القاعدة السادسة بعد المائتين [التملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التملك المستند إلى سبب مستقر لا يمكن إبطاله وتأخر حصول الملك عنه، فهل تنعطف أحكام هذا التملك إلى أول وقت انعقاد السبب وتثبت حينئذ، أم لا تثبت إلا من حين ثبوت الملك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة مدلولها:
التملك: "هو القدرة على التصرف في المملوك، وهو قدرة يثبتها الشارع ابتداء على التصرف". وكل تملك لا بد أن يكون مستنداً إلى سبب مشروع، فإذا كان التملك مستنداً إلى سبب لا يمكن إبطاله كالعقد والشفعة والوصية والإرث، ثم تأخر حصول الملك عن سببه، وترتب على ذلك الملك أحكام. فهل هذه الأحكام تثبت من وقت انعقاد السبب أو لا تثبت إلا من حين ثبوت الملك؟
وجهان عند الحنابلة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أخذ الشفيع العقار المبدع بالشفعة وفيه نخل مؤبَّر - أي ملقَّح - ولم يكن وقت البيع مؤبراً فهل الطلع يملكه الشفيع، أو هو ملك لمن أبَّره؟ وجهان عند الحنابلة.
ومنها: ملك الموصى له إذا قَبِل بعد الموت فهل يثبت له الملك من حين الموت أم لا (٢)؟
стр. 1402
خلاف.
ومنها: إذا انعقد سبب الملك أو الضمان في الحياة وتحقق بعد الموت، كمن نصب شبكة ثم مات فوقع فيها صيد بعد موته، أو عشر بها إنسان فمات بعد موت صاحب الشبكة، فَلِمن الصيد، وعلى من الضمان؟ خلاف كذلك.
ومنها: إذا كاتب عبداً - ومات السيد - ولم يؤد إليه شيئاً، فأدى إلى ورثته وعتق، فهل الولاء للسيد الذي كاتب لانعقاد سببه في ملكه، أو للورثة المؤدى إليهم لتحقق السبب في ملكهم؟ روايتين، والمذهب أن الولاء للسيد الأول.
стр. 1403
القاعدة السابعة بعد المائتين [التمليك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التمليك تسليط على التصرف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تبين حكم التمليك - والمراد به هنا نقل ملكية الشيء إلى غيره - وهو أنه تسليط أي إعطاء السلطة والقدرة على التصرف في الشيء المملَّك إلى من ملَّكه إياه.
وأسباب التمليك كثيرة منها: المعاوضات المالية والأمهار - جمع مهر وهو صداق المرأة - ومال الخلع، والميراث والهبات والصدقات والوصايا والوقف والغنيمة، والاستيلاء على المباح والإحياء، وتملك اللقطة بشرطه، ودية القتيل يملكها أولاً ثم تنتقل إلى الورثة، ومنها الغرة - يقدر تمليكها للجنين فتورث عنه، والغاصب إذا فعل فعلاً في المغصوب أزال به اسمه وعظم منافعه ملكه، وإذا خلط المثلي بمثلي بحيث لا يتميز ملكه كخلط قمح بقمح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة مسائلها:
إذا اشترى شيئاً بعقد صحيح وقبضه ملَكَه، وحلَّ له الانتفاع به والتصرف فيه، وكذلك البائع بالثمن.
ومنها: إذا قبضت مهرها ملكته وأصبحت حرة التصرف فيه بكل وجوه التصرف المباحة.
ومنها: إذا اشترى جارية شراء فاسداً وقبضها ثم أعتقها أو باعها أو وهبها
стр. 1404
وسلمها للموهوب له، أو دبرها أو كاتبها أو استولدها جاز جميع ذلك؛ لأنه تصرف في ملكه، ولكن لما كان العقد فاسداً فلا يحل له وطؤها؛ لأن الوطء لا يباح بصريح التسليط فكذلك لا يستباح به دلالة. وإذا تعذر رد عينها بعد اكتشاف فساد العقد فيلزم المشتري رد قيمتها لا الثمن الذي اشتراها به؛ لأن الفاسد من العقود يلزم فيه القيمة مهما بلغت. وهذا بناء على قاعدة عند الحنفية وهي: (إن البيع الفاسد ينعقد موجباً للملك إذا اتصل به القبض) (١).
وقد خالف الشافعي ﵀ في هذه المسألة إذ يرى: أن العقد الفاسد لا ينعقد موجباً للملك، ويرى في هذه المسألة أن تصرفات المشتري شراءً فاسداً كلها باطلة وعليه فيبطل جميع تصرفه في الجارية وعليه ردها إلى البائع مع ضمان نقصانها إن نقصت، وإن استولدها فالولد حر للشبهة. واختلفوا في وجوب الحد على المشتري إذا وطئ الجارية في شراء فاسد (٢).
تعليق: سبب الخلاف أن الحنفية يفرقون بين الفساد والبطلان فالعقد الفاسد عندهم ما فقد شرطاً من شروط صحته وليس ركناً من أركانه، والباطل ما اختل فيه ركن من أركان البيع كبيع الميتة والخنزير والمجهول.
وأما عند الشافعية فالباطل والفاسد مترادفان ومعناهما واحد وهو العقد الذي لا يثمر المقصود منه سواء فقد شرطاً من شروط صحته أو ركناً من أركانه.
стр. 1405
القاعدة الثامنة بعد المائتين [تمليك الدين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
تمليك الدين من غير مَن عليه الدين لا يجوز (١).
