ومنها: إذا وجد الإِمام مَن قد سبقه من الأئمة يأخذ الخراج من بلد وأهله يتبايعون أملاكه، فبمقتضى أخذ الخراج أن يكون وقفاً - فلا يباع وهذا أصل - وبمقتضى بيعه أن لا يؤخذ منه خراج - وهذا أصل آخر - وقد نص الشافعي ﵀ على أن الإِمام يأخذ الخراج ويمكنهم من بيعهم إعطاء لكل يد حقها. ففي هذا المثال أعمل الأصلين.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد ووجب العمل بكل من الأصلين:
إذا تعارض أصلان ولم يتقدم أحدهما على الآخر يعمل بكل واحد منهما.
مثاله: العبد المنقطع الخبر تجب فطرته على سيده. ولكنه لو أعتقه عن الكفارة لم يجزئه؛ لأن الأصل شغل الذمة فلا تبرأ إلا بيقين والعبد الغائب لم تتيقن حياته لكي يجزئه عن كفارة يشترط فيها يقين الحياة.
والأصل الثاني بقاء الحياة استصحاباً فتجب فطرته، ولو مع الشك في حياته ويمكن أن يدخل في المستثنى المثال السابق لهذا النوع أيضاً.
стр. 1262
القاعدة الثامنة عشرة بعد المائة [تعارض الأصل والظاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الأصل والظاهر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق أن معنى الأصل: القاعدة المستمرة.
والظاهر والغالب: عبارة عما يترجح وقوعه ويغلب على نقيضه.
فإذا تعارض أصل وظاهر أو غالب فما المرجح منهما؟
المسألة فيها تفصيل:
قال الزركشي: فيه قولان.
وقال النووي: وقول الأصحاب - أي الشافعية - مَن قال: إن كل مسألة تعارض فيها أصلان أو أصل وظاهر ففيها قولان، ليس على ظاهره ولم يريدوا حقيقة الإطلاق، فإن لنا مسائل يعمل فيها بالظاهر بالإجماع ولا ينظر فيها إلى أصل براءة الذمة فقط، كمسألة بول الحيوان (٢). ومسائل يعمل فيها بالأصل قطعاً كمن ظن أنه أحدث أو طلق أو أعتق أو صلى ثلاثاً
стр. 1263
أو أربعاً، فإنه يعمل فيها كلها بالأصل وهو البناء على الطهارة وعدم الطلاق والعتق والركعة الرابعة. فالصواب في الضابط - أي القاعدة - ما قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح (١): إنه عند تعارضهما يجب النظر في الترجيح كما في تعارض الدليلين، فإن تردد في الراجح فهي مسائل القولين، وإن ترجح دليل الظاهر عمل به، وإن ترجح دليل الأصل عمل به. وقال ابن الرفعة (٢): محل الخلاف في تقابل الأصلين أو الأصل والظاهر ما إذا لم يكن مع أحدهما ما يعتضد به، فإن كان فالعمل بالراجح متعين.
وقال الزركشي: إذا اجتمع في جانب أصلان أو أصل وظاهر وفي جانب آخر أصل أو ظاهر فقط فلا تعارض؛ لأن شرط التعارض التساوي ولا تساوي. ولكن يعمل بالراجح إذ العمل به متيقن شرعاً وعقلاً.
ضابط إزالة التعارض بين الأصل والظاهر: قال الزركشي: إن كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعاً كالشهادة والرواية والإخبار فهو مقدم على الأصل قطعاً، وإن لم يكن كذلك بل كان سنده العرف أو القرائن أو غلبة الظن فهذه يتفاوت أمرها فتارة يعمل بالأصل وتارة يعمل بالظاهر وتارة يخرج خلاف.
стр. 1264
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
١ - ما قطعوا فيه بالظاهر: البينة - أي الشهادة - فإن الأصل براءة الذمة للمشهود عليه ومع ذلك يلزمه المدعى المشهودَ به قطعاً.
ومنها: اليد في الدعوى فإن الأصل عدم الملك والظاهر من اليد الملك وهو ثابت بالإجماع.
ومنها: إخبار الثقة بنجاسة الماء إذا كان فقيهاً موافقاً، يقدم على أصل طهارة الماء قطعاً، وكذا إن لم يكن فقيهاً موافقاً ولكن عيَّن تلك النجاسة.
٢ - ما فيه خلاف والأصل تقديم الظاهر:
إذا شك بعد الصلاة في ترك فرض منها لم يؤثر على المشهور؛ لأن الظاهر جريانها على الصحة.
ومنها: اختلاف المتعاقدين في الصحة والفساد، القول قول مدعي الصحة على الأظهر؛ لأن الظاهر في العقود الجارية بين المسلمين الصحة، وإن كان الأصل عدمها.
ومنها: النوم غير ممكن مقعدته ناقض للوضوء؛ لأنه مظنة خروج الحدث، وإن كان الأصل عدم خروجه وبقاء الطهارة.
