القاعدة الرابعة والسبعون [الترتيب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الترتيب (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقصود بالترتيب الإتيان بالأفعال على الوجه المطلوب شرعاً بتقديم ما يستحق التقديم وتأخير ما يلزم تأخيره، وذلك في أفعال العبادات: كرمي الجمار الثلاث، وأركان الصلاة والحج وغسل الأعضاء في الوضوء عند من يرى وجوب الترتيب. قالوا: إنما يظهر الترتيب مع اختلاف المحل وتعدده كأعضاء الوضوء، ومنه ترتيب ذهني في بعض المعاملات حتى يترتب عليه صحة المعاملة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجب الترتيب في رمي الجمار الثلاث حيث يبدأ من التي تلي مسجد الخيف وينتهي بالعقبة. ولو خالف لم يجزئه.
ومنها: ترتيب أشواط الطواف والسعي حيث يبدأ في الطواف من الحجر الأسود جاعلاً له على يساره. ويبدأ في السعي من الصفا وينتهي بالمروة، ولو خالف لم يحسب هذا الشوط.
ومن أمثلة الترتيب الذهني: قوله: أعتق عبدك عني بألف. فأعتقه، صح العتق، ويلزم أن يدخل في ملك السائل أولاً حتى يقع العتق، كأنه قال: بعني عبدك بألف ثم أعتقه عني.
ومنها: قوله لزوجته غير المدخول بها: إذا طلقتك فأنت طالق، فطلقها
стр. 1192
قبل الدخول طلقة. وقعت المنجزة، ولم تقع المعلقة؛ لأنها بانت بالأولى فلا تلحقها المعلقة (١).
стр. 1193
القاعدة الخامسة والسبعون [ترجح أهون الضررين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ترجح أهون الضررين على أعظمهما (١)
وردت هذه القاعدة بألفاظ كثيرة، وقد سبقت في حرف الهمزة من رقم ٧٥ - ٨١.
وفي لفظ: إذا اجتمع ضرران أُسقط الأصغر للأكبر (٢).
وفي لفظ: إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمها ضرراً بارتكاب أخفهما (٣)
وفي لفظ: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف (٤). وتأتي في حرف الضاد إن شاء الله.
وفي لفظ: يختار أهون الشرين أو أخف الضررين (٥). وتأتي في حرف الياء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
إذا اجتمع ضرران - وكان لا بد من ارتكاب أحدهما - فعلى المكلف أن يختار الضرر الأخف فيرتكبه، ولا يجوز أن يرتكب الأشد؛ لأن في ارتكاب الضرر مباشرة الحرام، ومباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة ولا
стр. 1194
ضرورة في حق الزيادة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا كان برجل جرح لو سجد سال دمه، يومئ ويصلي قاعداً؛ لأن ترك السجود أهون من الصلاة مع الحدث - عند من يوجبون انتقاض الطهارة عند سيلان الدم؛ ولأن ترك السجود أهون من الصلاة مع النجاسة؛ لأن الدم نجس وملوث، كما أن ترك السجود في هذه الحالة يدفع عن الجريح ضرر خروج الدم ونزفه مما يترتب عليه زيادة ضرره أو تأخر برئه (١).
стр. 1195
القاعدة السادسة والسبعون [الترجمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ترجمة ما كان المقصود منه لفظه ومعناه لا يصح قطعاً إن كان للإعجاز. وإن كان لغيره امتنع للقادر كالأذكار. وما كان المقصود معناه دون لفظه فجائز (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تتعلق هذه القاعدة بالترجمة وهي: نقل المعاني من لغة إلى لغة أخرى.
والمقصود هنا: النقل من اللغة العربية إلى غيرها لمن لا يحسن العربية.
وتبين هذه القاعدة أن ما يطلب ويراد ترجمته أحد مواضع ثلاثة ولكل حكم:
الأول: ما كان المقصود منه اللفظ والمعنى، وهو مرتبتان: الأولى:
أن يقصد بلفظه ومعناه الإعجاز - وهو القرآن الكريم - فهذا لا يجوز ترجمته مطلقاً للاستحالة. والمرتبة الثانية: ما يقصد لفظه ومعناه ولكن لا يقصد منه الإعجاز فهذا دون المرتبة الأولى حيث يجوز في حالة دون أخرى، حيث يجوز مع العجز عن النطق بالعربية ويمتنع مع القدرة على ذلك.
والموضع الثالث: أن يكون المقصود المعنى دون اللفظ. فهذا جائز ترجمته بشروطه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أ - القرآن الكريم يمتنع ترجمته إلى لغة أخرى؛ لأن المقصود منه الإعجاز
стр. 1196
باللفظ والمعنى، ولا يتم ذلك إلا بالعربية، ولذلك لا يجوز قراءة القرآن في الصلاة للعاجز عن العربية بلغة أخرى، وما ينسب لأبي حنيفة ﵀ من جواز قراءة الفاتحة بالفارسية للعاجز عن العربية صح رجوعه عنه.
ب - ما يجوز قطعاً للقادر والعاجز كالبيع والخلع والطلاق وغيرها من المعاملات، فيجوز بالعربية وغيرها.
