ومنها: إذا شغلت ذمة إنسان بدين فلا تبرأ إلا بأداء هذا الدين أو إبراء الدائن للمدين.
ومنها: سها وشك هل سجد للسهو؟ يجب عليه السجود؛ لأن الذمة أعمرت بوجوب السجود يقيناً، والسجود مشكوك فيه، فعليه باليقين وهو السجود فعلاً.
ومنها: إذا شك فيما عليه من صيام، يجب عليه صيام الأكثر أخذاً بالأحوط؛ لأن الذمة لا تبرأ يقيناً إلا بأداء الأكثر.
стр. 1472
القاعدة الحادية عشرة [الثابت حكماً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الثابت حكماً كالثابت حسًّا أو أقوى منه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الثابت حكماً: هو الحق الذي ثبت بتصرف مشروع أثبت حكماً شرعيًّا.
والثابت حسًّا: هو ما ثبت وجوده بإحدى الحواس الخمس.
فمفاد القاعدة: أن الحق الثابت بالحكم الشرعي أقوى من الحق الثابت حسًّا كوضع اليد، وأشباه ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع البائع المبيع ورضي المشتري، فإن البائع يستحق الثمن ويحكم له به، ولو لم يتسلمه حالاً، لكونه مؤجلاً مثلاً.
ومنها: إذا ادعى إنسان داراً في يد رجل وأقام على ذلك البينة، فإنه يحكم له بها، وإن كانت في يد غيره. فثبوت ملكية الدار للمدعي بالحكم أقوى من ثبوت اليد لمن لا يملك.
стр. 1473
القاعدتان الثانية عشرة والثالثة عشرة [الثابت بالإقرار]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الثابت بالإقرار في حق المقر كالثابت بالمعاينة (١) , أو بالبينة (٢).
وفي لفظ: الثابت من الإذن بالإقرار كالثابت بالبينة (٣).
وفي لفظ: الثابت من الإقرار بالبينة كالثابت بالمعاينة (٤). أو كالمسموع من المقر في مجلس الحكم (٥).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تتعلق ببعض أدلة الإثبات وهي الإقرار، البينة، المعاينة، فالإقرار - وقد سبقت قواعده وأحكامه في قواعد حرف الهمزة - هو اعتراف من المقر بحق لغيره عليه أو بفعل قد فعله يترتب عليه حكم. أو هو إخبار عن ثبوت حق لغيره على نفسه (٦). والبينة: الحجة والبرهان، وأصله صفة لموصوف محذوف وهو الدلالة البينة - أي الواضحة والموضَّحة. أي العلامة الواضحة على صدق المدعي وهما الشاهدان أو الثلاثة أو الأربعة ونحوها من البينات (٧).
والمعاينة: المشاهدة بالعين، والمسموع بالأذن.
وهذه القواعد ذات شقين: الأول ما يتعلق بما يثبته الإقرار في حق المقر
стр. 1474
وقد سبق بيان هذا في قواعد الإقرار وأن الإقرار حجة قاصرة على المقر وهو مقبول في حق المقر وفي قوة البينة والمعاينة وقد يكون أقوى؛ لأن المقر لا يتصور منه الكذب على نفسه ليضرها، والبينة محتملة.
والشق الثاني يتعلق بإثبات الإقرار - إذا كان في غير مجلس الحكم - فإذا ثبت الإذن بالإقرار أو قامت البينة على إقرار المقر فيكون ثبوت ذلك كالثابت بالمشاهدة، أو بالإقرار المسموع أمام الحاكم في مجلس الحكم فينبني عليه الحكم الملزم؛ لأن قوة الثابت بالبينة كقوة الثابت بالمشاهدة في ترتب حكمه عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
أقر أمام شاهدين أن لفلان عليه ألف دينار - خارج مجلس الحكم - ثم شهد عليه الشاهدان بذلك الإقرار في مجلس الحكم، فشهادتهما مقبولة كإقراره أمام الحاكم.
ومنها: إذا أقر بحق عليه فإقراره ملزم كما لو قامت عليه البينة أو شوهد بأخذ ذلك الحق. ولا فرق في حقوق العباد بين الإقرار والبينة - من حيث الإلزام - فكلاهما ملزم للمقر وللمشهود عليه، ولا يجوز للمقر أن يتراجع عن إقراره، كما لا يمكن رد شهادة الشهود إلا إذا طُعن في عدالتهم. ويفترق الإقرار عن الشهادة بأن الإقرار حجة قاصرة على المقر ولا تتعداه إلى غيره، وأما البينة فهي حجة متعدية إذ تتعدى المشهود عليه إلى غيره عند اتحاد السبب.
وأما من حيث حقوق الله تعالى فيختلف الإقرار عن البينة من حيث إن المقر بحق لله تعالى كالزنا وشرب الخمر يمكنه الرجوع عن إقراره وإكذابه نفسه فلا يقام عليه الحد، ولكن الحق الثابت بالبينة لا يمكن للمشهود عليه الرجوع عنه ولا رده ولا إنكاره بعد الإشهاد عليه.
стр. 1475
القاعدة الرابعة عشرة [الثابت من وجه]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الثابت من وجه دون وجه لا يكون ثابتاً مطلقاً، وبدون الإطلاق لا يثبت الكمال (١).
