القاعدة الثانية والستون بعد المائة [التعليق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التعليق لا يثبت إلا بلفظ موضوع للتعليق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة قيد للتعليقات حيث تفيد أن التعليق لا يكون تعليقاً إلا إذا وجد بلفظ موضوع للتعليق. والمقصود بألفاظ التعليق أدوات الشرط كإن وغيرها من الألفاظ الموضوعة للشرط والتعليق مع وجود الشرط والجزاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لامرأته: إن دخلت الدار أنت طالق. طلقت حالاً؛ لأن قوله: أنت طالق كلام تام بنفسه فلا يتعلق بغيره إلا بأمارة، ولا يصح هنا أن يكون جواباً للشرط؛ لأن جواب الشرط إذا كان اسماً وجب اقترانه بالفاء ولم توجد.
وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه يصدَّق على إرادة الجزاء وتضمر الفاء صيانة للشرط عن الإلغاء؛ لأنه إذا نوى ما دل عليه ظاهر كلامه صدِّق مطلقاً.
وهذا القول وجيه مقبول حيث إن معرفة شروط جملة الجواب والجزاء وما تصح به وما لا تصح لا يعلمه كل الناس، وإنما يختص بعلمه علماء اللغة ومَن هم على صلة بالنحو وقواعده، وأكثر الناس عوام لا يعرفون شيئاً من ذلك، فيجب أن يحمل كلام العامي على ما نواه إن احتمله لفظ.
стр. 1332
القاعدة الثالثة والستون بعد المائة [التعليل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التعليل لتعدية حكم النص لا لإثبات حكم آخر سوى المنصوص (١). فقهية أصولية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة أصولية فقهية يوردها الأصوليون من الحنفية لبيان أن الحكم الثابت بالنص لا يحتاج إلى تعليل. وإنما يحتاج للتعليل لتعدية حكم النص إلى غير المنصوص - وهو القياس الأصولي -. وقولهم: بأن حكم النص لا يحتاج إلى تعليل؛ لأن ثابت بنفسه، هذا ردّ لمن يرون أن حكم النص المعلل يدل على أن حكم ما عداه مما لا توجد فيه العلة حكمه بخلاف حكم المنصوص المعلل. وهو مفهوم المخالفة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا زنا رجل بامرأة فهل يحرم عليه ما يحرم لو كان نكحها بعقد صحيح؟ عند الشافعي ﵀ لا يحرم عليه مستدلاًّ بأدلة من السنة. وعند الحنفية خلاف. إذ قال بعضهم: إن حرمة المصاهرة بمحارم المزني بها تثبت هنا بطريق العقوبة كما تثبت حرمة الميراث في حق القاتل مورثه عقوبة. ولذلك يقول هؤلاء: إن المحرمية لا تثبت حتى لا تباح الخلوة والمسافرة بها، وجمهور الحنفية على ثبوت المحرمية كالنكاح الصحيح وهو الذي نصره السرخسي.
وقد رد السرخسي على تعليلهم هذا بهذه القاعدة حيث قال: المنصوص
стр. 1333
حرمة تامة بطريق الكرامة للمنكوحة نكاحاً صحيحاً. ويجوز التعليل بها لتعدية تلك الحرمة إلى الفروع لا لإثبات حكم آخر سوى المنصوص. وعلل السرخسي حرمة المصاهرة من محارم المزني بها بقوله: الفعل زنا موجب للحد، ولكنه مع ذلك حرث للولد ويصلح أن يكون سبباً لثبوت الحرمة والكرامة باعتبار أنه حرث للولد؛ ولأن الولد يتخلق من الماءين فيكون بعضاً لكل منهما، فتتعدى شبهة البعضية إلى أمهاتها وبناتها وإلى آبائه وأبنائه، (والشبهة تعمل عمل الحقيقة في إيجاب الحرمة)، وهذا المعنى لا يختلف بالملك وعدم الملك.
стр. 1334
القاعدة الرابعة والستون بعد المائة [تعميم الخاص وتخصيص العام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعميم الخاص بالنيَّة جائز (١).
وكذلك تخصيص العام.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخاص من الألفاظ: هو قصر العام على بعض أفراده. أو هو إخراج ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص.
والمعروف عند جمهور الحنفية أنهم لا يعممون الخاص بالنية، ولكن السرخسي في هذه القاعدة يشير إلى أن تعميم الخاص بالنية جائز ولم يذكر خلافاً فيه.
والمقصود بتعميم الخاص بالنية أن يذكر الإنسان لفظاً خاصًّا ويريد به أمراً عامًّا وبخاصة في باب الأيمان. وهذا أجازه السرخسي كما أجازه الخصاف قبله خلافاً لجمهور الحنفية والشافعية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يشرب من فلان ماء من عطش - ونوى أن لا ينتفع منه بشيء - ثم أكل من طعامه أو لبس من ثيابه فهل يحنث في يمينه؟ عند المالكية (٢) والحنابلة (٣) يحنث؛ لأنهم يعممون الخاص ويخصصون العام بالنية،
стр. 1335
وأما عند الشافعية وجمهور الحنفية فلا يحنث إلا بالماء خاصة؛ (لأنه لا حنث بدون لفظ) وقد حلف على الماء فلا يحنث إلا بتناوله. وأما عند السرخسي فبناء على هذه القاعدة فإنه يحنث بأي شيء يتناوله عنده؛ لأنه نوى عدم الانتفاع منه بشيء وعبَّر عن ذلك بالماء؛ لأنه إذا انتفى الأدنى انتفى الأعلى بطريق الأولى، فإذا تناول عنده الماء أو غيره فإنه يحنث؛ لأن تعميم الخاص بالنية جائز عنده.
