← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

القاعدة التاسعة والثلاثون بعد المائة [تعامل الناس] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعامل الناس من غير نكير مُنْكرِ أصل من الأصول كبير (١). هذه من قواعد العادة والعرف. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: مفاد هذه القاعدة أن تعامل الناس في بيعهم وشرائهم وتصرفاتهم من غير إنكار أو اعتراض على ذلك التعامل من أهل العلم والحكم دليل على أن هذا التعامل مشروع ولا يعارض نصوص الشرع ولا مقاصد التشريع، إذ لو كان هذا التعامل مخالفاً لوُجد من ينكر على الناس تعاملهم به؛ لأن الله سبحانه أخذ الميثاق على العلماء أن لا يكتموا الحق ولا يسكتوا على باطل يرونه أو يعلمون به. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: وهب رجل هبة لصغير يتيم عاقل يحسن القبض فقبضها الصغير، جاز عند الحنفية قبضه منه خلافاً للشافعي ﵀، قال الحنفية: إن فيما يتمحض منفعة للصغير يعتبر عقله فيه وللعادة الظاهرة بين الناس بالتصدق على الصبيان من غير نكير منكر وإن كان للصغير ولي كأب أو أخ أو ابن أخ أو عم. ومنها: تعامل الناس الشائع في هذا الزمن من البيع والشراء دون لفظ إيجاب أو قبول سواء كان المبيع ثميناً أم حقيراً، بأن يرى المشتري السلعة ويعلم ثمنها المكتوب عليها ثم يأتي للعامل - وهو غير المالك - بل هو

стр. 1297

موظف عند المالك ويعتبر وكيلاً عنه بالقبض فيدفع له الثمن المكتوب ويأخذ السلعة وينصرف بها. وهو بيع التعاطي المعروف عند الفقهاء، وإن أنكره الشافعي ﵀ إلا في المحقرات، ولكن الذي رجحه النووي ﵀ قول مالك رضى الله عنه: إن البيع ينعقد بكل ما يعده الناس بيعاً. والحجة: أنه لم يصح في الشرع اشتراط لفظ، فوجب الرجوع إلى العرف كغيره من الألفاظ (١).

стр. 1298

القاعدة الأربعون بعد المائة [نية الإقامة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعتبر نية الإقامة أو السفر ممن هو أصل دون التبع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النية: معناها القصد المؤكد. فمن نوى الإقامة - في مكان يصلح للإقامة - وجب عليه ما يجب على المقيم: من إتمام الصلاة، ووجوب الصوم - إن لم يكن مريضاً أو معذوراً - ومدة مسح الخف، وغير ذلك من أحكام الإقامة. ومن نوى السفر وبدأه جاز له ما يجوز للمسافر من قصر الصلاة، ومدة المسح، وجواز الفطر، والجمع بين الصلاتين - عند من يرى ذلك - هذا إذا كان الناوي هو نفس المقيم أو المسافر، ولكن هذه القاعدة تتعلق بحكم أتباع من نوى الإقامة أو السفر كالزوجة والخادم والجندي الذي يتبع قائده، فإن هؤلاء وأمثالهم المعتبر فيهم نيَّة الأصل، فنية الزوج تنسحب على الزوجة، ونية السيد تنسحب على العبد والخادم، ونية القائد في الإقامة والسفر تنسحب على الجندي وهكذا. ثالثاً: من امثلة هذه القاعدة ومسائلها: رجل نوى السفر وتحركت به دابته أو سيارته ومعه زوجه وخادمه وأولاده فنية السفر هذه تنسحب عليهم جميعاً، فكما أن الزوج يجوز له القصر والفطر فكذلك الزوجة والخادم والأولاد وإن لم ينووا هم لأنهم أتباع، والتابع يأخذ حكم الأصل، فنية الزوج السفر أو الإقامة تكفي عنهم

стр. 1299

جميعاً؛ لأن ثبوت الحكم في التبع بثبوته في الأصل. حتى لو نوى الزوج الإقامة فعلى الزوجة أن تتم الصلاة، وإن لم تنو الإقامة، حتى لو نوت الزوجة الإقامة دون الزوج فلا اعتبار لهذه النية فعليها القصر؛ لأنها متابعة للزوج.

стр. 1300

القاعدة الحادية والأربعون بعد المائة [تعجيل الحق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعجيل الحق قبل وجود سبب وجوبة لا يجوز (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأحكام لها أسباب يترتب وجودها عليها، فإذا وُجد السبب وجد الحكم. كالصلاة إذا وجد سببها وهو الوقت وجبت مع خلو المانع. فغروب الشمس سبب لتعلق وجوب صلاة المغرب بذمة المكلف، وملك النصاب سبب لوجوب الزكاة، ولذلك وبناء على هذه القاعدة لا يجوز تعجيل حق قبل وجود سبب وجوبه وهذا من رحمة الله بعباده. ثالثاً: من أمثلة القاعدة ومسائلها: لا يجوز للمرأة أن تهب صداقها قبل عقد زواجها؛ لأن عقد الزواج سبب لوجوب المهر فما لم يوجد العقد لا يجب المهر، ولا تجوز هبته بناء على عدم وجود سببه. ويتصور هذا بأن يخطب رجل امرأة وقبل عقد النكاح يسلمها مهرها معجلاً له، فهذه لا يجوز لها أن تهب هذا المهر لأحد؛ لأن حق الزوج مازال متعلقاً به فقد لا يتم الأمر ولا يعقد العقد ويطالب الخاطب باسترداد ما دفع فلا تجده المرأة فيكون ذلك سبباً للنزاع والتخاصم. ومنها: تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب؛ لأنه ربما لا يوجد النصاب مستقبلاً، بخلاف ما لو كان النصاب موجوداً وعجل زكاة عام أو عامين.