وفي لفظ مقابل: الثابت من وجه يلحق بالثابت من كل وجه فيما يدرأ بالشبهات (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان متقابلتان ظاهراً ولكنهما في الحقيقة ليستا كذلك بل إحداهما وهي الأولى أصل، والثانية تعتبر استثناء منها.
فمفاد الأولى: أن الأمر الثابت من وجه دون وجه - أي أن ثبوته ليس كاملاً - لا يكون ثابتاً مطلقاً - حتى يأخذ حكم الثابت من كل وجه؛ لأن كمال الثبوت لا يكون إلا بإطلاق الثبوت من كل وجه.
ومفاد الثانية: أن بعض الثابت من وجه دون وجه يأخذ حكم الثابت من كل وجه ويلحق به في الأحكام وذلك فيما يدرأ بالشبهات خاصة وهي الحدود.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
الأمة المشتركة بين اثنين لا يجوز لأحد منهما وطؤها؛ لأن كل واحد منهما لا يملكها على سبيل الكمال، والوطء لا يجوز ولا يباح إلا بتمام الملك وكماله.
стр. 1476
ومنها: هبة المشاع عند الحنفية لا تجوز؛ لأن الهبة يشترط فيها القبض والمشاع لا يمكن قبضه، فمن وهب ثلث كذا أو ربعه أو نصيبه من أرض كذا أو عقار كذا لا يجوز؛ لأن شرط القبض منصوص عليه في الهبة فيراعى وجوده على أكمل الجهات التي تُمكن، كشرط استقبال القبلة في الصلاة لما كان منصوصاً عليه يشترط ذلك فيه. حتى لو استقبل الحطيم - حجر إسماعيل ﵇ لا تجوز صلاته، والحطيم من البيت من وجه دون وجه، ثم القبض مع الشيوع ثابت من وجه دون وجه، ولذلك لا تتم الهبة مع الشيوع ولا تجوز حتى تقع القسمة (١) لعدم التمكن من القبض.
رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة وهو من أمثلة القاعدة الثانية:
الأمة المشتركة إذا وطئها أحد الشريكين يدرأ عنه الحد وعليه تمام قيمتها لشريكه؛ لأن الثابت من وجه يلحق بالثابت من كل وجه فيما يدرأ بالشبهات (٢).
ومنها: الوطء في نكاح مختلف فيه يوجب مهر المثل ويدرأ الحد لشبهة العقد.
ومنها: إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر فلا قطع عليه إذا كان المال ليس محرزاً، وهذا باتفاق. وإن سرق من حرز ففيه خلاف (٣).
стр. 1477
القاعدة الخامسة عشرة [الثبوت ابتداء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الثبوت ابتداء يستدعي قيام الملك مطلقاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد هذه القاعدة: أن ثبوت الأحكام ابتداء كالنفقة للزوجة مثلاً يستدعي قيام الزوجية وتبوئه الزوجة منزلاً للزوج تقيم فيه وتقوم على زوجها وتتفرغ لمصالحه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الزوجة إذا كانت ناشزاً وليس في بيت الزوج، وطلقها الزوج، فلا نفقة لها في العدة ما دامت خارج بيت الزوجية، فإذا عادت إلى بيت الزوج في العدة فلها النفقة ما دامت في العدة؛ لأن العدة حق من حقوق النكاح، فكما يبقى باعتبار هذا الحق ما كان لها من استحقاق السكنى فكذلك النفقة، وباستحقاق السكنى تبين بقاء ملك اليد للزوج عليها ما دامت في العدة.
стр. 1478
القاعدة السادسة عشرة [ثبوت الأجل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ثبوت الأجل يبنى على وجوب المال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأجل: هو المدة المضروبة لسداد الدين.
فمفاد القاعدة: أن المدة المضروبة لسداد الدين مبناها على وجوب المال أولاً فما لم يجب المال لا تثبت المدة؛ لأن وجوب المال أصل والأجل فرع مبني عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
تزوجها على أن يعطيها مهرها بعد ستة أشهر مثلاً، جاز ذلك إذا تم عقد النكاح وسلمت نفسها له ولا حق لها في المطالبة إلا عند حلول الأجل.
وأما إذا تراوضا على النكاح على أن يكون المهر بعد ستة أشهر فلا تبدأ المدة قبل تمام العقد؛ لأن بتمام العقد يجب المال.
ومنها: إذا اشترى سلعة بثمن مؤجل فلا يثبت الأجل ما لم يستلم السلعة لأنه بدون استلام السلعة لا يثبت المال ولا يجب على المشتري.
ومنها: إذا قتل رجل خطأ فلم يرفع إلى القاضي إلا بعد عدة سنين فإن القاضي يقضي بالدية على عاقلة القاتل في ثلاث سنين من يوم القضاء؛ لأن المال إنما يجب بقضاء القاضي فأما قبل القضاء فالمال ليس بواجب (٢).
стр. 1479
القاعدة السابعة عشرة [ثبوت التبع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ثبوت التبع بثبوت المتبوع (١)، أو الأصل (٢).
وفي لفظ: ثبوت الحكم في التبع كثبوته - أو بثبوته - في الأصل (٣) أو المتبوع (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد سبق ذكر قريب من معناها في قواعد حرف التاء تحت الأرقام ١٠ - ١٥.