وفي لفظ: تمليك الدين من غير مَن عليه الدين بعوض لا يجوز (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدَّين: مال في الذمة، أو هو: عبارة عن مال حكمي يحدث في الذمة ببيع أو استهلاك أو غيرهما (٣). وهو لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
ومفاد القاعدة: أن صاحب الدين إذا ملَّك دينه الثابت في ذمة المديون لغير مَن عليه الدين أنه لا يجوز سواء كان بعوض أم بغير عوض. والعلة في ذلك: عدم القدرة على التسليم؛ لأن شرط تمام عقد البيع أو التمليك التسليم من البائع والقبض من المشتري أو وكيلهما، وهذا غير ممكن هنا.
أما تمليك الدين ممن عليه الدين فجائز؛ لأنه إبراء في الحقيقة وإسقاط.
أما إذا سلط الدائن شخصاً على قبض دينه فيكون وكيلاً قابضاً للموكل ثم لنفسه، ومقتضاه صحة عزله عن التسليط قبل القبض.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
باع دينه من المديون بأن قال: بعتك الألف التي عليك بخمسمائة جاز ويكون صلحاً، إذا أعطاه الخمسمائة في المجلس.
стр. 1406
ومنها: إذا تصدق بالدين الذي على بكر على زيد بنية الزكاة وأمره بقبضه جاز وأجزأه ذلك، فكأنه وكَّله عن نفسه بقبضه ثم يقبض لنفسه.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
الحوالة وهي صحيحة، مع أنها تمليك الدين لغير من عليه الدين.
ومنها: الوصية بالدَّين لغير من هو عليه، فإنها جائزة (١).
стр. 1407
القاعدة التاسعة بعد المائتين [تمليك المجهول]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التمليك من المجهول لا يصح - باطل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة مدلولها:
سبق معنى التمليك وأنه تسليط على التصرف، ولكن للتمليك شروط منها: أن يكون الشيء المُمَلَّك معلوماً؛ لأنه يترتب على التمليك أحكام بأسبابه، والمملَّك له معلوماً كذلك؛ لأنه إذا كان المملَّك له مجهولاً فعلى مَن تترتب هذه الأحكام، ولهذا فالتمليك للمجهول من المجهول غير المعلوم باطل لا يصح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا نُثِر في العرس جوز أو لوز أو دنانير أو دراهم، فعند أبي حنيفة ﵀ يجوز للناس الالتقاط وأخذ ذلك إذا أذن أهله فيه.
ولكن عند ابن أبي ليلى لا يجوز، وكان يكره نثر ذلك وأن يؤخذ منه شيء. قال: هذا تمليك من مجهول، (والتمليك من المجهول باطل)؛ وإذا بطل التمليك كان النثر تضييعاً للمال.
ومنها: إذا باع لغير معيَّن كما لو قال: بعت هذه السيارة لأحدكم. فلا يصح لجهالة المشتري.
ومنها: ورود عقد النكاح على اسم لا يتميز مسماه، لا يصح. كما لو قال: زوجتك بنتي وله بنات.
ومنها: مال من لا يعلم له وارث فإنه يوضع في بيت المال كالضائع، مع
стр. 1408
أنه لا يخلو إنسان من بني عم أعلى، فمن كان أسبق إلى الاجتماع مع الميت في أب من آبائه فهو عصبة، ولكنه مجهول، فلم يثبت له حكم وجاز صرف ماله في المصالح (١).
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
الهبة للجنين مع أنه مجهول، لكن جازت الهبة والوصية له، كما جاز توريثه.
стр. 1409
القاعدة العاشرة بعد المائتين [تمليك المعدوم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تمليك المعدوم والإباحة له (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة مدلولها:
هذه القاعدة لها ارتباط بسابقتها، فكلاهما موضوعها تمليكٌ لما لا يعلم، سواء أكان مجهولاً أم معدوماً، وإذا كان تمليك المجهول لا يصح مع إمكان معرفته فالمعدوم أولى بعدم الصحة مع استحالة معرفته؛ لأن المجهول موجود ولكن جهلت عينه، والمعدوم غير موجود أصلاً.
والمعدوم نوعان: أحدهما يكون بطريق الأصاله، فالمشهور عند الحنابلة أنه لا يصح تمليكه ولا الإباحة له، والثاني: يكون بطريق التبعية فيصح في الو قف والإجازة وهذا إذا صرح بدخول المعدوم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أوقف على مَن سيولد له. قالوا: لا يصح؛ لأنه وقف على مَن لا يملك في الحال، كما لو وقف على عبد. وهذا لم يصح لأنه معدوم أصالة.
ومنها: بعت هذه الدار لولد ولد هذا. فلا يصح كذلك لأنه معدوم ولا يملك في الحال.
ومن صور الثانية: إذا أوقف على ولده وولد ولده أبداً أو ولده ومن سيولد له. صح بغير إشكال؛ لأن المعدوم هنا جاء بطريق التبعية لا الأصالة.
ومنها: أجاز الشيخ لفلان ولمن يولد له. فإنها تصح.
стр. 1410
القاعدة الحادية عشرة بعد المائتين [التمليك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التمليك يقتضي اختصاصاً بالمحل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تمليك الشيء من غيره يستلزم أن يكون محل التمليك والشيء المراد تمليكه خاصًّا بالمملَّك وملكاً خالصاً له؛ لأنه لو لم يكن خاصًّا بالمملِّك لا يجوز له تمليك غيره، وبالتالي يكون العقد باطلاً.