стр. 1301

ومنها: لا يجوز إخراج عشر الثمرة أو الحب قبل خروج الثمرة أو وجود الحب في سنبله. ومنها: إنسان له مائتي درهم فتصدق بها بنية الزكاة عما يفيده مستقبلاً ثم استفاد عشرة آلاف درهم من عامه ذلك، فإنه يستقبل بها حولاً جديداً ولا يجزيه المعجل عما يلزمه من زكاتها؛ لأنه لما تصدق بجميعها انقطع حكم الحول إذ لم يبق في ملكه شيء مما انعقد عليه الحول السابق، فإذا انقطع حكم الحول كان المؤدى تطوعاً. أما لو بقي شيء من المال بعد التصدق ثم اكتسب مالاً جديداً ومضى الحول فإن المعجل يجزيه عن الزكاة كما لو تصدق بعشرة دراهم عن زكاة حولين من المائتي درهم ثم اكتسب بعد ذلك عشرة دراهم فيتم حوله ويجزيه ما أخرجه (١).

стр. 1302

القاعدة الثانية والأربعون بعد المائة [تعدي محل الحق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعدي محل الحق إلى غيره هل يبطل به المستحق أو يبقى وإنما يبطل الزائد خاصة (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: مفاد هذه القاعدة: أن الإنسان إذا كان له حق فاستوفاه وزاد عليه غيره، فهل يبطل ما يستحقه، أو يبقى المستحق ويبطل الزائد فقط؟ وجهان عند الشافعية. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا زُفَّت ثيب إلى زوجها وأرادت أن يقيم عندها سبع ليال ثم يقضي لبقية ضرائرها، فهل يقضي لهن السبع أو الزائد على الثلاث التي هي حق الثيب؟ لأنه لو اقتصر على الثلاث لم يقض لضرائرها شيئاً؛ لأن هذه حق شرعي لها. عند الشافعية في هذه المسألة وجهان: قال الزركشي: الأصح الأول، والعلة أنها لما تعدَّت محل حقها - وهو الثلاث - سقط أصل حقها، للخبر. قال الإِمام النووي: ومسألة الزفاف شاذة عن القياس والمعول فيها على

стр. 1303

الخبر (١) فلا ينبغي أن يستشهد بها (٢). ومنها: إذا كسر عضداً قطعه من المرفق وأخذ حكومة العضد؛ لأن كسر العظام لا قصاص فيه - فإذا أراد القطع من الكف - فهل له طلب أرش الساعد؟ وجهان حكاهما القفال مشبهاً لهما بالصورة السابقة - وقد سبق إنها شاذة عن القياس - وأما إذا لم نجوز له القطع من الكوع فقد قال الأصحاب: - أي الشافعية - إنه إذا قطع منه فليس له حكومة الساعد تغليظاً عليه إذ فعل ما ليس له أن يفعله. ومنها: الظافر بماله إذا لم يمكنه أخذ حقه إلا بزيادة؟ تزيد على حقه، قالوا: لا يضمن الزائد في الأصح، كما لا يضمن كسر الباب وثقب الجدار إذا لم يصل إلا بهما.

стр. 1304

القاعدة الثالثة والأربعون بعد المائة [التعريف بالاسم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التعريف بالاسم والنسب كالتعريف بالإشارة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: مفاد هذه القاعدة: أن تعريف الشخص باسمه واسم أبيه ولقبه عند غيابه يكون في قوة تعريفه بالإشارة إليه إذا كان حاضراً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال زعيم حصن حاصره المسلمون - أو أي رجل محارب يريد أن يستأمن - أمنوني مع فلان بن فلان ابن أخي أو ابن عمي أو عدد أشخاصاً ذكرهم بأسمائهم وأنسابهم فهو وهم آمنون حتى لو التبس اسما اثنين يحملان نفس الاسم والنسب فهما آمنان كذلك، كأنه قال: آمنوني وهذين.

стр. 1305

القاعدة الرابعة والأربعون بعد المائة [التعريف بالإشارة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التعريف بالإشارة أبلغ من التعريف بالاسم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق ذكر قواعد عدة تشير إلى معنى هذه القاعدة وهو أن التعريف بالإشارة للحاضر أقوى وآكد من التعريف بالاسم؛ لأن الإشارة لا تحتمل والاسم يحتمل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: أزوجك ابنتي هذه - هند - وأشار إليها فكانت المشار إليها دعد، وقبل الزوج صح العقد على المشار إليها دون المنطوق باسمها.