ومنها: إذا حلف لا يذوق شيئاً، وعنى بالذوق الأكل في المأكول والشرب في المشروب، لا يحنث ما لم يدخله حلقه، فهنا عمم المخصوص وهو الذوق بالنية حيث شمل ما يؤكل وما يشرب.
ومن تخصيص العام بالنية عند السرخسي: إذا حلف لا يأكل طعاماً ينوي طعاماً بعينه، أو حلف لا يأكل لحماً ينوى لحماً بعينه. فأكل غير ذلك لم يحنث.
إلا إذا كانت يمينه بالطلاق فإنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في القضاء؛ لأنه نوى التخصيص في اللفظ العام، أي أن القضاء يحكم عليه بظاهر لفظه (١).
стр. 1336
القاعدة الخامسة والستون والسادسة والستون بعد المائة [تعيب الأمانة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
تعيب الأمانة لا يوجب الضمان (١).
وفي لفظ: صفة السلامة عن العيب إنما تصير مستحقًّا في المعاوضة دون التبرع (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الأمانة أو الوديعة غير مضمونة على المودعَ الأمين؛ لأنه متبرع بالحفظ. ولا يضمن إلا إذا تعدَّى أو قصر في الحفظ، فإذا تعيبت الأمانة عنده بغير فعله ولا تقصير منه فهو غير ضامن، بخلاف ما لو تعيبت بفعله أو تقصيره، وذلك؛ لأن صفة السلامة عن العيوب إنما تضمن وتستحق المعاوضة عليها في عقود المعاوضة دون عقد التبرع.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا أودع شخص عند آخر مالاً أو متاعاً لحفظه، فوضعه الأمين مع متاعه وماله، فأصاب المطر أو الحريق هذه الوديعة فعيبها أو أتلف بعضاً منها فالمؤتمن غير ضامن لما تلف أو تعيب لعدم تقصيره في الحفظ ولأنه متبرع في الحفظ.
ومنها: إذا أودع شخص آخر غلاماً أو دابة فعطبت بغير فعل أحد أو مرضت فالمؤتمن غير ضامن لما نقصها المرض أو العطب؛ إلا إذا ثبت أنه كان بفعله أو بتقصير منه.
стр. 1337
القاعدة السابعة والستون بعد المائة [التعيب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التعيب في ضمان المشتري مسقط لخياره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا تعيبت السلعة وهي في ضمان المشتري المشترط الخيار لنفسه، فإن هذا التعيب مسقط لخيار المشتري وملزم للعقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى إنسان من آخر سيارة وهو بالخيار ثلاثة أيام وقبضها فتعيبت في يده بحادث أو غيره سقط خياره ولزمه العقد.
ومنها: إذا اشترى بئراً وهو بالخيار ثلاثة أيام وقبضها فانخسفت أو انهدمت أو ذهب ماؤها أو وقع فيها ما ينجس ماءها من عذرة أو شاة أو عصفور أو فأرة فماتت، فذلك يلزمه البيع سواء وجب نزح جميع الماء أو بعضه؛ لأن النجاسة في الماء عيب في العرف فلا يمكنه رد البئر كما أخذها.
стр. 1338
القاعدة الثامنة والستون بعد المائة [تعين النية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعيُّن النية كأصلها شرط افتتاح الصلاة لا شرط البقاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
شرط افتتاح الصلاة بل وكل عبادة النيَّة، وتعيُّنها أي تحديد نوع العبادة التي يؤديها المكلف - فرضاً أو نفلاً أو نذراً أداء أو قضاء -.
ولكن هل يشترط مع ذلك بقاء النية وتعينها - بمعنى ملاحظتها في كل أجزاء العبادة؟ عند الجميع أن ذلك ليس شرطاً لصحة العبادة لتعذره، بل يكفي وجود النية وتعينها في أول العبادة وانسحاب حكمها حتى نهايتها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا افتتح صلاته وعين نيتها - ظهراً أو عصراً - فرضاً أو نفلاً، وبعد ذلك عَزَبَ عنه ذكر النية في قراءته أو ركوعه أو سجوده أو قيامه فصلاته صحيحة؛ لأنه لا يشترط بقاء ذكر النية عند كل فعل من أفعال الصلاة.
ومنها: إذا نوى صوم واجب قبل الفجر وعزبت عنه نية الصوم أثناء النهار أو ظن أن صومه نفل فصومه صحيح، ما لم يأت بنية مناقضة - عند بعضهم - أو عمل مناف للصوم.