ومفادها: أن التابع إنما يثبت ويوجد بثبوت أصله ووجوده، وأن ثبوت حكمه إنما يكون أيضاً بثبوته في أصله ومتبوعه؛ لأن التابع لغيره في الوجود لا ينفرد بالحكم بل يكون تابعاً لأصله في حكمه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
الحمل لا يثبت بدون أمه فوجوده بوجودها.
فمن باع حاملاً دخل حملها في البيع تبعاً وأخذ حكمها.
стр. 1480
ومنها: الرهن تابع للدين فلا يوجد رهن بدون دين فثبوت الرهن بثبوت الدين.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد:
يصح إعتاق الجنين دون أمه, كما يصح الهبة له ويقبض عنه وليه وهو يرث دون أمه. كما يصح الوصية له.
стр. 1481
القاعدة الثامنة عشرة [ثبوت الحكم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ثبوت الحكم بحسب الحاجة (١).
وفي لفظ: ثبوت الحكم بحسب السبب (٢)
وفي لفظ: ثبوت الحكم باعتبار السبب (٣) أو على وفق السبب (٤).
وفي لفظ: ثبوت الحكم بثبوت سببه (٥) أو بتقرر بسببه (٦).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
مفاد هذه القواعد أن ثبوت الحكم تابع لثبوت سببه، فإذا ثبت السبب أو العلة وتقرر فيثبت الحكم المبني عليه، ويكون الحكم الناتج عن السبب في قوة سببه، إن كان السبب قطعيًّا كان الحكم مقطوعاً به تبعاً له، وإن كان السبب ظنيًّا فكذلك يكون الحكم المبني عليه، حيث إن الحكم يتبع سببه قوة وضعفاً، وحتى إذا كان السبب موهوماً كان الحكم موهوماً كذلك، أي لا يعتد به لعدم الاعتداد بسببه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
اللقيط المحكوم بحريته إذا ارتكب سبباً موجباً للحد كالزنا فعليه الحد الكامل إذا تأكدت حريته بقضاء القاضي عليه، فإذا أقر بعد ذلك أنه رقيق
стр. 1482
لا يُقبل إقراره؛ لأن في قبول إقراره إبطال حكم الحاكم.
ومنها: إذا ثبت رق اللقيط بإقراره بعد ما أدرك - ولم يحكم القاضي بحريته - فهو عبد وأحكامه بعد ذلك في الجنايات والحدود أحكام العبيد؛ لأنه صار محكوماً عليه بالرق.
ومنها: في ولاء الموالاة إذا اتفقا على توريث كل واحد منهما من صاحبه يثبت الحكم من الجانبين، حيث إن سبب التوريث العقد والشرط فعلى الوجه الذي وجد به الشرط يثبت الحكم.
ومنها: أن ولاء العتق بعد ثبوته لا يحتمل النقض والفسخ؛ لأن الإعتاق لا يحتمل النقض بعد ثبوته، وثبوت الحكم على وفق السبب (١).
ومنها: لو أن امرأة طلقها زوجها أو مات عنها فأرضعت صبيًّا بعد انقضاء عدتها، فإنها تثبت حرمة الرضاع بين هذا الصبي وبين زوجها - المطلق أو الميت - بمنزلة ما لو كان الإرضاع في حال قيام النكاح بينهما؛ لأن سبب نزول اللبن لها كان وطء ذلك الزوج فما بقي ذلك اللبن يكون مضافاً إلى ذلك السبب (٢).
стр. 1483
القاعدة التاسعة عشرة [ثبوت الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ثبوت الحكم باعتبار كمال العلة (١). أي العلة ذات الأوصاف.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأحكام لها علل وأسباب تعلل بها وتضاف إليها، والعلة قد تكون ذات وصف واحد به كمالها فيثبت الحكم بوجودها، كالقذف علة لإقامة الحد على القاذف، وقد تكون العلة ذات أوصاف متعددة فلا يثبت الحكم بها إلا إذا وجدت كل أوصافها، فلو تخلف منها وصف لم يثبت الحكم، ويكون تخلفه لعدم كمال العلة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
القتل العمد العدوان من غير والد ولا مجنون ولا صغير يوجب القصاص، فأما إذا كان قتلاً غير عمد فلا يوجب القصاص لتخلف وصف من أوصاف العلة، وكذلك إذا كان عمداً ولكنه بحق فكذلك لا يوجب القصاص، وهكذا لا بد لوجوب القصاص من وجود أوصاف العلة كلها.
ومنها: إذا ادعى رجل أنه ابن رجل - والأب يجحد - فأقام المدعي البينة أنه ابنه ولد على فراشه وأنه وارثه، فقضي بذلك، ثم رجع الشهود عن شهادتهم فلا ضمان عليهم؛ لأنهم لم يشهدوا عليه بمال إنما ألزموه النسب بشهادتهم والنسب ليس بمال، ولو مات فورثه ثم رجعوا عن شهادتهم لم يضمنوا شيئاً كذلك؛ لأنهم ألزموه النسب بشهادتهم في حال الحياة ولا يكون ذلك شهادة بالميراث، وهذا لأن استحقاق الميراث
стр. 1484
بالنسب والموت جميعاً فكان حكماً متعلقاً بوصفين، فإنما يحال به على آخر الوصفين وجوداً - وهو الموت - لأن العلة تتم به وثبوت الحكم باعتبار كمال العلة.