جـ - ما يمتنع في الأصح للقادر دون العاجز كالأذان وتكبيرة الإحرام والتشهد إذ يجوز لمن لم يحسن العربية، ويمتنع للقادر عليها؛ لما فيه من معنى التعبد، وكذلك السلام وخطبة الجمعة - إلا إذا كان يخطب لقوم لا يحسنون العربية.
د - ما يجوز على الأصح للقادر والعاجز كالنكاح والرجعة واللعان والإِسلام.
стр. 1197
القاعدة السابعة والسبعون [ترجيح البينات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ترجيح البينات بالإثبات أصل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
البينات جمع بينة وهي الحجة، ووزنها فيعلة مأخوذة من البين وهو الانقطاع، أو من البيان (٢)، وهي صحيحة على كلا الوجهين لأنها تبين الحق وتقطع الخصومة. والمراد بالبينة هنا: الإشهاد.
والبينات إنما جعلت للإثبات لا للنفي؛ لأن النفي لا تقام عليه البينة، ولذلك كانت البينة على المدعي؛ لأنه المثبت، واليمين على المدعى عليه لأنه نافٍ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اختلف الراهن والمرتهن، فقال المرتهن: قبضت منك المال وأعطيتك الثوب. وأقام البينة. وقال الراهن: بل أقبضتك المال وهلك الثوب عندك، وأقام البينة، فهنا بينتان متعارضتان. قال السرخسي: البينة المقبولة هي بينة الراهن، والعلة في ذلك أنه ثبت ببينة الراهن إيفاء الدين بمالية الرهن، والمرتهن ينفي ذلك بقوله أعطيتك الثوب.
وترجيح البينات بالإثبات أصل.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة وقبلت فيها الشهادة على النفي:
الشهادة على أن هذا المدين لا مال له. وهي في الحقيقة شهادة على الإعسار.
стр. 1198
ومنها: الشهادة على أن هذا الميت لا وارث له غيره.
ومنها: أن يضيف المدعي الفعل إلى وقت مخصوص - كأن يدعي عليه بقتل أو إتلاف أو طلاق في وقت كذا، فيشهد له بأنه ما فعل ذلك في هذا الوقت (١).
стр. 1199
القاعدة الثامنة والسبعون [الترجيح بالقوة لا بالكثرة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الترجيح لا يكون بكثرة العدد (١)
وفي لفظ: الترجيح لا يقع بكثرة الأدلة والعلل (٢).
وفي لفظ: الترجيح عند التعارض يكون بقوة العلة لا بكثرة العلة (٣).
وفي لفظ: الترجيح لا يقع بكثرة العلل بل بقوة فيها (٤).
وفي لفظ: الترجيح بقوة العلة لا بكثرة العلة (٥). أصولية فقهية.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تبين أحد المواضع التي اختلف فيها الحنفية عن باقي جمهور الأصوليين والفقهاء، وهي ما إذا تعارض خبران ومع أحدهما زيادة في عدد الرواة بأن ورد من طرق متعددة، والآخر ورد بطريق واحد، فجمهور الأصوليين والفقهاء يرجحون بكثرة العدد فما ورد بطرق متعددة فهو راجح على ما ورد بطريق واحد أو طرق أقل، أما عند الحنفية فليس تعدد الطرق وكثرة العدد موجباً للترجيح، بل الترجيح عندهم بقوة العلة أي بزيادة الضبط والتقوى والعدالة أو العلم أو غير ذلك من المرجحات، وقاسوا ذلك على الشهادة (٦).
стр. 1200
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
أحاديث رفع اليدين في الركوع والرفع منه، فقد تمسك الحنفية بحديث إبراهيم (١) عن علقمة (٢) عن ابن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا يعود).
وأما غير الحنفية فقد تمسكوا بأحاديث الرفع الكثيرة وقالوا: قد روى الرفع ثلاثة وأربعون صحابيًّا، وكثير منها في الصحيحين.
ومنها: حديث عبادة بن الصامت (٣) ﵁ في الربا أي في النسيئة والفضل أولى وأرجح من حديث أسامة بن زيد ﵄ في "إنما الربا في النسيئة"؛ لأن حديث عبادة رواه معه عمر وعثمان وأبو سعيد وأبو هريرة، ورواية خمسة أولى من رواية واحد (٤).
стр. 1201
القاعدة التاسعة والسبعون [الترجيح بالسبق أو بزيادة القوة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الترجيح يقع بالسبق (١).
وفي لفظ: الترجيح بالسبق عند المعارضة أو بزيادة القوة (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
إذا تعارض أمران وتساويا من كل وجه فإنه يرجح بينهما بأحد أمرين: إما السبق وإما القوة، فما كان أسبق كان أرجح، وما كان أقوى كان أرجح في الاستحقاق. فإذا تعارض دين ووصية يقدم الدين لأنه سابق وأقوى.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا أقام رجل البينة على نكاح امرأة وقضي له بها، ثم أقام آخر البينة فلا يلتفت للبينة الثانية.
ومثله: لو ادعى نسب مولود وأقام البينة وقضي له بها ثم ادعاه آخر فأقام البينة، لا يلتفت للبينة الثانية؛ لأن الأولى رجحت بالسبق؛ (ولأن الدعوى إذا فصِّلت على الوجه الشرعي وحكم فيها لا تعاد).