стр. 1339
القاعدة التاسعة والستون بعد المائة [تعين الوقت]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعيُّن الوقت لا يغني عن وصف النية (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بما يسمى عند الأصوليين بالواجب المضيق، وهو الواجب الذي يضيق وقته عن غيره من جنسه، وحكم تعيُّن النية فيه وهو المراد هنا بوصف النية، والمراد به صوم رمضان فهل يكفي فيه نية الصوم المطلق؛ لأن الوقت متعين لصوم رمضان فلا يحتمل صوماً غيره؟ بهذا يقول الحنفية (٢). ويقولون: إن الوقت متعين لصوم الفرض (والتعيين في المتعين لغو).
ولكن المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة: أنه لا بد من تعين نية صوم رمضان ولا يجوز صوم رمضان بغير نية معينة. فلو صامه بنية مطلقة أو بنية النفل أو بنية واجب آخر لم يقع عن رمضان عند جماهير غير الحنفية. وإن قال بعضهم: إنه لا يقع إلا عن رمضان.
ثالثاً: من أمثلة القاعدة ومسائلها:
إذا صام رمضان بنية صوم مطلقة أو بنية واجب آخر كنذر أو قضاء أو نية صوم تطوع: لم يقع صومه إلا عن رمضان عند الحنفية، وعند أحمد في قول؛ لأن الوقت مضيق ومتعين لصومه. وأما عند غير الحنفية فلا يقع عن رمضان.
стр. 1340
القاعدة السبعون بعد المائة [التعيين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التعيين في الانتهاء بمنزلة التعيين في الابتداء (١).
وفي لفظ: التعيين في الانتهاء بالتراضي كالتعيين في الابتداء (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
تتعلق هاتان القاعدتان بمن يترك تعيين نوع العبادة أو التصرف في أول الأمر ثم يعينه بعد ذلك، فإن هذا يجوز في بعض العبادات كالإحرام بالحج أو العمرة أو الحج عن الغير في بعض الصور. وكذلك في تعيين المقصود بالعقد في الانتهاء إذا حصل التراضي بين العاقدين.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا أحرم مطلقاً ولم يعين إن كان إحرامه للحج أو للعمرة فله تعيين النسك الذي يريد أداءه عند بدء الفعل - أي عند الطواف - فيكون التعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء. وليس المراد بالانتهاء هنا الانتهاء من العبادة؛ لأنه لازال لم يتلبس بالنسك، ولكن المقصود هنا الانتهاء من الوقت الذي يسمح له فيه بتعيين النسك قبل التلبس به، وهو من حين بدء الإحرام إلى حين بدء النسك.
ومنها: إذا نوى الحج عن أبويه تطوعاً وتبرعاً فله أن يعيِّن أحدهما للحج عنه عند بدء أعمال الحج؛ لأنه لا يجوز له أن يحج عن الاثنين في سفرة واحدة أو موسم حج واحد.
стр. 1341
ومنها: إذا استأجر مالك أرض عاملاً على أن يعمل في أرضه عشر سنين، قالوا: هذه معاملة فاسدة لجهالة العمل المعقود عليه هل هو غراس أو زرع، لكن إن أعطى رب الأرض للعامل بذراً ليزرعه أو غرساً ليغرسه جازت المعاملة بتراضيهما، كأنه استأجره للزراعة أو للغرس والعناية به. (والتعيين في الانتهاء بتراضيهما كالتعيين في الابتداء).
стр. 1342
القاعدة الحادية والسبعون بعد المائة [التعيين بالعرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التعيين بالعرف كالتعيين بالنص (١).
وفي لفظ: المشروط عرفاً كالمشروط شرعاً (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة مما يندرج تحت القاعدة الكلية الكبرى - العادة محكَّمة - ومفادها أن تعيين المعقود والمعقود عليه بالعرف والعادة الجارية المعهودة بين الناس ينزل منزلة التعيين بالنص والشرط في بناء الأحكام عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تعاقد مع عامل على أن يعمل عنده أو له عملاً ما، وقيدا هذا العقد بما جرى عليه العرف وعمل الناس فإنه يكون بمنزلة التقييد بالنص.
ومنها: إذا حمل شخص بضاعة له على سيارة أجرة مستأجرة واشترطا أن تكون الأجرة بما تعارف عليه الناس تبعاً لوزن الحمولة والمسافة، فيعتبر ذلك كتعيين الأجرة بالنص.
ومنها: إذا استأجر إنسان شقة مفروشة - فيها أثاث وأمتعة وأوانٍ - وأذن المؤجر للمستأجر استعمالها، فتلف بعض ذلك، فقد جرى العرف بأن ما يتلف فضمانه على المستأجر فكأنه مشروط في العقد.