ومنها: إذا غلب على ظنه دخول وقت الصلاة - أو طلوع الفجر - صحت صلاته، ووجب عليه الإمساك، ولا يشترط تيقن دخول الوقت ولا الصبر إلى أن يتيقن دخوله على الأصح.
٣ - ما قطعوا فيه بالأصل وإلغاء القرائن الظاهرة:
إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث أو ظنَّه، فإنه يبني على يقين الطهارة عملاً بالأصل.
ومنها: إذا شك في طلوع الفجر في رمضان فإنه يباح له الأكل حتى يتيقن
стр. 1265
طلوعه؛ لأن الأصل بقاء الليل.
٤ - ما فيه خلاف والأصح تقديم الأصل:
إذا أدخل الكلب رأسه في الإناء وشك هل ولغ فيه أو لا، وأخرجه وفمه رطب فإنه لا يحكم بتنجيس الإناء في الأصح - في الروضة - لأن الأصل عدم الولوغ.
ومنها: إذا شك المصلي في عدد الركعات فإنه يبني على الأقل وهو المتيقن؛ لأن الأصل عدم الزيادة المشكوك فيها, ولا يجوز العمل فيه بقول غيره إلا إذا كثر عددهم فيرجع إلى قولهم عملاً بالظاهر. وهو قوي (١).
стр. 1266
القاعدة التاسعة عشرة بعد المائة [تعارض الإشارة والعبارة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الإشارة والعبارة (١).
قد سبق مثل هذه القاعدة في حرف الهمزة تحت الأرقام ٦٢ - ٦٤، ٢٣٦.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إضافة إلى ما تقدم:
إذا قال: زوجتك هذه العربية. فإذا هي أعجمية أو هذه البيضاء فإذا هي سوداء أو هذه الشابة فإذا هي عجوز ونحو ذلك. ففي صحة النكاح قولان - عند الشافعية - أصحهما الصحة، وله الخيار.
ومنها: إذا قال بعتك هذه الفرس فإذا هو حمار، ففيه عند الشافعية وجهان.
وعند الحنفية لا يصح العقد قولاً واحداً لاختلاف الجنس.
ومنها: إذا اشترى فصًّا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج لا ينعقد العقد لاختلاف الجنس، أما لو اشتراه على أنه ياقوت أحمر فإذا هو أخضر إنعقد العقد لاتحاد الجنس، ولكن له الخيار لاختلاف الصفة.
стр. 1267
القاعدة العشرون بعد المائة [تعارض المفسدتين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض المفسدتين (١).
قد سبق ذكر مثل هذه القاعدة مع البيان والتمثيل في قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام من ٧٥ - ٨١ بعبارات مختلفة فلتنظر هناك.
стр. 1268
القاعدة الحادية والعشرون بعد المائة [تعارض الموجب والمسقط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الموجب والمسقط (١).
سبق ذكر هذه القاعدة مع البيان والتمثيل في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٦٨ فلتنظر هناك.
стр. 1269
القاعدة الثانية والعشرون بعد المائة [تعارض النقيصة مع الفضيلة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض النقيصة مع الفضيلة والكمال (١).
وفي لفظ: اجتماع الفضيلة والنقيصة (٢).
وفي لفظ: تعارض فضيلتين: يقدم أفضلهما (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا تعارض أمران كل منهما فاضل في نفسه فأيهما يقدم؟
خلاف في الأكمل منهما وتقديمه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في الإمامة في الصلاة إذا تعارض الأفقه والأقرأ. فالصحيح أن الأفقه أولى. وقيل: يستويان ولا ترجيح بينهما لتعادل الفضيلتين.
ومنها: إذا تعارض الصلاة في أول الوقت منفرداً أو بالتيمم مع الصلاة جماعة أو بالماء في آخره. وقد اختلف فقهاء الشافعية في المختار منهما. وعند الحنفية الأفضل التأخير.
ومنها: إذا تعارض البكور إلى الجمعة بلا غسل وتأخيره مع الغسل. فالظاهر أن تحصيل الغسل أولى، للخلاف في وجوبه.
стр. 1270
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
العبد المسلم مع الحر الكافر في القصاص ليسا كفؤين فيه حتى لا يقاد من العبد المسلم للحر الكافر جزماً.
стр. 1271
القاعدة الثالثة والعشرون بعد المائة [التعارض بين البينتين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التعارض إذا وقع بين البينتين وأمكن العمل بهما وجب العمل بهما بحسب الإمكان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالبينتين: الحجتين والبرهانين، والبينة ما ثبت بها الحقوق كالشهادة.
فإذا وقع تعارض بين بينتين، فما الذي يجب على القاضي أو الحاكم أن يفعله؟
الخطوة الأولى: محاولة التوفيق بينهما بأن يعمل بهما معاً ولو من وجه إن أمكنه ذلك - كتعارض الدليلين -.
الخطوة الثانية: إن لم يمكنه العمل بهما معاً نظر في الترجيح بينهما بأحد وجوه الترجيح فإن أمكنه ذلك عمل بالراجحة وأهمل المرجوحة.
