стр. 1366
← Каваид фикха следующие страницы →
Каваид фикха · id 14596
موسوعة القواعد الفقهية
محمد صدقي آل بورنو
Полный текст (5 326 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1367
القاعدة الخامسة والثمانون بعد المائة [التقدير بالتحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التقديرات بابها التوقف (١).
وفي لفظ: التقدير بالتحكم من غير دليل لا يسوغ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بأمور وأحكام تبطل العبادة وتفسدها، أو تسقط الفريضة أو تجوزها، ولكن هذه الأمور والأحكام لم يرد فيها حد منصوص عليه، فبعض الأئمة قدر فيها تقديرات اجتهادية أو اعتماداً على آثار لم تصح عند غيره، ومنهم مَن جعل العرف مرجعاً لهذه الأمور وحكماً فيها. ولأنه لم يرد عن الشارع فيها تقدير محدود رفض تلك التحديدات التي حددها الآخرون واعتبر أن التقدير مرده إلى الشارع الحكيم ولا يجوز بالاجتهاد، وما لم يرد فيه من الشارع تقدير فمرجعه إلى العرف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا انكشفت عورته في الصلاة (٢)، فما المقدار الذي تبطل به الصلاة؟
عند أبي حنيفة ﵀ قدَّره بأقل من ربع العضو إذا كان من العورة غير المغلظة وبمقدار الدرهم في العورة المغلظة، وإن كان أكثر من ذلك بطلت صلاته.
ولكن الحنابلة خالفوا في ذلك، قال فى المغني: إن حد الكثير ما فَحُش
стр. 1368
في النظر، واليسير ما لم يفحش ولا فرق بين العورة المغلظة وغيرها. وما لم يرد الشرع بتقديره فمرجعه إلى العرف كالكثير من العمل في الصلاة، والتفرق عن مجلس العقد، والأحراز، (والتقدير بالتحكم من غير دليل لا يسوغ).
стр. 1369
القاعدة السادسة والثمانون بعد المائة [تقدير الموجود معدوماً والعكس]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تقدير الموجود في حكم المعدوم وتقدير المعدوم في حكم الموجود (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعدوم: ما ليس موجوداً تحقيقاً، ولكن لصحة بعض الأحكام الشرعية يجب تقدير ما ليس بموجود في حكم الموجود تحقيقاً ليصح بناء الحكم عليه، وكذلك تقدير الموجود في حكم المعدوم تحقيقاً ليصبح بناء الحكم عليه كذلك.
وهذه القاعدة وثيقة الصلة بقاعدة سبقت قريباً.
ثالثاً: أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجد المسافر الماء - وهو محتاج إليه لعطشه أو عطش رفيقه أو حيوان محترم، أو وجد ثمنه وهو محتاج إليه لنفقته ذهاباً وإياباً، أو لقضاء دَيْنه، أو كان ثمن الماء زائداً على ثمن مثله، فإن الماء في كل هذه الحالات وأشباهها يقدر كالمعدوم فيتيمم.
ومنها: وجود المكفَّر الرقبة وهو محتاج إليها أو إلى ثمنها، فيقدرها معدومة وينتقل إلى البدل. هذان مثالا تقدير الموجود معدوماً.
стр. 1370
وأما تقدير المعدوم موجوداً فمن أمثلته:
الديون فإنها تقدر موجودة في الذمم بلا تحقق لها ولا لمحلها، ويدل على تقديرها وجوب الزكاة فيها، فلو لم نقدر وجودها لما وجبت الزكاة في معدوم.
ومنها: المنافع في الإجارة معدومة فإن قوبلت بمنفعة مثلها كانت مقابلة معدوم بمثله، ولكنها - أي المنافع - تقدر موجودة لتستحق الأجرة.
ومنها: إيمان أطفال المسلمين يقدر موجوداً حتى لا يحل استرقاقهم، بخلاف أطفال الكفار الذين يتقدر كفرهم فيجوز استرقاقهم.
стр. 1371
القاعدة السابعة والثمانون بعد المائة [تقديم الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تقديم الحكم على شرطه هل يجزئ ويلزم أم لا (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحكم في اللغة: المنع والقضاء.
وفي الاصطلاح: هو خطاب الله المفيد فائدة شرعية (٢).
والشرط في اللغة: العلامة.
وفي الاصطلاح: الوصف الظاهر المنضبط الذي يلزم من عدمه عدم الحكم ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه لذاته. كالطهارة للصلاة. وقيل: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده (٣). وهو شرط الصحة، لا شرط وجوب الأداء.
الأصل: تقدم الشروط على مشروطاتها كالطهارة مقدمة على الصلاة فلا يجوز بحال تقدم الصلاة على الطهارة، ولكن ما تعنيه القاعدة يتعلق ببعض الأحكام التي يمكن أن تتقدم على شرطها، والمقصود به شرط وجوب الأداء لا شرط الصحة (٤).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شرط وجوب إخراج الزكاة وأدائها تمام الحول، فإذا أخرج الزكاة قبل
стр. 1372
تمام الحول مع وجود النصاب فهل تجزئه: قولان عند المالكية.
ومنها: الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث، فيها اختلاف بين الأئمة.
ومنها: إسقاط الشفعة قبل البيع.