стр. 1343
القاعدة الثانية والسبعون بعد المائة [التعيين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التعيين متى كان مفيداً يجب اعتباره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التعيين في المعاملات وتحديد المطلوب قد يكون مفيداً لأحد العاقدين أو كليهما، وقد يكون غير مفيد، فإن كان التعيين والاشتراط غير مفيد فلا يلزم اعتباره، وأما إن كان مفيداً فيجب اعتباره لما فيه من المصلحة والمنفعة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اتفق جماعة مع صاحب سيارة أو حافلة أن يحملهم إلى بلدة عينوها له وشرطوا عليه الطريق التي يسير فيها، وشرطوا له أجرة معينة إن سار بهم على الطريق التي عينوها له، فإن سار بهم على ما عينوا استحق الأجرة التي اشترطوها له كاملة. وأما إذا سار بهم في طريق غيرها ولا فائدة فيها لهم فلا يستحق الأجرة التي اتفقوا عليها؛ لأنهم ما عينوا تلك الطريق إلا لفائدة. والتعيين إذا كان مفيداً يجب اعتباره.
ومنها ما ذكره في السير الكبير وشرحه: إن المسلمين إذا قالوا لأسير لديهم: إذا دللتنا على طريق حصن كذا أو بلدة كذا فأنت حر. فإذا دلهم على طريق الحصن الذي عينوا والطريق التي وصفوا فهو حر. وأما إذا خالف وسار بهم على طريق حصن آخر أو طريق آخر - وإن كان يوصلهم إلى الحصن الذي أرادوا فهو على حاله؛ لأنه خالف - إلا إذا كان الطريق
стр. 1344
الآخر أقصر أو أكثر أمناً أو أعظم فائدة مما أرادوا فهو حر استحساناً؛ لأنه أتى بمقصودهم وزيادة، وإن كان القياس أنه يبقى فيئاً لأنه خالف، ولكن سقط اعتبار التعيين لأنه غير مفيد، وقد سار بهم بما هو أكثر فائدة لهم.
ويدخل تحت هذه القاعدة كل ما يتعلق بالاستصناع والمعاملات الجارية بين الناس فالشرط المفيد لأحد المتعاقدين يجب اعتباره.
стр. 1345
القاعدة الثالثة والسبعون بعد المائة [تعيين المستحق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تعيين المستحق بمنزلة ابتداء الاستحقاق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المستحق: هو صاحب الحق.
فمفاد القاعدة: أن مَن عيَّن مستحقًّا لأمر ما كالهبة والوصية والهدية مثلاً فكأنما ابتدأ استحقاقه الآن حين التعيين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أوصى بشيء من تركته لرجل أو جهة ولم يعين، فهي وصية لمجهول - والأصل بطلانها - لكنه قبل الوفاة عين الموصى له، فيكون ذلك بمنزلة ابتداء وصية. فكأنها وصية أخرى غير الأولى.
ومنها: إذا كان له ستة أعبد فأعتق اثنين منهم - ثم مات - ولم يعينهما، فإنه على رأي الشافعي ﵀ يقسمون أثلاثاً ثم يقرع بينهم فمن خرجت قرعتهما أعتقا، وردَّ الأربعة الباقين إلى الرق على الورثة. وإن كان الحنفية ينكرون القرعة ويعتبرونها قماراً. ولكن الآثار ضدهم، والقرعة ثابتة بفعل الرسول ﷺ وليست من القمار في شيء. ويرى الحنفية في هذه المسألة: أنه يعتق من كل عبد ثلثه ويسعى في قيمة ثلثيه، وإذا صح الحديث معتمد الشافعي ﵀ وهو مرسل عن الحسن البصري ﵀ (٢)، فهو الغاية ولا نقاش ولا كلام بعد فعل الرسول
стр. 1346
- ﷺ ، بل صحت في ذلك أحاديث.
стр. 1347
القاعدة الرابعة والسبعون بعد المائة [التغير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التغير ينافي الإطلاق مطلقاً عند مالك ﵀ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بهذه القاعدة (الماء المطلق) إذا تغير أحد أوصافه كطعمه أو لونه أو ريحه، بطاهر أو نجس. فذلك يسلب منه سمة الطهورية عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى. فإن اختلط بطاهر على الصفة السابقة أصبح طاهراً لا طهوراً، وإن اختلط بنجس صار نجساً، إلا بدليل كأن يكون التغير بالقرار - أي الاستقرار في الحوض أو الغدير وعدم التحرك - وطول المكث، أو بما يتولد في الماء، أو يجاوره كطين ونحوه فلا يسلبه ذلك سمة الطهورية.
وأما عند أبي حنيفة ﵀: فلا يزول عن الماء اسم الإطلاق إلا إذا زالت رقة الماء ولطافته وإلا إذا حمل اسماً آخر كماء الزهر وماء الورد وأشباه ذلك.
وعند أحمد ﵀: إن ما خالط الماء من طاهر فغير اسمه أو غلب على أجزائه أو طبخ فيه فغيره، فإن غيَّر أحد أوصافه أو استعمل في رفع حدث أو طهارة مشروعة فهو طاهر غير طهور (٢).
стр. 1348
القاعدة الخامسة والسبعون بعد المائة [التفاسخ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضرراً على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممَّن له تعلق بالعقد لم يجز (١). ولم ينفذ إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه فيجوز.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التفاسخ في العقود: تفاعل من الفسخ وهو إبطال العقود ورفعها ونقضها.
