← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

القاعدة السادسة والعشرون بعد المائتين [التوابع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التوابع لا قسط لها من الثمن والضمان إلا عند صيرورتها مقصوداً بالاستيفاء حقيقة أو حكماً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها ارتباط بسابقتها؛ لأنه إذا كانت التوابع لا تقصد بالعقود فبناء على ذلك ليس لها قسط من الثمن والضمان؛ لأنها متابعة، ولا يكون لها قسط أو جزء من الثمن والضمان إلا إذا صارت مقصودة بالاستيفاء الحقيقي أو الحكمي؛ لأنها إذا صارت مقصودة خرجت عن كونها توابع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: اشترى بقرة حاملاً فلما ولدت مات العمل ثم ظهرت البقرة مستحقة أو وجد فيها عيب يوجب الرد، فللمشتري الثمن الذي دفعه كاملاً، وليس للبائع أن يأخذ منه شيئاً مقابل الحمل الميت، بحجة نقصان البقرة. ولكن إذا رهن بدينه بقرة حاملاً فولدت عند المرتهن، فهي وابنها رهن بالدين، ولو مات ابنها فهي رهن بالدين كله. ولكن إذا اتفق الراهن والمرتهن على قسمة الدين على البقرة وابنها، ثم ماتت البقرة أو مات ابنها فيسقط من الدين الأقل من قيمة كل منهما ومن قسطه من الدين؛ لأن كل واحد منهما أصبح مقصوداً بالفكاك. فكان المرتهن قد استوفى جزءاً من دينه حكماً بموت أحدهما عنده أو بفعله. ومنها: إذا اشترى الرجل جارية بألف درهم، وقيمتها ألف درهم.

стр. 1437

فولدت عند البائع بنتاً تساوي ألف درهم، ونقصت الولادة الأم فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ الجميع بجميع الثمن وإن شاء تركهما. ومنها: إذا اشترى شاة فولدت قبل القبض، ثم قبضهما المشتري بجميع الثمن، ولكن بعد ما قبضهما وجد في الولد عيباً أو قتله البائع فإن للمشتري رده واسترداد حصته من الثمن؛ لأن الولد بالقبض صار مقصوداً فصار له حصة من الثمن والمشتري يستحق الولد بصفة السلامة، فلما وُجد العيب بعد القبض كان له الرد واسترداد حصته من الثمن. وكذلك إذا قتله البائع بعد ما قبضه المشتري، فقد صار الولد مقصوداً بإتلاف البائع إياه وصار له حصة من الثمن، فيقسم الثمن على قيمة الأم وقت البيع وقيمة الولد يوم ظهر به العيب أو قتله البائع، فما أصاب الولد بطل عن المشتري وأخذ الأم بما بقي (١).

стр. 1438

القاعدة السابعة والعشرون بعد المائتين [توارد العقود] أولاً: لفظ ورود القاعدة: توارد العقود المختلفة بعضها على بعض وتداخل أحكامها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: توارد العقود: أو ورود عقد على عقد سابق بفعل من المكلف، فإذا ورد عقد جديد بسبب على عقد سابق بسبب آخر فهل وجود العقد الجديد يبطل العقد القديم السابق؟ ثالثاً: من من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا رهنه شيئاً ثم أذن له في الانتفاع به. فالرهن هو العقد الأول المورود عليه وإذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بالمرهون يغير صفة العقد حيث إن المرتهن لا يجوز له الانتفاع بالمرهون، أما إذا أذن له الراهن فهل ينتقل العقد إلى نوع آخر من العقود - كالعاريَّة مثلاً -؟ قالوا: إن الرهن بعد الإذن بالانتفاع هل يصير عقد عاريَّة حالة الانتفاع أم لا؟ عند كثير من الحنابلة - بل الشافعية أيضاً - يصبح عقد عارية مضموناً على المرتهن، لكن هل يصير مضموناً بالانتفاع بالمرهون فعلاً أو بمجرد القبض؟ خلاف. وقيل: إن شرط منفعة الرهن باطل وهو رهن بحاله. ومنها: إذا أودعه شيئاً ثم أذن له في الانتفاع به. قالوا: يصير مضموناً

стр. 1439

حالة الانتفاع لمصيره عارية حينئذ. ومنها: لو أعاره شيئاً ثم رهنه عنده. قياس مذهب الحنابلة صحة المعاملة ويسقط ضمان العاريَّة؛ لأنها ليست لازمة، وعقد الرهن لازم.

стр. 1440

القاعدة الثامنة والعشرون بعد المائتين [التوبة - التعزير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التوبة لا تسقط الحد (١) وللمالكية في التعزير قولان. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التوبة من الذنوب: هي الندم على فعلها والإقلاع والرجوع عنها. وأصل التوبة الرجوع عن الذنب (٢). فإذا ارتكب المكلف ذنباً يوجب حدًّا وتاب وأعلن توبته فهل وجود هذه التوبة وتحققها يسقط الحد الواجب؟ مفاد هذه القاعدة: أن الحد لا يسقط، وهذا ظاهر فيمن ثبت ارتكابه لما يوجب الحد بالبينة ورفع أمره إلى الحاكم. وأما إذا كان الحد خالصاً لله تعالى وثبت بإقرار المذنب ثم رجع عن إقراره فإن رجوعه عن إقراره يسقط الحد عنه، كالإقرار بالزنا وشرب الخمر والسرقة، ولكن في السرقة عليه أن يرد المسروق على صاحبه أو أن يطلب المسامحة منه. وأما التعزير وهو: كل عقوبة لذنب ليس فيه حد محدود، فاختلفوا في إسقاطه بالتوبة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: شُهد عليه بالسرقة وسيق إلى الحاكم، وعند الحاكم أظهر توبته وندمه