стр. 1306

القاعدة الخامسة والأربعون بعد المائة [التعزية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التعزية سنة لأهل الميت (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التعزية: من عزَّى يعزِّي. ومعناها: التأسية لمن يصاب بمن يعزُّ عليه. وهو أن يقال له: تعزَّ بعزاء الله، وعزاء الله سبحانه قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ (٢). وأصل العزاء: الصبر أي تصبَّر بالتعزية (٣). وتعزية أهل الميت سنة من سنن الإِسلام حث عليها رسول الله ﷺ بقوله: "من عزَّى مصاباً كان له مثل أجره" (٤). وقال النووي: التعزية هي التصبر وذكر ما يسلي صاحب الميت ويخفف حزنه ويهون مصيبته، وهي مستحبة فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٥).

стр. 1307

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: يقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، وأخلفه عليك. أو ألهمك الصبر وغفر لميتك. ويقول في تعزية الكافر بالمسلم: غفر الله لميتك وأحسن عزاك. كما يجوز للمسلم أن يعزي الذمي بقريبه الذمي فيقول: أخلف الله عليك ولا نقص عددك (١).

стр. 1308

القاعدة السادسة والأربعون بعد المائة [تعليق أسباب التحريم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعليق أسباب التحريم بالشرط صحيح (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: أسباب التحريم: هي كل ما يؤدي إلى تحريم الحلال كالطلاق والعتاق، وحقن دماء الكفار، وهذه الأسباب يجوز أن تعلق بالشرط، ويكون تعليقها بالشرط صحيحاً بحيث أنه إذا وجد الشرط وقع الطلاق أو العتق المحرِّم. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أمَّن المسلمون رجلاً على أن يدلهم على شيء ولا يخونهم فإن خانهم فهم في حل من قتله. فخرج عليهم من مدينته أو حصنه على ذلك حتى صار في أيديهم ثم خانهم أو لم يدلهم فاستبانت خيانته فقد برئت منه الذمة وصار الرأي فيه إلى الإمام إن شاء قتله وإن شاء جعله فيئاً؛ لأن الشرط هكذا جرى بينهم، وكما قال ﵊: "المسلمون عند شروطهم" (٢). فان انعدم الشرط بقي حل دمه على ما كان. ومنها: إذا قال لزوجته: إن كلمت فلاناً فأنت طالق. فكلَّمته وقع الطلاق وحرمت على الزوج. أما إذا لم تكلمه فيبقى حل النكاح على ما كان.

стр. 1309

ومنها: إذا قال لأمته: إن جاء ابني من المعركة سالماً فأنت حرة، فإذا جاء الابن سالماً تحررت وعتقت ولا يد للسيد عليها. وإن لم يرجع الابن من المعركة حيث قتل فلا تعتق.

стр. 1310

القاعدة السابعة والأربعون بعد المائة [تعلق التزام المال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعلق التزام المال بالخطر باطل (١) عند ابن أبي ليلى ﵀. وفي لفظ: تعليق التزام المال بالخطر لا يجوز (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: التزام المال: الوعد بأدائه إذ أوجبه على نفسه، فالالتزام معناه: الإثبات والإيجاب. والتعلق: يقال: تعلقت بالغريم: لزمته (٣). الخَطَر: السبق الذي يتراهن عليه، والمراد بالخطَر هنا: احتمال الوقوع وعدمه. فمفاد القاعدة: إن تعلق لزوم المال واشتراطه بأمر يمكن أن يحصل أو أن لا يحصل لا يجوز، وهو التزام باطل، يبطل العقد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: إذا حضر فلان الليلة فسأدفع لك دَينه، فلا يصح هذا الوعد ولا يكون ملتزماً بدفع المال حتى لو حضر فلان الغائب؛ لأن أصل هذا الالتزام باطل لا يجوز، والحكم لا يبنى على باطل، وهذا عند الإمام ابن

стр. 1311

أبي ليلى (١) وهو القياس. ولكن الحنفية أجازوا ذلك استحساناً، فأوجبوا إذا حضر فلان أن يدفع الكفيل الدين. ومنها: إذا كان لرجل على رجل مال فكفل رجل بنفس المطلوب، فإن لم يواف به إلى وقت كذا فعليه مالَه عليه، وهو كذا من المال. فمضى الأجل قبل أن يوافي به، فالمال لازم عند الحنفية استحساناً خلافاً لابن أبي ليلى. وقد علل الحنفية الاستحسان في هذه المسألة بوجهين: أحدهما: أنه يحمل على التقديم والتأخير فيجعل كأنه كفل بالمال فى الحال ثم علَّق البراءة على الكفالة بالموافاة بنفسه، والموافاة تصلح سبباً للبراءة عما التزمه بالكفالة. والتقديم والتأخير في الكلام صحيح، فإذا أمكن تصحيح كلامه على هذا الوجه حمل عليه. والوجه الثاني: أن هذا متعارف فيما بين الناس، فإن رغبة الناس في الكفالة بالنفس أكثر منه بالكفالة بالمال، فللطالب أن يرضى بأن يكفل بنفسه على أنه إن لم يواف به يكون كفيلاً بالمال حينئذ، وفيه يحصل مقصوده، فإنه يجدُّ في طلبه ليسلمه إلى خصمه فيتمكن من استيفاء الحق منه، وإن لم يفعل يصير كفيلاً بالمال (٢).