وقد عرَّف بعضهم الملك بأنه: "الاختصاص الحاجز وأنه حكم الاستيلاء" (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجلان يمتلكان أرضاً أو سيارة، فإذا باع أحدهما الأرض أو السيارة دون علم شريكه لا يتم البيع ويكون العقد باطلاً؛ لأن البائع لا يختص بمحل البيع حيث إن له فيه شريكاً ولم يأمره بالبيع؛ ولأن شرط انعقاد البيع أن يكون المبيع مملوكاً للبائع عند البيع (٣)، على وجه الكمال أو يكون وكيلاً عن المالك.
ومنها: باع رجل سيارته أو أرضه أو متاعه الذي لا يشاركه فيه غيره من آخر بثمن معلوم جاز البيع وصح؛ لاختصاص البائع بملك المحل.
стр. 1411
القاعدة الثانية عشرة بعد المائتين [التناقض المتحقق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التناقض يتحقق إذا تعذر على المتكلم الجمع بين الكلامين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعده ومدلولها:
التناقض لغة: تفاعل من النقض وهو النكث والهدم والإبطال والحل.
وتناقض الكلامان: تدافعا كأن كل واحد منهما نقض الآخر - أي هدمه وأبطله.
وفي كلامه تناقض: إذا كان بعضه يقتضي إبطال بعض.
فالتناقض إذن يتحقق إذا استحال على المتكلم أن يجمع ويوفق بين كلاميه، بأن كان كل كلام منها يؤدي إلى معنى يضاد الآخر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد شاهد بأن هذا الرجل هو الذي قتل، ثم شهد بأنه ليس هو القاتل، فهذا كلام ينقض بعضه بعضاً ولا يمكن الجمع بين كون هذا قاتلاً لهذا الشخص وغير قاتل له. فلا بد أن يكون أحد الكلامين كذباً.
ومنها: إذا ادعى أن له على فلان مائة، ثم أنكر أن له عليه مائة. إلا إذا أمكن التوفيق والجمع كأن يبين أن له عليه مائة قرضاً وليس له عليه مائة غصباً.
стр. 1412
القاعدة الثالثة عشرة بعد المائتين [التناقض المقبول]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التناقض غير مقبول إلا إذا كان في محل الخفاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التناقض في الدعوى وفي الشهادة وفي الكلام عموماً غير مقبول؛ لأنه لا ينبني عليه حكم. لكن إذا كان التناقض في محل فيه خفاء كتناقض الوصي والناظر والوارث والمقر بالرضاع فإنه يقبل قولهم مع التناقض، إلا إذا أشهدوا على قولهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل باع أرضاً ثم ادعى أنه كان وقفها قبل البيع، فإذا أراد تحليف المدعى عليه، ليس له ذلك عند الكل؛ لأن التحليف إنما يكون بعد صحة الدعوى ودعواه لم تصح لمكان التناقض (٢).
ومنها: ادعى عليه بدين فأقر به، ثم ادعى إيفاءه، لم يقبل للتناقض، إلا إذا ادعى إيفاءه بعد الإقرار به والتفرق عن المجلس.
ومما تسمع فيه الدعوى مع التناقض:
مات عن ورثة فاقتسموا التركة بينهم وأبرأ كل واحد منهم صاحبه من جميع الدعاوى، ثم إن أحد الورثة ادعى ديناً على الميت وعلى تركة الميت، قالوا: تسمع الدعوى.
ومنها: إذا أبرأ خصمه عن الدعاوى، ثم ادعى عليه بوكالة أو وصاية صحت الدعوى.
стр. 1413
ومنها: إذا أبرأ الوارث الوصي إبراءً عامًّا بأن أقر أنه قبض تركة والده فلم يبق له حق منها إلا استوفاه، ثم ادعى في يد الوصي شيئاً من تركة أبيه وبرهن. يقبل قوله لمكان الخفاء.
стр. 1414
القاعدة الرابعة عشرة بعد المائتين [التناقض في الدعوى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التناقض في الدعوى لا يمنع قبول البينة (١).
وفي لفظ: التناقض لا يمنع قبول البينة على الحرية (٢).
وبمقابلهما: التناقض في الدعوى يمنع قبول الشهادة؛ لأنه يمنع صحة الدعوى (٣).
وفي لفظ: التناقض يمنع صحة الشهادة كما يمنع صحة الدعوى (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
بين القاعدتين الأوليين والأخريين نوع تقابل وتضاد، حيث إن الأولى والثانية تفيدان بأن التناقض في الدعوى لا يمنع قبول البينة - الأولى على الإطلاق، والثانية على الحرية خاصة. وأما الأخريان فيفيدان عكسهما ونقيضهما وهو أن التناقض في الدعوى يمنع قبول الشهادة مطلقاً؛ لأنه يمنع صحة الدعوى.
فهل يمكن الجمع بين مدلول هذه القواعد؟
في الحقيقة أنه لا تناقض بين هذه القواعد ومدلولاتها؛ لأن مدلول الأوليين أن التناقض لا يمنع قبول البينة إما في حالة الخفاء كما في القاعدة السابقة وإما على دعوى الحرية كما هو نص الثانية. أو إذا أمكن التوفيق بين الكلامين بوجه من الوجوه، ففي كل ذلك تقبل الدعوى وبالتالي تقبل
стр. 1415
البينة، وأما الأخريان فتحملان على أنه لا تقبل الدعوى ولا البينة عليها إذا لم يمكن التوفيق بين الكلامين، وهذا ما صرح به الحصيري كما نقله عنه الندوي، وعلى ذلك يمكن الجمع بين هذه القواعد وإزالة التناقض الظاهري بينها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا خرج إلى دارنا رجل وامرأة من أهل الحرب فشهد مسلمان أنهما خرجا بأمان بعض المسلمين وهما - أي الرجل والمرأة - كذباهما، ثم ادعيا الأمان بعد التكذيب وشهد المسلمان به قبلت شهادتهما؛ والعلة في ذلك أن التناقض لا يمنع قبول البينة على الحرية بخلاف ما لو شهد لهما ذميان أو مستأمنان بذلك فلا تقبل الشهادة؛ لأنها تقوم على المسلمين.