فمفاد القاعدة: أن التفاسخ في العقود الجائزة جائز لكن بشرط أن لا يتضمن هذا الفسخ ضرراً على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد واتصال به، فإن تضمن مثل هذا الضرر لم يجز الفسخ وبقي العقد لازماً إلا إذا أمكن إزالة الضرر بتعويض مَن يلحقه الضرر من الفسخ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا زارع رجلاً على أرضه ثم فسخ المزارعة قبل ظهور الزرع أو قبل البذر وبعد الحرث فإن الزارع يستحق أجرة مثله عما عمل في الأرض.
ومنها: إذا فسخ صاحب رأس المال عقد المضاربة، فإذا كان المال عَرَضاً - أي بضاعة - فللمضارب بيعه بعد الفسخ؛ لتعلق حقه بربحه، وقيل: لا ينعزل مادام المال عرضاً بل يملك التصرف حتى يبيع البضاعة وليس للمالك عزله. والراجح أنه ينعزل عن الشراء لا عن البيع حتى يكون المال دراهم أو دنانير. ولكن هل يملك المضارب الفسخ؟ قال ابن
стр. 1349
عقيل (١): ليس له ذلك حتى ينض رأس المال - أي يصبح نقداً - مراعاة لحق مالكه.
стр. 1350
القاعدة السادسة والسبعون بعد المائة [التفاوت]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التفاوت في البدل دليل ظاهر على انعدام المساواة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفاوت بدل الأشياء وقيمها دليل واضح على عدم المساواة بينها؛ لأن البدل بمقابلة المبدل وهو قيمته، فالتفاوت فيه دليل على التفاوت في المبدل.
وقد ساق السرخسي هذه القاعدة للتدليل بها على أن أطراف المرأة لا تقابلها أطراف الرجل، حيث إن طرف المرأة في الدية على النصف من دية الرجل، فمن قطع يد امرأة فلا تقطع يده؛ للتفاوت بين البدلين، وهو دليل على عدم المساواة بينهما.
وقد خالف الحنفية في هذا ابن أبي ليلى ومالك والشافعي وأحمد ﵃ حيث يجرون القصاص في الأطراف بين الرجال والنساء اعتباراً بالنفوس؛ لأن الأطراف تابعة للنفس، (وثبوت الحكم في التبع بثبوته في الأصل)، فكما يجري القصاص بين الرجال والنساء في النفوس فكذلك في الأطراف، والقاعدة عندهم: (كل من أقيد بغيره في النفس أقيد فيما دونها وما لا فلا) (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قطع إنسان يداً شلاء لآخر فلا تقطع يده السليمة بها، ولكن في الشلاء
стр. 1351
حكومة عدل؛ لأن بدل الشلاء غير بدل السليمة.
ومنها: لا يقتل الحر بالعبد للتفاوت في البدل بينهما - عند غير الحنفية - وهذه القاعدة التي أوردوها حجة عليهم.
ومنها: لو قطع مسلم يد كافر لا يقطع بها؛ لأن المسلم لا يقاد بالكافر.
стр. 1352
القاعدة السابعة والسبعون بعد المائة [التفاوت في المنفعة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التفاوت في المنفعة دليل اختلاف الجنس (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المنفعة تتفاوت وتختلف بين شخص وشخص وعضو وعضو، فمفاد القاعدة: أن هذا التفاوت في المنفعة والمصلحة في العضو أو الشخص دليل على اختلاف الجنس، ويترتب على ذلك تفاوت في الضمان والتعويض الناتج عن فقدان هذا العضو أو هذا الشخص، والمراد بالتعويض هنا: بدل العضو أو الشخص من دية أو أرش أو حكومة عدل أو ضمان أو غير ذلك من أنواع الأبدال.
وهذه القاعدة لها ارتباط بسابقتها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يقطع اليمين باليسار؛ ولا اليد بالرجل، ولا الإبهام بغيرها من الأصابع، ولا أصبع من يد بأصبع من رجل؛ لانعدام المساواة بين هذه الأعضاء؛ لأن منفعة البطش ببعض هذه الأعضاء تتفاوت.
ومنها: - ما سبق - لا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء، ولا تفقأ العين الصحيحة بالعوراء القائمة؛ لتفاوت المنفعة بينهما.
стр. 1353
القاعدة الثامنة والسبعون بعد المائة [تفرق التسمية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تفرق التسمية في حق البائعين كتفرق الصفقة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالتسمية هنا: تحديد الثمن لكل جزء مما هو مشترك بين اثنين فأكثر، فيقوم ذلك مقام اختلاف أجناس المبيع، ويكون كتفرق الصفقة في حق المشتري.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترك اثنان في سيارة لكل واحد منهما نصفها، وباع أحدهما نصيبه منها بخمسة آلاف، ثم باع الآخر نصيبه منها لنفس المشتري بخمسة آلاف أخرى، وكتبا على المشتري صكًّا واحداً بالعشرة الآلاف، ثم قبض أحدهما من المشتري شيئاً، لم يكن للآخر أن يشاركه فيما قبضه؛ لأن نصيب كل واحد منهما وجب على المطلوب بسبب آخر، فلا تثبت الشركة بينهما في المقبوض بحجة اتحاد الصك.
