← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بل يسري ذلك إلى سائر المباحات إذا قصد بها التقوى على العبادة أو التوصل إليها كالأكل والنوم واكتساب المال وغير ذلك. وكذلك النكاح والوطء إذا قصد به إقامة السنة أو الاعفاف أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأمة، ويندرج في ذلك ما لا يحصى من المسائل. ومما تدخل فيه العقود ونحوها: كنايات البيع والهبة والوقف والقرض والضمان والإبراء والحوالة والإقالة والوكالة وتفويض القضاء، والإقرار والإجارة والوصية والعتق والتدبير والكتابة والطلاق والخلع والرجعة والإيلاء والظهار والأيمان والقذف والأمان. ويدخل فيها أيضاً في غير الكنايات مسائل شتى: كقصد لفظ الصريح لمعناه، ونية المعقود عليه في المبيع والثمن، وعوض الخلع والمنكوحة، ويدخل في بيع المال الربوي ونحوه، وفي النكاح إذا نوى ما لو صرح به لبطل. وفي القصاص في مسائل كثيرة منها: تميّز العمد وشبهه من الخطأ، ومنها قتل الوكيل في القصاص - إن قصد قتله عن الموكل -، - أو قتله بشهوة نفسه -. وفي الردة وفي السرقة فيما إذا أخذَ آلات الملاهي بقصد كسرها وإشهارها أو بقصد سرقتها. وفيما إذا أخذ الدائن مال المدين بقصد الاستيفاء أو السرقة، فلا يقطع في الأول ويقطع في الثاني. وفي أداء الدين: فلو كان عليه دينان لرجل، بأحدهما رهن، فأدى أحدهما ونوى به دين الرهن انصرف إليه، والقول قوله في نيته. وفي اللقطة بقصد الحفظ أو التملك. وفيما لو أسلم على أكثر من أربع -

стр. 142

نسوة - فقال: فسخت نكاح هذه - فإن نوى به الطلاق كان تعييناً لاختيار النكاح، وإن نوى الفراق أو أطلق حمل على اختياره الفراق. وفيما لو وطيء أمة بشبهة وهو يظنها زوجته الحرة فإن الولد ينعقد حراً. وفيما لو تعاطى فعل شيء مباح له وهو يعتقد عدم حله، كمن وطيء أمرأة يعتقد أنها أجنبية وأنه زان بها فإذا هي حليلته، أو قتل من يعتقده معصوماً فبان أنه يستحق دمه، أو أتلف مالاً لغيره فبان ملكه. قال الشيح عز الدين (١) يجري عليه حكم الفاسق لجرأته على الله لأن العدالة إنما شُرطت لتحصل الثقة بصدقه وأداء الأمانة، وقد انخرمت الثقة بذلك لجرأته بارتكاب ما يعتقده كبيرة. قال: وأما مفاسد الآخرة فلا يعذب تعذيب زانٍ ولا قاتل، ولا آكلٍ مالاً حراماً، لأن عذاب الآخرة مرتب على ترتب المفاسد في الغالب، كما أن ثوابها مرتب على ترتب المصالح في الغالب. قال: والظاهر أنه لا يعذب تعذيب من ارتكب صغيرة لأجل جرأته، وانتهاك الحرمة، بل عذاباً وسطاً بين الصغيرة والكبيرة (٢). وعكس هذا من وطيء أجنبية وهو يظنها حليلته، لا يترتب عليه شيء من العقوبات والمؤاخذات المترتبة على الزاني، اعتباراً بنيته ومقصده.

стр. 143

وتدخل النية أيضاً في: عصير العنب بقصد الخليّة والخمرية، وفي الهجر فوق ثلاثة أيام، فإنه حرام إن قصد الهجر وإلا فلا. ونظيره أيضاً ترك الطيب والزينة فوق ثلاثة أيام لموت غير الزوج، فإنه إن كان بقصد الإحداد حرم، وإلا فلا، وتدخل النية أيضاً في: قطع السفر، وقطع القراءة في الصلاة، وقراءة القرآن جنباً بقصده أو بقصد الذِّكر. وفي الصلاة بقصد الإفهام، وفي غير ذلك. وفي الجعالة إذا التزم جعلا لمعين فشاركه غيره في العمل: إن قصد إعانته فله كل الجعل، وإن قصد العمل للمالك فله قسطه، ولا شيء للمشارك وفي الذبائح. قال السيوطي: فهذه سبعون باباً أو أكثر دخلت فيها النية (١). بل نقول: أن النية تدخل كل عمل يقوم به المكلف ويقصد من ورائه ترتب حكم عليه سواء كان هذا العمل دينياً أم كان عملاً دنيوياً، عدا ما يكون لفظاً صريحاً ورتب الشرع الحكم على نفس اللفظ ولم يلتفت للنية، وذلك كصريح الطلاق والعتق والبيع، وغير ذلك من الأمور الدنيوية.

стр. 144

بل إننا نقول حتى ما كان من هذا النوع فلا يخلو من توجه القلب نحو المراد من الطلاق والعتق والبيع، فمن طلق زوجته واعياً مدركاً لما يفعله كان قاصداً إيقاع مدلول لفظ الطلاق - وكذلك المعتق والبائع - وهذه هي النية، وإنما يتصور خلو هذه الألفاظ عن القصد في حالة: الخطأ أو النسيان، أو سبق اللسان وما أشبه ذلك وهي مسألة خلافية في وقوع الطلاق أو العتق، أو البيع في هذه الحالة.