ومنها: إذا مات الرجل فادعى وارثه داراً - في يد رجل - أنها داره اشتراها من أبيه الميت في حياته وصحته وأقام على ذلك بينة فلم تُزَكَّ - أو لم تكن بينة - والذي في يده يزعم أنها داره، فاستحلف المدَّعي عليه فحلف، وتركت الدار في يده، ثم أقام المدعي البينة أنها دار أبيه مات وتركها ميراثاً له، أو أن أباه مات وهي في يده ولا يعلمون له وارثاً غيره، تقبل هذه البينة ويقضى له بالدار ميراثاً، ولا تجعل دعواه الشراء من أبيه إكذاباً لشهوده في الميراث؛ لأنه ليس بين دعوى الميراث وبين الشراء في حياته تناقض، حيث أمكن الجمع؛ لأنه حين ادعى الشراء أول مرة فقد أقر أن الدار كانت ملك أبيه، ثم لما ادعى الميراث فهو يدعي أن الدار على ملك أبيه، وما كان ملك أبيه وقت موته فهو ميراث له، ولذلك لم يتحقق التناقض بين الدعويين.
ومما لا تقبل فيه الدعوى ولا البينة لمكان التناقض:
стр. 1416
امرأة وكلت رجلاً بقبض مهرها من زوجها، فادعى الزوج أنها اختلعت منه على مبلغ مقداره كذا قبل ذلك، فشهد الوكيل مع آخر على الخلع على كذا.
قالوا: لا تقبل شهادة الوكيل لمكان التناقض؛ لأن طلبه المهر من الزوج دل على قيام النكاح، والشهادة بالخلع تناقض وكالته بالطلب، فردَّت هذه الشهادة لأنه لا يمكن التوفيق بين الكلامين.
وأقول إنه يمكن التوفيق إذا أثبت الشاهد بشهادته على الخلع تاريخاً متقدماً على طلب المهر، إذ يكون الزوج قد خالع زوجته، وشهد الوكيل هذا الخلع ثم تزوجها بعقد جديد ووكلته المرأة في قبض مهرها من الزوج.
ومنها: إذا شهد رجلان لرجل على رجل بعبد في يده، فأقام المشهود عليه البينة أن الشاهد ادعاه قبل ذلك، فبطلت شهادة الشاهد لمقام ومكان التناقض حيث إن أحد الشاهدين ادعى العبد لنفسه أولاً ثم شهد به لرجل آخر ثانياً (١).
стр. 1417
القاعدة الخامسة عشرة بعد المائتين [التناقض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التناقض يبطل بتصديق الخصم (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا وجد تناقض في دعوى المدعي ثم صدقه المدعى عليه في بعض ما يدعيه كان تصديق الخصم إبطالاً للتناقض في كلام المدعي وسبباً في قبول الدعوى وسماعها من المدعي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل ادعى داراً في يد آخر، فقال المدعى عليه في دفعه: إنك أقررت قبل دعواك هذه أنه لا حق لك في هذه الدار، وأقام البينة على ذلك. ثم دفع المدعي هذا القول بأنك قبل إقامة الدعوى والبينة قد استمت مني هذه الدار، وصدقه المدعى عليه، فإن بينة المدعي هنا تقبل ويسمع منه هذا الدفع وإن كان مناقضاً، لتصديق خصمه بالاستيام؛ لأن كونه استام منه هذه الدار دليلاً على أنه مالكها؛ لأن الاستيام إقرار بالملك للبائع. أو إقرار من المستام أنه لا ملك له فيما يساوم فيه (٢).
стр. 1418
القاعدة السادسة عشرة بعد المائتين [التناقض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التناقض يمنع دعوى الملك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
كما أن التناقض يمنع قبول البينة - في بعض صوره كما سبق - فهو يمنع كذلك دعوى الملك للاتهام؛ لأن التناقض دليل على عدم صحة الدعوى، وذلك بخلاف مواضع قبول الدعوى مع التناقض، كما في القواعد السابقة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل ادعى داراً في يد غيره أنها لفلان وقفها عليه، ثم ادعى أنها له، قالوا: لا تسمع دعواه للتناقض، كما لو ادعى لغيره أولاً ثم ادعى لنفسه.
ومنها: رجل أقر عند القاضي أن هذه الدار لفلان، غير ذي اليد، ثم أقام البينة أنها له اشتراها من الذي في يده قبل إقراره. لا تقبل بينته للتناقض (٢).
رابعاً: من المسائل المستثناه من هذه القاعدة:
إذا رجع الشهود عن شهادتهم وكتموا في مجلس الحكم بعد الحكم بشهادتهم يعتبر رجوعهم، ويحكم عليهم بضمان ما أتلفوا بشهادتهم؛ لإقرارهم على أنفسهم بسبب الضمان وهو الشهادة الباطلة. والتناقض لا
стр. 1419
يمنع حكم إقراره على نفسه. وإنما لم يفسخ الحاكم بعد الرجوع لترجح أول كلامهم باتصال الحكم به (١).
