. ومنها عند الحنفية: إن دية الذمي مثل دية المسلم، وعند غيرهم على النصف من دية المسلم، وقالوا في احتجاج غيرهم بقوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم" (٢). إن هذا لا يدل على أن دماء غيرهم لا تكافئهم؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه (٣). وأدلة غير الحنفية أقوى وأوثق في هذه المسألة للأحاديث الواردة في دية غير المسلم (٤).

стр. 1173

القاعدة الثانية والستون [تخصيص العام، تعميم الخاص، تقييد المطلق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تخصيص العام بالنية وتعميم الخاص وتقييد المطلق (١). وفي لفظ: النية تعمم الخاص وتخصص العام بغير خلاف فيها. وهل تقيد المطلق أو تكون استثناء من النص (٢)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التخصيص والتخصص والخاص: هو تفرد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة. وهو خلاف العموم. أو هو إخراج بعض ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص (٣). أو هو قصر العام على بعض أفراده أو مسمياته (٤). وأما العام: فهو في اللغة: الشامل لمتعدد سواء كان لفظاً أم غير لفظ، ومنه عمهم المطر إذا شملهم. والعام في الاصطلاح: "هو اللفظ المستغرق لما يصلح له - بحسب الوضع - دفعة من غير حصر" أو هو "اللفظ الموضوع بالوضع الواحد لكنه غير محصور مستغرق لجميع ما يصلح له" (٥).

стр. 1174

وأما الإطلاق فهو الإرسال لغة، وأما في الاصطلاح: فهو اللفظ الذي يدل على واحد غير معين (١). والمقيد: ما وجد فيه قيد يزيل إطلاقه (٢). وهذه القاعدة مجال اختلاف بين الفقهاء، حيث إن المالكية (٣) والحنابلة يعممون الخاص ويخصصون العام بالنية، بغير خلاف عندهم، وأما الحنفية والشافعية فهم لا يعممون الخاص بالنية، وإن كان الشافعية يخصصون العام بالنية كالمالكية والحنابلة، والحنفية مختلفون في هذا وإن كان السرخسي يرى جواز تخصيص العام بالنية. وأما تقييد المطلق بالنية فهو مختلف فيه عند الحنابلة ويعمل به الشافعية. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من حلف لا يكلم أحداً، ثم قال: نويت زيداً فقط، فعند المالكية والشافعية والحنابلة والخصاف أحمد بن عمر بن مهير الحنفي إنه لا يحنث لو كلم غير زيد. ومنها: في تعميم الخاص: لو حلف لا يشرب من فلان ماء من عطش. ونوى أن لا ينتفع بشيء منه، فعند الحنابلة والمالكية يحنث بتناول أي شيء يملكه المحلوف عليه. وأما عند الحنفية والشافعية فلا يحنث إلا بالماء خاصة.

стр. 1175

ومنها: في تقييد المطلق: إذا قال لزوجته: إن لبست ثوباً فأنت طالق، وقال: نويت ثوباً أحمر. فهل يحنث إذا لبست ثوباً أخضر. خلاف عند الحنابلة (١).

стр. 1176

القاعدة الثالثة والستون [التخصيص بالعرف الشرعي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التخصيص بالعرف الشرعي (١). فقهية أصولية. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان أن التخصيص: هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام. ومفاد القاعدة: أن العرف الشرعي مخصص لألفاظ الشارع. والعرف غير الشرعي مخصص لألفاظ الناس عند الجمهور. وأما تخصيصه لألفاظ الشارع فمحل خلاف (٢). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا حلف لا يصلي. لا يحنث إلا بالصلاة الشرعية، ولا يحنث بالصلاة اللغوية وهي الدعاء، وعند الحنفية: لا يحنث إلا بصلاة ذات ركوع وسجود، فلا يحنث بصلاة الجنازة، كما لا يحنث بالصلاة الفاسدة؛ لأنها ليست صلاة شرعية. ومنها: لو حلف لا يصوم، فلا يحنث إلا بإمساك تصاحبه النيَّة لا بمجرد الإمساك.