стр. 145

المسألة الثالثة: "حقيقة النية ". مر معنا في المسألة الأولى معنى النية في اللغة، وقيل في حقيقتها - إلى جانب ما سبق -: هي الطلب، قيل: الجد في الطلب، ومنه قول ابن مسعود ﵁ "من ينوي الدنيا تعجزه" أي من يجد في طلبها. وقيل القصد للشيء بالقلب وقيل: عزيمة القلب، وقيل: هي من النوى بمعنى البعد، فكأن الناوي للشيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة لبعده عنه، فجُعلت النيَّة وسيلة إلى بلوغه (١). قال الزركشي (٢): حقيقة النية ربط القصد بمقصود معين. والمشهور أنها مطلق القصد إلى الفعل. وقال الماوردي (٣): هي قصد الشيء مقترناً بفعله، فإن قصده وتراخى عنه فهو عزم. وقال الغزالي في فتاويه: حقيقة النية القصد إلى الفعل وذلك مما يصير به الفعل اختيارياً كالهوي إلى السجود، فإنه يكون تارة

стр. 146

بقصده وتارة يكون بسقوط الإنسان على وجهه بصدمة، فهذا القصد يضاده الاضطرار. والقصد الثاني كالعلة لهذا القصد وهو الانبعاث لإجابة الداعي لغرض ما، والنية إذا أُطلقت في الغالب أُريد بها انبعاث القصد موجها للغرض، فالغرض علة، وقصد الفعل لا ينفك عن الخطر، إذ اللسان لا يجري عليه كلام منظوم اضطراراً، والفكر قد ينفك عن النية، فهذا يفيدك أن النية عبارة عن: إجابة الباعث المتحرك. والقصد نوعان: فالقصد الأوّل: يستدعي علماً، فإن من لا يعلم القيام ولا التكبير لا يقصده. والقصد الثاني: أيضاً يستدعي العلم بأن الغرض إنما يكون باعثاً في حق من علم الغرض فيرجع إلى الثاني وهو النية (١). وعلى ذلك فقد ذكر الفقهاء للنية معنيين اصطلاحيين: معنىً عاماً، ومعنىً خاصاً. فالمعنى العام للنية كما ذكره البيضاوي (٢): هو: "انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالاً أو مالاً".

стр. 147

وهذا النوع من النية يراد به التمييز في المحتمل كتمييز التصرفات وكتمييز العبادات عن المباحات، وكتمييز العبادات بعضها عن بعض، وهذا هو الإطلاق الأكثر للنية. وأما المعنى الخاص للنية: فهو "قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى بإيجاد الفعل (١)، أو الإمتناع عنه". أو هو: "توجه الإرادة نحو الفعل لابتغاء رضاء الله وإمتثال حكمه (٢) ". فمن أمثلة ذلك: - أداء الديون إذا أعطى المدين الدائن من جنس حقه فإنه يحتمل التمليك هبة وقرضاً ووديعة وإباحة وأداء للدين، فلا بد من نية تمييز إقباض الدين عن سائر أنواع الإقباض، ولا يشترط نية التقرب. فمن لم يقصد أداء الدين لا يقع عن الدين. - ومن جاز له الشراء لنفسه ولغيره كالوكيل والوصي فإنه يملك التصرف لنفسه ولموكله ويتيمه فإذا أُطلق الشراء ينصرف لنفسه ولا ينصرف إلي غيره إلا بالنية المميزة. - والإمساك عن الطعام قد يكون حمية وتداوياً، وقد يكون استجابة لأمر الله، فيكون عبادة.

стр. 148

- وإعطاء المال قد يكون زكاة واجبة وقد يكون صدقة وقد يكون كفارة وغير ذلك، فلا تمييز بين غرض وغرض إلا بالنية. هذا وقد اختلفت عبارات الفقهاء في معنى النية - كما رأينا -، لكن حين النظر إلى تلك التعريفات نرى أن أكثر الفقهاء قد عبروا عنها بالقصد كما مرّ معنا آنفا، ومن هؤلاء: الزركشي تبعا للماوردي والغزالي في قول عنده، وكما قال النووي: النية هي قصد الشيء مقترناً بفعله (١)، وكما قال ابن قدامة: "ومعنى النية القصد (٢) ". ومرّ معنا قول ابن نجيم حينما عرف النية بأنها: "قصد الطاعة والتقرب إلى الله بإيجاد الفعل (٣) ". ومنهم من عرف النية بأنها العزم، فالغزالي يقول في قول آخر له: النية العزم (٤). وقال النووي في قول آخر: "النية القصد وهي عزيمة القلب (٥) ". وبذلك قال برهان الدين بن مفلح حيث عرَّف النية بأنها: "العزم على فعل الشيء تقربا إلى الله تعالى (٦) ".