الخطوة الثالثة: إن لم يمكن الترجيح بينهما طلب غيرهما وأسقطهما، مثل عمل المجتهد في تعارض الدليلين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادعى العين الواحدة رجلان كل واحد منهما يقول: رهنتني إياها بألف لي عليك. وأقام كل واحد منهما بينة ثابتة، فإن أقام أحدهما البينة أنه الأول، فالعين رهن لأولهما وقتاً؛ لأنه أثبت حقه بعقد تام لا ينازعه فيه
стр. 1272
صاحبه، وبثبوت حقه في ذلك الوقت يمنع ثبوت حق صاحبه بعده ما لم يسقط حق الأول بالفكاك. وإن كان الرهن في يد أحدهما فهو أولى به لأن تمكنه من القبض دليل سبق عقده. أما إن كانت يدهما جميعاً على المرهون ولم يُعلم الأول منهما فلكل واحد منهما نصفه رهناً بنصف حقه، بمنزلة رهن العين من رجلين.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا أقام اثنان بينتين في دعوى النكاح على امرأة واحدة لا يقضى بها لأحدهما؛ لأن العمل بالبينتين هنا غير ممكن بخلاف مسألة الرهن السابقة؛ لأن النكاح لا يحتمل التجزي.
стр. 1273
القاعدة الرابعة والعشرون بعد المائة [التعارض بين الحقيقة والمجاز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التعارض بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح (١).
فقهية أصولية وقد تقدم مثلها تحت رقم ١٥٢ حرف الهمزة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في الكلام الحقيقة - كما سبق بيانه - وبناء على ذلك إذا تعارض حقيقة ومجاز فالأصل والقاعدة المستمرة العمل بالحقيقة لا المجاز؛ لأن الحقيقة أصل والمجاز فرع لها, ولا يجوز العمل بالفرع مع وجود الأصل. ولكن قد يطرأ على الحقيقة ما يضعفها بإهمالها أو بندور العمل بها وهجرها، ويكون المجاز مشهوراً معمولاً به، فما الحكم إذا تعارضت مثل هذه الحقيقة مع مثل هذا المجاز؟
قالوا: إذا كان المجاز هو الغالب والحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات ففي هذه الحالة يكون العمل بالحقيقة والمجاز معاً؛ لأن كلاًّ منهما قوي من جانب.
وأما إذا كانت الحقيقة مهجورة لا يعمل بها ولا تتبادر إلى الأذهان فإنه يتعين العمل على المجاز، وقد يقع الخلاف في كون الحقيقة مهجورة أو لا.
стр. 1274
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف ليشربن من هذا النهر، فإن حقيقة الشرب من نفس النهر بالكرع بالفم، لكنه قليل جدًّا والغالب الشرب منه باليد أو من إناء أخذ منه، وهو مجاز، فعند الأكثرين يحنث بالشرب من أي منها؛ لشهرة المجاز وأصل الحقيقة وإن كان يعمل بها نادراً.
ومنها: إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة فإن الفهم يتبادر إلى ثمرتها وما يخرج منها دون ورقها وخشبها وجريدها وليفها - وإن كان هو الحقيقة - فلا يحنث بشيء من ذلك إلا بما يؤكل منها عادة كالبسر والتمر والدبس والرطب والجمّار.
ومثلها: لو حلف لا يأكل من هذا القدر فإنما يحنث بأكل ما يطبخ فيها عادة لا بأكل عينها؛ لأن الحقيقة مهجورة وغير مقدور عليها (١).
стр. 1275
القاعدة الخامسة والعشرون بعد المائة [تعارض الحرامين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الحرامين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحرام: ما نهى عنه الشارع نهياً جازماً. وحكمه: إن في تركه الثواب وفاعله مستحق للعقاب.
ومفاد القاعدة: أنه إذا تعارض أمام المكلف حرامان - ولا بد من فعل أحدهما وترك الآخر فما العمل؟ ويتعارض الحرامان إذا توقف على كلٍّ منهما فعل واجب.
وهذه في الحقيقة تدخل تحت قاعدة تعارض الواجب والحرام أو المانع والمقتضي الآتية، ولم يفردها بهذا العنوان سوى الزركشي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إحرام المرأة في الحج أو العمرة يوجب عليها كشف وجهها, ولا يتم كشف الوجه إلا بكشف بعض الرأس، ويجب عليها في نفس الوقت ستر رأسها، وإذا أرادت الصلاة فلا يتم ستر الرأس إلا بستر بعض الوجه. قالوا: الواجب في الصورتين مراعاة الرأس؛ لأن الستر أصل وكشف الوجه عارض.
وقالوا أيضاً: يجب على المحرمة كشف وجهها إلا القدر الذي لا يمكنها تغطيه الرأس إلا بستر بعض الوجه، ولأن الستر للمرأة آكد فغلِّب حكمه.
стр. 1276
القاعدة السادسة والعشرون بعد المائة [تعارض الحظر والإباحة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الحظر والإباحة (١).
سبق ذكر مثل هذه القاعدة تحت عنوان: إذا اجتمع الحلال والحرام غلَّب جانب الحرام. في قواعد حرف الهمزة القاعدة رقم ٢٥٨، ٢٥١، ٢٦٠.