ومنها: الخنثى المشكل إن كان يبول من المبالين - مبال النساء ومبال الرجال - فالحكم لأسبقهما خروجاً للبول منه، وأما إذا كان البول يخرج منهما جميعاً فعند أبي يوسف ومحمد يعتبر بأكثرها بولاً؛ لأن الترجيح عند المعارضة بزيادة القوة، وذلك يكون بالكثرة، وخالفهما أبو حنيفة
стр. 1202
فقال: لا علم لي بذلك، إذ توقف في هذه المسألة (١).
ومنها: إذا قال: عبدي هذا حر بعد موتي، وله وصية أخرى، فعتق العبد يبدأ به قبل الوصية - إذا كانا جميعاً لا يخرجان من الثلث - وذلك لأمرين منقول ومعقول: فالمنقول ما روي عن ابن عمر ﵄ وإبراهيم النخعي ﵀ قالا: إذا كان وصية وعتق فإنه يبدأ بالعتق. والمعقول: إن العتق الذي يقع بنفس الموت سببه يلزم في حالة الحياة على وجه لا يحتمل الرجوع عنه بخلاف الوصية بالعتق فإنه يحتمل الرجوع عنه.
والعتق المنفذ بعد الموت مستحق استحقاق الديون، فإن صاحب الحق ينفرد باستيفاء دينه إذا ظفر بجنس حقه وههنا يصير مستوفياً حقه بنفس الموت. والدين مقدم على الوصية، والعتق الذي هو في معنى الدين مقدم أيضاً.
стр. 1203
القاعدة الثمانون [التردد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
التردد (١).
وفي لفظ: ما يتردد فيه هل هو من تقابل الضدين أو العدم والملكة؟ أو الواسطة (٢)؟
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المراد بالضدين هنا: ما لا يجتمعان ويمكن أن يرتفعا؛ لاختلاف الحقيقة كالسواد والبياض. وقيل هما صفتان وجوديتان يتعاقبان في موضع واحد يستحيل اجتماعهما (٣).
والمراد بالملكة هنا: الصفة الراسخة في النفس، أو الأمر الوجودي، كالبصر. والعدم بخلافه: كالعمى. والعدم والملكة: هما النقيضان وهما ما لا يرتفعان ولا يجتمعان.
ومفاد القاعدة: بيان أحكام بعض الأمور التي تحمل صفتين متضادتين لأمر واحد.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
الخنثى المشكل هل هو عين الرجال والنساء أو هو من أحدهم؟
فيه وجهان عند الشافعية، مبنيان على أن المشكل هل هو في نفس الأمر عند الله تعالى فهو يعلمه مشكلاً كما نعلمه نحن، أو هو في نفس الأمر
стр. 1204
مبين العين ولكنه مشكل في نظرنا نحن؟
والمشكل هو الذي لم يتبين بعلامة تميزه إن كان ذكراً أو أنثى، بل له ما للرجال وما للنساء ولم يمكن التمييز. ولكن في عصرنا الحاضر لم يعد المشكل مشكلاً؛ لأنه بوجود المكتشفات الحديثة والأجهزة المتطورة وإمكان إجراء العمليات الجراحية التي تحدد النوع لم يعد الأمر مشكلاً.
ومنها: هل من الطلاق ما ليس بسني ولا بدعي حتى نبني عليه طلاق غير المدخول بها والحامل والصغيرة والآيسة، فإن قلنا: إن السني هو الطلاق الجائز وليس بمحرم والبدعي هو الطلاق المحرم، كان هذا من الطلاق السني، وأما إذا قلنا: إن الطلاق السني هو طلاق المدخول بها التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة، والبدعي طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه، فيكون طلاق غير المدخول بها ومن معها نوعاً ثالثاً. والأصح الأول (١).
стр. 1205
القاعدة الحادية والثمانون [ترك الإحسان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ترك الإحسان لا يكون إساءة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإحسان: ضد الإساءة، وهو في اللغة: فعل ما ينبغي أن يفعل من الخير.
وفي الشريعة: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (٢).
والإساءة: فعل ما يسيء أي يضر.
ومفاد القاعدة: أن من ترك ما ينبغي أن يُفعل من الخير والمعروف لغيره هل يعتبر مسيئاً لذلك الغير؟ القاعدة تنفي الإساءة وتقول: إنه لا يكون مسيئاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن مرَّ بامرأة أو صبي في مفازة وهو يقدر على نقلهما إلى العمران فلم يفعل لم يكن ضامناً شيئاً من بدله؛ لأنه لا يكون بتركه لهما متلفاً إياهما ولكنه ممتنع من الإحسان, هكذا قال السرخسي: ولكني أقول وبالله التوفيق: إنه وإن قلنا: لا يضمن في حكم الشرع لكنه آثم عند الله ؛ لأنه ترك الإحسان إليهما، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. وترك المرأة المسلمة والصبي المسلم في المفازة إسلام لهما إلى الهلاك.
وقد ذكر السرخسي هذه القاعدة تعليلاً لترك النساء والصبيان المغنومين
стр. 1206
في مفازة إذا لم يقدر المسلمون على حملهم معهم.