стр. 149

وابن لبّ (١) من المالكية يقول: النية عزمة القلب خاصة (٢). ومنهم من عرّف النية بأنها الباعث والانبعاث، فالغزالي يقول: فالنية عبارة عن الميل الجازم الباعث للقدرة، ثم يقول: والنية عبارة عن نفس ميل القلب إلى الخير. والبيضاوي يقول: النية هي انبعاث القلب نحو ما يراه .. الخ. وفي قول آخر للغزالي: حقيقة النية هي الإرادة الباعثة للقدرة المنبعثة عن المعرفة، ويضرب لذلك مثلاً: "فالذي يغزو قد يكون الباعث له ميلاً إلى المال فذلك نيته، وقد يكون الباعث ميلاً إلى ثواب الآخرة فذلك نيته، فالنية عبارة عن الإرادة الباعثة (٣). والنية بمعنى الإرادة قالها الكاساني (٤) أيضاً حيث يقول: "النيَّة هي الإرادة، فنية الصلاة هي إرادة الصلاة لله تعالى على الخلوص، والإرادة عمل القلب (٥) ". وقال ابن رجب (٦): "واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد

стр. 150

والإرادة (١) ". فإذاً قد ورد تعريف النية وبيان حقيقتها عند الفقهاء بمعانٍ عدة، هي: القصد والعزم والباعث والإنبعاث والإرادة الباعثة والإرادة؛ فهل هنالك فرق حقيقي بين معاني هذه الألفاظ؟. يقول البدر العيني (٢) في عمدة القاري: "إن الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي (٣) قد جعل في أربعينه: النية والإرادة والقصد والعزم بمعنى، ثم قال: وكذا أزمعت على الشيء وعمدتُ إليه" (٤)، والعزم هو إرادة الفعل والقطع عليه. ويقول ابن رجب: والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين (٥): أحدهما تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر، أو تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد

стр. 151

والتنظيف ونحو ذلك. وهذه النية هي التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء. والمعنى الثاني بمعنى تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله وحده لا شريك له أو لله وغيره. وهذه هي النية التي يتكلم بها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيراً في كلام السلف، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي ﷺ تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك. وقد جاء ذكرها كثيراً في كلام الله بغير لفظ النية أيضاً من الألفاظ المقاربة لها، وإنما فرَّق مَنْ فَرَّقَ بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوهما لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي، والإرادة لا تختص بذلك؛ كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له ولا ينوي ذلك. والنية في كلام النبي ﷺ وسلف الأمة إنما يراد بها المعنى الثاني غالباً، فهي حينئذٍ بمعنى الإرادة، ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيراً، كما قد يعبر عنها بلفظ الابتغاء (١). ومن هنا نستطيع القول إن النية والإرادة والقصد والعزم والابتغاء والانبعاث ألفاظ تؤدي معنى متقارباً، إذ تدل جميعها على توجه القلب نحو المقصود المراد، والله أعلم، وتطلق الإرادة على الله تعالى ولا يطلق عليه غيرها.

стр. 152

تعريف النية في الإصطلاح: ١ - ذهب بعض أهل العلم إلى تعريف النية بالقصد، ومن هؤلاء الإمام النووي حيث قال: "النية قصد الشيء مقترناً بفعله". النووي على الأربعين صـ ١١. والفتوحات الربانية (١) ج ١ صـ ٥٣، وابن قدامة (٢): النية القصد. المغني ج ١ صـ ٤٦٤. وابن نجيم (٣): قصد الطاعة. الأشباه صـ ٢٩. ٢ - وذهب بعض أهل العلم إلى تعريف النية بالإرادة، ومن هؤلاء الغزالي حيث قال في تعريفها: "النية هي الإرادة الباعثة للقدرة المنبعثة عن المعرفة". الأربعين في أصول الدين صـ ١٧١. والكاساني حيث قال: "فالنية هي الإرادة". بدائع الصنائع ج ١ صـ ١٢٧. ٣ - ومن العلماء من عرف النية بالعزم، ومنهم برهان الدين بن مفلح حيث قال: النية هي العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله تعالى". المبدع ج ١ صـ ٤١٤. ومنهم ابن لب المالكي حيث نقل عنه الونشريسي قوله: "عزمة القلب خاصة" المعيار ج ١ صـ ١٤٦.

стр. 153

٤ - ومن العلماء من يجمع في تعريفه للنية بين القصد والعزيمة، كما ذهب إلى ذلك أبو الحسين الرازي (١) من الشافعية حيث قال في حلية الفقهاء: وأما النية: "فهي القصد والعزيمة". حلية الفقهاء صـ ٤. ومع أن علماء اللغة قد أظهروا فروقاً بين معاني هذه الألفاظ إلا أنَّ وجوه الشبه والقرب بينها قوية. فيقول ابن تيمية: "والنية يعبر بها عن نوع من الإرادة" (٢). ويقول القرافي: "اعلم أن جنس النية هو الإرادة" (٣). ولا يضر استعمال بعض هذه الألفاظ في غير معناها توسعاً في الاستعمال. ويقول القرافي هنا: ولا يضر كون الاستعمال قد يتوسع فيه، فيستعمل أراد ومراده نوى، أو أراد ومراده عزم، أو قصد أو عنى، فإنها متقاربة المعاني حتى نكاد نجزم بينها بالترادف، غير أن ابن معط (٤) من المغاربة، والقاضي شمس الدين الحوفي (٥) وجماعة من علماء العراق تعرضوا للفرق، وهو أولى من الترادف تكثيراً لفوائد اللغة، وعلى هذا يظهر معنى قوله ﵊: "الأعمال بالنيات ... " ولم يقل بالإرادات الخاصة المحيلة