стр. 1277
القاعدة السابعة والعشرون بعد المائة [تعارض الخصال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الخصال (١). تدخل تحت قاعدة: تعارض النقيصة والفضيلة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخصال: جمع خصلة وهي الخلَّة، واحدة الخلال، والصفة.
والمقصود بتعارض الخصال: وجود ذوات تحمل خصالاً مختلفة. وليس المقصود تعارض الخصال في الشخص الواحد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اجتمع في الصلاة - للإمامة - حر غير فقيه وعبد فقيه.
عند الشافعية: الأصح تقديم الحر. وقيل: الرقيق، ومال بعضهم إلى التسوية؛ لأن كل صفة يقابلها صفة.
وقالوا: خصال الكفاءة: إن النقيصة لا تجبرها الفضيلة ولا يقابل بعضها بعض. فلا تزوج سليمة من العيوب دَيِّنة بمعيب نسيب.
стр. 1278
القاعدة الثامنة والعشرون بعد المائة [تعارض الخلقة والحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الخلقة والحكم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بمسألة اختلف فيها الأئمة وهي: حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل. وهل المضمضة والاستنشاق واجبان نظراً إلى الحكم، أو ليسا واجبين نظراً إلى أصل الخلقة وأنهما من الباطن؟
وهل يختلف حكمهما بين الوضوء والغسل؟
عند مالك والشافعي ﵄: إن داخل الفم والأنف من الباطن وليسا من الوجه، ولذلك لم يوجبا المضمضة والاستنشاق بل هما عندهما سنة.
وذهب جماعة من الفقهاء إلى وجوبهما في الوضوء والغسل كابن المبارك (٢) وابن أبي ليلى (٣) وإسحاق (٤) وهو مشهور مذهب
стр. 1279
الحنابلة (١). إذ اعتبروهما من الظاهر بدليل منع الفطر بوصول المفطِّر إليهما. ووجوب غسل النجاسة من الفم ومنع الجنب قراءة القرآن.
وذهب الحنفية وهو رواية عن أحمد إلى أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل دون الوضوء، وهما في الوضوء سنة.
وقيل: يجب الاستنشاق دون المضمضة فيها. وهو رواية أخرى عن أحمد.
стр. 1280
القاعدة التاسعة والعشرون بعد المائة [تعارض الظاهرين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الظاهرين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان معنى الظاهر أو الغالب. فما الحكم إذا تعارض ظاهران؟
يرجح أحدهما إذا اقترن بمرجح وإلا فالقولان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أقرَّت امرأة بالنكاح وصدَّقها المقرُّ له بالزوجية - ولم يأتيا ببينة - فالجديد عند الشافعي ﵀ قبول الإقرار؛ لأن الظاهر صدقهما فيما تصادقا عليه، لا فرق بين العربيين والبلديين. المراد بالعربيين: البدويين. والبلديين: الحضريين. والقديم: إن كانا بلديين طولبا بالبينة لمعارضة هذا الظاهر - وهو صدقهما - بظاهر آخر هو أن البلديين يُعرف حالهما غالباً ويسهل عليهما إقامة البينة.
وعندي في هذا العصر لا بد من إقامة البينة أو الإثبات بعقد النكاح المصدق لفساد الزمان.
ومنها: أتت بولد يمكن كونه منه، وادَّعت أنه أصابها. وأنكر - بعد الاتفاق على الخلوة - فأظهر القولين تصديقه. والثاني: إنها المصدَّقة (٢).
стр. 1281
ومنها: إذا سقط رجل في بئر في الطريق فقال الحافر: القى نفسه فيها عمداً. وقال الورثة: كذب. فقد تقابل هنا ظاهران: الأول قول الورثة؛ لأن الظاهر يشهد له؛ حيث إن الإنسان لا يلقي نفسه في البئر عمداً في العادة. والثاني: الظاهر أن البصير يرى البئر أمامه في ممشاه. فتقابل الظاهران هنا ويبقى الاحتمال في سبب وجوب الضمان والضمان لا يجب بالشك.
ولذلك فالورثة هنا يحتاجون لإقامة البينة على أنه وقع فيها بغير عمد؛ لأنه وإن كان معهم ظاهر فالظاهر إنما يكون حجة في دفع الاستحقاق لا في إثباته، والورثة هنا يحتاجون إلى إثبات استحقاق الدية على عاقلة الحافر، فلا يكفيهم الظاهر لذلك، بل لا بد من إقامة البينة على مدَّعاهم (١).
стр. 1282
القاعدة الثلاثون بعد المائة [تعارض السُّنَّتَين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض السنتين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تعارض السنتين إما أن يكون في نفس العبادة فليس لإحداهما مزية على الأخرى، فهو هنا يتخير إحداهما إن لم يمكن الجمع بينهما.