وأين هذا من وصية الرسول ﷺ بالإحسان في كل شيء، قال ﵊: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة وإذا ذكيتم فأحسنوا الذبح، وليحدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (١). فإذا كان الإحسان مطلوباً في كل شيء فكيف يكون تركه ليس إساءة، وإذا لم يحسن الذابح إلى ذبيحته بأن ذبحها بشفرة كالَّة ألا يكون مسيئاً لها؟
وكذلك ترك النساء والصبيان - وإن كانوا كفاراً - وهم أصبحوا ملكاً للمسلين كيف يكون تركهم في المفازة بدون طعام أو شراب - وفي ذلك هلاكهم - كيف يكون تركهم هذا ليس إساءة، والرسول ﷺ قال: "عُذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها, ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" (٢).
وأيضاً الحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "في كل كبد رطبة أجر" (٣).
وهذا ورد في الحيوانات النجسة ورحمتها فكيف بالإنسان الضعيف كالمرأة والصبي يترك في مفازة يغلب على مَن فيها الهلاك؟
стр. 1207
القاعدة الثانية والثمانون [ترك الاستفصال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ترك الاستفصال في حكاية الأحوال - الحال - مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عبارة هذه القاعدة مشهورة عن الإِمام الشافعي ﵁، والمراد بترك الاستفصال: ترك السؤال التفصيلي عن المسألة المعروضة مع وجود الاحتمالات فيها فيكون ذلك دليلاً على أن الحكم يكون عامًّا في كل الأحوال المحتملة للمسألة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في قصة غيلان الثقفي لما أسلم على عشر نسوة فقال له النبي ﷺ : "أمسك أربعاً وفارق سائرهن" (٢) ولم يسأله عن كيفية وقوع العقد عليهن معاً أو مرتباً، فكان إطلاق الجواب دليلاً على أنه لا فرق بين أن تترتب العقود أو تقع معاً.
ومنها: إطلاقه ﷺ الإذن لثابت بن قيس بن شماس (٣) ﵁ في الخلع من غير استفصال عن حالة الزوجة هل هي حائض أو طاهر طهراً
стр. 1208
جامعها فيه أو لم يجامعها - مع أن الحيض ليس بنادر في النساء ولا في الطهر الذي جامعها فيه - ومن ثم استدل الشافعية على جواز خلع الحائض والطاهر طهراً جامعها فيه، مع أن الرسول ﷺ كان يستفصل في كثير من المسائل كخبر ماعز ﵁ الذي أخرج في الصحيحين (١).
стр. 1209
القاعدة الثالثة والثمانون [الترك الراتب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الترك الراتب سنة كما أن الفعل الراتب سنة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد هذه القاعدة أن ترك الرسول ﷺ فعلاً من الأفعال العبادية دائماً، وهذا الفعل المتروك له مثيل فيما هو سنة، يعتبر هذا الترك سنة أيضاً كما أن الفعل يعتبر سنة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عدم الصلاة بعد السعي بين الصفا والمروة يعتبر سنة، كما أن فعل الصلاة بعد الطواف بالبيت يعتبر سنة، فكما داوم ﷺ على صلاة ركعتين بعد الطواف بالبيت داوم أيضاً على ترك الصلاة بعد السعي بين الصفا والمروة، فدل ذلك على أن هذا الترك سنة.
ومنها: ترك الإقامة لصلاة العيد وصلاة الاستسقاء وصلاة الخسوف والكسوف يعتبر أيضاً سنة.
стр. 1210
القاعدة الرابعة والثمانون [الترك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الترك فعل إذا قُصِد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الترك عدم الفعل، ولكن هل يعتبر الترك بذاته فعلاً تترتب عليه الأحكام؟
مفاد هذه القاعدة: أن الترك إذا كان مقصوداً كان فعلاً يترتب عليه الثواب والعقاب.
ومفهومها: أن الترك إذا لم يقصد ولم يكن للتارك نية في الترك لم يكن فعلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من ترك الزنا أو شرب الخمر أو غيرهما من الفواحش لأنه لم يمل قلبه إليها أو لم تشتهيها نفسه أو لعدم وجودها، فهو يعتبر في حكم الشرع منتهياً ولا يعاقب لأنه لم يفعل، لكن هل يثاب على الترك؟ بناء على هذه القاعدة وقاعدة (الأعمال بالنيات) نقول: إنه لا يثاب؛ لأنه لم يفعل ما يثاب عليه، ولكنه ترك ما كان يمكن أن يعاقب عليه لو فعل.
ولكن إذا حدثته نفسه بالزنا أو شرب الخمر أو فعل فاحشة ما، وكان قادراً على الفعل ولكنه منع نفسه من ذلك ابتغاء لما عند الله سبحانه ورجاء في ثواب الله وطاعة لأمر الله فإنه في هذه الحالة يثاب؛ لأنه حصل منه فعل وهو كف النفس عن معصية الله خوفاً من الله ورجاء لما عنده.
ومنها: إذا ترك الولي علف دابة الصبي حتى تلفت فهو ضامن لها.
стр. 1211
ومنها: إذا تعمد العامل في المزارعة ترك سقي الزرع حتى فسد ضمن في الأصح؛ لأنه في يده وعليه حفظه (١).
стр. 1212
القاعدة الخامسة والثمانون [ترك الفعل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ترك الفعل هل هو تمليك أو إعراض (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التمليك: تفعيل من الملك أي جعل الشيء ملكاً لغيره.
والإعراض: إهمال للشيء وتركه والصد عنه.