стр. 1441

وإقلاعه عن السرقة فلا تسقط هذه التوبة الحد عنه، لكن لو عفا المسروق منه قبل رفعه إلى الحاكم يسقط عنه الحد. وكذلك لو تاب قبل الرفع مع عفو المسروق منه. ومنها: الزاني المعترف بالزنا عند الحاكم وطلب إقامة الحد عليه يقيم الحاكم عليه الحد، ولكنه إن رجع عن إقراره حتى بعد أن حد بعض الحد ترك، كما في قصة ماعز ﵁، وقول الرسول ﷺ : "هلا تركتموه" حينما فر أثناء إقامة الحد عليه (١). ولكن إن كانت العقوبة تعزيراً كمن أفطر في رمضان وجاء مستفتياً عن حكم إفطاره إما للجهل بالحكم وإما لغلبة الشهوة، فالأصح أنه لا يعزر. والشاهد قصة المجامع أهله في رمضان (٢). أما من ظُهر عليه أو جاهر بفطره فهذا يعزر بخلاف المستفتي، إلا إذا اعتذر بالجهل فهذا في تعزيره قولان عند المالكية. ولكن الجهل في دار الإسلام - في مثل هذه الأحوال - لا يعتبر عذراً؛ لأن كل مسلم يعلم أن صوم رمضان واجب عليه، وأن إفطاره بغير عذر لا يجوز، إلا إذا كان حديث عهد بالإسلام.

стр. 1442

القاعدة التاسعة والعشرون بعد المائتين [توريث الحقوق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: تورث الحقوق اللازمة كما تورث الأملاك (١). عند الشافعي ﵀. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأملاك والأعيان تورث عند الجميع، ولكن الحقوق اللازمة كحق الشرب وحق الشفعة والخيار هل تورث كالأملاك؟ عند الشافعي ﵀: نعم، كما تورث الأملاك تورث الحقوق اللازمة، ما يعتاض عنها بالمال وما لا يعتاض في ذلك سواء؛ بطريق أن الوارث يقوم مقام المورث، وإن حاجة الوارث كحاجة المورث. وعند الحنفية بخلافه، حيث إن الحقوق عندهم لا تورث. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: مات الشفيع قبل طلب الشفعة أو قبل الأخذ بها فعند الشافعي ﵀ لوارثه حق الشفعة كما كانت للمورث لأنه خليفته. ومنها: إذا مات أحد العاقدين في المجلس فلوارثه الخيار على الصحيح سواء كان ذلك خيار المجلس أم خيار الشرط والعيب (٢). وعند الحنفية والحنابلة سقط الخيار ولا يورث.

стр. 1443

القاعدة الثلاثون بعد المائتين [التوريث] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التوريث في موضع الشك لا يجوز (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل أن التوريث إنما يتم بشروط إذا فقد شرط منها لا يصح. منها: التحقق من موت المورث حقيقة أو حكماً - كمفقود - أو تقديراً - كجنين فيه غرة. ومنها: التيقن من حياة الوارث عند موت المورث. حقيقة أو تقديراً كالحمل. ومنها: العلم بجهة الإرث لما يورثه (٢). ومفاد القاعدة: أن الشك في أي من هذه الثلاثة يمنع الميراث كالشك في موت المورث أو حياة الوارث أو جهة التوريث. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: المفقود لا يورث ولا يرث عند الحنفية وآخرين. لا يورث للشك في موته حيث إنه خرج حيًّا، ولا يرث لأنه مشكوك في حياته عند موت مورثه. ومنها: الغرقى والهدمى ومن يموتون جميعاً في حادث، فلا يرث بعضهم من بعض؛ للشك في سبق الموت وتأخر الحياة بينهم. ولذلك كان (التوريث في موضع شك فلا يجوز). وهذه المسألة متفق عليها بين الأئمة، ولكن مسألة المفقود فيها خلاف حيث إن غير الحنفية - الشافعية - يورثونه من مورثه استصحاباً لحياته حين فقد.

стр. 1444

القاعدة الحادية والثلاثون بعد المائتين [التوفيقان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التوفيقان إذا تلاقيا وتعارضا وفي أحدهما ترك اللفظين على الحقيقة فهو أولى (١). سبق ذكر هذه القاعدة في قواعد حرف الهمزة تحت الرقم ٣٠٣ فتنظر هناك.

стр. 1445

القاعدة الثانية والثلاثون بعد المائتين [التوقيت في النفل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التوقيت في النفل لا يكون عزيمة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التوقيت: هو تحديد وقت معين للفعل. النفل: الزيادة، والمراد به هنا التطوع زيادة على الواجب. العزيمة: المراد بها هنا الوجوب. ومفاد القاعدة: أن ما أقته الشرع وأجاز تركه فهو يشبه النوافل كالرمي في اليوم الرابع؛ لأن الحاج مخير فيه بين المبيت والرمي وعدمهما. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رمي الجمرات في اليوم الرابع يجوز عند أبي حنيفة ﵀ قبل الزوال كرمي جمرة العقبة؛ ولأن الرمي في ذلك اليوم يشبه النافلة من حيث جواز الفعل والترك مع المبيت. ومنها: السنن الرواتب قد أقتها الشرع قبل الفريضة وبعدها ولكن لما أجاز الشرع تركها لم تكن واجبة. ومنها: صوم يوم عاشوراء وصوم يوم عرفة.