стр. 154

للفعل إلى جهة الأحكام الشرعية (١). وقد عرفها القرافي قبلًا فقال: "وأما النية فهي إرادة تتعلق بإمالة الفعل إلى بعض ما يقبله لا بنفس الفعل من حيث هو فعل، ففرق بين قصدنا لفعل الصلاة، وبين قصدنا لكون ذلك الفعل قربة، أو فرضاً أو نفلا أو أداءً أو قضاء. إلى غير ذلك مما هو جائز على الفعل، بالإرادة المتعلقة بأصل الكسب والايجاد وهى المسماة بالإرادة، من جهة أن هذه الإرادة مميلة للفعل إلى بعض الجهات الجائزة عليه تسمى من هذا الوجه نية.

стр. 155

المسألة الرابعة: محل النية . ذهب عامة أهل العلم إلى أن محل النية القلب، وقال بعضهم إن محلها الدماغ أو اللسان، وهو قول شاذ، بل حكى إجماع العلماء والعقلاء على أن محل النية القلب. وحجة من قال إن محلها الدماغ أنه إذا أصاب الدماغ آفة فسد العقل وبطلت العلوم والأنظار والفكر وأحوال النفس، فدل ذلك على أن محل النية وغيرها من أنواع الإرادات الدماغ لا القلب، لأنه لو كان محلها القلب لما تأثرت بما يعرض للدماغ من آفات. وردّ القرافي هذا بقوله: "أن استقامة الدماغ لعلها شرط، والشيء قد يفسد لفساد محله، وقد يفسد لفساد شرطه، ومع الاحتمال فلا جزم" (١) ويؤيد رأي عامة أهل العلم بأن محل النية القلب نصوص كثيرة من الكتاب والسنة .. أولاً: من القرآن الكريم: - ١ - ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ البقرة ٢٦٠. ٢ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ق ٣٧. ٣ - ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ الشعر اء ١٩٣ - ١٩٤ ٤ - ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ النحل ١٠٦ ٥ - ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الأعراف ١٧٩ ٦ - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ الحج ٤٦.

стр. 156

٧ - ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ البقرة ٢٢٥. ٨ - ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ الحج ٤٦. ولم يذكر الدماغ قط في هذه المواضع فدل على أن محل العقل القلب لا الدماغ، وجعل الله تعالى في مجاري عادته - استقامة الدماغ شرطاً في حصول أحوال العقل والقلب على وجه الاستقامة. ثانياً من السنة: - ١ - " ألا إن في الجسد مضغة ... الحديث". متفقٌ عليه البخاري ج ١ صـ ١٢٦، ومسلم ج ١٢ صـ ٢٧. ٢ - "التقوى ها هنا .. الحديث". مسلم ج ١٦ صـ ١٢٠. ٣ - "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم .. " مسلم في كتاب البر والصلة ومجمع الزوائد ج ١٠ صـ ٢٣١. وختاماً هذا شرح مختصر جداً لهذه القاعدة العظيمة، إنما أردته نموذجاً لما يمكن أن يسار عليه في شرح هذه القواعد وبيانها، ومن أراد الاستزادة فعليه بتلك المصادر والمراجع المطولة لبيان حقيقة النية وأثرها في أفعال المكلفين عموماً.

стр. 157

القاعدة الثانية: [النية] أولاً: لفظ ورود القاعدة " الأصل أن النية إذا تجردت عن العمل لا تكون مؤثرة، - في الأمور الدنيوية" (١). تحت قاعدة "الأعمال بالنيات". ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . إن انفراد النية عن الفعل لا أثر له في الأحكام الدنيوية؛ لأن النية عمل قلبي - والأحكام الشرعية مبناها على الأعمال الظاهرة، لكن في الأمور الأخروية للنية أثرها في الثواب والعقاب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها من طلق زوجته في قلبه أو باع أو أعتق فلا أثر لهذه النية القلبية ما لم يتكلم بلسانه. ولكن من نوى الإقامة في موضع الإقامة صار مقيماً لأنه صاحب النية عمل هو الإقامة في موضع يصلح للإقامة. ومن أمثلة أثر النية في الأمور الأخروية: من تزوج امرأة على مهر معلوم ونوى أنه لا يعطيها منها شيئاً يموت يوم يموت وهو زان كما ورد في الخبر (٢).

стр. 158

القاعدة الثالثة [الكلام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: " آخر الكلام مبني على أوَّله (١) ". ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: تدل هذه القاعدة على أن كلام المتكلم في الموضوع الواحد مترابط فآخره مبني ومعتمد في الدلالة على أوَّله دفعاً للتناقض وحملاً لكلام العاقل على الصحة ما أمكن. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: ما لفلان علي شيء، فلا تخبره أن له عليَّ ألف درهم. قالوا: لم يكن هذا إقراراً بألف درهم، حيث إن أول الكلام نفي وآخر الكلام مبني على أوله.