ومنها: إذا أقرض شخص آخر خمسمائة، ثم أقرضه آخر خمسمائة أخرى، وكتبا بالألف صكًّا واحداً، ثم قبض أحدهما من المقترض مائتين، فليس للآخر أن يشاركه فيما قبض بحجة اتحاد الصك؛ لأن تفرق التسمية في حق البائعين كتفرق الصفقة.
أما لو باعا السيارة صفقة واحدة بثمن واحد أو أقرضا الشخص قرضاً
стр. 1354
واحداً، فأيهما قبض من ذلك شيئاً شركه الآخر فيه؛ لأنه دين وجب لهما بسبب واحد بدلاً عما هو مشترك بينهما، فلا يقبض أحدهما شيئاً إلا شركه الآخر فيه.
стр. 1355
القاعدة التاسعة والسبعون بعد المائة [تفويت الحاصل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تفويت الحاصل ممنوع بخلاف تحصيل ما ليس بحاصل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالتفويت: إزالة اليد المالكة عما تملك، أو إضاعة الموجود وإتلافه إذا كان ملكه.
والحاصل: الموجود المحقق.
فمفاد القاعدة: أن إزالة يد المالك عما هو موجود تحت يده بغير حق لا يجوز، ومثله إضاعة وإتلاف الموجود تحت اليد - عند الحاجة إليه - لا يجوز.
ولكن تحصيل ما ليس بحاصل غير واجب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من أراق ماء وضوئه - سفهاً وفي وقت الحاجة إليه - ليتيمم فهو آثم، لكن هل يجب عليه إعادة ما صلى بالتيمم؟ وجهان عند الشافعية.
وأما من اجتاز بماء في الوقت ولم يتوضأ، فلما بعد عنه صلى بالتيمم فإنه لا يأثم ولا إعادة عليه قطعاً؛ لأنه لم يفوت حاصلاً، ولم يطلب منه تحصيل ما ليس بحاصل، وإن كان حينما اجتاز بالماء توضأ لكان أفضل.
ومنها: مَن دخل عليه وقت صلاة وهو لابس خفًّا بشرائطه ومعه ماء يكفيه لو مسح ولا يكفيه لو غسل رجليه، في هذه الحالة يجب عليه المسح ويحرم نزع الخف؛ لأنه في نزع الخف تفويت حاصل.
стр. 1356
ومنها: مَن كان غير لابس خفًّا ومعه خف وقد أرهقه الحدث - وهو متطهر - ومعه ماء لا يكفيه لو غسل ويكفيه لو مسح. قالوا: لا يجب عليه لبس الخف ليمسح عليه؛ لأن تحصيل ما ليس بحاصل لا يجب، لكن لو لبس خفه ومسح عليه جاز.
стр. 1357
القاعدة الثمانون بعد المائة [التفويض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التفويض يقتصر على المجلس بخلاف الوكالة فإنها لا تقتصر عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التفويض في اللغة: من فوَّض إليه الأمر رده إليه وسلَّمه إليه (٢).
والتفويض: التسليم وترك المنازعة (٣).
وعند الفقهاء: التفويض: التزويج بغير تسمية المهر، ومنه المفوَّضة (٤).
والوكالة: اسم للتوكيل: وهو تفويض التصرف إلى الغير أو هي إظهار العجز والاعتماد على الغير.
ومفاد القاعدة: أن من فوض أمراً لآخر وسلمه إليه فإن هذا التفويض يقتصر على المجلس ولا يتعداه إلى غيره.
وأن من وكل آخر في أمره أو أموره فإن الوكالة لا تقتصر على المجلس بل هي أعم من ذلك زماناً ومكاناً ونوع تصرف (٥).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لامرأته: أنت وكيلي في طلاق نفسك، فقامت عن المجلس ولم تطلَّق، ثم طلَّقت نفسها بعد ذلك، لا يقع الطلاق؛ لأن توكيل الزوج
стр. 1358
إياها تفويض وهو يقتصر على المجلس.
أما لو وكَّل رجلاً في طلاق زوجته فله أن يطلقها في المجلس وغيره إلا إذا حدد له مدة فيقتصر عليها. كما لو قال لغيره: أمرُ امرأتي بيدك إلى سنة. كان الأمر بيده إلى سنة ولا يبقى بعد مضي السنة (١).
стр. 1359
القاعدة الحادية والثمانون بعد المائة [تقادم العهد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تقادم العهد يمنع إقامة الحدود التي هي لله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تقادم العهد: معناه مضي الزمن حتى بَعُد عن وقت وقوع الحادثة.
فمفاد القاعدة: أنه إذا مضى على الحادثة الموجبة حدًّا لله تعالى - كالزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو اللواط - زمن طويل ثم تقدم الشهود للإدلاء بشهادتهم بعد مضي هذا الزمن، لا تقبل هذه الشهادة ولا يقام الحد على المشهود عليه؛ لأن سكوت الشهود طيلة هذه المدة ثم المتقدم بشهادتهم بعدها دليل على أنهم أتوا بشهادتهم لأمر في نفوسهم وضغن على المشهود عليه، وليس أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر.