стр. 1446

القاعدة الثالثة والثلاثون بعد المائتين [التوقيت] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التوقيت نصًّا يمنع أن يكون لما بعد مضي المدة حكم ما قبله (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا نص الشرع أو العاقدين على توقيت عبادة أو فعل وتحديد زمانه فإنه بعد مضي المدة المحددة يختلف حكم ما بعدها عما قبلها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الصلاة - مثلاً - حدد الشرع لكل فريضة منها وقتاً لأدائها، فإذا خرج وقت كل منها قبل الأداء كان فعلها بعد خروج وقتها قضاءً لا أداء، وكان المؤخر لغير عذر آثماً في تأخيره. ومنها: الإجارة المحددة بزمن فإذا انتهت المدة فللمؤجر والمستأجر الحق في تحديد أجر آخر أو مدة أخرى بأجر مختلف.

стр. 1447

القاعدة الرابعة والثلاثون بعد المائتين [التوكيل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: التوكيل إنما يعتبر فيما لا يملك الوكيل مباشرته قبل التوكيل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التوكيل: إقامة الغير مقام نفسه في التصرف ممن يملكه. وإنما يعتبر التوكيل صحيحاً إذا كان الوكيل لا يملك مباشرة ما وُكَّل به قبل التوكيل والإذن بالتصرف فيه؛ لأن الوكيل إذا كان يملك مباشرة ما وُكِّل به قبل التوكيل فهو إذن يكون عاملاً لنفسه لا لمن وكَّله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: أجِّر دابتك هذه على أن يكون نصف الأجر أو كلُّه لي. لا يجوز. وهو توكيل باطل. كما لو قال: بع دابتك هذه على أن يكون نصف الثمن لي؛ لأن للمالك أن يبيع دابته ويؤاجرها قبل التوكيل. ومنها: إذا وكل شخصاً في تحصيل مباح كصيد أو احتشاش أو احتطاب، فما يحصل عليه الوكيل فهو له، والتوكيل هذا باطل؛ لأن الوكيل يقدر على تحصيل ما وُكِّل به قبل الوكالة؛ لأن كل أحد يملك المباح قبل التوكيل.

стр. 1448

القاعدة الخامسة والثلاثون بعد المائتين [توهم الفضل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: توهم الفضل - أي الزيادة - كتحققه فيما ينبني أمره على الاحتياط (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الفضل: معناه الزيادة، والمعاملات الربوية مبني أمرها على الاحتياط، ولذلك فالشك في زيادة أحد العوضين يجعل العقد باطلاً، وكذلك مجرد توهم الزيادة، والوهم أدنى درجة من الشك، ومع ذلك تبطل المعاملة عند توهم زيادة أحد البدلين الربويين؛ لأن باب الربا مبناه على الاحتياط للدين - كما سبق بيانه في قواعد حرف الباء. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: بيع الأموال الربوية مجازفة لا يجوز؛ لاحتمال زيادة أحد البدلين، والمراد بالمجازفة أي بيع دون كيل أو وزن - كبيع صبرة - كومة - طعام أو تمر بصبرة مثلها. أو بيع قطعة ذهب أو فضة بمثلها دون وزن، فكل ذلك لا يجوز لاحتمال عدم التساوي؛ ولأن شرط التعامل في الأموال الربوية تحقق المماثلة، ومع الوهم أو الشك لا تتحقق المماثلة ولذلك تبطل المعاملة.

стр. 1449

قواعد حرف الثاء

стр. 1450

القاعدة الأولى [البرهان - الشهادة - البينة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان (١). وفي لفظ: الثابت بشهادة العدالة كالثابت بإقرار الخصم أو أقوى منه (٢). وفي لفظ: الثابت بالبينة كالثابت عياناً (٣). وفي لفظ: الثابت بالبينة بمنزلة المعلوم عند القاضي (٤). وفي لفظ: الثابت بالبينة كالثابت باتفاق الخصم (٥) أو الخصمين (٦). وفي لفظ: الثابت بالبينة كالثابت بالإقرار (٧) أو أقوى من الثابت بالإقرار (٨). وفي لفظ: الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة (٩). وفي لفظ: الثابت بالبينة كالثابت بمعاينة سببه أو تصادقهم عليه (١٠).

стр. 1451

ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: البرهان: المراد به الحجة الي يثبت بها المدعى، وهي البينة: والمراد بها الشهود العدول. العيان، المعاينة: المشاهدة والرؤية بالعين. فكل هذه القواعد تفيد أن المدعى به إذا ثبت بشهادة الشهود العدول فيثبت به الحق ويكون في قوة المثبت بالمشاهدة والمعاينة في إلزام الخصم، وكأن القاضي حينما يثبت الحق بالشهادة أثبته بعلمه القاطع بالواقعة أو بإقرار الخصم المدعى عليه بل هو في ثبوته أقوى من الثابت بالإقرار؛ لأن الثابت بالإقرار إنما يلزم المقر فقط ولا يتعداه إلى غيره؛ لأن الإقرار حجة قاصرة وأما الثابت بالبينة فهو يتعدى إلى كل من له علاقة بالدعوى سواء المشهود عليه أو غيره إذا اتحد السبب. ومع أن الشهود قد يكونون كاذبين - مع عدالتهم الظاهرة, وقد يكونون مخطئين في شهادتهم، ولكن الشرع الحكيم أوجب قبول الشهادة إذا استوفت شروطها، وأوجب إثبات الأحكام بها - إذا لم يكن إقرار عن المدعى عليه، وذلك ثابت بقوله : ﴿وَاسْتشْهِدُواْ﴾ (١)، ﴿وَأَشْهِدَواْ﴾ (٢) والأمر للوجوب. ومع أن الشهادة إنما تفيد غلبة الظن بصدق الشهود ولا تفيد العلماء القطعي، ولكنا متعبدون بغلبة الظن وبناء الأحكام عليها, لأن الله : لا يكلف نفساً إلا وسعها، والحكم بالقطع في أغلب الأحيان عسير. وقد ثبت اعتبار البينة والحكم بها بفعل رسول الله ﷺ وقوله: "البينة على المدعي واليمين على المدعى