ومنها: إيقاع القصاص قبل موت المقتول.
стр. 1373
القاعدة الثامنة والثمانون بعد المائة [تقرر البدل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
تقرر البدل بتسليم ما باعتباره يجوز العقد (١).
وفي لفظ: البدل في عقود المعاوضات يتقرر بتسليم من له البدل لا باستيفاء مَن عليه.
هذه القاعدة سبقت في قواعد حرف الباء تحت رقم ١٥.
стр. 1374
القاعدة التاسعة والثمانون بعد المائة [تقرر الوجوب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تقرر الوجوب باعتبار آخر الوقت (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
معنى تقرر الوجوب ثبوته وتيقنه، من قَرَّ الماء في الحوض إذا ثبت وسكن واستقر.
فعند الحنفية إن ثبوت الواجب الموسع وتقرره في الذمة إنما يتقرر ويثبت باعتبار آخر الوقت، فالصلاة يتقرر وجوبها في آخر وقتها - أي إذا لم يبق من وقتها إلا ما يسعها ولا يسع غيرها من جنسها - وهو المسمى بوقت الضرورة أو الوقت المضيق.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا سافر إنسان قبل مضي وقت الظهر - ولم يصل وهو مقيم - صلى ركعتين.
وأما إذا كان مسافراً ثم أقام قبل مضي الوقت وانقضائه صلى أربعاً. وهذا عند الجميع.
стр. 1375
القاعدة التسعون بعد المائة [التقرير على الظلم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التقرير على الظلم مع إمكان المنع منه حرام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الظلم ظلمات يوم القيامة. والظلم بأنواعه حرام. والرضا بالظلم وإقراره والسكوت عليه مع إمكان المنع منه ورده وإزالته حرام أيضاً؛ لأن الساكت عن الظلم مع القدرة على منع الظالم من ظلمه أو القدرة على إزالته هو شريك للظالم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا صالح الإمام حاكم أرض أو بلد على أن يكون ذمة للمسلمين على أن يُترك يحكم في أهل بلده بما شاء من قتل أو صلب أو استرقاق أو يبيح الزنا واللواط والفواحش أو غير ذلك مما لا يصلح في دار الإِسلام، لم يُجَب إلى ذلك؛ لأن هذا من الظلم؛ ولأن التقرير على الظلم مع إمكان المنع منه حرام؛ ولأن الذمي من يلتزم أحكام الإِسلام فيما يرجع إلى المعاملات والأخلاق والمنهيات، فشرطه بخلاف موجب العقد باطل كما لو أسلم بشرط أن يرتكب بعض الفواحش كان الشرط باطلاً.
ومنها: إذا عُلم أن موظفاً في بعض مصالح المسلمين يرتشي أو يغش أو يعطل مصالح الناس وأُخبر المسؤول عن ذلك فلم يردعه - وهو قادر على منعه - كان ذلك إعانة له على الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل وكان تقريراً على ظلم يقدرعلى منعه فلم يمنعه.
стр. 1376
القاعدة الحادية والتسعون بعد المائة [التقرير على المعصية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التقرير على المعصية معصية (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى سابقتها فإن الرضا بالمعصية والسكوت عليها مع إمكان إزالتها يعتبر معصية أيضاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ما ذكرناه سابقاً إذا كان موظف يرتشي ولا ينجز معاملات الناس إلا لمن يدفعون له، ورضي بذلك المسؤولون عنه القادرون على منعه فهم عصاة مثله، فإن الرشوة معصية كبيرة من الكبائر.
ومنها: إذا عُلم أن رجلاً يدخل على امرأة ليست ذات زوج وهو ليس محرماً من محارمها وعلم منه ارتكاب الفاحشة، وسكت عليه القادر على منعه فهم عصاة ومشتركون معه في جريمته.
ومنها: إذا اشترى عقاراً شراءً فاسداً فلا شفعة فيه؛ لأن وجوب الشفعة يعتمد انقطاع حق البائع، والبيع الفاسد لم يقطع حق البائع من المبيع؛ ولأن في إثبات حق الأخذ للشفيع تقرير للبيع الفاسد وهو معصية.
стр. 1377
القاعدة الثانية والتسعون بعد المائة [التقييد بالعرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التقييد الثابت بالعرف - في الوكالة وغيرها - كالثابت بالنص (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة العادة محكمة - وقد سبق لها مثيل - وهي وإن كانت واردة في الوكالة بخصوصها لكن معناها عام في كل معاملة قيِّدت بالعرف.
فإن التقييد بالعرف كالتقييد بالنص.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وكَّل وكيلاً بشراء أضحية فإنه يتقيد بأيام الأضحية من السنة الأولى.
ومنها: إذا وكل رب الأرض وكيلاً وأمره أن يدفع الأرض مزارعة - ولم يسمِّ سنة ولا غيرها - جاز للوكيل أن يدفعها مزارعة سنته الأولى، فإن دفعها أكثر من ذلك أو بعد هذه السنة - ولم يدفع هذه السنة - يجوز في القياس؛ لأن التوكيل مطلق عن الوقت، ففي أي سنة دفعها وفي أي مدة لم يكن فعله مخالفاً لما أمره الموكِّل به فجاز كالوكيل بإجارة الدور والرقيق، ولكنهم قالوا: لا يجوز استحساناً؛ لأن دفع الأرض مزارعة يكون في وقت مخصوص من السنة عادة وعرفاً، (والتقييد الثابت بالعرف في الوكالة كالتقييد بالنص).