стр. 1312

القاعدة الثامنة والأربعون بعد المائة [تعلق الحكم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعلق الحكم بالمحسوس على ظاهر الحس لا على باطن الحقيقة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل في الأحكام الشرعية بناؤها على الظاهر المحسوس لا على الباطن الخفي؛ لأن الباطن لا يعلم حقيقته إلا الله ، ولم يكلفنا الله سبحانه ما ليس في وسعنا، وإنما كلفنا فيما يقع تحت الوسع وهو ظواهر الأمور دون بواطنها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: عدم اعتبار دخول الشهر بالحساب، ولا يُلتفت إلى حساب المنجمين - أو الفلكيين - اتفاقاً بل لا يعتبر إلا الرؤية (٢)، كما قال ﷺ : "نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا، ويشير بيديه" يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين (٣). ومنها: عدم اعتبار الفجر المعلوم بالعلامات بل الظاهر للعيان.

стр. 1313

القاعدة التاسعة والأربعون بعد المائة [تعلق الوجوب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعلق الوجوب لا يستلزم استرسال تعلقه على الأصح (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه قاعدة مهمة مفادها: أن الوجوب إذا تعلق بذمة المكلف، فإن هذا الوجوب لا يستمر تعلقه إذا طرأ على ذمة المكلف ما يمنعه من أداء ما وجب عليه. بمعنى أنه أصيب بعارض من عوارض الأهلية كالجنون مثلاً، أو الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة، أو الإغماء المستمر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: المجنون إذا أفاق هل يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات والصيام أثناء جنونه، أو لا يجب عليه القضاء؟ عند الشافعي ﵀ أن ذمة المجنون غير صالحة لإلزامه بالعبادات البدنية، فإذا أفاق في بعض الشهر - أي رمضان - فلا يلزمه قضاء ما مضى (٢). وهذا فيه رفع حرج كبير عن المجنون أو المغمى عليه لمدة طويلة. وعند أبي حنيفة (٣) ومالك (٤) رحمهما الله تعالى: إن ذمة المجنون صالحة لإلزامه بالعبادات البدنية عند وجود أسبابها، ثم إن خطاب القضاء يسقط فيما يلحقه الحرج فيه ويبقى فيما لا يلحقه فيه حرج. فهما رحمهما الله

стр. 1314

اعتبرا أن ذمة المجنون صالحة لتحمل الواجبات ولكنه يقضي ما ليس فيه حرج وضيق عليه. ثم اختلفا في الحرج: فقال أبو حنيفة: الشهر كله. أي أنه إذا جن أو أغمي عليه شهراً كاملاً فلا يقضي صلواته ولا صيامه. وأما إذا أفاق في بعض الشهر فعليه قضاء صلاته وصيامه. وأما عند المالكية: إن مَن بلغ عاقلاً ثم جُنَّ جنوناً مطبقاً فاختلفوا فيه: فقيل: عليه القضاء مطلقاً، وقيل لا يقضي مطلقاً، وقيل: إن كانت السنين الواجبة عليه كثيرة لا يقضي وإن كانت قليلة فيجب عليه قضاؤها، ومثلوا للسنين الكثيرة بعشر سنوات والقليلة بخمس (١). وعند الحنابلة كالشافعية لا يجب عليه قضاء ما فاته قبل الإفاقة.

стр. 1315

القاعدة الخمسون بعد المائة [تعليق الإقرار] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعليق الإقرار بشرط واقع ألبتة صحيح (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق في قواعد الإقرار في حرف الهمزة أن معنى الإقرار: إثبات الشيء. ومقابله الإنكار، يقال: أقر بالحق: اعترف به وأثبته على نفسه (٢). فمفاد القاعدة: أن المُقرَّ إذا علق إقراره على شرط واقع يقيناً فيكون الإقرار صحيحاً. وأما إذا علق الإقرار على شرط مع خَطَر فلا يعتبر هذا الإقرار صحيحاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال رجل: إن أنا مت فلفلان عليَّ ألف درهم. كان عليه الألف مات أو عاش، وكذا لو قال: إذا جاء رأس الشهر أو إذا أفطر الناس فله علي ألف درهم. صح الإقرار وبطل الأجل إلا أن يقر المقرُّ له بالأجل أو يثبت الأجل بالبيِّنة. وأما إذا قال: لفلان علي ألف درهم إن شاء فلان وقال فلان: شئتُ، أو إن هبت الريح أو إن أصبت مالاً. فالإقرار باطل؛ لأن كل إقرار عُلِّق بشرط مع خطر يكون باطلاً؛ لأنه ينافي الإثبات.

стр. 1316

القاعدة الحادية والخمسون بعد المائة [تعليق الإطلاق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعليق الإطلاق بالشرط صحيح (١). وفي لفظ: الإطلاق يحتمل التعليق بالشرط (٢). سبقت في حرف الهمزة تحت رقم ٥٠٨. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالإطلاق: حل العقد أو إرسال المقيد، كالطلاق مثلاً. فحلُّ عقدة النكاح بالطلاق يصح تعليقه بالشرط بخلاف الأملاك فلا يجوز تعليقها بالشرط. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال القائد للسرية: أميركم فلان فإن قتل ففلان فإن قتل ففلان. فذلك جائز، والأصل ما روي عن رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة: "إن قتل زيد فجعفر أميركم، وإن قتل جعفر فابن رواحة أميركم" (٣). ومنها: إذا قال مستأمن: أمنوني على أن أدلكم على مخبأ جند أو على مال على أني إن لم أدلكم فلا أمان بيني وبينكم. فإن لم يدلهم فلا أمان له وهو للإمام إن شاء قتله وإن شاء جعله فيئاً.