وإما أن تكون إحداهما في نفس العبادة والأخرى في محلها، فتقدم السنة المتعلقة بنفس العبادة على الأخرى التي في محلها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أ - من أمثلة الشق الأول: ترك الرَمَل في الأشواط الثلاثة الأولى، فهل له أن يأتي به في الأربعة الأخيرة؟ قالوا: لا يستحب له؛ لأن المشي في الأربعة الأخيرة سنة ولو رمَل فيها يؤدي ذلك إلى تركها, ولا يشرع ترك سنة في عبادة لأجل الإتيان بمثلها؛ لأن السنتين هنا في نفس العبادة فلم يكن لإحداهما مزية على الأخرى.
ب - من أمثلة الشق الثاني: صلاة الجماعة في البيت أو الانفراد في المسجد أيهما أفضل؟ الصلاة في الجماعة في البيت أفضل من الانفراد في المسجد؛ لأن فضيلة الجماعة في نفس الصلاة.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا كان بحيث لو قصد الصف الأول فاتته الركعة فهل يدخل في الصلاة ضمن الصف غير الأول، أو يحصل الصف الأول ولو فاتته الركعة؟
стр. 1283
قال النووي ﵀ في شرح المهذب: الذي أراه تحصيل الصف الأول إلا في الركعة الأخيرة. ووجه الاستثناء أن النووي ﵀ رجح السنة التي تتعلق بمحل العبادة على السنة التي تتعلق بنفس العبادة (١).
стр. 1284
القاعدة الحادية والثلاثون بعد المائة [تعارض المقتضي والمانع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض المقتضي والمانع (١).
وفي لفظ: تعارض المانع والمقتضي (٢). تحت قاعدة "درء المفاسد أولى من جلب المصالح" الآتية، وقد سبق مثل هذه القاعدة في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٢٥٨.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمانع: المفسدة.
والمراد بالمقتضي: الأمر الطالب للفعل لتضمنه المصلحة، فوجود المانع يمنع من الفعل إلا إذا كانت المصلحة أعظم كتعارض الواجب والمحرم حيث تقدم مصلحة الواجب. وفي تقديم المانع تغليب جانب الحرمة درءاً للمفسدة؛ ولأن اعتناء الشارع بترك المنهيات أشد من اعتنائه بفعل المأمورات، ومن ثمَّ إذا تعارض دليل يقتضي التحريم وآخر يقتضي الإباحة أو الندب قدِّم دليل التحريم في الأصح تغليباً للتحريم ودرءاً للمفسدة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجب على امرأة الغسل ولم تجد سترة من الرجال، تؤخر الغسل وتتيمم للصلاة؛ لأن كشف المرأة على الرجال مفسدة وأي مفسدة.
стр. 1285
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة وغلبت الإباحة:
إذا رمى سهماً على طائر فأصابه ووقع على الأرض فمات فإنه يحل أكله وإن أمكن إحالة الموت على الوقوع على الأرض والارتطام بها؛ لأن ذلك لا بد منه فعفى عنه بخلاف ما لو وقع في الماء فلا يحل.
ومنها: إذا اختلطت محرَّمة برضاع أو نسب بنسوة غير محصورات فله النكاح منهن حتى لا ينسد عليه باب النكاح، والأمر إذا ضاق اتسع.
стр. 1286
القاعدة الثانية والثلاثون بعد المائة [تعارض مصلحتين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض مصلحتين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمصلحة هنا: المنفعة خلاف المفسدة وهي المضرة.
فإذا تعارض مصلحتان حُصِّلت العليا منهما بتفويت الدنيا. بخلاف تعارض المفسدتين حيث ترتكب الدنيا دون العليا.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجد مضطر ميتة وطعام غائب، قالوا: الأصح يأكل الميتة ويدع الطعام؛ لأن إباحة الميتة بالنصِّ وطعام الغير بالاجتهاد.
ومنها: إذا اضطر المحرم ولم يجد إلا صيداً وميتة، قالوا: الأصح يأكل الميتة؛ لأنه في الصيد يرتكب محظورين وهما: القتل والأكل.
ويمكن أن تدرج هذه المسائل تحت قاعدة اختيار أهون الضررين.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
الأمة أجمعت على أن العدو لو نزل على بلد وخاف أهله من استئصالهم وسألهم أن يعطوه مال فلان أو امرأته أن ذلك حرام عليهم مع أن مفسدة الواحد أخف من مفسدة الجميع.
стр. 1287
القاعدة الثالثة والثلاثون بعد المائة [تعارض الواجبين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الواجبين (١). يقدم آكدهما.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الواجب في اللغة: من وجب يجب وجوباً: إذا لزم وثبت.
والواجب في الشرع: ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً. وهو الفرض عند
غير الحنفية، والواجب ما في فعله الثواب وفي تركه العقاب.
فإذا تعارض واجبان يقدم آكدهما وأقواهما.
والفرض والواجب نوعان:
فرض عين: وهو ما يجب على كل مكلف بعينه بحيث لا تبرأ ذمته منه بفعل غيره له.