стр. 1452

عليه" (١). ولمكانة البيَّنة في الشرع أبيح بها الدماء والفروج والأموال وحرَّمت بها كذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادعى شخص على آخر بقتل وليه أو اغتصاب ماله أو قذفه وجاء بشهود عدول يشهدون له على مدعاه ولم يكن هناك مكذب شرعي أو واقعي فإن القاضي يحكم وجوباً بالقصاص من القاتل ورد المال المغصوب وإقامة الحد على القاذف.

стр. 1453

القاعدة الثانية [التصادق] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الثابت بالتصادق كالثابت بالمعاينة (١). وفي لفظ: الثابت باتفاقهما كالثابت بالبينة أو أقوى منه (٢). وفي لفظ: الثابت بتصادق الورثة في حقهم كالثابت بالبينة (٣). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: التصادق: تفاعل من الصدق، وهو يدل على المشاركة في الصدق، بمعنى أن بعضهم يصدق بعضاً فيما يدعيه، سواء أكان المتصادقون ورثة أم مدعين. فإن هذا التصادق يكون في حقهم جميعاً في قوة الأمر الثابت بالمشاهدة والمعاينة أو البينة والبرهان والحجة، بل هو أقوى من ذلك؛ لأن البينة يحتمل أن تكون كاذبة، ولكن التصادق لا يحتمل؛ لأن كل واحد منهم مضر لخصمه بحقه. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا ترك ابنين وابنتين، فأقر أحد الابنين وإحدى البنتين بأخ لهما فإنهما يقاسمانه جميعاً ما في أيديهما على خمسة للأخ المقر سهمان وللأخت المقرة سهم وللأخ المقر به سهمان. وهذا من نصيبهما من التركة دون نصيب الأخ والأخت اللذين لم يُقرَّا بالأخ الثالث. فتصادق الأخ والأخت على الأخ الثالث يثبت حقه في نصيبهما كما لو قالت البينة على أخوة هذا

стр. 1454

الأخ لهما. فيقاسمهما نصيبهما من تركة الأب دون مَن لم يُقرا. ومنها: إذا قالت الرجعية بعد مضي شهرين قد انقضت عدتي. وقال الزوج: قد أخبرتني أمس أنها لم تحض شيئاً. فإن صدَّقته المرأة في ذلك فله أن يراجعها؛ لأن الحق لا يعدوهما وقد تصادقا على قيام الزوجية بينهما، بخلاف ما لو كذَّبته فالقول لها مع يمينها. ومنها: إذا قال شخص لرجل: فلان شريكي مفاوضة، فصدقه فلان. وقال: نعم أو أجل. أو قال: صدق، أو قال: هو كما قال، أو قال: هو صادق. فهذا كله سواء، وهما شريكان في كل مال عين أو دين أو رقيق أو عقار أو غير ذلك مما هو في يد كل واحد منهما؛ لأن ما أتى من الجواب غير مستقل بنفسه، فيصير ما تقدم فيه الخطاب معاداً فيه حتى يثبت به تصادقهما على شركة المفاوضة. (والثابت باتفاقهما كالثابت معاينة) (١). ومنها: إذا قال الرجل في مرضه لجارية لا مال له غيرها: هذه أم ولدي. فإن صدَّقه الورثة فهي حرة لا سبيل عليها وولدها وارث مع الورثة، ولا سعاية عليها؛ (لأن الثابت بتصادق الورثة في حقهم كالثابت بالبينة) (٢).

стр. 1455

القاعدة الثالثة [الحاجة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الثابت بالحاجة لا يعدو موضع الحاجة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إن مراتب ما يحرص الشرع على توفيره للإنسان ثلاثة أشياء: الضرورة، والحاجة، والكمال. ١ - فالضرورة مأخوذة من الاضطرار وهو الحاجة الشديدة، والضروري هنا ما لا يحصل وجود الشيء إلا به كالغذاء الضروري بالنسبة للإنسان. ومرتبة الضرورة هذه تبيح للإنسان تناول الحرام إبقاء على حياته. ٢ - والحاجة - أدنى مرتبة من الضرورة - وهي بلوغ الإنسان حدًّا لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه يكون في جهد ومشقة، فهذا يسوغ الخروج على بعض القواعد العامة ويبيح الفطر في رمضان. وقال بعضهم: الحاجة ما يفتقر الإنسان إليه مع أنه يبقى بدونه، والضرورة ما لا بد له منه في بقائه. ٣ - الكمالي أو التحسيني، وهو ما يقصد من فعله نوع من الترفه، وزيادة في لين العيش دون الخروج عن الحد المشروع. وما عدا ذلك فهو زينة وفضول. وقاعدتنا هذه تتعلق بالمرتبة الوسطى ومفادها أن الإقدام وفعل ما توجبه الحاجة مما لا يباح بدونها أن لا يتعدى موضع الحاجة؛ لأن الحاجة تقدر بقدرها؛ ولأن الإقدام على غير المباح أو الخروج على القواعد العامة إنما