стр. 159

القواعد من الرابعة إلى العاشرة [الإبراء] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: " الإبراء هل هو إسقاط أو تمليك" (١). "الإبراء عن الاعيان ليس بجائز" (٢). "الإبراء يرتد بالرد" (٣). "الإبراء لا يتوقف على القبول" (٣). "الإبراء العام يمنع الدعوى بحق قضاء لا ديانة" (٤) "أو لا تسمح الدعوى بعد الإبراء العام" (٤). "الإبراء عن الثمن لا يحتمل التعليق" (٥). وفي لفظ: "الإبراء لا يحتمل التعليق بالشرط كالعقد" (٦). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد تبين أحكام الإبراء وشروطه، فما معنى الإبراء، وما أحكامه، وما شروطه؟ الإبراء: معناه السلامة والبراءَة مما كان عليه - أي أفرغ ذمته

стр. 160

وأخلاها مما كان شغلها به - فإذا ابرأه فمعناه سلَّمه مما كان يطالبه به، والبريء هو السليم. والإبراء إما عن حقوق وإما عن أعيان. والإبراء عن الحقوق اختلف في حكمه: هل هو إسقاط للحق عمن هو عليه، أو هو تمليك له، ولكن الصحيح أنه يكون إسقاطاً في بعض الحقوق وتمليكاً في بعضها الآخر. وقد تختلف أنظار المجتهدين في بعضها فيراه إسقاطاً ويراه آخرون تمليكاً. ومن أحكام الإبراء أنه يرتد بالرد، إلا في مسائل اختلفوا في بعضها تبعاً لاختلافهم هل هي تمليك أو إسقاط. ومن أحكامه أيضاً. أن الإبراء عن الأعيان لا يجوز. وإنما يجوز الإبراء عن الحقوق التي في الذمة لا الأعيان. وإن كان الإبراء عن الأعيان يسقط المطالبة بها ويسقط بالضمان الواجب. على اعتبار أن الإبراء إسقاط. وأما إذا قلنا: إنه تمليك فيصح. وإذا أبرأه عاماً - أي إبراءً شاملا لما له من حقوق - أسقط هذا الإبراء الدعوى قضاء فليس له المطالبة بعد ذلك بشيء، ولكن لو ظفر بحقه بعد ذلك وأخذه فله الحق. وهل الإبراء يحتمل التعليق بالشرط؟ قالوا: لا يحتمل - أي لا يصح على أنه تمليك. ويصح على أنه إسقاط (١). ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:

стр. 161

إذا تفرق الزوجان وأبرأ كل واحد منهما الآخر عن جميع الدعاوى وقد كان الزوج بذر في أرض زوجته وأعيان ذلك قائمة فلا يدخل الحصاد ولا الأعيان القائمة في ذلك الإبراء فيكرن الكل للزوج. ومنها: إذا قال ملكتك ما في ذمتك صح من غير نيَّة ولا قرينة - على أنه إسقاط - وإذا قال للعبد: ملكتك رقبتك. لا يصح بغير نيَّة. وعلى هذا يصح الإبراء عن الأعيان بالنيَّة إذا اعتبر الإبراء تمليكاً.

стр. 162

القاعدة الحادية عشرة [الأمر والنهي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: " أبلغ الأمر والنهي ما يكون بصيغة الخبر" (١). فقهية أصولية ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالأبلغية في قوله "أبلغ" أي أقوى وآكد وأشد تقريراً. الأمر: طلب الفعل على سبيل الجزم، ومقتضاه الوجوب. النهي: طلب الترك على سبيل الجزم، ومقتضاه التحريم. والخبر: قولٌ يحتمل الصدق والكذب لذاته وهو خلاف الإنشاء، والمراد به الأخبار بما هو كائن. فتدل هذه القاعدة على أن ما ورد بصيغة الخبر دالاً على أمر أو نهي فهو أقوى وآكد في دلالته على الإيجاب والتحريم من صيغة الأمر والنهي ذاتها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) فهذا أمر بالتربص ورد بصيغة الخبر. ومنها قوله ﵊: "لا يستامُ الرجل على سوم أخيه (٣) " فهذا نهى في صيغة الخبر عَلى أن الميم مضمومة.

стр. 163

القاعدة: الثانية عشرة [الإبهام] أولاً: لفط ورود القاعدة: " الإبهام لا يبقى بعد الشروع في الأداء بل يبقى ما هو المتيقن. وهو العمرة" (١). [ضابط] ثانياً: معنى هذا الضابط ومثاله: يشير هذا الضابط إلى حكم من أحرم إحراماً مبهماً - أي لم يعين عند إحرامه نوع النسك الذي يريده. وهذا إحرام صحيح. فهذا الإبهام لا يبقى بعد الشروع في أداء النسك الذي يريده، لأن المحرم يجب عليه أن يعين ويحدد النسك الذي يريده عند بدء العمل، وهو الطواف فيعين نوع طوافه إن كان للعمرة أو للحج، وإن لم ينو شيئاً وبدأ الطواف بدون تحديد. فيرى السرخسي أنه للعمرة لأنه المتيقن. وكذلك في كل عبادة بعد الشروع فيها لا يبقى فيها مجال للإبهام لأنه يجب تعيين النية عند ابتدائها والشروع فيها.