стр. 1485
القاعدة العشرون [ثبوت حكم الطهارة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ثبوت حكم الطهارة في الأصل يوجب ثبوته في التبع (١). عند الشافعي ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد القاعدة: أن الأصل إذا كان طاهراً فيلزم من طهارته طهارة فرعه وتابعه؛ لأن التبع يأخذ حكم أصله، فما كان أصله طاهراً كان هو طاهراً كذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند الشافعي ﵀ أن المستحاضة تتوضأ لكل فريضة مكتوبة تُريد صلاتها، وتصلي بوضوئها هذا ما شاءت بعد ذلك من النوافل؛ لأن النوافل تبع للفرائض، فإذا ثبت طهارة المستحاضة في الفريضة ثبت طهارتها أيضاً في نوافلها؛ لأن ثبوت حكم الطهارة في الأصل يوجب ثبوته في التبع.
стр. 1486
القاعدة الحادية والعشرون [ثبوت الحكم عند ثبوت شرطه]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ثبوت الحكم عند وجود شرطه نظير ثبوت الحكم بالعلة (١).
وفي لفظ: ثبوت الحكم عند وجود الشرط يكون محالاً به على السبب (٢).
وفي لفظ: الوجوب إذا ثبت عند وجود شرطه فإنما يحال به على سببه (٣). وتأتي في حرف الواو إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
سبق معنى الشرط والعلة والسبب، فمفاد هذه القواعد أن الحكم إذا ثبت عند وجود شرط وجوبه فهو شبيه بثبوت الحكم بالعلة، ومن ناحية ثانية إن ثبوت هذا الحكم عند وجود شرطه لا يحال على الشرط؛ لأن الشرط عند الأصوليين (ما ينتفي الحكم عند انتفائه، ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه) بل إنما يحال به على سببه وعلته, لأن السبب هو الذي يلزم من وجوده وجود الحكم ويلزم من انتفائه انتفاء الحكم. فإذا ثبت الحكم دل ذلك على وجود سببه وعدم انتفاء شرطه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا وجبت الزكاة عند حولان الحول - وهو شرطها - فكأنها وجبت لثبوت
стр. 1487
سبب وجوبها وهو النصاب، بل إن ثبوت وجوبها إنما يحال به على سببها وهو النصاب، وكان وجود الشرط موجباً إخراجها لمستحقيها. فالسبب موجب، والشرط موجب، ولكن جهة الإيجاب مختلفة، فالسبب هو بلوغ المال النصاب موجب للزكاة في المال، وحولان الحول وهو شرطها موجب لإخراجها لمستحقيها وتعلق وجوب ذلك بذمة المكلف.
ومنها: وجوب الصلاة وتعلقها في ذمة المكلف المتطهر بعد دخول وقتها شبيه بثبوت وجوبها بسببها وهو الوقت، وإنما يحال وجوب الأداء على السبب لا على الشرط.
ومنها: لا يعتق المكاتب إلا بأداء جميع المال؛ لأن الشرط يقابل المشروط جملة.
стр. 1488
القاعدة الثانية والعشرون [ثبوت الصفة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ثبوت الصفة بثبوت الأصل (١)
وفي لفظ: الصفة تتبع الأصل فتبنى عليه (٢). وتأتي في حرف الصاد إن شاء الله.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الأوصاف تبع موصوفاتها؛ لأن الصفة لا تقوم بنفسها بل لا بد لها من محل تقوم به، والأصول بالنسبة للصفات ذوات والصفات أعراض، والعرض لا يقوم بنفسه، ولذلك كان ثبوت الصفة بثبوت الأصل وانتفاؤها بانتفائه أو بحلول صفة أخرى محلها. وحكم الصفة حكم أصلها إذ تبنى عليه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا وكل رجل شخصاً في طلاق امرأته طلقة رجعية، فطلقها طلقة بائنة وقعت رجعية، حيث إن الموكل إنما وكله بطلقة رجعية فقوله: بائنة يعتبر ملغى؛ لأن ذلك غير مفوض إليه فيبقى قوله: طلقتك. فتقع على الوجه الذي فوض إليه (لأن ثبوت الصفة بثبوت الأصل).
ومنها: إذا لحق بعض أهل الذمة بجيش المسلمين - أو كانوا من تجار أهل الحرب - فقاتلوا مع المسلمين، ثم أسلموا قبل إصابة الغنائم أو بعدها،
стр. 1489
فمن كان منهم راجلاً فله سهم راجل ومن كان منهم فارساً استحق سهم الفرسان؛ لأن إسلامهم قبل تمام الاستحقاق بإحراز الغنائم بدار الإسلام يجعل بمنزلة ما لو كانوا مسلمين عند ابتداء السبب في صفة استحقاق الغنيمة؛ لأن الصفة تتبع الموصوف فتبنى عليه.
стр. 1490
القاعدة الثالثة والعشرون [ثبوت المتضمِّن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ثبوت المتضمَّن إنما يكون بعد صحة المتضمِّن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المتضمَّن: اسم مفعول، والمتضمِّن اسم فاعل.
فالمتضمَّن فرع والمتضمِّن أصل، وإنما يثبت الفرع بثبوت أصله، ويصح الفرع بعد صحة أصله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصلاة متضمنة لأجزاء فروض وواجبات وسنن وآداب، فلا تصح هذه الأجزاء أو بعضها إلا إذا صحت الصلاة جملة.
ومنها: ثبوت المهر إنما يكون بعد صحة عقد النكاح.
