القاعدة الثانية [اعتبار الجزء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجزء معتبر بالكل (١).
وفي لفظ: اعتبار الجزء بالكل (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ان الحكم الذي يبنى على فعل الجزء يكون معتبرا ومقيساً على فعل الكمال، لأَن الجزاء إِنما يجب بحسب الجناية. كما سيلي:
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قبضت المرأة نصف صداقها ووهبت لزوجها النصف الآخر ثم طلّقها - قبل الدخول - يرجع عليها بنصف المقبوض - عند أبي يوسف ومحمد -، لأَن الزوجة حينما وهبت له نصف الصداق فكأنها حطت منه نصفه، فيبقى المهر هو نصف المعقود عليه، فحين طلقها قبل الدخول يعود عليها بنصف ما قبضت، لأنه هو المهر كله بعد الحط.
ومنها: إذا استعار دابة أو سيارة ليركبها فركبها وآخر معه فهلكت، ضمن نصف قيمتها - إذا كانت تطيق حمل رجلين - وعلى الآخر النصف الآخر. أَمَّا إذا كانت الدابة لا تطيق حمل رجلين فعليه قيمتها كاملة، لأنه متعد.
ومنها: إذا أَجره دارا ثم انتزع منها بيتا، سقط من الأُجرة بحسابه كما لو انتزع منه الكل سقط كل الأُجرة (٣).
стр. 1507
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة
في قول عند محمد بن الحسن: إن المحرم إذا استعمل الطيب في ربع رأسه فعليه دم كامل؛ إذ جعل الربع بمنزلة الكمال - على قياس الحلق - وإن كان المشهور عنده اعتبار الجزء بالكل.
стр. 1508
القاعدة الثالثة [الجزاء - الجناية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجزاء إِنما يجب بحسب الجناية (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
معنى الجزاء في اللغة: القضاء. يقال: جزى الأمر يجزي جزاء، مثل قضى يقضي قضاءً. وزناً ومعنى. ويكون بمعنى الإثابة (٢). وقال في أنيس الفقهاء: الجزاء العوض والمستحق، والثواب والعقاب (٣). وهذا هو المعنى الفقهي الاصطلاحي للجزاء.
والجناية في اللغة: من جنى يجني جناية: أي أَذنب ذنباً يؤاخذ به (٤).
وقال في التعريفات: الجناية: كل فعل محظور يتضمن ضرراً على النفس أو غيرها (٥).
وقال في أنيس الفقهاء: الجناية ما يجتنيه من شر - أي يحدثه - تسمية - بالمصدر - من جنى عليه شراً. وهو عام إلا أنه خص بما يحرم من الفعل.
فمفاد القاعدة: أَن العقوبة إِنما تكون بمقدار الفعل المحرم (٦).
стр. 1509
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استعمل المحرم الطيب في عضو كامل - كالرأس - فيلزمه الدم. وأَما إن استعمله في أقل من عضو فعليه الصدقة أو حصته من الدم (١).
ومنها: إذا زنا فعليه الحد كاملاً. واما إذا كان دون الزنا كالمفاخذة - والمباشرة - فعليه التعزير عقوبة. ولكن لا يحد، لأَن الجناية ليست كاملة.
стр. 1510
القاعدة الرابعة [جحود العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
جحود أحد المتعاقدين العقد وعزم الآخر على عدم الخصومة فسخٌ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجحد والجحود في اللغة: الإِنكار. يقال: جحده حقه وبحقه جحداً وجحوداً أنكره. ولا يكون إلا على علم من الجاحد به (٢).
فمفاد القاعدة: إِنَّ أَحد المتعاقدين إذا أَنكر وقوع العقد ولم يُرِد الآخر الخصومة فيه فإن ذلك يدل على إرادة فسخ العقد من كليهما. فيعتبر العقد مفسوخاً كأن لم يكن ولا يترتب عليه حكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل باع أمة فأنكر المشتري الشراء، فإن عزم البائع على ترك الخصومة جاز له أَن يطأ الجارية؛ لأَن جحود المشتري فسخ في حقه (٣)، لأنه لو لم يكن فسخاً في حق البائع لا جاز له أن يطأ الجارية، لأَن حقه فيها غير كامل لاحتمال أَنه لو خاصم وأَثبت الشراء للزم المشتري أَخذها ودفع ثمنها للبائع. ولكن ترك الخصومة من قبل البائع دليل على رضاه فسخ العقد بينه وبين المشتري الجاحد فلذلك جاز له وطؤها.