فإذا ترك شخص شيئاً كان له لشخص آخر - دون ثمن - فهل يعتبر هذا الترك تمليكاً للشيء المتروك للمتروك له، أو يعتبر إعراضاً عن الشيء المتروك وإهمالاً له؟
قولان عند الشافعية، وما يترتب على اعتبار أي منهما مخالف لما يترتب على اعتبار الآخر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى داراً أو أرضاً فيها حجارة مدفونة غير خِلقية ولم يعلم بها المشتري إلا بعد تمام العقد - وهو يتضرر بقلعها دون إبقائها - فله الرد. لكن إذا قال البائع: أنا أتركها. سقط خيار المشتري. لكن هل يكون ترك البائع لها تمليكاً للمشتري أو إعراضاً؟ وجهان: إذ يكون التمليك حصل ضمناً في الترك.
ومنها: إذا اطلع المشتري على عيب في الدابة بعد أن أنعلها - أي جعل لها نعلاً - وذلك في ذوات الحافر كالفرس والحمار والبغل وأراد الرد بالعيب - وكان نزع النعل يعيبها - وقال - أي المشتري - أنا أترك النعل. لزم البائع القبول، ولم يكن للمشتري طلب قيمة النعل.
стр. 1213
القاعدة السادسة والثمانون [ترك القياس]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ترك القياس في موضع الحرج والضرورة جائز؛ لأن الحرج منفي، ومواضع الضرورات مستثناة عن قضيات الأصول (١). فقهية أصولية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالقياس هنا: القاعدة العامة لا القياس الأصولي.
والمراد بالحرج: الضيق والعسر.
فمفاد القاعدة: أن ترك القواعد العامة عند المشقة والضرورة جائز؛ لأن الحَرجَ منفي في الشريعة والضرورات تبيح المحظورات، وتشير هذه القاعدة أيضاً إلى استحسان الضرورة عند الحنفية، ولهذه القاعدة أدلة كثيرة ترد إن شاء الله عند إيراد قاعدة المشقة تجلب التيسير.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إشارة الأخرس المعهودة مقبولة في عباداته ومعاملاته إلا ما استثني للحاجة والضرورة حتى لا يضيع ولا يهلك إذا لم تقبل إشارته.
ومنها: إذا غسل الثوب في ثلاثة أوانٍ وعصره في كل مرة يطهر، والقياس أن لا يطهر أبداً؛ لأن الماء الأول تنجس بأول الملاقاة، وتنجس الوعاء وكذا الثاني والثالث، فلا يطهر إلا بصب الماء عليه أو بالغسل في الماء الجاري. ووجه الاستحسان أن للناس في ذلك ضرورة وبلوى لأن الثياب تغسلها عادة النساء والخدم، وقد يكون المراد غسله ثقيلاً لا تقدر المرأة على حمله لتصب الماء، عليه والماء الجاري لا يوجد في كل مكان، فلو
стр. 1214
لم يطهر لأدى إلى الحرج - هذا إذا كانت النجاسة غير مرئية - وأما إن كانت النجاسة مرئية فطهارتها بزوال عينها, ولا يضر بقاء أثرها.
ومنها: ما يغسل الآن في الغسالات الحديثة حيث توضع الثياب داخل الغسالة ثم يصب عليها الماء وتتحرك الغسالة وتدور ثم تريق الماء ثم يجري على الثياب ماء آخر مرتين أو ثلاثاً فتعتبر الثياب طاهرة. مع أن القياس أن لا تطهر؛ لأن بطن الغسالة قد تنجست بأول غسلة وسيلان الماء مرة ثانية يكون قد لاقى نجاسة فتنجس, ولكن دفعاً للحرج والمشقة تعتبر الثياب طاهرة. والله أعلم.
стр. 1215
القاعدة السابعة والثمانون [ترك الفرض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ترك ما هو الفرض من غير عذر لا يجوز (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالفرض في هذه القاعدة: ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً بدليل قطعي، عند الحنفية، أو هو ما في فعله الثواب وما في تركه العقاب، وهذا شامل للفرض والواجب عند غير الحنفية. وهو كذلك مقصود هذه القاعدة عند الحنفية حيث إن ما طلبه الشارع طلباً جازماً بدليل قطعي وما طلبه الشارع طلباً جازماً بدليل ظني كليهما لا يجوز ترك أحدهما من غير عذر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ترك صوم رمضان من عذر السفر أو المرض أو الكبر أو الحمل والإرضاع لا يجوز وفاعله آثم.
ومنها: ترك قراءة الفاتحة في صلاة الإِمام والمنفرد لا تجوز بغير عذر عند الجميع وإن اختلفوا في النتائج: حيث إن غير الحنفية يبطلون صلاة من لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب من إمام ومنفرد ومؤتم عند الشافعية، والحنفية يؤثمون من لم يقرأها ويوجبون عليه إعادة الصلاة مادام في الوقت، وإن خرج الوقت فلا إعادة عليه ولكنه آثم لتركه واجباً.
ومنها: عدم جواز موادعة المشركين إن لم يكن في الموادعة خير للمسلمين بأن كان المسلمون لهم شوكة وقوة، ولأن قتال المشركين فرض، وترك ما هو الفرض من غير عذر لا يجوز.