стр. 1456

شرع رخصة عند وجود المشقة والحرج فمهما زالت المشقة وارتفع الحرج عاد الأمر إلى ما كان عليه من لزوم العزيمة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: المتيمم لفقد الماء أو عدم القدرة على استعماله يبطل تيممه إذا وجد الماء أو قدر على استعماله. ومنها: مَن لبس الحرير بسبب جرب أو حكة يجب عليه خلعه إذا برئ وزالت الحكة أو الجرب. ومنها: القاعد في الصلاة إذا قدر على القيام لزمه. ومنها: المعتدة عن وفاة زوجها يجب عليها المكث في بيتها المعتدة فيه إلى تمام عدتها. لكن إذا لم تجد نفقة واضطرت للخروج لكسب عيشها، فمتى حصل لها مال واستغنت عن الخروج أو وجد من ينفق عليها فقد زال عذرها فليس لها الخروج بعد ذلك إلى انتهاء عدتها. ومنها: عند الحنفية: إذا حلف لا يأكل ولا يشرب ونوى طعاماً بعينه أو شراباً بعينه لم تعتبر نيته؛ لأن المنصوص فعل الأكل والشرب، فأما المأكول والمشروب فهو ثابت بمقتضى كلامه، وثبوت المقتضي للحاجة إلى تصحيح الكلام، ولهذا لا يثبت في موضع يصح الكلام بدونه - والمقتضي لا عموم له عندهم - (والثابت بالحاجة لا يعدو موضع الحاجة) ولا حاجة إلى إثبات العموم للمقتضي ولا إلى جعله كالمنصوص عليه فيما وراء المحتاج إليه. وهذا لأن الراجح عند الحنفية عدم تخصيص اللفظ العام بالنية. وقد ذكر السرخسي هذا المثال والحكم ردًّا على الخصاف القائل: بأن المقتضي له عموم، وذكر أن من مذهبه أن نية التخصيص فيما ثبت

стр. 1457

بمقتضى كلامه صحيحة كما تصح في الملفوظ. ملحوظة: ما أورده السرخسي في هذه القاعدة مخالف لما ذكره في قاعدة سابقة من جواز تخصيص العام بالنية، ينظر القاعدة رقم ٦٣ من قواعد حرف التاء.

стр. 1458

القاعدة الرابعة [خلاف القياس] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الثابت بخلاف القياس ثابت ضرورة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالقياس في هذه القاعدة: القاعدة العامة، كعدم جواز بيع ما ليس عند الإنسان، وحرمة التفاضل في الأموال الربوية. ومفاد القاعدة: أن الأمر أو الحكم أو المعاملة الثابتة بخلاف القواعد العامة إنما ثبتت لضرورة أو حاجة، أي إنما أباحها الشرع لضرورة أو لحاجة الناس إليها، وما كان ثابتاً على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه عند الكثيرين. ثالثاً: من أمثلة القاعدة ومسائلها: التفاضل في الأموال الربوية حرام ولا يجوز، وشرط جواز التعاقد عليها تحقق المساواة بين البدلين، ولكن الرسول ﷺ أباح العرايا: جمع عريَّة، وهي مبادلة تمر برطب على رؤوس النخل مجازفة، والتمر والرطب ربويان حيث إن الرسول ﷺ منع مبادلة صاع من تمر بصاع من رطب لعدم التساوي بعد يبس الرطب (٢). ولكنه ﵊ أباح العرايا لحاجة الناس (٣).

стр. 1459

ومنها: عقد الاستصناع والإجارة والسلم، وهي عقود أبيحت وأجيزت للضرورة ولحاجة الناس إليها مع أنها بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل بالنص.

стр. 1460

القاعدة الخامسة [الثابت بدلالة العرف والعادة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الثابت بدلالة العرف كالثابت بدلالة النص (١). وفي لفظ: الثابت بالعرف كالثابت بالنص (٢) , أو بالشرط (٣). وفي لفظ: الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي (٤). وفي لفظ: الثابت بالعادة كالثابت بالنص (٥). وفي لفظ: الثابت عادة كالمتيقن به (٦). وفي لفظ: الثابت عرفاً كالثابت نصًّا، أو نطقاً أو ذكراً (٧). وفي لفظ: الثابت عرفاً كالثابت شرطاً (٨). وفي لفظ: التعيين بالعرف كالتعيين بالنص (٣)، وقد سبقت في قواعد حرف التاء تحت رقم. وفي لفظ: المعلوم بالعادة كالمشروط بالنص (٩). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.

стр. 1461

ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: إن الأمر المعهود والمعروف العمل به بين الناس فهو معتبر عند الحكم كالأمر المتيقن به المنصوص عليه والمشروط؛ لأن ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم وما جرت به عادتهم - وإن لم يذكر صريحاً - فهو كالمصرح به المنصوص عليه والمشروط في مقام الالتزام والتقييد ما لم يقم هناك نص بخلافه. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إن توابع العقود التي لا ذكر لها صريحاً في العقود تحمل على عادة كل بلد، فمن اشترى سيارة دخل فيها عدَّتها ومفاتيحها وعجلها الاحتياطي بدون ذكر في العقد للعرف المتداول والعادة الجارية. إلا إذا نص على خلافه. ومنها: ما جرت به العادة من أن حمولة الأشياء الثقيلة - كالحديد - والأسمنت والحجارة والرمل - على البائع، إلا إذا نص على خلافه.