стр. 1420
القاعدة السابعة عشرة بعد المائتين [التنزه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التنزه عن مواضع الريبة أولى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التنزه في اللغة: هو البعد والتطهر والتصون عن الأقذار والريب.
وفي الاصطلاح: التباعد عن الأقذار والريب.
والريب: جمع ريبة وهي الظن والشك (٢).
فمفاد القاعدة: أن التنزه عن مواطن ومواضع وأماكن الريب والتهم والشكوك أولى وأجدر بالمرء المسلم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى طعاماً أو جارية أو ملك ذلك بهبة أو ميراث أو صدقة أو وصية فجاء مسلم ثقة فشهد أن هذا الشيء لفلان الفلاني غصبه منه البائع أو الواهب أو الميت، فأحب أن يتنزه عن أكله وشربه ووطء الجارية - لأن خبر الواحد يمكن ريبة في قلبه - والتنزه عن مواضع الريبة أولى. وإن لم يتنزه كان في سعة من ذلك؛ لأن المخبر هنا لم يخبر بحرمة العين، وإنما أخبر أن من تملك من جهته لم يكن مالكاً. وهو خبر يمكن أن يكون مكذباً شرعاً؛ لأن الشرع جعل صاحب اليد مالكاً باعتبار يده. والأموال على ملك أربابها كما سبق. بخلاف ما لو أذن شخص لآخر في تناول طعامه، فأخبره ثقة مسلم أنه محرم العين - كأن يكون لحم خنزير أو ميتة - لم يحل له تناوله.
стр. 1421
القاعدة الثامنة عشرة بعد المائتين [الأكساب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تنزيل الأكساب بمنزلة المال العتيد - أو الاكتساب (١).
وفي لفظ: تنزيل الأكساب منزلة المال الحاضر (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة مدلولها:
الأكساب: جمع كسب وهو المال الذي رزقه الله إياه بعمله وجهده من بيع أو شراء أو هبة أو غير ذلك. والمال العتيد: الحاضر المهيأ (٣).
والاكتساب: القدرة على الكسب وهو طلب الرزق.
فمفاد القاعدة: أن المال الذي يمكن أن يكتسبه الإنسان بجهده وعمله وقوته ينزل - في الغنى ودفع الحاجة - منزلة المال الحاضر الموجود والذي يعتبر صاحبه غنيًّا به فلا تحل له الزكاة ولا الصدقة، فالاكتساب ينزل منزلة المال الحاضر في كثير من المسائل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في الزكاة: يضم ما يكسبه الإنسان خلال العام إلى ماله الذي بلغ نصاباً أو زاد عليه فيزكيه جميعه إذا حال عليه الحول، وقد تكون تلك الزيادة دون الحول.
ومنها: الفقير والمسكين إذا كانا قادرين على الكسب فهما كواجد المال قطعاً فلا يجوز أن يعطيا من مال الزكاة للحديث: "لا تحل الصدقة لغني
стр. 1422
ولا لذي مرة سوي" (١) أو قوي.
ومما اختلف فيه: المكاتب إذا كان كسوباً هل يعطى من الزكاة؟ وجهان:
الأصح: نعم.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
الغارم: الأصح أنه يعطى من مال الزكاة وإن كان قادراً على الكسب؛ لأن الغارم محتاج إلى وفاء دينه الآن والكسب متوقع في المستقبل بخلاف الفقير والمسكين؛ لأن حاجتهما تتجدد كل وقت، والكسب يتجدد كذلك.
стр. 1423
القاعدة التاسعة عشرة بعد المائتين [تنزيل الألفاظ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تنزيل الألفاظ على المعنى الشرعي أو العرفي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الألفاظ التي يتكلم بها المكلف - وبخاصة في باب الأيمان - هل تحمل على المعنى الشرعي أو تحمل على المعنى العرفي؟ خلاف بين المذاهب في ذلك.
فالحنفية يحملونها على المعنى العرفي قولاً واحداً - إذا لم يكن هناك نية للحالف أو المتكلم (٢). وأما عند المالكية: فتحمل الألفاظ على النية أولاً، فإن لم تكن نية فعلى الباعث - أو ما يسمونه البساط - فإن لم يكن فتارة يحملونها على العرف، وتارة على المعنى القرآني أو اللغوي (٣).
وأما عند الشافعية والحنابلة فبينهم في المعتبر خلاف (٤)، ويظهر ذلك في كثير من المسائل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يبيع الخمر، فإن أراد أن لا يتلفظ بلفظ البيع مضافاً إلى الخمر فإذا باعه حنث، وإن أطلق - ولم تكن له نية - لم يحنث؛ لأن البيع الشرعي لا يتصور في الخمر؛ لأنها ليست بمال عند المسلم. وفي وجه
стр. 1424
عند الشافعية أنه يحنث على كل حال (١).
ومنها: لو حلف لا يركب دابة العبد - وكانت له دابة باسمه - فعند الشافعية: لا يحنث الحالف بركوبها؛ لأن العبد - وإن كانت له دابة باسمه - لكنه لا يملكها بل هي في الحقيقة ملك السيد، فالحالف إنما ركب دابة السيد لا دابة العبد (٢).
وعند الحنفية وأحمد يحنث؛ للإضافة العرفية (٣).
ومنها: لو حلف لا يبيع. فباع بيعاً فاسداً. قال الشافعية: لا يحنث؛ لأن الفاسد ليس بعقد (٤)، وبمثله قال أحمد بن حنبل ﵀ (٥).
وخالف في ذلك أبو حنيفة (٦) ومالك (٧) رحمهما الله تعالى وحكما بالحنث؛ لأن البيع الفاسد يسمى في العرف بيعاً. والذي رجحه ابن الوكيل في هذه وأمثالها الحنث حملاً على الحقيقة العرفية (٨).