стр. 1216
القاعدة الثامنة والثمانون [ترك الواجب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ترك الواجب يوجب الكراهة والنقصان ولا يفسد الصلاة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحنفية يفرقون بين الفرض والواجب - كما سبق قريباً - ويبنون على ذلك أحكاماً مختلفة، فالفرض عندهم (ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه) كفرضية الصلاة مثلاً. والواجب (ما ثبت بدليل ظني فيه شبهة) كخصوص قراءة الفاتحة في الصلاة. فبناء على هذا التفريق عندهم فقد سبق أن ترك الفرض من غير عذر لا يجوز حيث يبطل العمل كترك القراءة مطلقاً للقادر عليها حيث تبطل الصلاة، ولكن ترك واجب في الصلاة لا يبطلها ولكن يوجب الكراهة والنقصان فيها. والمقصود بالكراهة هنا الكراهة التحريمية لا التنزيهية. حيث إن الكراهة عند الحنفية نوعان: كراهة تحريم وهي إلى الحرام أقرب وكراهة تنزيه وهي إلى الإباحة أقرب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ترك قراءة الفاتحة بخصوصها لا يبطل الصلاة - للإمام والمنفرد - بل ينقصها ويكون هذا الترك مكروهاً ويوجبون الإعادة في الوقت وإن خرج الوقت فلا إعادة مع الإثم. كما مر قريباً.
ومنها: طواف المحدث جائز عند الحنفية مع وجوب الدم - أن لم يعد الطواف - لأنه ترك واجباً؛ لأن الطهارة في الطواف واجبة لا شرط صحة عند الحنفية، ورواية عن أحمد خلافاً للشافعية
стр. 1217
ومالك (١)، والرواية الأخرى عند أحمد حيث يعتبرون الطهارة شرط صحة بدونها لا يصح الطواف ولا السعي بعده.
فترك الطهارة في الطواف عند الحنفية أوجب نقصاناً في العبادة فيجبر هذا النقصان بالدم إن لم يعده قبل السعي، وأما إن سعى بعده فقد صح سعيه وتمت عمرته وعليه دم جزاء نقصان واجب.
стр. 1218
القاعدة التاسعة والثمانون [تزاحم الحقوق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تزاحم الحقوق لا يقدم فيها أحد على أحد إلا بمرجح (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بتزاحم الحقوق: تضايقها؛ لأن أصل المزاحمة المضايقة؛ لأن كل صاحب حق يضايق صاحب الحق الآخر، وأصله من المدافعة ولا تكون المدافعة إلا عند الضيق (٢).
فمفاد القاعدة: أنه إذا تزاحمت الحقوق وكثر أصحابها فلا يقدم فيها أحد على أحد إلا بمرجح يوجب التقديم، وأسباب التقديم متعددة: منها السبق والقوة - كما سبق ذكره - والقرعة أيضاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ازدحم الخصوم في الدعوى، أو في سكنى الأحياء، أو في ماء غسل أو وضوء لا يكفي إلا واحداً قدم الأسبق منهم.
ومنها: إذا مات إثنان أحدهما بعد الآخر والماء الموجود عند موته لا يكفي إلا غسل أحدهما فالأول أولى به.
ومنها: إذا أقر الوارث بدين لإنسان ثم بدين آخر لغيره والتركة لا تقي بهما فالدين الأول أولى على المشهور.
ومنها: لو قتل شخص جماعة مرتباً قتل بالأول منهم، وحكم للباقين بالديات.
стр. 1219
ومنها: إذا تساووا في الحقوق فيقرع بينهم كاجتماع أولياء متساوين في النكاح، أو اجتماع ورثة متساوين في استيفاء القصاص.
ومنها: إذا أقر الوارث بدين وأقام آخر بينة على دين، والتركة لا تقي بهما فالبينة أولى؛ لأنها أقوى من الإقرار.
стр. 1220
القاعدة التسعون [التساوي في السبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التساوي في سبب الاستحقاق يوجب التساوي في نفس الاستحقاق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الاستحقاق: استفعال من الحق، وهو ما ثبت للإنسان عن طريق مشروع سواء أكان الحق ماديًّا أو حكميًّا معنويًّا.
فالتساوي في سبب ثبوت الحق يوجب التساوي في نفس الحق الثابت؛ لأن المساواة تمنع التفاضل والزيادة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الاستحقاق بالإرث سبب لحصول الموروث، ودرجة القرب من المورث توجب المساواة في المُسْتَحَق. فإذا مات إنسان عن ابنين استحق كل واحد منهما نصف التركة، ولا يجوز تفضيل أحدهما على الآخر بأي سبب آخر كان يكون أحدهما أكبر من الآخر أو أكثر برًّا للمورث منه.
ومنها: الأولياء المتساوون في الولاية متساوون في استحقاقها، وعند التشاح يقرع بينهم.
стр. 1221
القاعدة الحادية والتسعون [التسبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التسبب إذا كان تعدياً يكون موجباً للضمان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التسبب: تفعل من السبب، والسبب اسم لما يتوصل به إلى المقصود كالجبل والطريق.
وفي الاصطلاح: عبارة عما يكون طريقاً للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه (٢).