стр. 1511
القاعدة الخامسة [الجحود - الإِسقاط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
جحود الخصم لا يمنع صحه الإِسقاط من المسقط بعوض أو بغير عوض (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن إنكار الخصم ما يدعيه عليه خصمه يجيز ولا يمنع صحة إسقاط المدعي ما يدعيه على خصمه، وإِبراء خصمه منه بعوض أو بغير عوض، لأنه - أى الإِسقاط أو الإِبراء - استعمال لخالص حقه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أنكر المدين الدين وجحده فأبرأه الدائن منه، كان الإِبراء صحيحاً.
ومنها إذا أنكرت المرأة النكاح، فهذا لا يمنع صحة طلاق الزوج لها بعوض أو بغير عوض.
стр. 1512
القاعدة السادسة [الجد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجد الصحيح كالأَب. إلا في مسائل (١)
الجد يسقط بالأَب (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجدُّ: هو أبُ الأَبِ وإن علا، وأبو الأُم جدٌّ أيضاً.
والجد جدّان: جد صحيح، وجد فاسد.
والجد الصحيح: هو من لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى - أم أو جدة - ولا يكون إلا واحداً وهو أبو الأَب.
والجد الفاسد: هو الذكر بن أُنثيين: أو هو ما دخلت في نسبته إلى الميت أم، لأن تخلل الأُم في النسبة يقطع النسب إذ النسب إلى الآباء (٣).
فمفاد القاعدة: أن حكم الجد الصحيح في الميراث كحكم الأَب عند فقده، فله السدس عند عدم الأب مع وجود الولد أو ولد الابن.
وهو عصبة يرث جميع المال عند عدم الأَب والولد.
وله ما بقي بعد فرض الأُم الثلث، أو ثلث ما بقي على الخلاف - عند عدم الأَب.
وإذا وجد الأَب سقط الجد في جميع ذلك، حيث لا ميراث لجد مع وجود أب؛ لأَن الأَب أصل في القرابة للميت.
стр. 1513
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المسائل التي خالف فيها الجد الأب.
الأولى: أَن أُم الأَب لا ترث معه.
الثانية: أَن الميت إذا ترك أَبوين مع أحد الزوجين فللأم ثلث ما بقي بعد نصيب أحد الزوجين. وأَما إذا ترك جداً فالأَصح أَن لها الثلث كاملا - أي ثلث جميع المال والباقي للجد إلا عند أبي يوسف وأبي ثور.
الثالثة: أَن بني الأَعيان - أي الإِخوة لأم وأَب - والعلات - الإِخوة لأب - يسقطون مع الأَب ولا يسقطون مع الجد إلا عند أبي حنيفة ﵀.
الرابعة: أن أبا المعِتق مع ابنه يأخذ سدس الولاء وليس للجد ذلك (١).
الخامسة: ان الإِخوة لغير أم وبنوهم يحجبون الجد في باب الولاء عند المالكية والشافعية، بخلاف الأَب فإنه يحجبهم بالإِجماع (٢).
стр. 1514
القاعدة السابعة: [الجمادات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجمادات طاهرة. إلا المستحيل إلى نتن أو إسكار (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالجمادات: ما ليس تحله الحياة كالحجارة، والأخشاب والنباتات والثياب.
فمفاد القاعدة: ان ما كان جماداً لا تحله الحياة فهو طاهر - إذ الأَصل فيه الطهارة - أما إذا تحول الجماد فأصبح منتنا أو مسكرا فيحكم بنجاسته لنتنه أو إِسكاره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الحجارة والتراب والجبس والنورة وكل ما كان من جنس الأرض فهو طاهر.
ومنها: المعادن كالذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها فهي طاهرة.
ومنها: الأخشاب والنباتات والثياب كلها طاهرة إلا ما ثبت إسكاره من النباتات كالحشيش والأَفيون وغيرهما فهو نجس لإسكاره.
стр. 1515
القاعدة الثامنة [الخَلَف - الأصل] .
أولاً: لفظ ورود القاعدة .