стр. 1317

القاعدة الثانية والخمسون بعد المائة [التعليق والصفة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التعليق إذا وُجد في حالة والصفة في غيرها فالاعتبار لوقت الصفة أو بوقت التعليق (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التعليق: ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى، وهو الشرط اللغوي المصدر بأداة شرط وفعل وجزاء صالح (٢). وقد اختلف الشافعية في المعتبر عند تعليق أمر بوجود أمر آخر هل المعتبر وقت التعليق، أو وقت وقوع الشرط؟ فإذا علِّق حكم على سبب سيقع وكان السبب يختلف بسبب وقت التعليق ووقت وقوعه، فأيهما المعتبر؟ خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أوصى بثلث ماله هل المعتبر حال الوصية، أو حالة الموت؟ وجهان أصحهما عند الشافعية حالة الموت؛ إذ يحصل الملك به. ومنها: إذا قال: أنت طالق إن شاء زيد، وكان زيد ناطقاً فخرس. فهل تكتفي إشارته وتقوم مقام النطق؟ وجهان أصحهما نعم. اعتباراً بحال وجود الصفة؛ لأن إشارته تقوم مقام نطقه والحالة هذه. ومنها: إذا علَّق طلاقها بصفة كأن يقول: إن خرجت من الدار فأنت

стр. 1318

طالق. ثم وجدت الصفة - وهي حائض - حيث خرجت حالة الحيض -. قالوا: يقع الطلاق بدعيًّا، ولكن لا إثم فيه بل تستحب فيه الرجعة. ولا خلاف في هذه المسألة.

стр. 1319

القاعدة الثالثة والخمسون بعد المائة [تعليق الأملاك] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعليق الأملاك بالأخطار باطل، وتعليق زوالها بالأخطار جائز (١). وفي لفظ: تعليق التمليك بالخطر باطل (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأملاك والتمليكات عند الحنفية لا تقبل التعليق بالمحتملات، وأما تعليق زوالها بالمحتملات فهو جائز. والمراد بالتمليكات تلك العقود والتصرفات التي تؤدي إلى ملكية المعقود عليه، ومثلها التقييدات. ومنها: عقود البيع والشراء والإجارة والاستيجار والهبة والصدقة والنكاح والإقرار والإبراء وعزل الوكيل وحجر المأذون والرجعة والتحكيم والكتابة والكفالة بغير الملائم إلخ (٣). وأما ما يراد به إزالة ملك فكالطلاق والعتاق والحوالة والكفالة والخلع والرهن والقرض. والمراد بالتعليق هنا - كما سبق - هو التقييد بالشرط، والشروط التي يصح بها تقييد عقد البيع ولا تبطله أنواع: ١ - شرط اقتضاه العقد بأن وجب العقد بلا شرط كشرط تسليم البدلين. ٢ - أو شرط لم يقتضه العقد لكنه يلائمه - أي يؤكد موجبه كشرط الكفالة أو الرهن بالثمن.

стр. 1320

٣ - أو شرط لا يلائم العقد ولكن ورد به الشرع كخيار الشرط ثلاثاً، أو النقد أو التأجيل. ٤ - أو شرط لم يرد به الشرع ولكنه متعارف كشرط حذاء النعل أو تشريكه بالشراك فلا يفسد العقد بذلك (١). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال لآخر: إذا جاء غد بعت منك هذا بكذا. لم يجز، وأما إن قال: بعته بكذا إن رضي فلان. جاز البيع والشرط جميعاً. ويعتبر هذا المثال استثناء منها. ومنها: إذا قال: إذا جاء غد فقد حجرت عليك فلا يصح الحجر. ولكنه إذا قال: إذا جاء غد فقد أذنت لك في التجارة، صح الإذن. والفرق أن الأولى تقييد، والثانية إطلاق (٢).

стр. 1321

القاعدة الرابعة والخمسون بعد المائة [التعليق] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: التعليق بشرط كائن تنجيز (١). وفي لفظ: التعليق بالموجود تنجيز (٢). وفي لفظ: تعليق العتق بشرط موجود تنجيز (٣). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: الشرط الكائن: هو الشرط المتحقق الوجود. التنجيز: نجز الشيء ينجز: أي تم وتحقق وتعجَّل. والناجز: الحاضر (٤). فالعقد المتعلق بشرط متحقق يكون معجلاً حاضراً، سواء في ذلك عقد العتق أو غيره، فإن شرط التعليق الصحيح أن يكون المعلَّق عليه معدوماً على خطر الوجود، أي معدوماً حين العقد ممكن الوجود بعد ذلك. وأما إذا كان الشرط معدوماً مستحيل الوجود فالعقد باطل. ثالثاً: من امثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا قال: إذا كنت حيًّا فقد بعتك هذا الشيء أو أعتقتك. فهذا عقد ناجز؛ لأن القائل حي فعلاً. ومنها: إذا قال رجل: إن كانت هذه الدار في ملكي فهي صدقة موقوفة. فإنه ينظر: إن كانت في ملكه وقت التكلم صح الوقف وإلا فلا. (لآن التعليق بشرط كائن تنجيز).