стр. 1425
القاعدة العشرون بعد المائتين [النذر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
تنزيل النذر على واجب الشرع أو على جائزه مع وجوب أصله (١).
وفي لفظ: النذر هل يسلك به مسلك الواجب أو الجائز (٢)؟ قولان والترجيح مختلف في الفروع. وتأتي في حرف النون إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النذر: الأصل فيه معنى الإبلاغ، ولا يستعمل إلا في التخويف، ومنه قوله : ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ (٣).
وقال الراغب: الإنذار إخبار فيه تخويف (٤).
وفي الاصطلاح: "النذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر". يقال: نذر لله أمراً. قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (٥).
وقالوا في تعريف النذر: "إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيماً لله تعالى" (٦).
والقاعدة تشير إلى خلاف عند الشافعية في تنزيل النذر هل ينزل على ما كان واجباً في الشرع بحيث أن الناذر يتقيد في نذره بأقل الواجب من جنسه
стр. 1426
كالواجب ابتداء من جهة الشرع، أو ينزل على أقل ما يصح من جنسه، أي بأقل جائز في الشرع؛ لأن لفظ الناذر لا يقتضي زيادة عليه، خلاف.
ولا خلاف بينهم في أن النذر يجب الوفاء به، وإنما الخلاف في أن حكمه كالجائز في القربات أو كالواجب في أصله؟ والأرجح عندهم حمله على الواجب (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا نذر صلاة فيلزمه ركعتان؛ لأنه أقل الواجب، ولا يجوز القعود فيهما مع القدرة، ولا فعلهما على الراحلة، ولا يجمع بينهما وبين فرض أو نذر آخر بتيمم واحد.
ومنها: من نذر صوماً، فيجب عليه صوم يوم كامل، ويجب تبييت النية فيه ولا يجزئ إمساك بعض يوم، ولا ينعقد نذر صوم بعض يوم كما لا ينعقد نذر بعض ركعة أو سجدة. ففي كل هذه ينزل النذر منزلة الواجب. ومما ينزل منزلة الجائز:
منها: نذر القربات التي لم توضع لتكون عبادة وإنما هي أعمال وأخلاق مستحسنة رغَّب فيها الشرع لعموم فائدتها: كعيادة المريض، وإفشاء السلام، وتشميت العاطس، فهذه الأصح فيها تنزيلها منزلة الجائز فتلزم بالنذر. وقيل: لا تلزم؛ لأن هذه الأمور لا يجب جنسها بالشرع.
ومنها: لو نذر صوم يوم معين. يلزم. ولكن لا يثبت له خواص رمضان من الكفارة بالجماع فيه ووجوب الامساك لو أفطر فيه، وعدم قبول صوم آخر من قضاء أو كفارة بل لو صامه عن قضاء أو كفارة صح.
стр. 1427
ومنها: لو نذر الطواف لم يجزه إلا سبعة أشواط فلا يكفي طوفة واحدة (١).
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
لو نذر عتق رقبة لم تشترط فيها السلامة من عيوب الكفارة في الأصح. أي يجزئه إعتاق أي رقبة بأي وصف.
ومنها: لو نذر صلاة ركعتين فصلى أربعاً بتسليمة واحدة بتشهد أو تشهدين جاز في الأصح؛ لأنه جاء بالنذر وزيادة.
ومنها: من نذر التصدق كفاه أقل ما ينطلق عليه الاسم (٢).
стр. 1428
القاعدة الحادية والعشرون بعد المائتين [التنصيص على الموجَب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التنصيص على الموجَب عند حصول الموجب ليس بشرط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التنصيص: من نصَّ الحديث أو السير إذا رفعه، والمراد به هنا تعيين الموجَب بذكره.
الموجَب: بفتح الجيم اسم مفعول من أوجب فهو موجَب.
والموجِب: بكسر الجيم اسم فاعل من أوجب فهو موجِب. وهو الأمر المقتضي لأحكامه.
فمفاد القاعدة: أنه لا يشترط في العقود والمعاملات - التي توجب أحكاماً - النصُّ على مقتضيات العقد ونتائجه عند التعاقد؛ لأن شأن وقوع العقد صحيحاً أن تنبني عليه أحكامه وتترتب عليه ثمراته ونتائجه؛ ولأن الصحيح من المعاملات ما أثمر المقصود منه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وقع عقد النكاح صحيحاً فلا يشترط فيه التنصيص على حل استمتاع الزوج بزوجته، ووجوب النفقة عليه إلخ ما هنالك من ثمرات تترتب على العقد، بل بمجرد إتمام العقد وأداء المهر فللزوج الاستمتاع بزوجته وحلها له ووجوب النفقة عليه، إلا إذا وجد مانع من الاستمتاع كأن تكون الزوجة حبلى من الزنا - فهو وإن صح العقد عليها عند أبي حنيفة ومحمد
стр. 1429
رحمهما الله تعالى لكن لا توطأ حتى تضع حملها؛ حتى لا يسقي ماؤه زرع غيره.
ومنها: إذا سلَّم الكفيل بالنفس المكفول عنه حيث يمكن مخاصمته يبرأ الكفيل، وإن لم يقل: إذا دفعته إليك فأنا بريء؛ لأن معنى الكفالة بالنفس موجبها البراءة عند التسليم.
стр. 1430
القاعدة الثانية والعشرون والثالثة والعشرون بعد المائتين [التنصيص]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
١ - التنصيص لا يدل على التخصيص (١).