стр. 164

القاعدة الثالثة عشرة [النجاسات] أولاً: لفظ ورود القاعدة: " الأبوال والدماء كلها نجسة ليس بمعفو عنها" (١). [ويستثنى مسائل] ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلوها: تدل هذه القاعدة بعمومها على أن الأبوال والدماء نجسة كلها سواء كانت أبوال مأكول اللحم، أو غير مأكول اللحم، وهذا عند الشافعية. وقد استثنوا من ذلك مسائل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أصاب ثوب الإنسان أو بدنه بول أو دم وجب غسله، ولا تجوز الصلاة فيه. ومن المستثنيات بول رسول الله ﷺ ودمه فهما طاهران (٢).

стр. 165

القاعدتان الرابعة عشرة والخامسة عشرة [الأتباع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: " الأتباع هل يعطي لها حكم متبوعاتها أو حكم أنفسها؟ " (١). ويتصل بها قاعدة أخرى وهي: الأتباع هل لها قسط من الثمن أم لا (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأشياء لها حالان: إما أن تكون قائمة بذاتها لا تبع لها، فلها حكم نفسها أخذاً وإعطاءً وأحكاماً، وإما أن تكون تبعاً لغيرها، ويكون للمتبوع لو انفرد غير حكم التابع كما يكون للتابع لو انفرد عن متبوعه غير حكم متبوعه. فإذا وُجد شيئان أحدهما تابع للآخر وهما مختلفان فهل يتبع أحدهما الآخر في حكمه أو ينفصل عنه؟ وهل للأتباع قسط من ثمن متبوعاتها أو لا قسط لها؟ خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان عنده سيف محلّى بحلية من الذهب أو مصحف كذلك، فهل يجوز بيع أحدهما نسيئة - أي بالدين؟ المشهور عند المالكية المنع. واشترطوا النقد (٢). ومن أمثلة الثانية: إذا باع سيفاً محلى بذهب أو فضة بدنانير أو دراهم فهل يعتبر لما حلَّي به السيف جزء من الثمن فيكون صرفاً؟ يشترط فيه تماثله أوْ لا يعتبر؟

стр. 166

القاعدة السادسة عشرة [الإتلاف والضمان] . أولاً: لفظ ورود القاعدة: " الإتلاف بعوض لا يوجب الضمان على المتعدي" (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومسائلها هذه القاعدة قريبة المعنى من قاعدة تأتي قريباً وهي التي تنفي اجتماع الأجر والضمان حيث إن هذه القاعدة تنفي أيضاً اجتماع شيئين هما: الإتلاف بعوض والضمان. حيث تفيد أنه ليس على المتعدي إذا أتلف شيئاً بعوض ضمانه وغرمه أيضاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وجب القطع على سارق فأخرج يده اليسرى بدل اليمنى فقطعت يترتب على ذلك أمران: الأمر الأول: أنه لا تقطع يده اليمنى بعد ذلك في هذه السرقة. الأمر الثاني: أنه لا ضمان على قاطع اليد إن كان مخطئاً لأن إتلاف هذه اليد قابله عوض هو سلامة يده اليمنى، وهي أكثر نفعاً للمقطوع من اليسرى، وهو مذهب مالك أيضاً (٢). وهذا عند الحنفية من باب الاستحسان، وإلا فالقياس أن يضمن القاطع - كما هو مذهب أحمد بن حنبل ﵁ (٣) - لأنه أتلف شيئاً

стр. 167

محترماً متقوماً، وكذلك عند الشافعية (١). ولكن الحنفية والمالكية استحسنوا عدم الضمان لأن فعل القاطع حصل في موضع الاجتهاد (٢).

стр. 168

القاعدة السابعة عشرة [الإتلاف والضمان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: " الإتلاف الحكمي بمنزلة الإتلاف الحقيقي في إيجاب الضمان" (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإتلاف نوعان: - إتلاف حقيقي كذبح الحيوان، أو حرق المتاع، أو أكل الطعام. - وإتلاف حكمي كحبس الحيوان وعدم إطعامه، أو ترك المتاع في مجرى السيل، أو تحت المطر، أو ترك الطعام حتى يفسد. وتدل هذه القاعدة على أن نوعي الإتلاف هذين بمنزلة واحدة في إيجاب الضمان على المتلف وذلك لأن في كليهما إتلاف مال مقوم على صاحبه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . اصطاد محرم صيداً فحبسه عنده حتى مات فعلمه جزاؤه، وإن لم يقتله لأنه متلف معنى الصيدية فيه حكماً بإثبات يده عليه وحبسه ومنعه عن الإنطلاق. وكذلك لو أخرجه من الحرم إلى الحل فتلف في الحل فعلى المحرم جزاؤه. ومنها: من حبس عنده طعام آخر مما يسرع تلفه، فتلف عنده فعليه ضمانه.

стр. 169

القاعدة الثامنة عشرة [الضمان] أولاً: لفظ ورود القاعدة " إثبات السبب الحادث للضمان يرجح إحدى البينتين على الأُخرى" (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: تدل هذه القاعدة على أنه إذا تعارضت بينتان وإحداهما تثبت سبباً حادثاً للضمان فهي مرجحة على البينة الأخرى الخالية عن ذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا غصب رجل دابة آخر فأقام المالك البينة أنها ماتت عند الغاصب، وأقام الغاصب البينة أنه قد ردها وماتت عند صاحبها، قالوا: ترجح بينة صاحبها لأنها أثبتت سبباً حادثاً للضمان، فيجعل كأنه ردها ثم أخذها وأتلفها.