والأصل في هذه القاعدة قول عمر رضى الله عنه: (أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته، فإنما شهدوا عن ضغن (٢)).
ولكن هل للتقادم حد معروف؟ لم يرد ذكر لمدة ولكن الظاهر أن مضي مدة كافية للوصول للقضاء والإدلاء بالشهادة ثم لم يتقدم الشهود لأداء شهادتهم ثم شهدوا بعد ذلك أنه لا تقبل هذه الشهادة، إلا إذا أبدوا عذراً مانعاً من الأداء كالسفر والبعد أو السجن أو غير ذلك من الأعذار.
قال في الخانية: ولا تقبل الشهادة على الزنا بعد تقادم العهد، وأبو حنيفة ﵀ فوض ذلك إلى رأي القاضي ولم يقدر شيئاً، وصاحباه رحمهما الله تعالى قدَّرا في الزنا بشهر، فما دون الشهر لا يكون متقادماً، والشهر
стр. 1360
وما فوقه متقادم مانع من قبول الشهادة وعليه الاعتماد، ثم قال: وإن كان المشهود عليه في موضع لم يكن هناك قاض فحُمل إلى بلد فيه القاضي جازت الشهادة وإن تقادمت، وكذا لو جاء الشهود من مصر آخر فهو عذر تجوز شهادتهم به (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا جاء أربعة شهود وشهدوا أن فلاناً زنا بفلانة، وذكروا وقتاً لوقوع الزنا أكثر من شهر، ولم يذكروا عذراً مانعاً لهم من أداء الشهادة في وقتها، فلا تقبل شهادتهم ولا يحد المشهود عليه، ولكن هل يقام عليهم حد القذف؟ خلاف في المسألة:
والراجح عند أحمد وهو قول مالك والأوزاعي والثوري (٢) وإسحاق (٣) وأبي ثور (٤): أنهم إن شهدوا بزنى قديم أو أقر به وجب الحد. وقال ابن حامد (٥) وذكر ابن أبي موسى (٦) أنه مذهب لأحمد مثل قول أبي
القاعدة الثانية والثمانون بعد المائة [المصلحة الغالبة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تقدم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة ولا تترك لها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة بقاعدة:
إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع إلا إذا كان المقتضي أعظم (٢). المتقدمة.
ورأينا أن المراد بالمانع: المفسدة، وبالمقتضي: الأمر الطالب للفعل لتضمنه المصلحة، فإذا كانت المصلحة أغلب والمفسدة مغلوبة وجب تقديم المصلحة على المفسدة، ولا تترك المصلحة بحجة وجود المفسدة، ويكون ذلك استثناء من القاعدة القائلة: (درء المفاسد أولى من جلب المصالح). الآتية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اختلطت محرمة برضاع أو نسب بنسوة غير محصورات جاز النكاح منهن مراعاة لمصلحة النكاح ولندرة المفسدة حيث إن من المستبعد أن يتزوج من تحرم عليه لكثرة النساء، ولئلا ينسد عليه باب النكاح.
ومنها: الكذب مفسدة محرمة لكن متى تضمن ذلك جلب مصلحة تربو عليه جاز كالكذب في الاصلاح بين الناس، وفي الحرب لخداع العدو، وعلى الزوجة لإصلاحها.
стр. 1363
القاعدة الثالثة والثمانون بعد المائة [تقدير خوارق العادات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تقدير خوارق العادات ليس من دأب الفقهاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة توجيهية لعموم الفقهاء ولا تعلق لها بأحكام الفقه.
والمقصود بخوارق العادات: الأمور التي تخرق بظهورها العادة (٢)، أي أن تكون فوق عادة البشر وقدرتهم.
فمسائل خوارق العادة وتقديرها وإعطاء حكم لها ليس من عادة الفقهاء العلماء ودأبهم؛ لأن الخارق إذا حصل يبحث عن حكمه حين حصوله، ولا يقدر له حكم قبل وجوده؛ لأن في ذلك ضياع للوقت والجهد بما لا يؤدي إلى منفعة أو مصلحة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ومع ذلك ورد عن كثير من متأخري المتفقهة افتراض كثير من المسائل وإيجاد أحكام وحلول لها لو وجدت، وكثير منها لا يتصور وقوعه ولا يمكن حدوثه.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
السؤال عن المحقق وقوعه وإن كان خارقاً للعادة، مثاله: سؤال الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله ﷺ عن اليوم الذي كَسَنَةٍ - وهو يوم من أيام
стр. 1364
الدجال نعوذ بالله من فتنته - أتجزئ فيه صلاة يوم؟ فقال ﵊: "لا. اقدروا له قدره" (١).