وبمقابلها:
التنصيص يوجب التخصيص (٢). أصوليتين فقهيتين.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان متقابلتان؛ لأنهما يمثلان مذهبين أصوليين مختلفين، أو إن كل واحدة منهما تعمل في مجال مخصوص.
وعلى وجه العموم: فالحنفية ينكرون العمل بمفهوم المخالفة مطلقاً، وغير الحنفية يعملون به. فالقاعدة الأولى تمثل رأي الحنفية والثانية تمثل رأي غيرهم.
ولكن كلتا القاعدتين أوردهما الحنفية فيستدل بإيرادهم لها أن الحنفية يعملون بموجبهما، الأولى: مطلقة، والثانية كالاستثناء منها حيث يعملون بموجبها في نوع من مفهوم المخالفة وهو مفهوم العدد، فمفهوم العدد عند الحنفية - كما هو عند كثير غيرهم - يوجب التخصيص. فإذا ذكر حكم بناء على عدد فيدل ذلك على نفي الحكم عما سواه، إذا لم يقصد بذكر العدد المبالغة أو التعريض.
стр. 1431
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١). فمفهوم هذه الآية أنه لا يحل الزواج من الأمة غير المؤمنة. ولكن الحنفية لم يعملوا بمفهوم هذه الآية حيث أباحوا الزواج من الأمة غير المؤمنة عملاً بالإطلاق في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٢). وقالوا: إن مَن عدا المؤمنات مسكوت عنه.
وفي رأي الحنفية هذا تعطيل لكثير من النصوص.
ومنها: إذا قال لزوجته: أنت طالق واحدة، لا يصح نية الثلاث؛ لأن النص على الواحدة ينافي نية الثلاث.
ومنها: التنصيص على العدد في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣) يمنع الزيادة على الأربع للتنصيص عليه.
стр. 1432
القاعدة الرابعة والعشرون بعد المائتين [التهمة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
التهمة تخصص الأمر المطلق (١).
وفي لفظ: التهمة دليل تقييد المطلق (٢).
وفي لفظ: التخصيص بالتهمة (٣).
وفي لفظ: لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل (٤). وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تؤدي معنى واحداً.
التهمة: أي ظن غير المراد، يقال: اتهمه بكذا (٥).
ويقال: اتهمته في قوله: شككت في صدقه. والاسم التهمة (٦).
وأصل هذه القواعد - كما سبق - (أن التهمة إذا تمكنت من فعل الفاعل حكم بفساد فعله).
ومفاد القاعدة: أن التهمة إذا وجدت خصصت الأمر المطلق وقيدته، وأبطلت أيضاً قول القائل أو فعل الفاعل، لكن بشرط أن يقوم دليل على هذه التهمة وأن يكون لها مؤيد من ظاهر الحال، وليس مجرد توهم.
стр. 1433
وهذا عند أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا وكَّله أن يزوجه امرأة - ولم يسمها - فزوجه ابنته، لم يجز في قول أبي حنيفة ﵀ إلا أن يرضى الزوج (١) , لأن عند أبي حنيفة ﵀ أن الوكيل لا يملك التصرف مع ولده للتهمة، فإنها دليل التقييد عنده.
ومنها: إذا أقر في مرض موته بدين لأحد ورثته، لا يجوز إقراره عند أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى؛ للتهمة بتفضيل بعض الورثة على بعض، والدليل مرضه، أما لو أقر في حال صحته فإقراره صحيح، وكذلك لو أقر لأجنبي في مرض موته؛ لأنه يريد تخليص رقبته من حقوق العباد، ولا تهمة مع الأجنبي.
وأما عند مالك ﵀، فإن كان الأب لا يتهم بالتفضيل فيجوز إقراره وإلا لا.
وعند الشافعي ﵀ يجوز إقراره (٢).
стр. 1434
القاعدة الخامسة والعشرون بعد المائتين [التوابع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التوابع لا تقصد بالعقود (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التوابع: جمع تابع وهو ما لا ينفرد بنفسه، بل يكون وجوده تابعاً لوجود غيره.
ولذلك فهو لا ينفرد بالحكم، ولا يقصد بالعقد؛ لأنه إنما يقصد بالعقد الأصل المتبوع، ويدخل التابع في حكم الأصل ضمناً، وكل ما جرى في العرف على أنه من مشتملات المبيع وتوابعه، أو ما كان في حكم جزء من أجزائه مما لا يقبل الانفكاك نظراً لغرض المشتري فهو يدخل في البيع من غير ذكر.
وقد سبق مثل هذه القاعدة ينظر القاعدة رقم ١١ من هذا القسم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الحمل يدخل في بيع الدابة تبعاً ولا يجوز إفراده بالحكم.
ومنها: القفل يدخل في بيعه مفتاحه تبعاً.
ومنها: المزرعة يدخل ما فيها من أشجار تبعاً لبيع الأرض ولا تقصد بالعقد أصلاً. ولكن في هذا الزمن أصبحت الأشجار الضخمة كالنخيل تقصد بالعقد وتباع ولو كانت قديمة في الأرض.
ومنها: الشرب وحق المرور يدخلان في بيع الأرض تبعاً ولا يفردان بالحكم.
стр. 1435
ومنها: إذا أحيا شيئاً له حريم ملك الحريم في الأصح تبعاً، فلو باع الحريم دون الملك لم يصح (١).