стр. 1177

القاعدة الرابعة والستون [تخصيص العموم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تخصيص العموم: بالعرف، والعادة، والشرع، والسبب الخاص (١). أصولية فقهية. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها تعلق بسابقتها إذ أنها في موضوع تخصيص العموم، فاللفظ الدال على العموم قابل للتخصيص والمخصصات متنوعة: منها: العرف والعادة وقد سبق أن العرف والعادة يخصصان العموم في ألفاظ الناس عند جمهور الفقهاء والأصوليين، ومنها: تخصيص الشرع وهو موضوع القاعدة السابقة، ومنها: التخصيص بالسبب الخاص. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ١ - التخصيص بالعرف والعادة: إذا حلف لا يأكل شواءً، لا يحنث إلا بشواء اللحم؛ لأنه المعروف بين الناس، ولا يحنث بالبيض المشوي، إلا إذا نوى التعميم. ومنها: إذا حلف لا يأكل بيضاً، لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج دون بيض السمك؛ لأنه المعروف أكله بين الناس. ٢ - التخصيص بالشرع: إذا نذر صوم الدهر، لم يدخل في ذلك ما يحرم صومه من أيام السنة كيوم الفطر والأضحى، أو ما يجب صومه شرعاً كرمضان.

стр. 1178

ومنها: إذا أوصى لأقاربه، لا يدخل الورثة لتخصيص الشرع حيث (لا وصية لوارث) (١). ٣ - التخصص بالسبب الخاص: إذا حلف لا يكلم هذا الصبي فصار شيخاً، فيه وجهان عند الحنابلة: الوجه الأول: إنه يحنث بتكليمه تغليباً للتعيين على الوصف، الوجه الثاني: لا يحنث (٢).

стр. 1179

القاعدة الخامسة والستون [التخصيص بالنية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تخصيص اللفظ العام بالنية جائز (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تشير إلى موضع خلاف عند الحنفية في تخصيص العموم بالنية، فقد رأينا في قاعدة سابقة تحت الرقم ٦٢ أن الجمهور من الفقهاء يخصصون العام بالنية، وخالف في ذلك جمهور الحنفية فمنعوا. ولكن السرخسي في هذه القاعدة يرى جواز تخصيص العام بالنية ديانة وقضاء كالخصاف منهم، فهو في هذا مع جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا حلف إنسان على زوجته أن لا تخرج من المنزل إلا في كذا - أي سبب مخصوص - كزيارة أب أو أم مثلاً فخرجت لذلك مرة، ثم خرجت في غيره حنث لوجود الخروج لا على الوجه المستثنى. أما إذا كان عنى لا تخرج هذه المرة إلا في كذا، فخرجت فيه ثم خرجت في غيره لم يحنث؛ لأنه خص اللفظ العام بنيته. ومنها: إذا حلف لا يأكل طعاماً ينوي طعاماً بعينه. أو حلف لا يأكل لحماً ينوي لحماً بعينه فأكل غير ذلك لم يحنث.

стр. 1180

القاعدة السادسة والستون [التخصيص في المصيب والتعميم فيه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التخصيص في المصيب يدل على التخصيص في المصاب لكونه مبنيًّا عليه (١). ومقابلها: تعميم الخطاب في المصيبين يثبت حكم العموم في المصاب (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المصيب: اسم فاعل من أصاب يصيب فهو مُصيب. والمصاب: اسم مفعول من أُصيب يصاب فهو مصاب. والمراد بالمصيب في القاعدة المجاهد الآسر لعدوه، والمراد بالمصاب: العدو المأسور. فمفاد القاعدة الأولى: أن تخصيص الآسر المصيب يكون دليلاً على التخصيص في المأسور المصاب؛ لأن المصاب مبني على المصيب. والقاعدة الثانية المقابلة: إن تعميم الآسرين المصيبين يكون دليلاً على التعميم في المأسورين المصابين. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال القائد لعشرة من جنوده: إن أصبتم - أي أسرتم - عشرة أرؤس من الأعداء فلكم منها رأس. فإن أصابوا عشرة، فلهم جميعاً رأس واحدة؛