стр. 1378
القاعدة الثالثة والتسعون بعد المائة [التقييد المفيد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
التقييد الذي ليس بمفيد لا يكون معتبراً (١).
وفي لفظ: التقييد متى كان مفيداً فهو معتبر (٢).
وفي لفظ: التقييد إذا كان فيه غرض صحيح يجب اعتباره (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه ثلاث قواعد اثنتان منهما متفقتان والثالثة مقابلة لهما، فالأولى هنا هي المقابلة للاثنتين الأخريين، ومفادها أن التقييد بالشرط إذا كان هذا الشرط أو القيد ليس مفيداً لأحد العاقدين فهو قيد باطل غير معتبر.
ومفاد الأُخرَيين: أن التقييد إذا تضمن فائدة أو كان فيه غرض صحيح لأحد العاقدين أو كليهما فيجب اعتباره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استعار أحد دابة آخر ليحمل عليها متاعاً أو طعاماً خاصًّا إلى مكان معلوم، فحمل عليها شريك له أو وكيل نفس العمل فلا ضمان عليه لو عطبت الدابة؛ لأن الضرر على الدابة لا يختلف يحمل المثل أو اختلاف الشخص؛ لأن فعل كل واحد منهما كصاحبه، فلا فائدة في التقييد بأن الحمل لفلان دون فلان.
ومن أمثلة القاعدتين الأخريين:
стр. 1379
إذا استأجر شخص بيتاً من آخر واشترط عليه صاحب البيت أن لا يوقد فيه ناراً أو لا يزعج بدقه جاراً، فهذا شرط صحيح، وليس للمستأجر أن يوقد فيه أو يفعل فعلاً يزعج جيرانه؛ لأن هذا استثناه صاحبه بالشرط، (والتقييد المفيد معتبر).
ومنها: إذا حلف أن لا يعطيه ماله عليه درهماً أو ريالاً أو ديناراً فما فوقه، ثم أعطاه حقه كله دنانير وهو إنما حلف على الريالات خاصة - مثلاً - لم يحنث لأنه صرح في يمينه بالدراهم ولا بد من اعتبار ما صرح به خصوصاً إذا تأيد ذلك بنيته، ولأن الإنسان قد يمتنع من إعطاء الدراهم أو الريالات ولا يمتنع عن إعطاء الدنانير أو الجنيهات لما له من المقصود، والتقييد إذا كان فيه غرض صحيح يجب اعتباره.
ومنها: إذا باع سيارة أو أرضاً واشترط الثمن نقداً بعينه أو أن يدفع له المشتري الثمن في بلد بعينه، يجب على المشتري الوفاء بهذا الشرط والقيد؛ لأن للبائع فيه غرض صحيح وهو تقييد مفيد له فيجب اعتباره.
стр. 1380
القاعدة الرابعة والتسعون بعد المائة [تقييد المطلق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تقييد المطلق لا يجوز إلا بدليل (١). أصولية فقهية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى الإطلاق والتقييد، فالإطلاق ينافي التقييد، فإذا ادعى أحد أن لفظاً مطلقاً قُيِّد بقيد ما، فعليه الدليل لإثبات دعواه، وإلا لا يجوز ادعاء تقييد الإطلاق بغير دليل؛ لأن حكم المطلق غير حكم المقيد فكأن مدعي القيد يريد حكماً آخر غير حكم المطلق.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وكل شخص آخر في شراء غنم له، فاشترى له ماعزاً، فقال: إنما أردت الضأن. فلا يقبل قوله؛ لأنه أطلق في وكالته لفظ الغنم، والغنم يشمل الضأن والماعز، ولا يقبل ادعاؤه التقييد إلا بدليل، كأن يعرف عنه أنه لا يشتري من الغنم إلا الضأن، ولم يسبق له أن اشترى ماعزاً والوكيل يعلم بذلك.
ومنها: إذا صالح المسلمون أعداءهم على مائة رأس ولم يسموا ذكوراً ولا إناثاً وجب القبول منهم بما جاءوا به ذكور أو إناث أو مختلطين لإطلاق التسمية عند الإيجاب.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢). مطلقة عن قيد الذكورية أو الأنوثية، فإن التكفير يحصل بتحرير أي رقبة ذكراً كانت أو أنثى لهذا المعنى.
стр. 1381
القاعدة الخامسة والتسعون بعد المائة [تكثير الفائدة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تكثير الفائدة مما يرجح المصير إليه (١). فقهية أصولية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا تعارض أمران أحدهما أكثر فائدة من الآخر ترجح الأمر الأكثر فائدة ووجب المصير إليه واعتباره دون الأقل فائدة منه، وهذا من أدلة الشافعية على أن التخصيص بالصفة ينفي الحكم عما لم توجد فيه تلك الصفة، وهذا خلاف رأي الحنفية القائلين بان تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفيه عما عداه.