стр. 170

القاعدة التاسعة عشرة [الإثبات] أولاً: لفظ ورود القاعدة: " إثبات الشيء ابتداءً يستدعي دليلاً مُثبتًا" (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: تدل هذه القاعدة أن إثبات أمر ما ابتداءً لا بد أن يعتمد على دليل مثبت، وإلا لم يقبل لأنه يكون إثبات شرع مبتدأ بالتشهي والهوى، وذلك لا يجوز. فما لم يقم دليل شرعي لا يجوز إثبات حكم مبتدأ. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أسلم حربي في دار الحرب وله أولاد صغار كانوا مسلمين، فإذا خرج وخلَّفهم في دار الحرب فهم مسلمون على حالهم، حتى إذا خرجوا أو أُسروا فهم تبع لأبيهم. وكذلك لو لم يسلم ولكن بعث الجزية إلى الإمام على أنه ذمة لنا فهو وأولاده الصغار ذميون، فإذا خرج الأب إلينا وخلَّفهم، ثم أخذوا أو أسروا فهم تبع لأبيهم لقيام ولايته عليهم، لأن بقاء الشيء لا يستدعي دليلاً مبقياً (٢).

стр. 171

القاعدة العشرون [الإثبات والنفي] أولاً: لفظ ورود القاعدة . " الإثبات مقدم على النفي إن كان النفي بالأصل (١) ". [أُصولية فقهية] ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا تعارض خبران أحدهما مثبت والآخر نافٍ يرجح المثبت على النافي، إن كان النفي إثباتاً للأصل، فالنفي حينئذٍ من غير دليل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: تقديم الجرح على التعديل، لأن الجارح عنده زيادة علم، والمعدل متمسك بالأضل وهو العدالة أو السلامة. فيكون نفي الجرح من غير دليل. ومنه: القول بحرية مغيث زوج بريرة ﵄ حيث رجح الحنفية القول بحريته خلافاً لمن قال: إنه عبد، لأن الأصل عبوديته، والحرية طارئة. فالقائل بعبوديته متمسك بالأصل لعدم العلم بالحرية الطارئة (٢).

стр. 172

القاعدة الحادية والعشرون [الأثر] " أثر الشيء لا يربو على أثر أصله في المنع" (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بأثر الشيء: بعض أحكامه التي تترتب عليه كالعدة من آثار النكاح. يربو: يزيد تدل هذه القاعدة على أن أثر الشيء المترتب عليه لا يزيد حكمه في المنع على أصله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان لرجل أمّ ولد قالوا: يجوز أن يتزوج أختها وأربعاً سواها؛ لأن فراش أم الولد ضعيف، غير أنه لا ينبغي له أن يطأ التي تزوج حتى يُمَلِّك فرج الأمة غيره، لأنه لو وطئها صار جامعاً ماءهُ في رحم أختين، والجمع بين الأختين في الاستفراش الحقيقي حرام ولكن إذا أعتق أُمَّ ولده فعليها العدة. ففي هذه الحالة، هل يجوز للولي أن يتزوج أُختها قبل انتهاء عدة أم الولد المعتقة؟ خلاف بين الأئمة، وجاز على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، لأنه إذا جاز أن يتزوج أختها وهي في ملكه فأولى أن يجوز وهي في العدة لأن العدة من آثار الملك والدخول، وأثر الشيء لا يربو على أصله في المنع.

стр. 173

القاعدة الثانية والعشرون [الإجارة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: " الإجارة تنقض بالأعذار" (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: تفيد هذه القاعدة أن عقدالاجارة سواء أكان على عقار أم حيوان أم عبد أنه ينقض إذا طرأ عذر على المؤجَّر أو المستأجر أو المؤجر. على أن يكون العذر مانعاً من الانتفاع بالمستأجَر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من أستأجر داراً أو عقاراً أو حيواناً فظهر مستحقاً انتقضت الإجارة لأنه ظهر فساد العقد. ومنها: لو وقع فرس في سهم رجل - وكان هذا الفرس ملكاً لرجل آخر - فآجر من وقع الفرس في سهمه هذا الفرس مدة معلومة، ثم جاء مالكه الأول فله أن ينقض الإجارة ويأخذه بالقيمة (٢).

стр. 174

القواعد الثالثة والعشرون إلى الخامسة والعشرين [الإجتهاد] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد (١) أو بمثله". أو "الأصل أنه إذا مضى بالاجتهاد لا يفسخ باجتهاد مثله ويفسخ بالنص (٢) ". وبلفظ: "الاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله (٢) ". هذه القاعدة فقهيَّة أُصوليَّة. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الاجتهاد افتعال من الجهد، والجَهد المشقة والكلفة، فالاجتهاد: "بذل الوسع في تحصيل أمر فيه كلفة ومشقة". وعند الفقهاء: "هو بذل الفقيه وسعه في تحصيل ظن بحكم شرعي". فإذا اجتهد مجتهد في مسألة ما من المسائل الشرعية الإجتهادية، وعمل باجتهاده ثم بدا له رأي آخر فعدل عن الأول في حادثة أخرى فلا

стр. 175

ينقض اجتهاده الثاني حكمه الناشيء عن اجتهاده الأول (١). والعلة في عدم نقض الاجتهاد: أن الاجتهاد الثاني ليس بأقوى من الأول، وإنه يؤدي إلى أن لا يستقر حكم لأنه لو نقض الأوَّل بالثاني لنقض الثاني بغيره - لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير ويتسلسل - فيؤدي الأمر إلى أن لا تستقر الأحكام (٢). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اجتهد مجتهد في أن الخلع فسخ في حادثة وحكم به، ثم تغير اجتهاده ورجح أن الخلع طلاق. فإن اجتهاده الثاني لا ينقض اجتهاده الأول.