стр. 1181

لأنه لما جمع بينهم في ذكر الإصابة فقد خصَّهم، والتخصيص في المصيب يدل على التخصيص في المصاب. ومثله: إذا قال لعدد من الطلاب: إذا نجحتم في الامتحان، أو فزتم في المسابقة فلكم الجائزة، فإذا نجحوا أو فازوا فلهم جميعاً جائزة واحدة. ولكن إذا قال لعشرة: إن أصاب كل رجل منكم عشرة أو أصاب رجل منكم عشرة أرؤس فله منها واحد. فأصاب كل واحد عشرة أو أصاب عشرين فلمن أصاب العشرة رأس منها، ولمن أصاب العشرين رأسان من أوساطهم؛ لأن القائل هنا أفرد كل واحد بالإصابة وجعل خطابه عامًّا فيهم، فتعميم الخطاب في المصيبين يثبت حكم العموم في المصاب، كما لو خاطب جميع العسكر، أو الطلاب.

стр. 1182

القاعدة السابعة والستون [التخفيفات الشرعية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التخفيفات الشرعية (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها ارتباط وثيق بقاعدة "المشقة تجلب التيسير" الآتية إن شاء الله. إذ تبين الرخص الشرعية التي خفف بها الشارع الحكيم تلك المشاق التي يمكن أن تؤدي إلى ضرر المكلف أو تقاعسه عن العبادة إذا وجب عليه العمل مع وجود تلك المشقة. والتخفيفات الشرعية تشمل كل ما يطلب من المكلف فعله ويشق عليه أو يتعسر، فمنها ما يتعلق بالعبادات، ومنها ما يتعلق بالمعاملات، ومنها ما يتعلق بالمناكحات، ومنها ما يتعلق بالطهارة والأيمان، ومنها ما يتعلق بالدماء والأموال، ومنها ما يتعلق بالمجتهدين. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من أمثلة التخفيفات المتعلقة بالعبادات: التيمم عند عدم الماء، ورخص السفر من جواز الفطر في رمضان والجمع والقصر، ومدة المسح على الخفين، وترك الجمعة، ومنها رخص المرض: من جواز التيمم عند عدم القدرة على استعمال الماء، والقعود في الصلاة أو الإيماء، والفطر في رمضان، وترك الجمعة والجماعات. ومنها: رخص الإكراه: كجواز التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب

стр. 1183

بالإيمان. وغير ذلك من الرخص الكثيرة. وقد قسم الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام (١) ﵀ التخفيفات الشرعية إلى ستة أقسام: ١ - تخفيف الإسقاط: كإسقاط الجمعة والحج والعمرة بالأعذار والصلاة عن الحائض والنفساء. ٢ - تخفيف التنقيص: كقصر الصلاة. ٣ - تخفيف الإبدال: كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، والقيام بالقعود والإيماء للعذر. ٤ - تخفيف التقديم: كالجمع بين الصلاتين في وقت الأولى. ٥ - تخفيف التأخير: كالجمع بين الصلاتين في وقت الثانية، وصيام رمضان إلى ما بعده في حق المريض والمسافر والحائض والنفساء والمرضع. ٦ - تخفيف الترخيص أو الاضطرار - وهو أعمها: كصلاة المتيمم مع الحدث، وكأكل النجاسات للتداوي - عند من يرى جواز ذلك - وإساغة اللقمة بجرعة خمر، وأكل الميتة (٢). ٧ - وهناك قسم سابع هو تخفيف التغيير: كتغيير نظام الصلاة في الخوف (٣).