стр. 1462

القاعدة السادسة [دلالة النص، مقتضى النص، ضرورة النص] أولاً ألفاظ ورود القاعدة: الثابت بدلالة النص كالمنصوص عليه (١)، أو كالثابت بالنص (٢)، أو كالثابت بنص الكلام (٣). وفي لفظ: الثابت بالدلالة كالثابت بالإفصاح (٤). وفي لفظ: الثابت بدلالة النص إنما يعتبر إذا لم يوجد التصريح بخلافه (٥). وفي لفظ: الثابت بدلالة الكلام كالثابت بنص الكلام (٦). وفي لفظ: الثابت بضرورة النص كالمنصوص أو كالثابت بالنص (٧). وفي لفظ: الثابت بمقتضى الكلام - أو بمقتضى النص - كالثابت بالنص (٨). وفي لفظ: الثابت بمقتضى الكلام فيما يرجع إلى تصحيح الكلام كالمصرح به (٩).

стр. 1463

وفي لفظ: الثابت بمقتضى اللفظ كالملفوظ (١). عند الشافعي ﵀. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد على اختلاف ألفاظها تؤدي معنى متحداً (وهو أن المعنى المفهوم من عبارة النص وألفاظه يكون حكمه حكم النص الملفوظ به إذا لم يوجد تصريح بخلاف ذلك المفهوم). معنى دلالة النص وضرورته: هو فهم غير المنطوق من المنطوق بسياق الكلام ومقصوده بالمعنى اللغوي، وتسمى عند الأصوليين فحوى الخطاب كما يسميها بعضهم: مفهوم الموافقة. ويثبت الحكم بالدلالة إذا عرف المعنى المقصود من الحكم المنصوص. وهذه الدلالة نوعان: ١ - إن كان المعنى المفهوم ثابتاً بطريق الأولوية ومعلوماً قطعاً كانت الدلالة قطعية، كما في تحريم التأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٢) فدلالته على تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى أولى من التأفيف. ٢ - وأما إن احتمل أن يكون غيره هو المقصود فهي ظنية كما في إيجاب الكفارة على المفطر بالأكل والشرب عمداً في رمضان (٣). وأما المقتضي: فهو ما أضمر في الكلام إما لكونه شرطاً لصحة حكم شرعي، وهو عبارة عن زيادة على المنصوص ثبتت شرطاً لصحة

стр. 1464

المنصوص عليه، أو أضمر ضرورة صدق المتكلم. وقيل: هو الذي لا يدل عليه اللفظ ولا يكون منطوقاً، لكن يكون من ضرورة اللفظ، وهو أعم من أن يكون شرعيًّا أو عقليًّا (١). ومن أمثلته قوله تعالي: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢). فمفاد هذه القواعد - كما ذكرنا - أن الثابت بدلالة النص أو ضرورته أو اقتضائه حكمه في الثبوت كحكم النص المنطوق والملفوظ به لكن بشرط أن لا يوجد تصريح بخلافه (٣). ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا أذن الواهب للموهوب له بقبض الموهوب صريحاً قبضه في المجلس وبعده. وأما إذا نهاه لم يصح قبضه؛ لأن الصريح أقوى من الدلالة. ولو سكت فلم يأذن ولم ينه صح قبضه في المجلس لا بعده دلالة. ومنها: إذا قيل له: قد بعت. فقال: لم أبع ولم أوص. كان جحوداً ونفياً للبيع والوصية في الماضي، ومن ضرورته نفي العقد والوصية في الحال، وهو يملك نفي العقد في الحال، (والثابت بضرورة النص كالثابت بالنص). ومنه قوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٤). أي لا صلاة تامة. وليس المراد نفي الصلاة بالكلية لأنها موجودة فعلاً.

стр. 1465

ومنه قوله ﵊: "لا عمل لمن لا نية له" (١) أي لا ثواب ولا جزاء لمن يعمل بدون نية. وليس المراد نفي العمل لأنه واقع فعلاً. ومنها: إذا أقر لشخص بكرم في أرض، كان له الكرم بأرضه كلها؛ لأن اسم الكرم يجمع الشجر والأرض عامة. ومطلق اللفظ في الإقرار ينصرف إلى المعتاد (٢). وما ثبت بدلالة النص عادة فهو كالمنصوص عليه. ومنها: إن أقر بحائط لرجل وقال: عنيت البناء دون الأرض لم يصدق ويقضى عليه بالحائط بأرضه؛ لأن اسم الحائط للمبني ولا يتصور ذلك إلا بالأرض، وأما غير المبني فيكون آجراً وخشباً ولَبِناً ولا يكون حائطاً (٣).

стр. 1466

القاعدة السابعة [الثابت بالضرورة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة (١) أو مواضعها (٢). وفي لفظ: الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها (٣). وفي لفظ: الثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة (٤). وفي لفظ: ما ثبت لعذر يزول بزواله (٥). أو ما جاز لعذر بطل بزواله. وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: سبق معنى الضرورة قريباً. فمفاد هذه القاعدة: أنه إذا كانت الحاجة - وهي أدنى من الضرورة - تقدر بقدرها وتزول بزوالها فبطريق أولوي أن الثابت بالضرورة يقدر بقدرها ويزول بزوالها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إن المضطر يأكل من الميتة بقدر سد رمقه أي بمقدار ما يدفع عن نفسه خطر الهلاك جوعاً. ومنها: أن الطبيب ينظر من العورة بقدر الحاجة.