والتخصيص بالصفة عند الحنفية هو مفهوم المخالفة عند غيرهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يستدل على دلالة تخصيص الشيء بالصفة على نفي الحكم عما لا يوجد فيه ذلك الوصف بأن الحمل على إثبات المذكور ونفي غيره أكثر فائدة من إثبات المذكور وحده، (وتكثير الفائدة مما يرجح المصير إليه) لكونه ملائماً لغرض العقلاء.
فمثلاً في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) بناء على القول بتخصيص الصفة ومفهوم المخالفة تفيد فائدتين: الأولى جواز نكاح الأمة المؤمنة لمن لا يستطيع نكاح حرة، والفائدة الثانية: عدم جواز
стр. 1382
نكاح الأمة غير المؤمنة، وإذا كان نكاح الأمة يعتبر ضرورة عند خشية الوقوع في الزنا وعدم القدرة على زواج الحرة، فإن (الضرورة تقدر بقدرها)، فالضرورة تندفع بزواج الأمة المسلمة. فنكاح الأمة غير المسلمة يكون زيادة على حد الضرورة. وهذا على مذهب غير الحنفية، وأما عند الحنفية فيجيزون نكاح الأمة غير المؤمنة؛ لأن التخصيص بالصفة لا ينفي الحكم عما عداه، والأول أولى لأن فيه تكثير الفائدة.
стр. 1383
القاعدة السادسة والتسعون بعد المائة [تكذيب المُقَرِّ له]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تكذيب المُقَرِّ له المقِرَّ في بعض مما أقر لا يمنع صحة الإقرار فيما بقي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل أن المُقِرَّ يعامل ويؤخذ بما أقرَّ به، وقد سبق ذلك في قواعد الإقرار في القسم الأول من هذه الموسوعة، ولكن إذا كذَّب المُقَرُّ له المُقِرَّ في بعض ما أقرَّ به هل يعتبر ذلك تكذيباً للمُقِرِّ في كل ما أقرَّ به؟ أو يكون الإقرار صحيحاً فيما بقي؟
تفيد هذه القاعدة أن هذا الإقرار الذي كذَّب المُقرُّ له المُقِرَّ في بعضه يكون صحيحاً في الباقي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقر إنسان لآخر بألف دينار، فقال الآخر: بل هي خمسمائة. فإن الإقرار صحيح بالخمسمائة فقط لا بالألف.
стр. 1384
القاعدة السابعة والتسعون بعد المائة [التكليف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التكليف بحسب الوسع (١).
وفي لفظ: التكليف ثابت بقدر الوسع (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التكليف لغة: من الفعل كلَّف يكلِّف وهو الأمر بما يشق، وتكلف الشيء تجشمه وتحمله بمشقة، والتكليف: تحمل المشاق.
ومنه قول الخنساء تماضر بنت الشريك السلمية رضى الله عنها ترثي أخاها صخراً:
يكلِّفه القوم ما نابهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
والتكليف في الشرع: الخطاب بأمر أو نهي، أو إلزام مقتضى خطاب الشرع (٣).
والمعلوم من الشرع أن التكليف بحسب الوسع أي طاقة الإنسان وقدرته فالله لم يكلفنا بما يشق علينا ويعسر علينا فعله، قال ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤). والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
التكاليف الشرعية كلها من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد وغيرها إنما
стр. 1385
يكون فعلها والأمر بها بالقدرة الميسرة للعبد، وإذا شق أمر على المكلف ولم يمكنه فعله بسبب مرض أو سفر أو غير ذلك من الأعذار انتقل الأمر إلى القدرة الممكنة والرخصة.
فمن لم يجد الماء أو لم يستطع استعماله لبرد أو مرض تيمم.
ومن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً أو مضطجعاً أو على جنب أو يومئ إيماءً وهكذا، (والدين يسر وما شاد الدين أحد إلا غلبه).
стр. 1386
القاعدة الثامنة والتسعون بعد المائة [التمادى على ترك سنة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التمادي على ترك سنة قطعية من غير عذر يوجب الأدب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التمادي: معناه الاستمرار.
والسنة: ما ورد عن رسول الله ﷺ فعله وحث على فعله من غير الفرائض كالسنن الرواتب والوتر.
وفعل السنن والمندوبات مطلوب قطعاً لعدة أسباب: منها تكثير الثواب. فالمسلم حريص دائماً على الإكثار من الحسنات. ومنها: طاعة الرسول ﷺ واتباعه فيما كان يحرص عليه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢). ومنها: أن الحرص على فعل السنن والمندوبات دليل على أن المسلم أشد حرصاً على فعل المفروضات والواجبات.
ومنها: إن ترك السنن القطعية قد يكون مقدمة لترك الواجبات والفرائض.
ومنها: أن ترك السنن القطعية من غير عذر قد يكون دليلاً على عدم حب التارك لرسول الله ﷺ ويكون دليلاً على الاستهتار والإهمال لما كان يفعله الرسول ﷺ ويحرص عليه، ولذلك كان التارك لها مستحقًّا للتعزير
стр. 1387
والأدب، وإن فُهِم من التارك الاستخفاف بحق هذه السنن من غير رد لها حبس لفعلها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوتر: قيل بوجوبه، وقيل: إنه سنة مؤكدة. فتاركه يؤدب ويُجرَّح ولا تقبل شهادته وإذا تمالأ جمع على تركه يقاتلون عليه.