وفرض كفاية: وهو ما طلبه الشارع من مجموع المكلفين بحيث أنه إذا فعله بعضهم سقط طلبه عن الآخرين، وإن لم يفعله أحد أثموا جميعاً لعدم فعله. ففرض العين منظور به ومقصود عين المكلف. وفرض الكفاية مقصود به الفعل ذاته دون نظر إلى الفاعل. وفرض العين عند الأكثرين يقدم على فرض الكفاية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان في طواف مفروض - لعمرة أو حجة - وجاءت جنازة، فهل يقطع الطواف لصلاة الجنازة؟ قالوا: لا يقطع الطواف إذ لا يحسن ترك فرض العين - وهو الطواف - لفرض الكفاية - وهي صلاة الجنازة.
стр. 1288
ومنها: إذا اجتمع جمعة وجنازة وضاق الوقت قدمت الجمعة على المشهور من مذهب الشافعي.
ومنها: للوالدين منع ابنهما عن الجهاد، فلا يجوز إلا برضاهما؛ لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، وفرض العين مقدم، وأما إذا صار الجهاد فرض عين فليس لهما منعه.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
وقدم فرض عين على فرض العين:
ليس للوالدين منع الولد من حجة الإِسلام على الصحيح؛ لأن بر الوالدين فرض عين وحجة الإِسلام فرض عين، إلا إذا كان الوالدان أو أحدهما في حاجة ماسة لإبقاء ابنهما بجوارهما ولو تركهما ضاعا وليس عندهما أحد غيره، ففي هذه الحال يقدم المنع من الحج ويترجح جانب البر عليه.
стр. 1289
القاعدة الرابعة والثلاثون بعد المائة [تعارض الواجب والمحظور]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الواجب والمحظور (١). يقدم الواجب.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المحظور: الحرام.
فإذا تعارض واجب مع حرام وجب تقديم الواجب، ولعل العلة في تقديم الواجب أن المصلحة المترتبة على فعله أعظم وأكبر من المفسدة المترتبة على تركه. وتعتبر هذه القاعدة استثناء من قاعدة تعارض المانع والمقتضي السابقة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اختلط موتى مسلمين بموتى كفار - ولم يمكن التفريق بينهم - غسل الجميع وصلّي عليهم، وينوي بصلاته المسلمين، فحيث لم يمكن التفريق بينهم حسًّا يفرق بينهم بالنية.
ومنها: إذا أسلمت امرأة في بلاد الكفار وخشيت على نفسها الفتنة وجب عليها الهجرة إلى دار الإِسلام - ولو سافرت وحدها - وإن كان سفرها وحدها حراماً (٢).
стр. 1290
القاعدة الخامسة والثلاثون بعد المائة [تعارض الواجب والمسنون]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعارض الواجب والمسنون (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المسنون: ما ثبت بدليل ظني فيه شبهة وهو خبر الآحاد. وهو ما يسمى بالسنة أو المندوب، أو المستحب.
فإذا تعارض واجب ومسنون فتقدم مصلحة الواجب؛ لأنه آكد وأقوى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ضاق الوقت عن المسنون يترك تقديماً لمصلحة الواجب.
ومنها: إذا كان ما معه من الماء يكفي لوضوئه وهو عطشان، فإن أكمل الوضوء واجبات وسنناً لم يفضل للعطش شيء، وإذا اقتصر على الواجب بقي للعطش شيء، فالأولى الاقتصار على الواجب.
ومنها: إذا ضاق الوقت عن الإتيان بسنن الصلاة وواجباتها بحيث لو أتى بهما جميعاً لأدرك ركعة فقط، ولو اقتصر على الواجب لأوقع الجميع فى الوقت، فالأولى الاقتصار على الواجب.
стр. 1291
القاعدة السادسة والثلاثون بعد المائة [العقود الفاسدة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعاطي العقود الفاسدة حرام (١).
وفي لفظ: الإقدام على العقد الفاسد حرام (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في العقود التي تجري بين المسلمين الصحة؛ لأن العقد إذا لم يكن صحيحاً لم يكن نافذاً شرعاً ولا يحل للمتبايعين أو المتعاقدين الانتفاع بالبدلين.
ومعنى صحة العقد: أنه يثمر المقصود منه. والفاسد أو الباطل بخلافه. ولما كان شأن المسلم أن يمنعه دينه وورعه عن الحرام كان لا بد من مراعاة صحة العقد عموماً باستيفاء العقد شروط صحته. ولذلك فلا يجوز ولا يحل التعامل بالعقود الفاسدة سواء أقلنا: إن الفاسد بمعنى الباطل كما هو رأي الجمهور، أم قلنا: إن الفاسد قسيم الباطل كما هو رأي الحنفية، فكلا النوعين يحرم التعامل به مع العلم بالفساد أو البطلان؛ لأن المقصود بالعقد الفاسد تحقيق حكم به غير مشروع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
التعامل بالعقود الربوية بين المسلمين حرام ولا يحل شرعاً؛ لأن العقد المتضمن رباً فاسد فهو حرام.
ومنها: بيع ما نهي عن بيعه كالأجنة في بطون أمهاتها والميتة والخنزير
стр. 1292
والخمر، فكل هذه العقود لا يحل التعامل بها لبطلانها.