стр. 1467

ومنها: اليمين الكاذبة لا تباح للضرورة، وإنما يباح التعريض لاندفاع الضرورة به. ومنها: الجبيرة يجب أن لا تستر من العضو الصحيح - في مواضع الغسل - إلا بقدر ما لا بد منه في استمساك الجبيرة. ومنها: من جاز له تناول الميتة للمسغبة، يحرم عليه تناولها بمجرد وجوده الطعام الطيب الحلال؛ (لأن ما ثبت لعذر يزوال بزواله).

стр. 1468

القاعدة الثامنة [ظاهر الحال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الثابت بظاهر الحال كالثابت بالبينة حال عدم البينة (١). وفي لفظ: ظهور أمارات الشيء هل تنزل منزلة تحققه (٢)؟ وتأتي في حرف الظاء إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ظاهر الحال: الأمارات والعلامات التي تدل على أمر وراءَها. فعند الحنفية إن ظهور أمارات وعلامات تدلنا على أمر مقصود أو مظنون تقوم مقام البينة - عند عدم وجود البينة - في بناء الأحكام عليها. وعند الشافعية خلاف في العمل بظاهر الحال. ثالثاً: من أمثلة القاعدة ومسائلها: إذا ظهرت أمارات الإفلاس على شخص هل يحجر عليه أو لا؟ عند الحنفية نعم. وعند الشافعية خلاف. ومنها: إذا ظهر على السفيه أمارات التبذير، حجر عليه بلا خلاف. ومنها: إذا بدت تباشير الهداية على الكافر فابتدر واغتسل ثم أقبل وأسلم في الحال هل يصح غسله في حال كفره؟ قالوا: صح هنا على أحد الاحتمالين (٣). رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة: إذا ظهرت أمارات نشوز المرأة لم يترتب عليها حكم حتى يتحقق النشوز.

стр. 1469

القاعدة التاسعة [الثابت بالمعاينة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الثابت بالمعاينة فوق الثابت بالبينة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المعاينة: هي المشاهدة والرؤية بالعين. والبينة: هي الحجة والبرهان والشهود. فمفاد هذه القاعدة: أن الأمر أو الحدث الذي ثبت وجوده ووقوعه بالمشاهدة والرؤية الواضحة أقوى وأثبت في النفس من الأمر الثابت عن طريق البينة؛ لأن البينة طريقها السماع من الغير، وقد يكون الخبر كاذباً أو أخطأ فيه ناقله، بخلاف المشاهدة فاحتمال الخطأ فيها نادر ولذلك كان ثبوت المشاهد قطعيًّا وثبوت المسموع ظنيًّا. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا رأى رجل آخر يفعل فعلاً كقتل أو سرقة أو ارتكاب معصية، فهو يشهد بما رآه بعيني رأسه وله أن يحلف على هذا الفعل بناء على هذه الرؤية. ولكن إذا أخبر بأن فلاناً قتل فلاناً، فلا يمكنه أن يحلف على ذلك - أي على القتل - لأن الإخبار قد يكون كاذباً، بخلاف ما لو رأى بعينه فله أن يحلف على ذلك.

стр. 1470

القاعدة العاشرة [الثابت باليقين] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الثابت باليقين لا ينتقض إلا بيقين مثله (١). وفي لفظ: ما عرف ثبوتة بيقين لا يُزال إلا بيقين مثله (٢). وفي لفظ: ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين (٣). وتأتي في حرف الذال إن شاء الله. وفي لفظ: الذمة إذا أعمرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين (٤). وتأتي في حرف الذال إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد بيان للقاعدة الكبرى: (اليقين لا يزول بالشك)، وذلك لأن اليقين إذا لم يُزل ويرتفع بالشك فهو يزول ويرتفع بيقين مثله. ورابعة هذه القواعد تمثل جانباً مهمًّا من جوانب القاعدة الكبرى وهو ما يتعلق بإبراء ذمة المكلف سواء أكان إشغالها بحقوق الله أم بحقوق العباد، ومفادها أن ذمة المكلف - وهي أهليته لتحمل التبعات - إذا أشغلت بحق فهي لا تبرأ من ذلك الحق إلا بيقين كذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا دخل وقت صلاة على المكلف شغلت ذمته بوجوب هذه الصلاة عليه يقيناً، فلا تبرأ ذمته من ذلك الوجوب إلا بأداء هذه الصلاة حقيقة بتمامها.

стр. 1471

ومنها: إذا شغلت ذمة إنسان بدين فلا تبرأ إلا بأداء هذا الدين أو إبراء الدائن للمدين. ومنها: سها وشك هل سجد للسهو؟ يجب عليه السجود؛ لأن الذمة أعمرت بوجوب السجود يقيناً، والسجود مشكوك فيه، فعليه باليقين وهو السجود فعلاً. ومنها: إذا شك فيما عليه من صيام، يجب عليه صيام الأكثر أخذاً بالأحوط؛ لأن الذمة لا تبرأ يقيناً إلا بأداء الأكثر.