стр. 1388
القاعدة التاسعة والتسعون بعد المائة [تمام الإحراز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تمام الإحراز يكون بما يظهر حسًّا في حق مَن يعتقد وفي حق مَن لا يعتقد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإحراز: التحصين من أحرز يحرز والمادة حرز وهو الموضع الحصين.
فمفاد القاعدة: أن الإحراز الكامل لما يملك الإنسان إنما يكون بما يظهر ويتضح حسًّا سواء في ذلك من يعتقد ومن لا يعتقد.
فوجوب ضمان ما استهلك إنما يعتمد على الإحراز والتملك والتقوم وذلك يكون بالدار لا بالدين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مسلمان في دار الحرب إما أسلما في دار الحرب وإما دخلاها مستأمنين، فأما إذا كانا أسلما في دار الحرب - فمالهما غير محرز - فإن استهلك أحدهما مال صاحبه فلا ضمان على المستهلك؛ لأنه لم يخضع لحكم الإِسلام في دار الإِسلام، ولكنه آثم. والمال المستهلك غير مضمون لأنه غير محرز ولا متقوم لوجوده في دار الحرب.
وأما إذا كانا مسلمين ودخلا دار الحرب مستأمنين وأحدهما استهلك مال صاحبه فهو ضامن بالاتفاق؛ لأن المسلم ملتزم بحكم الإِسلام حيثما يكون، ومال كل واحد منهما مال معصوم متقوم في حق صاحبه؛ لبقاء
стр. 1389
الإحراز فيه حكماً, ولهذا كان حالهما في دار الحرب كحالهما في دار الإِسلام.
وكذلك لو كانا ذميين ودخلا دار الحرب مستأمنين واستهلك أحدهما مال صاحبه فالحكم فيهما كذلك؛ لأن الإحراز والتقوم إنما يكون بالدار لا بالدين.
стр. 1390
القاعدة تمام المئتين [الاستصحاب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
التمسك بالاستصحاب يصلح للدفع لا للإثبات (١).
وفي لفظ: التمسك بالأصل يصلح حجة لإبقاء ما كان على ما كان (٢)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الاستصحاب في اللغة: من الصحبة ومعناها: الملازمة والمواءمة. قال ابن فارس: الصاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته وكل شيء لاءم شيئاً فقد استصحبه (٣). وقال في القاموس: استصحبه: دعاه إلى الصحبة ولازمه (٤).
وأما في اصطلاح الفقهاء: فإن الاستصحاب هو: لزوم حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك عند جريان العقد المملك وكشغل ذمة المتلف عند وقوع الإتلاف (٥).
والدفع: المراد به هنا: إبقاء ما كان على ما كان وعدم تغييره.
والإثبات: استحقاق ما لم يكن ثابتاً قبل.
فالاستصحاب عند الحنفية وآخرين إنما هو حجة لإبقاء ما كان على ما كان وليس حجة لإثبات وتحصيل ما لم يكن حاصلاً.
стр. 1391
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المفقود عند الحنفية لا يرث ولا يورث. فاستصحاب حياته يمنع ميراثه أن يقسم بين ورثته، ويمنع زوجته أن تبين منه، ويمنع أخذ وديعته من مودعه استصحاباً لحياته التي كانت متحققه حين فقده، فما لم يقم دليل على موته حقيقة أو يحكم بموته فهو حي حكماً.
ولكن لو مات من يرثه المفقود لا يرث منه؛ لأن حياته حين موت مورثه غير متيقنه، وشرط التوريث التيقن من حياة الوارث حين موت المورث.
ولكن عند غير الحنفية كالمالكية والشافعية الاستصحاب حجة للدفع وللاستحقاق، فالمفقود عندهم يرث ولا يورث. والحنابلة يوقفون نصيب المفقود لحين التيقن من حياته أو موته، فإذا لم نتيقن من حياته حين موت المورث يرد هذه النصيب إلى ورثة المورث الآخرين.
стр. 1392
القاعدة الواحدة بعد المئتين بعد المائة [التمسك بالأصل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التمسك بالأصل المعلوم واجب حتى يعلم غيره (١).
وفي لفظ: التمسك بما هو معلوم واجب حتى يتبين خلافه (٢). تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة معقولة المعنى من حيث إن ما كان ثابتاً ومعلوماً يجب التمسك به وبناء الأحكام عليه حش يعلم خلافه، وإذا لم يعلم خلافه لا يجوز العدول عنه. وهذه القاعدة لها صلة وثيقة بسابقتها؛ لأن التمسك بالأصل المعلوم هو الاستصحاب وإبقاء ما كان على ما كان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في المضاربة إذا أذن رب المال للمضارب بالشراء فقط فهو لا يملك البيع - فتكون المضاربة فاسدة - وإجارة فاسدة، ولكنها وكالة بالشراء، فيكون المشتري لرب المال وللمضارب أجر مثله، فإذا باع المضارب ما اشترى وأجاز رب المال البيع فإن كان المبيع قائماً نفذ بيعه؛ (لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء). وإن كان لا يدرى أن المبيع قائم أو هالك فالبيع نافذ أيضاً؛ (لأن التمسك بالأصل المعلوم) - وهو هنا بقاء المبيع سالماً غير هالك - (واجب حتى يعلم غيره).