стр. 1322

القاعدة الخامسة والخمسون بعد المائة والسادسة والخمسون بعد المائة [التعليق بالشرط] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: التعليق بالشرط يقتضي وجود الحكم عند وجود الشرط، ولكن لا يوجب انعدام الحكم عند انعدام الشرط (١). عند الحنفية. وعند الشافعي ﵀: تعليق الحكم بالشرط كما يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط يدل على نفيه عند عدم الشرط (٢). وفي لفظ: تعلق الحكم بالشرط لا يدل على عدم الحكم عند عدم الشرط (٣) وفي لفظ: التعليق بالشرط يقتضي نفي الحكم عند عدمه في عين ما تعلق بالشرط. عند الشافعي (٤). وفي لفظ: التعليق بالشرط لا يقتضي - لا يوجب - نفي الحكم عند عدم الشرط (٥). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: المتفق عليه بين كل الفقهاء: أن الحكم المعلق بالشرط يجب ثبوته عند وجود الشرط. فالتعليق بالشرط إذن يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط وتحققه.

стр. 1323

ولكن اختلفوا في نفي الحكم عند عدم الشرط هل تدل عليه صيغة التعليق؟ وهل يقتضي عدم تحقق الشرط نفي الحكم؟ عند الحنفية: إن تعلق الحكم بالشرط لا يقتضي ولا يوجب انعدامه عند عدم الشرط. وأما عند الشافعي ﵀ فإن عدم الشرط يقتضي نفي الحكم في عين ما تعلق بالشرط. فإذن تعليق الحكم بالشرط يدل عند الشافعي ﵀ على أمرين الأول: ثبوت الحكم عند وجود الشرط. والثاني: نفي الحكم عند عدم الشرط. وأما عند الحنفية فلا يدل إلا على أمر واحد هو تحقق الحكم وثبوته عند وجود الشرط وتحققه، ولا يدل على النفي؛ لاحتمال أن يتحقق الحكم بسبب آخر أو أن يثبت الحكم بدليل آخر. وعند التحقيق لا نرى خلافاً في المسألة؛ لأن الحنفية لا يثبتون الحكم مطلقاً عند عدم تحقق الشرط، بل هو منفي عندهم في عين ما تعلق بالشرط، ولكن قد يثبت بدليل أو سبب آخر. وهذا ما لا ينفيه الشافعي ﵀ بل هو ما نص عليه في اللفظ الآخر للقاعدة. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا قال لعبده: أنت حر إذا جاء فلان حيًّا سالماً من سفره هذا. فإذا تحقق الشرط وجاء فلان حيًّا سالماً فقد عتق العبد، ولكن إذا لم يجيء فلان حيًّا سالماً فهل يقتضي ذلك عدم عتق العبد مطلقاً؟ عند الحنفية: لا يقتضيه لاحتمال أن يعتق بسبب آخر. وعند الشافعي بحسب ظاهر اللفظ يقتضي عدم العتق. ومنها: إذا قال لزوجته: إن كلمت فلاناً فأنت طالق. فإن كلمت وقع

стр. 1324

الطلاق عند الجميع، ولكن إن لم تكلم هذا الشخص هل يكون ذلك دليلاً على عدم وقوع الطلاق؟ عند الشافعي ﵀ نعم. ولكنه ﵀ لا ينفي أن يقع الطلاق بسبب آخر. وعند الحنفية: لا. أي لا يكون دليلاً على عدم وقوع الطلاق، لاحتمال أن يقع بسبب آخر. ولذلك أرى أن الخلاف في هذه المسألة لفظي.

стр. 1325

القاعدة السابعة والخمسون بعد المائة [التعليق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التعليق بشرط واقع غير ممتد يصرف إلى المستقبل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: مفاد القاعدة: أنه إذا عُلِّق حكم بشرط واقع ومتحقق ولكنه غير ممتد أو غير مستمر ولا أجزاء له فإن الحكم يعلق بتحقق الشرط المماثل في المستقبل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال لامرأته: إن حضت فأنت طالق - وهي حائض - فلا تطلق إلا إذا حاضت حيضة أخرى. فالحيضة وإن كانت ممتدة هنا - لأنها تستمر أياماً - ولكن لا اعتبار لها في هذه المسائل؛ لأن الحيض والمرض علّق الشارع بجملتهما أحكاماً فقد جعل الكل شيئاً واحداً (٢). ومنها: إذا قال لامرأته: إن دخلت دار عمرو فأنت طالق. وكان الكلام حال وجودهما وكونهما في دار عمرو مثلاً. فإنه يكون على دخول مستقبل غير هذا؛ لأن الشرط الدخول لا الوجود. ومنها: إذا قال لامرأته الصحيحة: إذا صححت فأنت طالق، يقع الطلاق حالاً؛ لأن الصحة أمر ممتد وفي مثله للدوام حكم الابتداء (٣).