ومنها: ثبوت الثمن في ذمة المشتري إنما يثبت بعد صحة عقد البيع.
ومنها: اليمين لا توجه على المدعى عليه إلا بعد صحة الدعوى.
стр. 1491
القاعدة الرابعة والعشرون [ثبوت الملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ثبوت الملك باعتبار حال المالك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد هذه القاعدة: أن المالكين يختلفون في ثبوت ما يمكن أن يملكوه باختلاف أحوالهم، إما الاختلاف بالحرية والرق فالحر يملك ما لا يملكه الرقيق، وإما الاختلاف بحال الذكورية والأنوثية فالرجل يملك ما لا تملكه المرأة، وإما بحال العقل وعدمه، والبلوغ والصغر، ولكل في إثبات الملك أحكام، وسواء في ذلك ما يتعلق بالعقود أم ما يتعلق بالإطلاقات كالطلاق والإذن والعتق وغير ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الحر يملك المال، والعبد لا يملك المال؛ لأن العبد وما ملكت يداه لمولاه.
ومنها: الحر يملك أن يتزوج أربعاً، والعبد على النصف من ذلك له أن يتزوج اثنتين.
ومنها: الحر يملك أن يطلق ثلاث تطليقات، والعبد لا يملك سوى تطليقتين.
ومنها: الحرة عدتها ثلاث حيض، والأمة عدتها حيضتان.
стр. 1492
ومنها: الرجل يملك أن يطلق، والمرأة لا تملك ذلك.
ومنها: الحر البالغ يملك التصرف فيما يملك والصغير والمجنون لا يملكان ذلك.
стр. 1493
القاعدة الخامسة والعشرون [الثمن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الثمن إذا كان عيناً لا يقبل الأجل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مفاد هذه القاعدة أن الثمن إذا لم يكن مالاً - دنانير أو دراهم - وكان عيناً - أي غير الدراهم والدنانير - من المتاع والحيوان وغيره، وهذا المعنى هو المراد هنا، فلا يقبل التأجيل بل يجب أداؤه حالاً؛ لأنه لا يتعلق بالذمة كالدراهم والدنانير.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع داراً بعبد، وجب أداء العبد حالاً ولا يقبل التأجيل بأن يقول المشتري أُسلِّم لك العبد بعد سنة مثلاً.
стр. 1494
القاعدة السادسة والعشرون والقاعدة السابعة والعشرون [الثمن]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
١ - الثمن يملك بملك الأصل (١).
٢ - الثمن ما يثبت ديناً في الذمة (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
القاعدة الأولى مفادها: أن ملك الثمن تابع لملك أصله وهو المبيع، فمن ملك المبيع ملك ثمنه.
والقاعدة الثانية تفيد أن ما يكون ثمناً هو ما يمكن أن يثبت ديناً في الذمة، كالدراهم والدنانير ومفهومها: أن ما لا يثبت ديناً في الذمة لا يكون ثمناً. كالعروض، ولكن ثبت في القاعدة السابقة أن الثمن قد يكون عيناً والعين لا تثبت في الذمة. ولعله يعتبر استثناءً من القاعدة.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا باع الوكيل ما وُكِل به وجب عليه رد الثمن إلى الموكل، فهو المالك له لأنه يملك أصله وهو المبيع، ولا يكون الثمن ملكاً للوكيل لأنه باع.
ومنها: إذا كان جمل في يد رجل وقال: هذا مضاربة لفلان معي بالنصف ثم باعه بألفين. وقال: كان رأس المال ألف درهم. وقال رب المال دفعت الجمل إليك بعينه للمضاربة، فالقول قول رب المال؛ لأنه أقر بملك الجمل له حين قال أي المضارب: بأنه مضاربة لفلان معي، فإن
стр. 1495
اللام للتمليك فيثبت الملك في الجمل لرب المال في إقراره، والثمن يملك بملك الأصل فيكون الثمن لرب المال وعليه للمضارب أجر مثله؛ لأن رب المال أقر له بذلك على نفسه، وكان للمضارب أجر مثله لا نصف الربح؛ لأن المضاربة بالعروض فاسدة، وإذا فسدت المضاربة كان للمضارب أجر مثله.
من أمثلة القاعدة الثانية:
باع جملاً بمائة دينار وأخذ بدلها ألف درهم جاز؛ لأن النقود لا تتعين بالتعيين، ولذلك لا تستحق بالعقد إلا ديناً في الذمة، ولو كانت تتعين بالتعيين لم تكن ديناً في الذمة ولكانت عروضاً لا أثماناً.
وبهذا انتهت قواعد حرف الثاء
بحسب الإمكان
стр. 1496
الخاتمة
بهذا تمت قواعد القسم الثاني من موسوعة القواعد الفقهية
ويتلوه قريباً إن شاء الله تعالى
القسم الثالث
ويشمل قواعد حروف
"الجيم، الحاء، الخاء، والدال، والذال، والراء، والزاي".
стр. 1497
فهرس المصادر والمراجع
زيادة عما هو في فهارس القسم الأول
١ - كتاب أساس البلاغة، تحقيق عبد الرحيم محمود، للزمخشري جار الله محمود بن عمر أبي القاسم المتوفى سنة ٥٣٨ هـ، طبع دار المعرفة بيروت ١٤٠٢ هـ.
٢ - كتاب البرهان في أصول الفقه، تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب، لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني المتوفى سنة ٤٧٨ هـ، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ قطر. مطابع الدوحة الحديثة.