стр. 1393
وأما إن كان المبيع هالكاً عند الإجازة فالإجازة باطلة وكان المضارب ضامناً للقيمة يوم باعه والثمن له يتصدق بالفضل إذا كان فيه؛ لأنه ملكه بملك خبيث كالمودعَ يتصرف بالوديعة فيربح فيها.
ومنها: إذا تطهر وشك في الحدث فهو متطهر.
ومنها: إذا مات الأمين وعند وديعة لم يبينها - أي مجهلاً لها - فالأمانة تصير ديناً في تركته عند الحنفية وصاحب الوديعة أسوة الغرماء في تركته؛ لأن الأمين بالتجهيل يصير مسلطاً غرماءه وورثته على أخذها، والأمين بمثل هذا التسليط يكون ضامناً، ويقدر قيام الوديعة وبقاؤها عند الموت؛ لأن الأصل المعلوم بقاؤها. والتمسك بما هو أصل معلوم واجب ما لم يتبين خلافه.
ومنها: إذا ثبت عقد نكاح صحيح بين رجل وامرأة فنحن نتمسك بهذا العقد الذي يفيد حل الاستمتاع بين الزوجين، ونسب الأولاد للزوج، والواجبات على الزوجين من نفقة وحضانة وغيرها، ولا يجوز لنا أن نحكم بالفرقة بينهما إلا بدليل واضح على الفرقة من طلاق أو خلع أو لعان أو غير ذلك من أنواع فرق النكاح؛ (لأن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله).
стр. 1394
القاعدة الثانية بعد المئتين [التمسك بالحقيقة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز (١). تحت قاعدة إعمال الكلام.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقيقة: أي الكلمة الحقيقة وهي اللفظ المستعمل في المعنى الذي وضع له في أصل اللغة، كلفظ الأسد للحيوان المفترس الزائر.
والمجاز: "هو اللفظ المستعمل في غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي". كاستعمال لفظ النور للإسلام أو للعلم.
فالمجاز فرع الحقيقة والحقيقة أصل المجاز، فالواجب على السامع أن يتمسك بالمعنى الأصلي للفظ المستعمل حتى تقوم قرينة ودليل على أن المتكلم إنما أراد بلفظه المجاز لا الحقيقة.
وقد سبقت قاعدة: (الأصل في الكلام الحقيقة) في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٣٦١.
ثالثاً: من أمثلة القاعدة ومسائلها:
إذا قال شخص لآخر: وهبتك هذه السيارة، فأخذها الموهوب له، ثم ادعى القائل أنه أراد بلفظ الهبة البيع مجازاً وطلب ثمناً. فلا يقبل قوله؛ (لأن التمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز)، ولا دليل هنا.
بخلاف ما لو قال: وهبتك هذه السيارة بعشرة آلاف، فإن ذكر العشرة
стр. 1395
الآلاف على سبيل العوضية دليل المجاز وأنه أراد بالهبة البيع فيحمل عليه.
ومنها: الحروف لها معان حقيقية ولا تحمل على المجاز إلا بقرينة، مثل: حرف أو وحرف على، فحرف أو من معانيه الحقيقية الدلالة على التخيير بين المتعاطفين بها، ومن ذلك قوله تعالى في كفارة قتل صيد الحرم ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا﴾ (١). فأو هنا للتخيير بين هذه الأشياء حقيقة. فعلى قاتل الصيد فعل أي ذلك شاء، خلافاً لمن قال: هي على التريتب وهو زفر من الحنفية. والتمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز (٢).
وكذلك حرف "على" يفيد الشرطية حقيقة؛ لأنه حرف التزام، فإذا صالح الإِمام أهل حصن على أن يؤمنهم ثلاث سنين على ثلاثة آلاف دينار، ثم بدا له بعد مضي السنة أن ينبذ إليهم يلزمه رد جميع المال.
ولو كان الصلح بحرف الباء يلزمه رد ثلثي المال؛ لأن إعطاء الأمان ليس بعقد معاوضة. وحرف على للشرط وجعله بمنزلة الباء مجاز، ولا يصار للمجاز إذا أمكن العمل بالحقيقة؛ لأنها هي الأصل (٣).
стр. 1396
القاعدة الثالثة بعد المائتين [التمسك بالعزيمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التمسك بالعزيمة أولى من الترخص بالرخصة (١)
ثانياً: معنى هذه القاعده ومدلولها:
العزيمة لغة: من العزم وهو إرادة الفعل والقطع عليه، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ (٢) أي صريمة أمر (٣).
والرخصة: من رخص إذا سهل ولان. يقال: رخص السعر، ويد رخصة، والرخصة السهولة (٤).
والعزيمة في اصطلاح الأصوليين والفقهاء: "اسم لما هو أصل من الأحكام غير متعلق بالعوارض" (٥) أو هي: "ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى".
والرخصة في اصطلاح الفقهاء "هي الأحكام التي ثبتت مشروعيتها بناء على الأعذار مع قيام الدليل المحرم توسعاً في الضيق" (٦) أو هي "ما وسع المكلف فعله بعذر مع قيام المحرم". أو هي: "استباحة المحظور مع قيام الحاظر" (٧) عند الأصوليين.