стр. 1184

القاعدة الثامنة والستون [التخللات] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التخللات بين ما يشترط فيه الموالاة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالتخللات في القاعدة ما يطرأ من عمل مخالف بين أبعاض ما يشترط فيه الموالاة، أي التتابع في العمل، سواء كان ذلك في العقود أم العبادات، وكيف يعرف إن كان هذا التخلل مضرًّا وقاطعاً للموالاة أو غير مضر. قالوا: إنما يعرف ذلك بالعرف. ولذلك قالوا: إن الاتصال المعتبر في الاستثناء أبلغ منه بين الإيجاب والقبول لصدورهما من شخصين وصدور الاستثناء من شخص واحد، وقد يحتمل من شخصين ما لا يحتمل من شخص واحد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الاستثناء لا يضر فيه سكتة النفس والعي - أي حبسة اللسان - ومثلهُ الجملة المعترضة كما إذا قال: عليَّ ألف - أستغفر الله - إلا مائة. صح ولم يضر الفصل اليسير، وأما الفصل الطويل فيضر كأن يقول: له عليَّ ألف. ثم يسكت وفي آخر المجلس يقول: إلا مائة. فهذا استثناء غير مقبول. ومنها: موالاة غسل أعضاء الوضوء شرط على قديم مذهب الشافعي. ومنها: الموالاة بين صلاتي الجمع وأشواط الطواف، والسعي، إلا الفصل لإقامة الصلاة فلا يضر.

стр. 1185

القاعدة التاسعة والستون [تخلل المانع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تخلل المانع بين الطرفين، هل له أثر (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالطرفين بداية العقد أو الفعل أو التصرف وانتهائه وعاقبته. التخلل: دخول ووجود المانع. فمفاد القاعدة: أنه إذا بدئ بعقد أو تصرف ما ثم قبل إتمامه أو عاقبته وانتهائه لنتيجته المترتبة عليه وجد مانع، ثم زال فهل يكون مبطلاً للعقد والتصرف؟ أو هل لوجود هذا المانع أثر في العقد أو التصرف؟ ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تخلل بين الرهن والإقباض جنون، فهل يكون مبطلاً للعقد؟ وجهان عند الشافعية. ومنها: إذا عجل الزكاة إلى فقير ثم استغنى هذا الفقير ثم افتقر آخر الحول، فهل يجزئ المزكي عن الفرض؟ في الأصح نعم. ومنها: إذا جرح ذمي ذميًّا ثم أسلم الجارح ثم مات المجروح بالجراحة، فهل يجب القود - وهو القصاص -؟ عند الشافعية الأصح يجب.

стр. 1186

القاعدة السبعون [التخلية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التخلية تسليم (١). وفي لفظ: التخلية بين المشتري والمبيع قبض (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التخلية: الإطلاق أو إزالة المانع عن قبض المبيع. فمفاد القاعدة: أن البائع إذا أفرغ السلعة عن الموانع ورفع يده عنها أمام المشتري فيعتبر ذلك تسليماً من البائع وقبضاً من المشتري لها، ويكون دليلاً على لزوم العقد وتمامه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تفاوض اثنان بيع سيارة أحدهما للآخر واتفقا على الثمن، ثم إن المشتري وضع الثمن المتفق عليه أمام البائع ووضع البائع مفتاح السيارة وأوراقها أمام المشتري فيعتبر ذلك تسليماً من كليهما لما عنده وقبضاً من الآخر لما لهُ. رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة: قبض المشتري المبيع قبل نقد الثمن بلا إذن البائع ثم خلَّى بينه وبين البائع، قالوا: لا يكون ردًّا.

стр. 1187

القاعدة الحادية والسبعون [التخيير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التخيير في الجملة هل يقتضي التخيير في الأبعاض (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التخيير: معناه التسوية بين الفعل والترك. أي أن تكون الخيرة للمكلف حيث يختار من الأفعال المخير بينها ما يناسبه لاستوائها في براءة الذمة من المطلوب. والمراد بالتخيير في الجملة: التخيير العام، وفي الأبعاض: جمع بعض، والمراد به أحد أفراد العموم. فهل إذا ثبت الخيار في الكل يثبت في البعض أم لا؟ خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من المخير فيه في كفارة الحنث في اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإذا أطعم خمسة وكسا خمسة فهل تصح عن الكفارة وتبرأ الذمة؟ المشهور عند المالكية عدم الجواز. ومنها: إذا افتتح صلاة النفل قائماً ثم أراد الجلوس خلالها - من غير عذر - خلاف عند المالكية ومذهب ابن القاسم الجواز.