٣ - كتاب التعريفات الفقهية، ضمن كتاب قواعد الفقه، للبنجلاديشي السيد عميم الإحسان المجددي البركتي، طبع ونشر الصَّدف ببلشرز كراتشي باكستان ١٤٠٧ هـ.
٤ - كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، للمزي يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف الكلبي القضاعي أبي الحجاج المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، طبع مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الخامسة ١٤١٣ هـ.
٥ - كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، لابن الأثير أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري مجد الدين المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، مطبعة الملاح، بيروت ١٣٩٠ هـ.
٦ - كتاب جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس للحميدي أبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الأزدي المتوفى سنة ٤٨٨ هـ، طبع الدار المصرية للتأليف والترجمة ١٩٦٦ م.
٧ - كتاب حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، تحقيق الدكتور ياسين درادكه، للقفال الشاشي أبي بكر محمد بن أبي أحمد سيف الدين القفال، مكتبة الرسالة الحديثة، عمَّان، الطبعة الأولى ١٩٨٨ م.
٨ - كتاب الذخيرة، تحقيق محمد حجي للقرافي أحمد بن إدريس الصنهاجي شهاب الدين المتوفى سنة ٦٨٤ هـ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٤ م.
٩ - كتاب رد المحتار، حاشية ابن عابدين، ابن عابدين محمد أمين بن عمر الدمشقي الحنفي المتوفى سنة ١٢٥٢ هـ، طبع دار الطباعة المصرية سنة ١٢٧٢ هـ.
١٠ - كتاب رسائل ابن نجيم، تحقيق الشيخ خليل الميس، ابن نجيم زين الدين بن إبراهيم الحنفي المتوفى سنة ٩٧٠ هـ، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.
стр. 1498
١١ - كتاب سبل السلام شرح بلوغ المرام تصحيح وتعليق محمد محرز حسن سلامة، للصنعاني محمد بن إسماعيل الأمير الكحلاني المتوفى سنة ١١٨٢ هـ، مطابع الرياض ١٣٩٧ هـ.
١٢ - كتاب السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، للبيهقي أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.
١٣ - كتاب طبقات الشافعية، تحقيق عادل نويهض، لابن هداية الله أبو بكر بن هداية الله المريواني الكوراني الكردي المتوفى سنة ١٠١٤ هـ، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية ١٩٧٩ م.
١٤ - كتاب القواعد النورانية الفقهية، تحقيق محمد حامد الفقي، لابن تيمية أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام تقي الدين الحراني المتوفى سنة ٧٢٨ هـ، دار المعرفة، بيروت ١٣٩٩ هـ.
١٥ - كتاب قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية، لابن جزي محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي المالكي أبي القاسم، دار العلم للملايين، بيروت ١٩٧٤ م.
١٦ - كتاب كشف الأسرار شرح أصول البزدوي تعليق محمد المعتصم بالله البغدادي، للبخاري عبد العزيز بن أحمد علاء الدين المتوفى سنة ٧٣٠ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.
١٧ - كتاب كشف الأسرار شرح المنار، للنسفي أبي البركات عبد الله بن أحمد حافظ الدين المتوفى سنة ٧١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.
١٨ - كتاب اللباب في شرح الكتاب، تحقق محمد محي الدين عبد الحميد، للميداني الشيخ عبد الغني الدمشقي الحنفي، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٤١٢ هـ.
١٩ - كتاب المسائل الماردينية لابن تيمية، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم أبي العباس تقي الدين. تحقيق زهير الشاويش - المكتب الإسلامي - بيروت. ط الثالثة.
٢٠ - كتاب المستدرك على الصحيحين، للحاكم الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ، دار الكتاب العربي، بيروت.
٢١ - كتاب معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، للطرابلسي علي بن خليل أبو الحسن علاء الدين الحنفي، طبع شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، الطبعة الثانية ١٣٩٣ هـ.
стр. 1499
لِأوّل مرَّة في تَارِيخ الفِقهِ الإسلامي
مُوْسُوعَة
القَواعِد الفِقْهِيَّة
جَمع وَترتيب وَبَيان
الشيخ الدكتور
محمد صدقي بن أحمَد البُورْنوُ أبو الحَارث الغزِّي عَفَا الله عَنه
الأستاذ المشارك في كليّة الشريعَة وأصُول الِدّين
بالقصيم - بريدَة
القِسمُان
الثالث والرابع
حُروف
الجيم والحاء والخاء, والدال والذال والراء والزاي
مكتبة التَّوبَة
دار ابن حزم
стр. 1500
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعَة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م
ح مكتبة التوبة للنشر والتوزيع , ١٤٢٠ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الغزي, محمد صدقي أحمد البورنو
موسوعة القواعد الفقهية - الرياض.
... ص , .. سم
ردمك: × - ٣٦ - ٧٠٤ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٨ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (ج ٥)
١ - القواعد الفقهية - موسوعات أ - العنوان
ديوي ٦٠٣, ٢٥١ - ١٧١٢/ ٢٠
رقم الإيداع: ١٧١٢/ ٢٠
ردمك: × - ٣٦ - ٧٠٤ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٨ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (ج ٥)
مكتبة التوبة الرياض - المملكة العربية السعودية - شارع جرير
هاتف ٤٧٦٣٤٢١ فاكس ٤٧٧٤٨٦٢ ص. ب ١٨٢٩٠ الرمز ١١٤١٥
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تلفون: ٧٠١٩٧٤
стр. 1501
تقديم
هذان القسمان: الثالث والرابع من موسوعة القواعد الفقهية.