стр. 1472

القاعدة الحادية عشرة [الثابت حكماً] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الثابت حكماً كالثابت حسًّا أو أقوى منه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الثابت حكماً: هو الحق الذي ثبت بتصرف مشروع أثبت حكماً شرعيًّا. والثابت حسًّا: هو ما ثبت وجوده بإحدى الحواس الخمس. فمفاد القاعدة: أن الحق الثابت بالحكم الشرعي أقوى من الحق الثابت حسًّا كوضع اليد، وأشباه ذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا باع البائع المبيع ورضي المشتري، فإن البائع يستحق الثمن ويحكم له به، ولو لم يتسلمه حالاً، لكونه مؤجلاً مثلاً. ومنها: إذا ادعى إنسان داراً في يد رجل وأقام على ذلك البينة، فإنه يحكم له بها، وإن كانت في يد غيره. فثبوت ملكية الدار للمدعي بالحكم أقوى من ثبوت اليد لمن لا يملك.

стр. 1473

القاعدتان الثانية عشرة والثالثة عشرة [الثابت بالإقرار] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الثابت بالإقرار في حق المقر كالثابت بالمعاينة (١) , أو بالبينة (٢). وفي لفظ: الثابت من الإذن بالإقرار كالثابت بالبينة (٣). وفي لفظ: الثابت من الإقرار بالبينة كالثابت بالمعاينة (٤). أو كالمسموع من المقر في مجلس الحكم (٥). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد تتعلق ببعض أدلة الإثبات وهي الإقرار، البينة، المعاينة، فالإقرار - وقد سبقت قواعده وأحكامه في قواعد حرف الهمزة - هو اعتراف من المقر بحق لغيره عليه أو بفعل قد فعله يترتب عليه حكم. أو هو إخبار عن ثبوت حق لغيره على نفسه (٦). والبينة: الحجة والبرهان، وأصله صفة لموصوف محذوف وهو الدلالة البينة - أي الواضحة والموضَّحة. أي العلامة الواضحة على صدق المدعي وهما الشاهدان أو الثلاثة أو الأربعة ونحوها من البينات (٧). والمعاينة: المشاهدة بالعين، والمسموع بالأذن. وهذه القواعد ذات شقين: الأول ما يتعلق بما يثبته الإقرار في حق المقر

стр. 1474

وقد سبق بيان هذا في قواعد الإقرار وأن الإقرار حجة قاصرة على المقر وهو مقبول في حق المقر وفي قوة البينة والمعاينة وقد يكون أقوى؛ لأن المقر لا يتصور منه الكذب على نفسه ليضرها، والبينة محتملة. والشق الثاني يتعلق بإثبات الإقرار - إذا كان في غير مجلس الحكم - فإذا ثبت الإذن بالإقرار أو قامت البينة على إقرار المقر فيكون ثبوت ذلك كالثابت بالمشاهدة، أو بالإقرار المسموع أمام الحاكم في مجلس الحكم فينبني عليه الحكم الملزم؛ لأن قوة الثابت بالبينة كقوة الثابت بالمشاهدة في ترتب حكمه عليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: أقر أمام شاهدين أن لفلان عليه ألف دينار - خارج مجلس الحكم - ثم شهد عليه الشاهدان بذلك الإقرار في مجلس الحكم، فشهادتهما مقبولة كإقراره أمام الحاكم. ومنها: إذا أقر بحق عليه فإقراره ملزم كما لو قامت عليه البينة أو شوهد بأخذ ذلك الحق. ولا فرق في حقوق العباد بين الإقرار والبينة - من حيث الإلزام - فكلاهما ملزم للمقر وللمشهود عليه، ولا يجوز للمقر أن يتراجع عن إقراره، كما لا يمكن رد شهادة الشهود إلا إذا طُعن في عدالتهم. ويفترق الإقرار عن الشهادة بأن الإقرار حجة قاصرة على المقر ولا تتعداه إلى غيره، وأما البينة فهي حجة متعدية إذ تتعدى المشهود عليه إلى غيره عند اتحاد السبب. وأما من حيث حقوق الله تعالى فيختلف الإقرار عن البينة من حيث إن المقر بحق لله تعالى كالزنا وشرب الخمر يمكنه الرجوع عن إقراره وإكذابه نفسه فلا يقام عليه الحد، ولكن الحق الثابت بالبينة لا يمكن للمشهود عليه الرجوع عنه ولا رده ولا إنكاره بعد الإشهاد عليه.

стр. 1475

القاعدة الرابعة عشرة [الثابت من وجه] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الثابت من وجه دون وجه لا يكون ثابتاً مطلقاً، وبدون الإطلاق لا يثبت الكمال (١). وفي لفظ مقابل: الثابت من وجه يلحق بالثابت من كل وجه فيما يدرأ بالشبهات (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: هاتان القاعدتان متقابلتان ظاهراً ولكنهما في الحقيقة ليستا كذلك بل إحداهما وهي الأولى أصل، والثانية تعتبر استثناء منها. فمفاد الأولى: أن الأمر الثابت من وجه دون وجه - أي أن ثبوته ليس كاملاً - لا يكون ثابتاً مطلقاً - حتى يأخذ حكم الثابت من كل وجه؛ لأن كمال الثبوت لا يكون إلا بإطلاق الثبوت من كل وجه. ومفاد الثانية: أن بعض الثابت من وجه دون وجه يأخذ حكم الثابت من كل وجه ويلحق به في الأحكام وذلك فيما يدرأ بالشبهات خاصة وهي الحدود. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: الأمة المشتركة بين اثنين لا يجوز لأحد منهما وطؤها؛ لأن كل واحد منهما لا يملكها على سبيل الكمال، والوطء لا يجوز ولا يباح إلا بتمام الملك وكماله.
следующие страницы →