стр. 1188

القاعدة الثانية والسبعون [التداخل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التداخل (١). وقد سبق بمعناها في حرف الهمزة تحت رقم ٧٣ - ٧٤. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التداخل: تفاعل من الدخول. وتدل الصيغة على تشارك عملين في صفة أو حكم، فإذا ثبت تشاركهما فهل يكفي لهما حكم واحد أو لا بد من إفراد كل واحد منهما بحكم؟ ويكون ذلك في العبادات واجبها ومسنونها، وفي العقوبات والاتلافات. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أولاً: في العبادات: (أ) في الواجبات: إذا كان كل واجب مقصوداً في نفسه، والمقصود مختلف فلا تداخل. كطواف الوداع وطواف الإفاضة لا بد أن يطوف لكل واحد منهما إذا أراد السفر بعد الطواف عند الشافعية وعند الحنابلة روايتان، والأرجح جواز التداخل إن نوى بطوافه الإفاضة أجزأه عن طواف الوداع. وأما إذا لم يختلف المقصود فتتداخلان: كغسل الحيض مع الجنابة يكفي غسل واحد. (ب) في المسنونات: تدخل تحية المسجد في صلاة الفرض. ومنها: طاف القادم مكة عن فرض أو نذر دخل فيه طواف القدوم. ثانياً: في العقوبات: ما كان لله وتكرر قبل العقوبة يلزمه عقوبة واحدة، كمن زنا أو سرق مراراً يحد مرة واحدة.

стр. 1189

ومنها: إذا زنا وهو بكر ثم زنى وهو ثيب دخل حد البكر في حد الثيب في الأصح ويرجم. ومنها: إذا جامع في نهار رمضان لم تلزمه إلا كفارة واحدة. ثالثاً: الإتلافات: إذا قتل المحرم صيداً في الحرم لزمه جزاء واحد وتداخلت الحرمتان. وفي حقوق الآدميين: منها: جناية الوطء تتكرر فيجب على الواطئ سواء في نكاح فاسد أو غصب وإكراه على الزنا يجب عليه بكل وطء مهر. وإذا كانت بكراً فأزال بكارتها فيجب المهر وأرش البكارة. وفي الجناية على النفس والأطراف تتداخل في صور: منها: دخول دية الأطراف في دية النفس إذا سرت الجراحة فتجب دية واحدة. ومنها: تدخل حكومة الأظفار في دية الأصابع إذا قلع أظفاره ثم قطع أصابعه. ومنها: تدخل حكومة الكفين في أصابع اليدين. رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة: إذا استأصل أذنه وأوضح مع ذلك العظم فإنه لا يدخل أرش الموضحة في دية الأذنين؛ لأن مقدار الأذن مقدر ومقدار الموضحة مقدر، فلا يتبع مقدر مقدراً. ومنها: لا يدخل أرش الأسنان في دية اللحيين في الأصح.

стр. 1190

القاعدة الثالثة والسبعون [التدليس] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التدليس حرام (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التدليس: من دلَّس يدلِّس ومعناه: كتمان العيب والخديعة فيه (٢). ولما كان الغش حراماً والتدليس نوع من الغش كان التدليس حراماً. هذا معنى التدليس عند الفقهاء. وأما عند المحدثين فالتدليس قسمان: أحدهما: تدليس الإسناد: وهو أن يروي عمن لقيه ولم يسمع منه موهماً أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهماً أنه لقيه أو سمعه منه. والآخر: تدليس الشيوخ: وهو أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه فيُسمِّيه أو يكنيه ويصفه بما لم يعرف به كيلا يعرف (٣). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: النجش (٤) والتصرية (٥) يحرمان لأنهما نوع من التدليس والغش. ومنها: أن يبيع عيناً يعرف بها عيباً ولا يبينه. ومنها: أن تتزوج وبها عيب يثبت الخيار ولا تبينه.