القسم الثالث ويشمل:
١ - حرف الجيم: وعدد قواعده ٣٦ ست وثلاثون قاعدة.
٢ - حرف الحاء: وعدد قواعده ١٢٤ أربع وعشرون ومائة قاعدة.
٣ - حرف الخاء: وعدد قواعده ٣١ احدى وثلاثون قاعدة.
ومجموع قواعد هذا القسم إحدى وتسعون ومائة قاعدة.
القسم الرابع: ويشمل قواعد الحروف التالية:
١ - حرف الدال: وعدد قواعده ٤٠ أربعون قاعدة.
٢ - حرف الذال: وعدد قواعده ٧ سبع قواعد.
٣ - حرف الراء: وعدد قواعده ٢٨ ثمان وعشرون قاعدة.
٤ - حرف الزاي: وعدد قواعده ٨ ثماني قواعد.
ومجموع قواعد هذا القسم ثلاث وثمانون قاعدة.
وقد سرت في هذين القسمين على نفس الطريقة التي سرت عليها في القسمين السابقين: أذكر القسم والحرف أولا ثم رقم القاعدة التسلسلي ثم لفظ ورود القاعدة أو ألفاظ ورودها إن وردت بصيغ مختلفة مع نسبة كل صيغة لمصدرها، وأذكر على يسار القاعدة أسفل منها المصطلح الفقهي الذي يعبر عن مضمون وموضوع القاعدة، ثم أذكر معنى القاعدة ومدلولها: وما يستفاد منها، ثم بعض أمثلتها ومسائلها:، ثم أذكر بعض ما يستثنى من بعض القواعد لا كلها.
стр. 1502
وقد وشحت كل قاعدة بالهوامش والحواشي اللازمة من ذكر مصدر القاعدة جزءاً وصفحة ومصادر النقول، وترقيم الايات، وتخريج الاحاديث، وترجمة الاعلام الذين لم يترجم لهم سابقا - ومن ترجم له سابقا تركته -.
وأختم هذين القسمين بالفهارس العلمية الاتية:
١ - فهرس الآيات الكريمة منسوبة إلى سورها بحسب ورودها في الموسوعة.
٢ - فهرس الأَحاديث الشريفة بحسب ورودها في الموسوعة كذلك.
٣ - فهرس القواعد بحسب ترتيب ورودها.
٤ - فهرس المصطلحات الفقهية مرتبة على حروف المعجم.
٥ - فهرس الأَعلام المترجم لهم فقط.
٦ - فهرس المصادر والمراجع الزائدة على القسمين السابقين فقط.
وأرجو الله سبحانه أن ينفع بهذين القسمين كما نفع بسابقيهما، وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
د/ محمد صدقي بن أحمد بن محمد البورنو
أبو الحارث الغزي
القصيم - بريدة
٣٨١٨٢٠٩/ ٠٦
١٠/ ١١/ ١٤١٩
стр. 1503
القسم الثالث
قواعد حرف الجيم والحاء والخاء
أولاً: قواعد حرف: الجيم
стр. 1504
القاعدة الأولى: [الجباية والحماية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجباية تكون بسبب الحماية (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجباية في اللغة: من جبى يجبي، وجبا يجبو جباوة: أي جَمَعَ.
يقال: جبى المال والخراج: جمعه (٢).
والمراد بها هنا: جمع الخراج والجزية.
الحماية في اللغة: من حمى يحمي. يقال: حميت المكان من الناس حِمْياً وحمية: منعته عنهم. والحماية اسم مصدر. ويقال: حميت القوم: نصرتهم (٣).
والمراد بالحماية هنا: المنع والنصرة.
فمفاد القاعدة: أَنَّ أَخذ الخراج والجزية ممن يجبان عليه إنما كان بسبب منع أهلهما من أَعدائهم ونصرتهم على من يرومهم. وكذلك بالنسبه لأَخذ الزكاة من المسلمين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ظهر الخوارج على بلد من بلدان أهل العدل فأَخذوا من سكانها صدقة أَموالهم ثم ظهر عليهم الامام لم يأخذ منهم ثانياً؛ لأَنه عجز عن حمايتهم. وكذلك لو كان أهل هذه البلدة ذمة للمسلمين وظهر عليهم
стр. 1505
الخوارج فأخذوا منهم الجزية والخراج ثم ظهر عليهم الامام لم يأخذ منهم ثانيا، لأَنه عجز عن حمايتهم. (والجباية تكون بسبب الحماية).
رابعاً: ومما استثني من مسائل هذه القاعدة:
التاجر إذا مر على عاشر - أي جابي وجامع المال - أهل البغي فعشَّره - أي أخذ عشر ما مر عليه من تجارته - ثم مر على عاشر أهل العدل يعشره ثانياً، لأَن صاحب المال هو الذي عرَّض ماله حين مر به عليه فلم يعذر. بخلاف الصدقة أو الجزية أو الخراج، لأَن صاحب المال المأخوذ صدقته لم يصنع شيئا ولكن الإمام عجز عن حمايته، فلهذا لا يأخذ ثانية. ولكن التاجر المسلم الذي عشَّره أهل البغي يفتى فيما بينه وبين الله تعالى بالاداء، لأنهم أَي أهل البغي لا يأخذون أموالنا على طريق الصدقة بل على طريق الاستحلال، ولا يصرفونها إلى مصارف الصدقة، فينبغي لصاحب المال أن يؤدي ما وجب عليه لله تعالى، فإنما أخذوا منه شيئا ظلماً.