وعلى ذلك فإذا كانت العزيمة هي أصل الأحكام والرخصة استثناء منها
стр. 1397
بسبب قيام عذر مانع منها، فإن التمسك بالعزيمة عند القدرة عليها ولو مع مشقة يسيرة أولى من الإتيان بالرخصة ولو وجد عذرها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
صيام المسافر الذي لا يشق عليه الصيام أولى من فطره - عند الحنفية - بخلاف الشافعي الذي يرى أن الفطر أفضل، ومن حجج الحنفية الحديث: أن رسول الله ﷺ قال في المسافر يترخص بالفطر: "وإن صام فهو أفضل له" (١).
стр. 1398
القاعدة الرابعة بعد المائتين [التمكن من الأداء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التمكن من الأداء معتبر لتقرر الوجوب (١). عند الشافعي ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند الشافعي رحمه الله تعالى: إن قدرة المكلف وتمكنه من أداء ما كلِّف به في وقته المحدد له هو المعتبر لتقرر وثبوت الوجوب في حقه، ولا ينظر إن وجد مانع بعد ذلك بل عليه قضاء ما وجب في ذمته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حاضت امرأة بعد دخول الوقت - وقد مضى من الوقت مقدار ما يمكنها أن تصلي فيه - أو أدركت جزءاً من الوقت قبل الحيض كان يمكنها أداء الفرض فيه فعليها القضاء؛ لأن (التمكن من الأداء معتبر لتقرر الوجوب)، فإذا وجد فقد تقرر وجوب الصلاة عليها وثبت في ذمتها فلا تسقط الصلاة بعد ذلك بالحيض بل يجب عليها القضاء. والمسألة خلافية بين الفقهاء، والأرجح وجوب القضاء عليها في هذه المسألة (٢).
стр. 1399
القاعدة الخامسة بعد المائتين [التمكن من الانتفاع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التمكن من الانتفاع شرط لوجوب الأجر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
وجوب الأجرة على المستأجر إنما يثبت إذا تمكن المستأجر من الانتفاع بالشيء المستأجَر، وأما قبل تمكنه من الانتفاع فلا يجب عليه الأجر، فالتمكن من الانتفاع بالمستأجر والقدرة عليه شرط لوجوب الأجر على المستأجر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
استأجر بيتاً للسكنى أو محلاًّ للعمل فيه، ولم يسلم المؤجر البيت للمستأجر أو المحل له، أو كان فيهما أمتعة للمؤجر، فليس للمؤجر طلب الأجرة قبل تسليم البيت أو المحل خالياً. إلا إذا وجد شرط بوجوب تسليم قسط من الأجرة عند العقد ليستحق المستأجر تخلية البيت أو المحل وتسليمه له.
ومنها: إذا استأجر بيتاً فمنعه غاصب من السكنى فيه، أو استأجر أرضاً فغرقها الماء فلا يجب عليه الأجر لعدم تمكنه من الانتفاع بالمستأجر.
ومنها: استأجر سيارة لتنقُّله، فإذا هي معطلة فلا يستحق صاحبها الأجرة حتى يصلحها ويتمكن المستأجر من الانتفاع بها.
ومنها: إذا استأجر داراً فسلمها المؤجر للمستأجر إلا بيتاً مشغولاً بمتاع المؤجر فيرفع من الأجر بحساب ذلك؛ لأن الأجر إنما يجب باستيفاء
стр. 1400
المنفعة، فإنما يُلزم المستأجر بقدر ما استوفى (١)، إلا إذا كانت الإجارة مشروطة بإبقاء ذلك المتاع بذلك البيت.
стр. 1401
القاعدة السادسة بعد المائتين [التملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التملك المستند إلى سبب مستقر لا يمكن إبطاله وتأخر حصول الملك عنه، فهل تنعطف أحكام هذا التملك إلى أول وقت انعقاد السبب وتثبت حينئذ، أم لا تثبت إلا من حين ثبوت الملك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة مدلولها:
التملك: "هو القدرة على التصرف في المملوك، وهو قدرة يثبتها الشارع ابتداء على التصرف". وكل تملك لا بد أن يكون مستنداً إلى سبب مشروع، فإذا كان التملك مستنداً إلى سبب لا يمكن إبطاله كالعقد والشفعة والوصية والإرث، ثم تأخر حصول الملك عن سببه، وترتب على ذلك الملك أحكام. فهل هذه الأحكام تثبت من وقت انعقاد السبب أو لا تثبت إلا من حين ثبوت الملك؟
وجهان عند الحنابلة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أخذ الشفيع العقار المبدع بالشفعة وفيه نخل مؤبَّر - أي ملقَّح - ولم يكن وقت البيع مؤبراً فهل الطلع يملكه الشفيع، أو هو ملك لمن أبَّره؟ وجهان عند الحنابلة.
ومنها: ملك الموصى له إذا قَبِل بعد الموت فهل يثبت له الملك من حين الموت أم لا (٢)؟
стр. 1402
خلاف.