والسبب هنا هو المقابل للمباشرة، فإذا كان السبب في وقوع الحادثة تعدياً فهو موجب للضمان، وإن كان الأصل أن الضمان على المباشر دون المتسبب، ولكن قاعدتنا هذه كأنها استثناء منها حيث إنها أوجبت الضمان على المتسبب إذا كان متعدياً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من دل سارقاً على مال فسرقه فالضمان والقطع على السارق لا على الدال؛ لأن الدال غير مباشر. ولكن إذا حفر بئراً في طريق المسلمين فسقط فيها إنسان أو دابة فهو ضامن؛ لأنه متعد، حيث إنه لا يجوز له أن يحفر في طريق المسلمين، ولكن إن حفر في ملكه فسقط فيها إنسان فلا يضمن؛ لأنه غير متعد.
стр. 1222
القاعدة الثانية والتسعون [تسكين الفتنة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تسكين الفتنة لازم شرعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الفتنة: الاختبار والامتحان والإحراق (٢).
وقال في المصباح: فُتِن عن دينه وافتتن: مال عنه. والفتنة: المحنة (٣) والابتلاء. وينظر أيضاً معجم مقاييس اللغة مادة "فتن".
وقال في أساس البلاغة: وبينهم فتنة: أي حرب (٤).
وقال في القاموس: والفتنة: الخبرة، وإعجابك بالشيء، والضلال، والإثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والإضلال والجنون والمحنة، والمال والأولاد واختلاف الناس في الآراء (٥).
والمقصود بالقاعدة: الحرب واختلاف الناس في الآراء الذي يورث المنازعة ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، فالواجب الشرعي في هذه الحالة - على ذوي الحل والعقد - العمل على تسكين هذه الفتنة وإزالتها وإصلاح ذات البين وتسكين الفتنة: تهدئتها وإزالتها.
стр. 1223
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان نهر يجري بين قوم وخافوا أن ينبثق - أي تنفجر حافتاه فيغرق ما حوله - وأرادوا أن يحصنوه فامتنع بعضهم من الدخول معهم - أي في تكلفة تحصينه - فإن كان في تركه ضرر عام أجبروا جميعاً على تحصينه بالحصص؛ لأن في ترك الإجبار هنا تهييج الفتنة، وتسكين الفتنة لازم شرعاً. فلأجل التسكين يجبرهم الإِمام على تحصينه بالحصص. أما إن لم يكن فيه ضرر عام لم يجبرهم عليه وأمر كل إنسان أن يحصن نصيب نفسه.
стр. 1224
القاعدة الثالثة والتسعون [تسليم المعقود عليه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تسليم المعقود عليه مقرر للبدل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا سلم البائع المبيع المعقود عليه إلى المشتري، سواء أكان التسليم فعليًّا أم كان على سبيل التخلية وإزالة المانع عن الاستلام تقرر البدل وهو الثمن على المشتري. ووجب عليه أداءه إلى البائع. إلا إذا كان الثمن مؤجلاً فحين حلول الأجل. وتسليم كل شيء بحسبه، فتسليم سيارة ليس كتسليم دار أو أرض.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
امرأة سلَّمت نفسها لزوجها فدخل بها وجب لها المهر كاملاً؛ لأنها سلمت المعقود عليه فتقرر البدل وهو المهر. ولا تستحق النفقة حتى يبوئها منزلاً.
ومنها: إذا اشترى إنسان سلعة من آخر فسلم البائع السلعة للمشتري بعد تمام العقد فوجب الثمن في ذمة المشتري فعليه أداؤه إن كان حالاًّ.
стр. 1225
القاعدة الرابعة والتسعون [تسمية الشيء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تسمية الشيء باسم غيره شرعاً أيقتضي اعتبار شروطه فيه (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة مثار اختلاف بين أبي حنيفة والحنفية وبين مالك والشافعي ﵃ جميعاً. فعند مالك والشافعي أن الشيء من العبادات إذا سمي باسم غيره - أي أطلق عليه اسم غيره من المشروعات - فيجب فيه اعتبار شروط المسمى به. وعند أبي حنيفة لا يشترط ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الطواف بالبيت ورد فيه حديث "الطواف بالبيت صلاة فأقلُّوا الكلام" (٢).
وفي لفظ: "الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه" (٣).
ولذلك اشترط المالكية والشافعية الطهارة لصحة الطواف، وهو قول لأحمد بن حنبل ﵀، وأما عند الحنفية فلم يشترطوا الطهارة للطواف وإنما اعتبروها واجبة تجبر بدم، وهو القول الآخر لأحمد.
стр. 1226
القاعدة الخامسة والتسعون [التسمية والإشارة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التسمية والإشارة إذا اجتمعتا في الجنسين كانت العبرة للتسمية (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالتسمية هنا: وصف المبيع حاضراً أو غائباً، وأما الإشارة إليه فتعتبر إذا كان حاضراً.
ومفاد هذه القاعدة: أنه إذا اجتمعت التسمية - أي وصف البيع مع الإشارة إليه - وكان المبيع أحد جنسين والمسمى من غير جنس المشار إليه كان الاعتداد بالتسمية لا بالإشارة بخلاف ما إذا كان المبيع جنساً واحداً حاضراً فالعبرة بالإشارة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: أبيعك هذا الفص من الماس وأشار إلى فص من زجاج، فإن العبرة هنا بالتسمية لا بالإشارة؛ لاختلاف الجنس، فيكون البيع باطلاً.
ومنها: إذا قال: أبيعك هذا الفرس، وأشار إلى بغل، فالعقد باطل لاختلاف الجنس أيضاً.