ومثل هذا في عصرنا المال الذي تأخذه كثير من الدول باسم ضريبة الدخل. لا يغني عن إخراج زكاة المال لأَن تلك الضريبة المأخوذة لا تصرف في مصارف الزكاة الشرعية.
وكذلك إذا أخذ أهل البغي من أهل الذمة في ذلك البلد خراج رؤوسهم أو أَرضهم، لم يأخذهم الإمام بما مضى لعجزه عن حمايتهم.
стр. 1506
القاعدة الثانية [اعتبار الجزء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجزء معتبر بالكل (١).
وفي لفظ: اعتبار الجزء بالكل (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ان الحكم الذي يبنى على فعل الجزء يكون معتبرا ومقيساً على فعل الكمال، لأَن الجزاء إِنما يجب بحسب الجناية. كما سيلي:
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قبضت المرأة نصف صداقها ووهبت لزوجها النصف الآخر ثم طلّقها - قبل الدخول - يرجع عليها بنصف المقبوض - عند أبي يوسف ومحمد -، لأَن الزوجة حينما وهبت له نصف الصداق فكأنها حطت منه نصفه، فيبقى المهر هو نصف المعقود عليه، فحين طلقها قبل الدخول يعود عليها بنصف ما قبضت، لأنه هو المهر كله بعد الحط.
ومنها: إذا استعار دابة أو سيارة ليركبها فركبها وآخر معه فهلكت، ضمن نصف قيمتها - إذا كانت تطيق حمل رجلين - وعلى الآخر النصف الآخر. أَمَّا إذا كانت الدابة لا تطيق حمل رجلين فعليه قيمتها كاملة، لأنه متعد.
ومنها: إذا أَجره دارا ثم انتزع منها بيتا، سقط من الأُجرة بحسابه كما لو انتزع منه الكل سقط كل الأُجرة (٣).
стр. 1507
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة
في قول عند محمد بن الحسن: إن المحرم إذا استعمل الطيب في ربع رأسه فعليه دم كامل؛ إذ جعل الربع بمنزلة الكمال - على قياس الحلق - وإن كان المشهور عنده اعتبار الجزء بالكل.
стр. 1508
القاعدة الثالثة [الجزاء - الجناية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجزاء إِنما يجب بحسب الجناية (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
معنى الجزاء في اللغة: القضاء. يقال: جزى الأمر يجزي جزاء، مثل قضى يقضي قضاءً. وزناً ومعنى. ويكون بمعنى الإثابة (٢). وقال في أنيس الفقهاء: الجزاء العوض والمستحق، والثواب والعقاب (٣). وهذا هو المعنى الفقهي الاصطلاحي للجزاء.
والجناية في اللغة: من جنى يجني جناية: أي أَذنب ذنباً يؤاخذ به (٤).
وقال في التعريفات: الجناية: كل فعل محظور يتضمن ضرراً على النفس أو غيرها (٥).
وقال في أنيس الفقهاء: الجناية ما يجتنيه من شر - أي يحدثه - تسمية - بالمصدر - من جنى عليه شراً. وهو عام إلا أنه خص بما يحرم من الفعل.
فمفاد القاعدة: أَن العقوبة إِنما تكون بمقدار الفعل المحرم (٦).
стр. 1509
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استعمل المحرم الطيب في عضو كامل - كالرأس - فيلزمه الدم. وأَما إن استعمله في أقل من عضو فعليه الصدقة أو حصته من الدم (١).
ومنها: إذا زنا فعليه الحد كاملاً. واما إذا كان دون الزنا كالمفاخذة - والمباشرة - فعليه التعزير عقوبة. ولكن لا يحد، لأَن الجناية ليست كاملة.
стр. 1510
القاعدة الرابعة [جحود العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
جحود أحد المتعاقدين العقد وعزم الآخر على عدم الخصومة فسخٌ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجحد والجحود في اللغة: الإِنكار. يقال: جحده حقه وبحقه جحداً وجحوداً أنكره. ولا يكون إلا على علم من الجاحد به (٢).
فمفاد القاعدة: إِنَّ أَحد المتعاقدين إذا أَنكر وقوع العقد ولم يُرِد الآخر الخصومة فيه فإن ذلك يدل على إرادة فسخ العقد من كليهما. فيعتبر العقد مفسوخاً كأن لم يكن ولا يترتب عليه حكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل باع أمة فأنكر المشتري الشراء، فإن عزم البائع على ترك الخصومة جاز له أَن يطأ الجارية؛ لأَن جحود المشتري فسخ في حقه (٣)، لأنه لو لم يكن فسخاً في حق البائع لا جاز له أن يطأ الجارية، لأَن حقه فيها غير كامل لاحتمال أَنه لو خاصم وأَثبت الشراء للزم المشتري أَخذها ودفع ثمنها للبائع. ولكن ترك الخصومة من قبل البائع دليل على رضاه فسخ العقد بينه وبين المشتري الجاحد فلذلك جاز له وطؤها.