ومنها: عقد المرأة زواجها بنفسها من غير ولي - عند غير الحنفية - فهو باطل لا يحل الاستمتاع بالزوجة، وكذلك عقد النكاح بغير شهود.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
المضطر إذا لم يجد الطعام إلا بزيادة على ثمن المثل فقد قال الشافعية: ينبغي أن يحتال فى أخذ الطعام من صاحبه ببيع فاسد ليكون الواجب عليه القيمة.
стр. 1293
القاعدة السابعة والثلاثون بعد المائة [التعاقل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التعاقل باعتبار التناصر، والمرتد لا ينصره أحد من المسلمين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التعاقل: يقال: عقل القتيل فهو عاقل إذا غرِم ديته. والجماعة: عاقلة.
وسميت بذلك لأن الإبل كانت تجمع فتعقل بفناء أولياء المقتول (٢).
ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية إبلاً كانت أو نقداً (٣).
والتعاقل: تفاعل من العقل مثل التشارك؛ لأن بعضهم يعقل عن بعض - أي يغرم بعضهم لبعض دية القتل الخطأ دون العمد.
فالقبيلة تعقل بعضها بعضاً باعتبار التناصر - أي أن كل فرد منها ينصر الآخر، والتعاقل من باب التعاون على الخير. والعاقلة هي عشيرة الرجل أو أهل ديوانه، أو أهل بلده.
وأما المرتد فلا ينصره أحد من المسلمين؛ لأنه خرج منهم ويستحق القتل، فلذلك لا ينصره أحد ولا يعقل عنه أحد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أصاب رجل من القتل خطأ ففيه الدية على عاقلته، وإن ارتد وأصابه بعد الردة في قطع الطريق قبل التحاقه بدار الحرب فهو في ماله لأن المرتد لا ينصره أحد من المسلمين.
стр. 1294
القاعدة الثامنة والثلاثون بعد المائة [التعامل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التعامل بخلاف النص لا يعتبر (١).
هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة: لا اجتهاد مع النص. الآتية في حرف - لا - إن شاء الله ولكنها أعم منها موضوعاً.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النص المراد به هنا: لفظ الشارع من القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف.
والنص في اللغة: الرفع. يقال: نصصت الحديث نصًّا: أي رفعته إلى من أحدثه. ونص النساء العروس نصًّا: رفعنها على المنصة: وهي الكرسي الذي تقف عليه في جلائها. ونصصت الدابة استحثثتها واستخرجت ما عندها من السير (٢).
فمفاد القاعدة: أن أي تعامل مخالف لنص الكتاب أو السنة فهو غير معتبر وليس بحجة وهو باطل قطعاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته، أو ما دون سرته حتى يجاوز ركبته، فقالت الحنفية: إن السرة ليست من العورة وذكروا على ذلك أدلة:
من ذلك: ما روي عن ابن عمر رضى الله عنهما: أنه كان إذا اتزر أبدى عن سرَّته (٣).
стр. 1295
وقال أبو هريرة رضى الله عنه للحسن رضى الله عنه: أرني الموضع الذي كان يقبله رسول الله ﷺ منك. فأبدى سرته فقبلها أبو هريرة رضى الله عنه (١). ولو كانت من العورة لما جاز للحسن أن يكشفها ولما جاز لأبي هريرة أن يقبلها.
وقال أبو بكر محمَّد بن الفضل (٢) ﵀: إن السرة إلى موضع نبات الشعر ليس من العورة لتعامل العمال فى الإبداء عن ذلك الموضع عند الاتزار، وفي النزع عن العادة الظاهرة نوع حرج. قال السرخسي تعقيباً على هذا القول: وهذا بعيد؛ لأنه مخالف للنص، (والتعامل بخلاف النص لا يعتبر).
ومنها: تعامل كثير من الناس بالربا وأخذ فوائد البنوك وهي ربا، فليس تعامل الناس وسكوت الحكام والعلماء عن ذلك يعتبر محللاً للربا؛ لأن (التعامل بخلاف النص لا يعتبر).
ومنها: اختلاط الرجال بالنساء السافرات شبه العاريات في كثير من بلاد المسلمين حتى أصبح نزع الناس عن تلك العوائد من الصعوبة بمكان، ومع ذلك فإن هذا التعامل والاختلاط والسفور لا يعتبر ولا يجوز السكوت عليه؛ لأنه مخالف للنصوص الشرعية.
стр. 1296
القاعدة التاسعة والثلاثون بعد المائة [تعامل الناس]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعامل الناس من غير نكير مُنْكرِ أصل من الأصول كبير (١). هذه من قواعد العادة والعرف.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد هذه القاعدة أن تعامل الناس في بيعهم وشرائهم وتصرفاتهم من غير إنكار أو اعتراض على ذلك التعامل من أهل العلم والحكم دليل على أن هذا التعامل مشروع ولا يعارض نصوص الشرع ولا مقاصد التشريع، إذ لو كان هذا التعامل مخالفاً لوُجد من ينكر على الناس تعاملهم به؛ لأن الله سبحانه أخذ الميثاق على العلماء أن لا يكتموا الحق ولا يسكتوا على باطل يرونه أو يعلمون به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
وهب رجل هبة لصغير يتيم عاقل يحسن القبض فقبضها الصغير، جاز عند الحنفية قبضه منه خلافاً للشافعي ﵀، قال الحنفية: إن فيما يتمحض منفعة للصغير يعتبر عقله فيه وللعادة الظاهرة بين الناس بالتصدق على الصبيان من غير نكير منكر وإن كان للصغير ولي كأب أو أخ أو ابن أخ أو عم.