стр. 1326

القاعدة الثامنة والخمسون بعد المائة [التعليق بالشرط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التعليق بالشرط يمنع الوصول إلى المحل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا علِّق أمر بشرط فإن هذا التعليق يمنع الوصول إلى المحل المقصود قبل تحقق الشرط. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا باع إحدى الأمتَين وسمى لكل واحدة منهما ثمناً، وشرط الخيار لنفسه، ثم وطئ إحداهما فليس له أن يعين البيع فيها بعد ذلك؛ لأنه علَّق بيع إحداهما بخياره، وقبل اختياره لا يلزم البيع لتنكير المبيعة منهما. ولكنه حينما وطئ إحداهما تعيَّن بوطئه المبيعة وهي الأخرى، فلا يحل له وطؤها لخروجها عن ملكه عند وطء الثانية. وهذا عند جمهور الحنفية، وعند أبي حنيفة يجوز له وطء الاثنتين؛ لأن كل واحدة مملوكة له عيناً فبقي وطء كل واحدة منهما مملوكاً له عيناً، والفتوى على الأول. ومنها: إذا باعه إحدى هاتين السيارتين - ولم يعين - وشرط الخيار لنفسه ثلاثة أيام. ثم وهب إحداهما أو أجرها أو باعها، تعين البيع في الأخرى؛ لأنه لما تصرف في إحداهما دل ذلك على أن الأخرى هي المبيعة.

стр. 1327

القاعدة التاسعة والخمسون بعد المائة [تعليق الطلاق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعليق الطلاق بالصفة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الطلاق إذا عُلِّق بصفة وقع عند وجودها، كتعلقه بالشرط يقع عند وجود الشرط. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال لامرأة: إذا جاء فلان فقد تزوجتك. فلا يتم الزواج ولا ينعقد. لكن إذا قال: إذا جاء فلان فأنت طالق، وجاء فلان فقد وقع الطلاق؛ لأن الطلاق يقبل التعليق بالشرط والصفة، والزواج لا يقبله - كما سبق في قاعدة التمليكات والتقييدات قريباً -. رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة: إذا قال لحامل أو صغيرة أو آيسة: أنت طالق للسنة أو للبدعة. فيلزمه الطلاق من ساعته؛ لأن هؤلاء لا سنة لهن ولا بدعة.

стр. 1328

القاعدة الستون بعد المائة [تعليق العقد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعليق العقد بالشرط يمنع كونه سبباً قبل وجود الشرط (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: العقد سبب لترتب أحكامه عليه إذا تم صحيحاً نافذاً، وأما إذا عُلَّق العقد بشرط فإن هذا التعليق يمنع سببية العقد، حيث لا يترتب على العقد أي من أحكامه ما لم يوجد الشرط. أي أن الشرط قبل تحققه يوقف عمل العقد ويمنع نفاذه وترتب أي حكم من أحكامه عليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: اشترى شيئاً على أنه بالخيار ثلاثة أيام. فلا يترتب على هذا العقد أي من أحكامه ما لم تمض مدة الخيار أو يسقط من له الخيار خياره.

стр. 1329

القاعدة الحادية والستون بعد المائة [تعليق فسخ العقد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعليق فسخ العقد وإبطاله لوجوده، إن كان فيه مقصود معتبر شرعاً صح وإلا لم يصح، إذ لو صح لصار العقد غير مقصود في نفسه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: كما أن العقد المعلق على شرط لا يصح ولا ينعقد سبباً لأحكامه قبل وجود الشرط فكذلك فسخ العقد إذا علق بشرط، لكن يشترط في تعليق فسخ العقد أن يكون في هذا الشرط مقصود شرعي. وأما إذا خلا من مقصود شرعي فلا يصح الفسخ؛ لأنه لو صح الفسخ في هذه الحالة لصار العقد غير مقصود في نفسه، (والأصل أن العقود مقصودة لأحكامها). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا علق الطلاق بالنكاح مثل أن يقول: إن نكحتك فأنت طالق. المنصوص عن أحمد ﵀: أنه لا يصح؛ لأن النكاح لا يقصد للطلاق عقيب العقد. ومنها: إذا علق فسخ البيع بالإقالة على وجود البيع، كأن يقول: إن بعتني هذا البستان فأنا أُقيلك البيع. ومنها: إذا فسخ النكاح بالعيب على وجود العيب، وقد صرح مشائخ الحنابلة ببطلان ذلك كله.

стр. 1330

رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا حلف لزوجته أن لا يتزوج عليها، وعلَّق طلاق من يتزوجها عليها بنكاحها. فإن كانت تلك في نكاحه وعلَّق طلاقها على نكاح آخر سيوجد فنص أحمد ﵀ على أنه يصح هذا التعليق.

стр. 1331

القاعدة الثانية والستون بعد المائة [التعليق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التعليق لا يثبت إلا بلفظ موضوع للتعليق (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة قيد للتعليقات حيث تفيد أن التعليق لا يكون تعليقاً إلا إذا وجد بلفظ موضوع للتعليق. والمقصود بألفاظ التعليق أدوات الشرط كإن وغيرها من الألفاظ الموضوعة للشرط والتعليق مع وجود الشرط والجزاء. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال رجل لامرأته: إن دخلت الدار أنت طالق. طلقت حالاً؛ لأن قوله: أنت طالق كلام تام بنفسه فلا يتعلق بغيره إلا بأمارة، ولا يصح هنا أن يكون جواباً للشرط؛ لأن جواب الشرط إذا كان اسماً وجب اقترانه بالفاء ولم توجد. وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه يصدَّق على إرادة الجزاء وتضمر الفاء صيانة للشرط عن الإلغاء؛ لأنه إذا نوى ما دل عليه ظاهر كلامه صدِّق مطلقاً. وهذا القول وجيه مقبول حيث إن معرفة شروط جملة الجواب والجزاء وما تصح به وما لا تصح لا يعلمه كل الناس، وإنما يختص بعلمه علماء اللغة ومَن هم على صلة بالنحو وقواعده، وأكثر الناس عوام لا يعرفون شيئاً من ذلك، فيجب أن يحمل كلام العامي على ما نواه إن احتمله لفظ.