стр. 176

القاعدة السادسة والعشرون [الأجر والضمان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: " الأجر والضمان لا يجتمعان (١) ". ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأجر والأجرة: مال مقدر استحقَّ لقاء عمل معلوم، والأصل فيه الثواب والكراء. والضمان: معناه الكفالة والغرامة، والثاني هو المراد هنا. فتفيد هذه القاعدة أن الكراء والغرامة لا يجتمعان في محل واحد لتنافيهما فالأجر والكراء مستحقان للأجير والمكاري والضمان غرم عليهما. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أجر العبد المحجور عليه نفسه من رجل سنة بمئة درهم للخدمة، فخدمه ستة أشهر ثم اعتق العبد، فالقياس أن لا يجب الأجر، لأن المستأجر كان ضامناً له حين استعمله بغير إذن مولاه - كالغاصب - والأجر والضمان لا يجتمعان. ولكن استحسن - إذا سلم العبد - أن يجعل له الأجر فيما مضى لأن في ذلك محض منفعة لا يشوبه ضرر. أما إذا هلك العبد في خلال هذه المدة فإن الضمان يتقرر على المستأجر من حين استعمل بإذن سيده فكأنه استعمل عبد نفسه، فلا يجب الأجر. ومنها: إذا غصب دابة وآجرها فالأجر للغاصب - عند الحنفية - وليس للمالك، لأن الدابة دخلت في ضمان الغاصب بالغصب فكأنه أجر دابة نفسه. ولأن الأجر والضمان لا يجتمعان. وكذلك عند المالكية (٢).

стр. 177

وأما عند الشافعي ﵁ فالأجرة للمالك لا للغاصب لأن الغاصب لا يملك المغصوب عنده إلا برضاء من المغصوب منه (١)، وإنما وجب عليه الضمان لأنه فوَّت يد المالك. وأما عند أحمد ﵁ فالراجح وعليه جماهير أصحابه وجوب الأجرة للمالك (٢).

стр. 178

القاعدة السابعة والعشرون [الموقوف - الإجازة] أولاً: لفظ ورود القاعدة . " الإجازة إنما تلحق الموقوف لا الباطل (١) ". وفي لفظ: "الباطل لا تلحقه الإجازة (٢) ". وتأتي في حرف الباء إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإجازة: هي تسويغ الفعل والرضا به. والعقد الموقوف: هو العقد الذي عقده فضولي وتوقف تنفيذه على إجازة صاحب الشأن. والباطل من العقود: هو العقد الذي لا يثمر المقصود منه لفقده ركناً من أركانه أو شرطاً من شروط صحته. فتدل هذه القاعدة أن الإجازة إنما تعمل في العقد الموقوف على إجازة صاحب الشأن وقد استوفى العقد شروط صحته، ولا تعمل في العقد الباطل لأنه غير موجود حكماً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: فضولي باع حيواناً لغيره وقد استوفى العقد شروط صحته غير أن المالك للحيوان لم يكن موجوداً حين العقد، فإذا علم المالك بالبيع وأجازه تم البيع ونفذ، وإذا لم يجوزه بطل العقد. وأما إذا باع حملاً في بطن دابة ملك غيره فهذا عقد باطل فلو أجازه المالك لا يجوز لعدم جواز بيع الأجنة في بطون أمهاتها.

стр. 179

القاعدة الثامنة والعشرون [الإجازة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: " إجازة العقد تتضمن إجازة ما ينبني عليه (١) ". ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا أجاز من له الحق عقداً وقبله فإجازته للعقد تستوجب ضمناً الإجازة والموافقة على ما ينبني على العقد من واجبات ونتائج. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من عقد على امرأة عقد نكاح صحيحاً تضمن قبوله للعقد قبول ما يترتب على هذا العقد من لزوم تسليم المهر المعجل قبل الدخول واستحقاق الزوجة النفقة بعد تسليم نفسها، واستلحاق أولاده منها، إلى آخر ما هنالك من واجبات على الزوجين.

стр. 180

القاعدة التاسعة والعشرون [الإجازة] أولاً: لفظ ورود القاعدة . " الإجازة في الانتهاء بمنزلة الاذن في الإبتداء (١) ". ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالإجازة: الرضا بما حصل والموافقة على الفعل الواقع. وتدل هذه القاعدة على أن إجازة من له الحق لتصرف غيره في ملكه أو حقه بعد تمام ذلك التصرف تعتبر كأنها إذن في ذلك التصرف ابتداءً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رجل وهب لرجل ثوباً لغيره وسلَّمه إليه فأجاز رب الثوب هذه الهبة حازت وصحت. كذلك من باع شيئاً فضولاً ثم علم به صاحبه وأجازه صح العقد.
следующие страницы →