стр. 1365
القاعدة الرابعة والثمانون بعد المائة [التقدير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التقدير على خلاف التحقيق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من المسائل ما لا بد فيه من تقدير أمر سابق على الحدث لكي يمكن بناء الحكم عليه، ويسمى ذلك تقديراً على خلاف التحقيق؛ لأن التحقيق لو اعتمد ينافي ذلك التقدير. ومن ذلك: (إعطاء المعدوم حكم الموجود والموجود حكم المعدوم) في القاعدة الآتية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
دية الخطأ تورث عن القتيل، ولا تستحق إلا بعد موته، وبعد موته لا يصلح لدخول شيء في ملكه، وإذا لم يدخل في ملكه لا ينتقل لورثته. لكن لما ثبت بالسنة أنها تورث عنه قُدِّر انتقالها إلى ملكه قبل موته ليصح توريثها لورثته.
ومنها: إذا تلف المبيع قبل القبض، فإن البيع ينفسخ بالتلف وينقلب الملك في العوضين إلى باذليهما، ولا يتصور انقلاب الملك بعد تلف المبيع؛ لأنه خرج عن أن يكون مملوكاً. فيقدر انقلابه إلى ملك البائع قبل تلفه. ويجب مؤونة تجهيزه ودفنه عليه إذا كان عبداً.
ومنها: إذا قال لغيره: أعتق عبدك عني بألف. فأعتقه. فإن المشتري
стр. 1366
يملكه ملكاً تقديريًّا قبيل عتقه ثم يعتق بعد ذلك.
وصور هذه المسألة كثيرة (١).
стр. 1367
القاعدة الخامسة والثمانون بعد المائة [التقدير بالتحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التقديرات بابها التوقف (١).
وفي لفظ: التقدير بالتحكم من غير دليل لا يسوغ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بأمور وأحكام تبطل العبادة وتفسدها، أو تسقط الفريضة أو تجوزها، ولكن هذه الأمور والأحكام لم يرد فيها حد منصوص عليه، فبعض الأئمة قدر فيها تقديرات اجتهادية أو اعتماداً على آثار لم تصح عند غيره، ومنهم مَن جعل العرف مرجعاً لهذه الأمور وحكماً فيها. ولأنه لم يرد عن الشارع فيها تقدير محدود رفض تلك التحديدات التي حددها الآخرون واعتبر أن التقدير مرده إلى الشارع الحكيم ولا يجوز بالاجتهاد، وما لم يرد فيه من الشارع تقدير فمرجعه إلى العرف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا انكشفت عورته في الصلاة (٢)، فما المقدار الذي تبطل به الصلاة؟
عند أبي حنيفة ﵀ قدَّره بأقل من ربع العضو إذا كان من العورة غير المغلظة وبمقدار الدرهم في العورة المغلظة، وإن كان أكثر من ذلك بطلت صلاته.
ولكن الحنابلة خالفوا في ذلك، قال فى المغني: إن حد الكثير ما فَحُش
стр. 1368
في النظر، واليسير ما لم يفحش ولا فرق بين العورة المغلظة وغيرها. وما لم يرد الشرع بتقديره فمرجعه إلى العرف كالكثير من العمل في الصلاة، والتفرق عن مجلس العقد، والأحراز، (والتقدير بالتحكم من غير دليل لا يسوغ).
стр. 1369
القاعدة السادسة والثمانون بعد المائة [تقدير الموجود معدوماً والعكس]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تقدير الموجود في حكم المعدوم وتقدير المعدوم في حكم الموجود (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعدوم: ما ليس موجوداً تحقيقاً، ولكن لصحة بعض الأحكام الشرعية يجب تقدير ما ليس بموجود في حكم الموجود تحقيقاً ليصح بناء الحكم عليه، وكذلك تقدير الموجود في حكم المعدوم تحقيقاً ليصبح بناء الحكم عليه كذلك.
وهذه القاعدة وثيقة الصلة بقاعدة سبقت قريباً.
ثالثاً: أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجد المسافر الماء - وهو محتاج إليه لعطشه أو عطش رفيقه أو حيوان محترم، أو وجد ثمنه وهو محتاج إليه لنفقته ذهاباً وإياباً، أو لقضاء دَيْنه، أو كان ثمن الماء زائداً على ثمن مثله، فإن الماء في كل هذه الحالات وأشباهها يقدر كالمعدوم فيتيمم.
ومنها: وجود المكفَّر الرقبة وهو محتاج إليها أو إلى ثمنها، فيقدرها معدومة وينتقل إلى البدل. هذان مثالا تقدير الموجود معدوماً.
стр. 1370
وأما تقدير المعدوم موجوداً فمن أمثلته:
الديون فإنها تقدر موجودة في الذمم بلا تحقق لها ولا لمحلها، ويدل على تقديرها وجوب الزكاة فيها، فلو لم نقدر وجودها لما وجبت الزكاة في معدوم.
ومنها: المنافع في الإجارة معدومة فإن قوبلت بمنفعة مثلها كانت مقابلة معدوم بمثله، ولكنها - أي المنافع - تقدر موجودة لتستحق الأجرة.
ومنها: إيمان أطفال المسلمين يقدر موجوداً حتى لا يحل استرقاقهم، بخلاف أطفال الكفار الذين يتقدر كفرهم فيجوز استرقاقهم.