ومنها: تعامل الناس الشائع في هذا الزمن من البيع والشراء دون لفظ إيجاب أو قبول سواء كان المبيع ثميناً أم حقيراً، بأن يرى المشتري السلعة ويعلم ثمنها المكتوب عليها ثم يأتي للعامل - وهو غير المالك - بل هو
стр. 1297
موظف عند المالك ويعتبر وكيلاً عنه بالقبض فيدفع له الثمن المكتوب ويأخذ السلعة وينصرف بها. وهو بيع التعاطي المعروف عند الفقهاء، وإن أنكره الشافعي ﵀ إلا في المحقرات، ولكن الذي رجحه النووي ﵀ قول مالك رضى الله عنه: إن البيع ينعقد بكل ما يعده الناس بيعاً. والحجة: أنه لم يصح في الشرع اشتراط لفظ، فوجب الرجوع إلى العرف كغيره من الألفاظ (١).
стр. 1298
القاعدة الأربعون بعد المائة [نية الإقامة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعتبر نية الإقامة أو السفر ممن هو أصل دون التبع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النية: معناها القصد المؤكد.
فمن نوى الإقامة - في مكان يصلح للإقامة - وجب عليه ما يجب على المقيم: من إتمام الصلاة، ووجوب الصوم - إن لم يكن مريضاً أو معذوراً - ومدة مسح الخف، وغير ذلك من أحكام الإقامة. ومن نوى السفر وبدأه جاز له ما يجوز للمسافر من قصر الصلاة، ومدة المسح، وجواز الفطر، والجمع بين الصلاتين - عند من يرى ذلك - هذا إذا كان الناوي هو نفس المقيم أو المسافر، ولكن هذه القاعدة تتعلق بحكم أتباع من نوى الإقامة أو السفر كالزوجة والخادم والجندي الذي يتبع قائده، فإن هؤلاء وأمثالهم المعتبر فيهم نيَّة الأصل، فنية الزوج تنسحب على الزوجة، ونية السيد تنسحب على العبد والخادم، ونية القائد في الإقامة والسفر تنسحب على الجندي وهكذا.
ثالثاً: من امثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل نوى السفر وتحركت به دابته أو سيارته ومعه زوجه وخادمه وأولاده فنية السفر هذه تنسحب عليهم جميعاً، فكما أن الزوج يجوز له القصر والفطر فكذلك الزوجة والخادم والأولاد وإن لم ينووا هم لأنهم أتباع، والتابع يأخذ حكم الأصل، فنية الزوج السفر أو الإقامة تكفي عنهم
стр. 1299
جميعاً؛ لأن ثبوت الحكم في التبع بثبوته في الأصل.
حتى لو نوى الزوج الإقامة فعلى الزوجة أن تتم الصلاة، وإن لم تنو الإقامة، حتى لو نوت الزوجة الإقامة دون الزوج فلا اعتبار لهذه النية فعليها القصر؛ لأنها متابعة للزوج.
стр. 1300
القاعدة الحادية والأربعون بعد المائة [تعجيل الحق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعجيل الحق قبل وجود سبب وجوبة لا يجوز (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأحكام لها أسباب يترتب وجودها عليها، فإذا وُجد السبب وجد الحكم. كالصلاة إذا وجد سببها وهو الوقت وجبت مع خلو المانع. فغروب الشمس سبب لتعلق وجوب صلاة المغرب بذمة المكلف، وملك النصاب سبب لوجوب الزكاة، ولذلك وبناء على هذه القاعدة لا يجوز تعجيل حق قبل وجود سبب وجوبه وهذا من رحمة الله بعباده.
ثالثاً: من أمثلة القاعدة ومسائلها:
لا يجوز للمرأة أن تهب صداقها قبل عقد زواجها؛ لأن عقد الزواج سبب لوجوب المهر فما لم يوجد العقد لا يجب المهر، ولا تجوز هبته بناء على عدم وجود سببه. ويتصور هذا بأن يخطب رجل امرأة وقبل عقد النكاح يسلمها مهرها معجلاً له، فهذه لا يجوز لها أن تهب هذا المهر لأحد؛ لأن حق الزوج مازال متعلقاً به فقد لا يتم الأمر ولا يعقد العقد ويطالب الخاطب باسترداد ما دفع فلا تجده المرأة فيكون ذلك سبباً للنزاع والتخاصم.
ومنها: تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب؛ لأنه ربما لا يوجد النصاب مستقبلاً، بخلاف ما لو كان النصاب موجوداً وعجل زكاة عام أو عامين.