стр. 1227
القاعدة السادسة والتسعون [التشهير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التشهير فيما هو نسك لا فيما هو جبر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التشهير: المراد به هنا الإعلان والإظهار.
النسك: الشعيرة من شعائر العبادة وبخاصة في الحج.
ومفاد القاعدة: أن المسنون إظهار النسك والعبادة وإعلانهما، وأما إذا كان الفعل جبراً لإخلال في أداء أحد الأنساك فلا يسن فيه الإعلان ولا الإظهار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يسن تقليد الهدي سواء كان هدي متعة أم قِران أم تطوع من الإبل والبقر دون الغنم (٢) - عند الحنفية -. والتقليد أن يجعل على عنق البدنة أو البقرة نعلاً أو قطعة أدم - أي جلد - أو عروة مزادة، والمعنى فيه إعلام الناس أن هذا أعد للتطوع بإراقة دمه، وهو المقصود بالتشهير، ويسن الإشعار أيضاً (٣). وأما إن أفسد حجه بجماع وأراد أن يكفر ببدنة فلا يسن تقليدها؛ لأن هذه البدنة كفارة جزاء فلا يسن فيها التشهير.
стр. 1228
القاعدة السابعة والتسعون [تصحيح الصلح]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تصحيح الصلح بطريق الإسقاط إنما يكون في المستهلك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الصلح جائز بين المسلمين، وإذا صالح إنسان آخر وأخذ بعض ماله وترك الباقي، فإن كان الباقي غير مستهلك فيكون تمليكاً لمن هو بيده. وأما إن كان الباقي بعد الصلح مستهلكاً فيكون ما صولح عليه إسقاطاً للحق؛ لأن المستهلك لا يتصور فيه الملك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إن كان لإنسان على آخر دين فصالحه على وضع جزء منه على أن يعطيه الباقي فهذا صلح جائز، ويكون ما تركه للمدين إسقاطاً لحقه في الباقي، فلا يطالبه به بعد ذلك.
ومنها: إذا غصب رجل كرَّ حنطة والغاصب منكر للغصب فصالحه صاحبه منه على نصف كر حنطة، جاز الصلح؛ لأن الغاصب بإنكاره الغصب يزعم أن العين ملكه والشرع جعل القول قوله - مع اليمين - إن لم يكن هنا بينة للمدعي. فيتعذر على المغصوب منه أخذ عين المغصوب في الحكم؛ حيث لا بينة له فيكون بمنزلة المستهلك، ويمكن تصحيح الصلح بينهما بطريق الإسقاط، والمنكر آثم في الإنكار والغصب، حتى إذا وجد المغصوب منه بينة على بقية ماله الذي في يده قضى له به الحاكم؛ لأنه لما وجد البينة فقد تمكن من استرداد العين.
стр. 1229
القاعدة الثامنة والتسعون [تصحيح العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تصحيح العقود التي قامت عليها الحجة أولى من تصحيح يد لم تقم على دوامها حجة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقود: جمع عقد وهو ارتباط الإيجاب بالقبول.
والحجة: البرهان.
والقاعدة تنص على أنه إذا قامت الحجة والبينة والبرهان على العقد فإنه يجب تصحيحه وبناء الحكم عليه. ويكون تصحيح هذا العقد وبناء الحكم عليه أولى من تصحيح يد لم تقم على دوامها واستمراها حجة؛ لأن وضع اليد قد يكون عن طريق باطل غير صحيح، والعقد إذا قامت عليه الحجة يكون صحيحاً قطعاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادعى إنسان أنه اشترى هذه الدار من مالكها وأقام البينة على الشراء، وكانت الدار في يد رجل يدعيها ولم يقم بينة على صحة وضع يده، فإن الحاكم يحكم بالدار لمن أقام البينة على الشراء. وحتى لو أقام واضع اليد بينة الشراء فإن بينة الخارج أقوى ومقدمة على بينة ذي اليد إلا إذا كانت بينة ذي اليد تفيد تاريخاً للشراء سابقاً على تاريخ شراء الخارج.
стр. 1230
القاعدة التاسعة والتسعون [تصحيح العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تصحيح العقود واجب ما أمكن؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصلاح دون الفساد، إلا إذا تعذر حملها على الصلاح (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في العقود بين المسلمين بناؤها على الصحة دون الفساد من باب حسن الظن بالمسلمين، فإذا تعارض عقد بين الصحة والفساد فإنه يحمل على الصحة، كذلك إذا ادعى أحد العاقدين فساد العقد وادعى الآخر صحته فإن القول قول مدعي الصحة مع يمينه، والبينة على مدعي الفساد؛ لأن مدعي الصحة يتمسك بالأصل وينفي المفسد، ومدعي الفساد متمسك بخلاف الأصل ويدعي المفسد فعليه البينة؛ لأنه يريد الإثبات.
ولكن إذا لم يمكن حمل العقد على الصحة لوضوح فساده فلا يمكن تصحيحه إلا بإزالة المفسد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تزوج امرأة بحضور شاهدين، ثم ادعي عليه أن الشاهدين كانا عبدين عند الشهادة فالنكاح فاسد؛ لأنه لا يجوز شهادة عبدين على نكاح بين مسلمين. فالأصل صحة العقد وحرية الشاهدين إلا إذا قامت البينة على عبودية الشاهدين فلا يمكن تصحيح العقد.