стр. 1436
القاعدة السادسة والعشرون بعد المائتين [التوابع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التوابع لا قسط لها من الثمن والضمان إلا عند صيرورتها مقصوداً بالاستيفاء حقيقة أو حكماً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها ارتباط بسابقتها؛ لأنه إذا كانت التوابع لا تقصد بالعقود فبناء على ذلك ليس لها قسط من الثمن والضمان؛ لأنها متابعة، ولا يكون لها قسط أو جزء من الثمن والضمان إلا إذا صارت مقصودة بالاستيفاء الحقيقي أو الحكمي؛ لأنها إذا صارت مقصودة خرجت عن كونها توابع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى بقرة حاملاً فلما ولدت مات العمل ثم ظهرت البقرة مستحقة أو وجد فيها عيب يوجب الرد، فللمشتري الثمن الذي دفعه كاملاً، وليس للبائع أن يأخذ منه شيئاً مقابل الحمل الميت، بحجة نقصان البقرة.
ولكن إذا رهن بدينه بقرة حاملاً فولدت عند المرتهن، فهي وابنها رهن بالدين، ولو مات ابنها فهي رهن بالدين كله. ولكن إذا اتفق الراهن والمرتهن على قسمة الدين على البقرة وابنها، ثم ماتت البقرة أو مات ابنها فيسقط من الدين الأقل من قيمة كل منهما ومن قسطه من الدين؛ لأن كل واحد منهما أصبح مقصوداً بالفكاك. فكان المرتهن قد استوفى جزءاً من دينه حكماً بموت أحدهما عنده أو بفعله.
ومنها: إذا اشترى الرجل جارية بألف درهم، وقيمتها ألف درهم.
стр. 1437
فولدت عند البائع بنتاً تساوي ألف درهم، ونقصت الولادة الأم فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ الجميع بجميع الثمن وإن شاء تركهما.
ومنها: إذا اشترى شاة فولدت قبل القبض، ثم قبضهما المشتري بجميع الثمن، ولكن بعد ما قبضهما وجد في الولد عيباً أو قتله البائع فإن للمشتري رده واسترداد حصته من الثمن؛ لأن الولد بالقبض صار مقصوداً فصار له حصة من الثمن والمشتري يستحق الولد بصفة السلامة، فلما وُجد العيب بعد القبض كان له الرد واسترداد حصته من الثمن. وكذلك إذا قتله البائع بعد ما قبضه المشتري، فقد صار الولد مقصوداً بإتلاف البائع إياه وصار له حصة من الثمن، فيقسم الثمن على قيمة الأم وقت البيع وقيمة الولد يوم ظهر به العيب أو قتله البائع، فما أصاب الولد بطل عن المشتري وأخذ الأم بما بقي (١).
стр. 1438
القاعدة السابعة والعشرون بعد المائتين [توارد العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
توارد العقود المختلفة بعضها على بعض وتداخل أحكامها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
توارد العقود: أو ورود عقد على عقد سابق بفعل من المكلف، فإذا ورد عقد جديد بسبب على عقد سابق بسبب آخر فهل وجود العقد الجديد يبطل العقد القديم السابق؟
ثالثاً: من من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا رهنه شيئاً ثم أذن له في الانتفاع به. فالرهن هو العقد الأول المورود عليه وإذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بالمرهون يغير صفة العقد حيث إن المرتهن لا يجوز له الانتفاع بالمرهون، أما إذا أذن له الراهن فهل ينتقل العقد إلى نوع آخر من العقود - كالعاريَّة مثلاً -؟
قالوا: إن الرهن بعد الإذن بالانتفاع هل يصير عقد عاريَّة حالة الانتفاع أم لا؟
عند كثير من الحنابلة - بل الشافعية أيضاً - يصبح عقد عارية مضموناً على المرتهن، لكن هل يصير مضموناً بالانتفاع بالمرهون فعلاً أو بمجرد القبض؟ خلاف.
وقيل: إن شرط منفعة الرهن باطل وهو رهن بحاله.
ومنها: إذا أودعه شيئاً ثم أذن له في الانتفاع به. قالوا: يصير مضموناً
стр. 1439
حالة الانتفاع لمصيره عارية حينئذ.
ومنها: لو أعاره شيئاً ثم رهنه عنده. قياس مذهب الحنابلة صحة المعاملة ويسقط ضمان العاريَّة؛ لأنها ليست لازمة، وعقد الرهن لازم.
стр. 1440
القاعدة الثامنة والعشرون بعد المائتين [التوبة - التعزير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
التوبة لا تسقط الحد (١)
وللمالكية في التعزير قولان.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التوبة من الذنوب: هي الندم على فعلها والإقلاع والرجوع عنها. وأصل التوبة الرجوع عن الذنب (٢).
فإذا ارتكب المكلف ذنباً يوجب حدًّا وتاب وأعلن توبته فهل وجود هذه التوبة وتحققها يسقط الحد الواجب؟
مفاد هذه القاعدة: أن الحد لا يسقط، وهذا ظاهر فيمن ثبت ارتكابه لما يوجب الحد بالبينة ورفع أمره إلى الحاكم. وأما إذا كان الحد خالصاً لله تعالى وثبت بإقرار المذنب ثم رجع عن إقراره فإن رجوعه عن إقراره يسقط الحد عنه، كالإقرار بالزنا وشرب الخمر والسرقة، ولكن في السرقة عليه أن يرد المسروق على صاحبه أو أن يطلب المسامحة منه. وأما التعزير وهو: كل عقوبة لذنب ليس فيه حد محدود، فاختلفوا في إسقاطه بالتوبة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شُهد عليه بالسرقة وسيق إلى الحاكم، وعند الحاكم أظهر توبته وندمه