стр. 1332

القاعدة الثالثة والستون بعد المائة [التعليل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التعليل لتعدية حكم النص لا لإثبات حكم آخر سوى المنصوص (١). فقهية أصولية. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه قاعدة أصولية فقهية يوردها الأصوليون من الحنفية لبيان أن الحكم الثابت بالنص لا يحتاج إلى تعليل. وإنما يحتاج للتعليل لتعدية حكم النص إلى غير المنصوص - وهو القياس الأصولي -. وقولهم: بأن حكم النص لا يحتاج إلى تعليل؛ لأن ثابت بنفسه، هذا ردّ لمن يرون أن حكم النص المعلل يدل على أن حكم ما عداه مما لا توجد فيه العلة حكمه بخلاف حكم المنصوص المعلل. وهو مفهوم المخالفة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا زنا رجل بامرأة فهل يحرم عليه ما يحرم لو كان نكحها بعقد صحيح؟ عند الشافعي ﵀ لا يحرم عليه مستدلاًّ بأدلة من السنة. وعند الحنفية خلاف. إذ قال بعضهم: إن حرمة المصاهرة بمحارم المزني بها تثبت هنا بطريق العقوبة كما تثبت حرمة الميراث في حق القاتل مورثه عقوبة. ولذلك يقول هؤلاء: إن المحرمية لا تثبت حتى لا تباح الخلوة والمسافرة بها، وجمهور الحنفية على ثبوت المحرمية كالنكاح الصحيح وهو الذي نصره السرخسي. وقد رد السرخسي على تعليلهم هذا بهذه القاعدة حيث قال: المنصوص

стр. 1333

حرمة تامة بطريق الكرامة للمنكوحة نكاحاً صحيحاً. ويجوز التعليل بها لتعدية تلك الحرمة إلى الفروع لا لإثبات حكم آخر سوى المنصوص. وعلل السرخسي حرمة المصاهرة من محارم المزني بها بقوله: الفعل زنا موجب للحد، ولكنه مع ذلك حرث للولد ويصلح أن يكون سبباً لثبوت الحرمة والكرامة باعتبار أنه حرث للولد؛ ولأن الولد يتخلق من الماءين فيكون بعضاً لكل منهما، فتتعدى شبهة البعضية إلى أمهاتها وبناتها وإلى آبائه وأبنائه، (والشبهة تعمل عمل الحقيقة في إيجاب الحرمة)، وهذا المعنى لا يختلف بالملك وعدم الملك.

стр. 1334

القاعدة الرابعة والستون بعد المائة [تعميم الخاص وتخصيص العام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تعميم الخاص بالنيَّة جائز (١). وكذلك تخصيص العام. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الخاص من الألفاظ: هو قصر العام على بعض أفراده. أو هو إخراج ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص. والمعروف عند جمهور الحنفية أنهم لا يعممون الخاص بالنية، ولكن السرخسي في هذه القاعدة يشير إلى أن تعميم الخاص بالنية جائز ولم يذكر خلافاً فيه. والمقصود بتعميم الخاص بالنية أن يذكر الإنسان لفظاً خاصًّا ويريد به أمراً عامًّا وبخاصة في باب الأيمان. وهذا أجازه السرخسي كما أجازه الخصاف قبله خلافاً لجمهور الحنفية والشافعية. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا حلف لا يشرب من فلان ماء من عطش - ونوى أن لا ينتفع منه بشيء - ثم أكل من طعامه أو لبس من ثيابه فهل يحنث في يمينه؟ عند المالكية (٢) والحنابلة (٣) يحنث؛ لأنهم يعممون الخاص ويخصصون العام بالنية،

стр. 1335

وأما عند الشافعية وجمهور الحنفية فلا يحنث إلا بالماء خاصة؛ (لأنه لا حنث بدون لفظ) وقد حلف على الماء فلا يحنث إلا بتناوله. وأما عند السرخسي فبناء على هذه القاعدة فإنه يحنث بأي شيء يتناوله عنده؛ لأنه نوى عدم الانتفاع منه بشيء وعبَّر عن ذلك بالماء؛ لأنه إذا انتفى الأدنى انتفى الأعلى بطريق الأولى، فإذا تناول عنده الماء أو غيره فإنه يحنث؛ لأن تعميم الخاص بالنية جائز عنده. ومنها: إذا حلف لا يذوق شيئاً، وعنى بالذوق الأكل في المأكول والشرب في المشروب، لا يحنث ما لم يدخله حلقه، فهنا عمم المخصوص وهو الذوق بالنية حيث شمل ما يؤكل وما يشرب. ومن تخصيص العام بالنية عند السرخسي: إذا حلف لا يأكل طعاماً ينوي طعاماً بعينه، أو حلف لا يأكل لحماً ينوى لحماً بعينه. فأكل غير ذلك لم يحنث. إلا إذا كانت يمينه بالطلاق فإنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في القضاء؛ لأنه نوى التخصيص في اللفظ العام، أي أن القضاء يحكم عليه بظاهر لفظه (١).
следующие страницы →