стр. 1191

القاعدة الرابعة والسبعون [الترتيب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الترتيب (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المقصود بالترتيب الإتيان بالأفعال على الوجه المطلوب شرعاً بتقديم ما يستحق التقديم وتأخير ما يلزم تأخيره، وذلك في أفعال العبادات: كرمي الجمار الثلاث، وأركان الصلاة والحج وغسل الأعضاء في الوضوء عند من يرى وجوب الترتيب. قالوا: إنما يظهر الترتيب مع اختلاف المحل وتعدده كأعضاء الوضوء، ومنه ترتيب ذهني في بعض المعاملات حتى يترتب عليه صحة المعاملة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: يجب الترتيب في رمي الجمار الثلاث حيث يبدأ من التي تلي مسجد الخيف وينتهي بالعقبة. ولو خالف لم يجزئه. ومنها: ترتيب أشواط الطواف والسعي حيث يبدأ في الطواف من الحجر الأسود جاعلاً له على يساره. ويبدأ في السعي من الصفا وينتهي بالمروة، ولو خالف لم يحسب هذا الشوط. ومن أمثلة الترتيب الذهني: قوله: أعتق عبدك عني بألف. فأعتقه، صح العتق، ويلزم أن يدخل في ملك السائل أولاً حتى يقع العتق، كأنه قال: بعني عبدك بألف ثم أعتقه عني. ومنها: قوله لزوجته غير المدخول بها: إذا طلقتك فأنت طالق، فطلقها

стр. 1192

قبل الدخول طلقة. وقعت المنجزة، ولم تقع المعلقة؛ لأنها بانت بالأولى فلا تلحقها المعلقة (١).

стр. 1193

القاعدة الخامسة والسبعون [ترجح أهون الضررين] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: ترجح أهون الضررين على أعظمهما (١) وردت هذه القاعدة بألفاظ كثيرة، وقد سبقت في حرف الهمزة من رقم ٧٥ - ٨١. وفي لفظ: إذا اجتمع ضرران أُسقط الأصغر للأكبر (٢). وفي لفظ: إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمها ضرراً بارتكاب أخفهما (٣) وفي لفظ: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف (٤). وتأتي في حرف الضاد إن شاء الله. وفي لفظ: يختار أهون الشرين أو أخف الضررين (٥). وتأتي في حرف الياء إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: إذا اجتمع ضرران - وكان لا بد من ارتكاب أحدهما - فعلى المكلف أن يختار الضرر الأخف فيرتكبه، ولا يجوز أن يرتكب الأشد؛ لأن في ارتكاب الضرر مباشرة الحرام، ومباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة ولا

стр. 1194

ضرورة في حق الزيادة. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا كان برجل جرح لو سجد سال دمه، يومئ ويصلي قاعداً؛ لأن ترك السجود أهون من الصلاة مع الحدث - عند من يوجبون انتقاض الطهارة عند سيلان الدم؛ ولأن ترك السجود أهون من الصلاة مع النجاسة؛ لأن الدم نجس وملوث، كما أن ترك السجود في هذه الحالة يدفع عن الجريح ضرر خروج الدم ونزفه مما يترتب عليه زيادة ضرره أو تأخر برئه (١).

стр. 1195

القاعدة السادسة والسبعون [الترجمة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ترجمة ما كان المقصود منه لفظه ومعناه لا يصح قطعاً إن كان للإعجاز. وإن كان لغيره امتنع للقادر كالأذكار. وما كان المقصود معناه دون لفظه فجائز (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: تتعلق هذه القاعدة بالترجمة وهي: نقل المعاني من لغة إلى لغة أخرى. والمقصود هنا: النقل من اللغة العربية إلى غيرها لمن لا يحسن العربية. وتبين هذه القاعدة أن ما يطلب ويراد ترجمته أحد مواضع ثلاثة ولكل حكم: الأول: ما كان المقصود منه اللفظ والمعنى، وهو مرتبتان: الأولى: أن يقصد بلفظه ومعناه الإعجاز - وهو القرآن الكريم - فهذا لا يجوز ترجمته مطلقاً للاستحالة. والمرتبة الثانية: ما يقصد لفظه ومعناه ولكن لا يقصد منه الإعجاز فهذا دون المرتبة الأولى حيث يجوز في حالة دون أخرى، حيث يجوز مع العجز عن النطق بالعربية ويمتنع مع القدرة على ذلك. والموضع الثالث: أن يكون المقصود المعنى دون اللفظ. فهذا جائز ترجمته بشروطه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أ - القرآن الكريم يمتنع ترجمته إلى لغة أخرى؛ لأن المقصود منه الإعجاز
следующие страницы →