ومنها: إذا انعقد سبب الملك أو الضمان في الحياة وتحقق بعد الموت، كمن نصب شبكة ثم مات فوقع فيها صيد بعد موته، أو عشر بها إنسان فمات بعد موت صاحب الشبكة، فَلِمن الصيد، وعلى من الضمان؟ خلاف كذلك.
ومنها: إذا كاتب عبداً - ومات السيد - ولم يؤد إليه شيئاً، فأدى إلى ورثته وعتق، فهل الولاء للسيد الذي كاتب لانعقاد سببه في ملكه، أو للورثة المؤدى إليهم لتحقق السبب في ملكهم؟ روايتين، والمذهب أن الولاء للسيد الأول.
стр. 1403
القاعدة السابعة بعد المائتين [التمليك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التمليك تسليط على التصرف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تبين حكم التمليك - والمراد به هنا نقل ملكية الشيء إلى غيره - وهو أنه تسليط أي إعطاء السلطة والقدرة على التصرف في الشيء المملَّك إلى من ملَّكه إياه.
وأسباب التمليك كثيرة منها: المعاوضات المالية والأمهار - جمع مهر وهو صداق المرأة - ومال الخلع، والميراث والهبات والصدقات والوصايا والوقف والغنيمة، والاستيلاء على المباح والإحياء، وتملك اللقطة بشرطه، ودية القتيل يملكها أولاً ثم تنتقل إلى الورثة، ومنها الغرة - يقدر تمليكها للجنين فتورث عنه، والغاصب إذا فعل فعلاً في المغصوب أزال به اسمه وعظم منافعه ملكه، وإذا خلط المثلي بمثلي بحيث لا يتميز ملكه كخلط قمح بقمح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة مسائلها:
إذا اشترى شيئاً بعقد صحيح وقبضه ملَكَه، وحلَّ له الانتفاع به والتصرف فيه، وكذلك البائع بالثمن.
ومنها: إذا قبضت مهرها ملكته وأصبحت حرة التصرف فيه بكل وجوه التصرف المباحة.
ومنها: إذا اشترى جارية شراء فاسداً وقبضها ثم أعتقها أو باعها أو وهبها
стр. 1404
وسلمها للموهوب له، أو دبرها أو كاتبها أو استولدها جاز جميع ذلك؛ لأنه تصرف في ملكه، ولكن لما كان العقد فاسداً فلا يحل له وطؤها؛ لأن الوطء لا يباح بصريح التسليط فكذلك لا يستباح به دلالة. وإذا تعذر رد عينها بعد اكتشاف فساد العقد فيلزم المشتري رد قيمتها لا الثمن الذي اشتراها به؛ لأن الفاسد من العقود يلزم فيه القيمة مهما بلغت. وهذا بناء على قاعدة عند الحنفية وهي: (إن البيع الفاسد ينعقد موجباً للملك إذا اتصل به القبض) (١).
وقد خالف الشافعي ﵀ في هذه المسألة إذ يرى: أن العقد الفاسد لا ينعقد موجباً للملك، ويرى في هذه المسألة أن تصرفات المشتري شراءً فاسداً كلها باطلة وعليه فيبطل جميع تصرفه في الجارية وعليه ردها إلى البائع مع ضمان نقصانها إن نقصت، وإن استولدها فالولد حر للشبهة. واختلفوا في وجوب الحد على المشتري إذا وطئ الجارية في شراء فاسد (٢).
تعليق: سبب الخلاف أن الحنفية يفرقون بين الفساد والبطلان فالعقد الفاسد عندهم ما فقد شرطاً من شروط صحته وليس ركناً من أركانه، والباطل ما اختل فيه ركن من أركان البيع كبيع الميتة والخنزير والمجهول.
وأما عند الشافعية فالباطل والفاسد مترادفان ومعناهما واحد وهو العقد الذي لا يثمر المقصود منه سواء فقد شرطاً من شروط صحته أو ركناً من أركانه.
стр. 1405
القاعدة الثامنة بعد المائتين [تمليك الدين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
تمليك الدين من غير مَن عليه الدين لا يجوز (١).
وفي لفظ: تمليك الدين من غير مَن عليه الدين بعوض لا يجوز (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدَّين: مال في الذمة، أو هو: عبارة عن مال حكمي يحدث في الذمة ببيع أو استهلاك أو غيرهما (٣). وهو لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
ومفاد القاعدة: أن صاحب الدين إذا ملَّك دينه الثابت في ذمة المديون لغير مَن عليه الدين أنه لا يجوز سواء كان بعوض أم بغير عوض. والعلة في ذلك: عدم القدرة على التسليم؛ لأن شرط تمام عقد البيع أو التمليك التسليم من البائع والقبض من المشتري أو وكيلهما، وهذا غير ممكن هنا.
أما تمليك الدين ممن عليه الدين فجائز؛ لأنه إبراء في الحقيقة وإسقاط.
أما إذا سلط الدائن شخصاً على قبض دينه فيكون وكيلاً قابضاً للموكل ثم لنفسه، ومقتضاه صحة عزله عن التسليط قبل القبض.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
باع دينه من المديون بأن قال: بعتك الألف التي عليك بخمسمائة جاز ويكون صلحاً، إذا أعطاه الخمسمائة في المجلس.