الجمع بين الخَلَف والأصل لا يكون (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالخَلَف والأَصل: البدل والمبدل. كالماء والتراب.
فمفاد القاعدة: أنه لا يجوز الجمع بين الأَصل وبدله، إذ أَن البدل لا يجوز استعماله إلا عند تعذر الأَصل فمع وجوده لا يجوز استعماله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجوز التيمم بالتراب مع وجود الماء والقدرة على استعماله.
ومنها: إذا قدر المتمتع على ثمن نصف شاة فلا يجوز أن يهديه مع صيام خمسة أيام. بل يجب عليه صيام عشرة أيام لأنه غير قادر على الهدي كاملا.
ومنها: من كان عنده ماء يكفي غسل بعض جسمه، أو بعض أعضاء الوضوء فهل يجوز له أن يغسل ما أمكنه ويتيمم للباقي؟ خلاف.
عند الحنفيه وبناء على هذه القاعدة - لا يجوز، بل عليه أن يتيمم، وهو قول مالك أيضا، واختيار المزني (٢) من الشافعية، وعن أحمد روايتان.
стр. 1516
وأما عند جمهور الشافعية فيلزمه استعمال الماء في أصح القولين عندهم. ويتيمم بعد استعماله لما بقي (١). فيكون قد جمع بين الخَلَف والأَصل.
стр. 1517
القاعدة التاسعة: [الجمع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجميع أو الجمع المضاف إلى الجماعة يتناول كل واحد منهم على انفراد. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا جيء بلفظ يدل على الجمع وأضيف إلى جماعة - أي أسند إلى ما يدل على الجمع كواو الجماعة، ونا ضمير جماعة المتكلمين، فإن هذه الصيغة تدل على تناول كل واحد من الجماعة على الانفراد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ (٢)، أي أن كل واحد منهم جعل أصابعه في أذنيه واستغشى ثيابه.
ومنها: إذا قال أهل حصن حاصره المسلمون: أمنونا حتى يفتح لكم الحصن فتدخلون فتعرضوا علينا الإسلام فنسلم. واشترط المسلمون أنّكم إن أبيتم الإسلام فلا أمان بيننا وبينكم. فرضوا بذلك، ففتحوا الحصن، فأسلم بعضهم وأبى آخرون. كان من أسلم منهم حراً لا سبيل عليه، ومن أبى الإسلام فهو فيء، اعتباراً للبعض بالكل.
стр. 1518
القاعدة العاشرة [جناية العجماء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
جناية العجماء جُبَار (١). حديث
ثانياً: معنى هذا الحديث ومدلوله:
تخريج الحديث: لم أجده بهذا اللفظ بل المشهور والمعروف: (العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس). (٢)
ولفظ: (العجماء جرحها جبار) (٣).
العجماء: المراد بها البهيمة: كالحمار والجمل والثور وأشباه ذلك، وسميت عجماء لأنها لا تفصح (٤). وجبار: معناها: هَدَر.
فمفاد الحديث: أن البهيمة العجماء تنفلت فتتلف شيئاً أو تصيب في انفلاتها إنساناً أو شيئاً فجرحها هدْرَ (٥) أي غير مضمون.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا انفلتت دابة من أهلها وأفسدت زرع آخرين، فإن كان ذلك نهاراً فلا يغرم صاحبها شيئاً، وإن كان ليلاً فعلى صاحبها الغُرم.
стр. 1519
وأصل ذلك قضاء الرسول ﷺ "إن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وإن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها" (١) وكأَنَّ الحديث مخصوص بالنهار.
رابعاً: مما استثنى من مسائل هذه القاعدة:
حديث النعمان بن بشير (٢) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من وقف دابة في سبيل من سبل المسلمين أو في سوق من أسواقهم فأوطأَت بِيَدٍ أو رجلِ فهو ضامن". الحديث أخرجه الدارقطني (٣).
والعلة في ضمان صاحبها أنه أوقفها في طريق المسلمين أو في سوقهم، فهو متسبب لما أتلفت.
стр. 1520
القاعدة الحادية عشرة: [الجناية على النفس] .
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
جناية المرء على نفسه لا تعتبر بحال. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا جنى إنسان على نفسه جناية بجرح أو قطع يد أو رجل أو فَقِ عين فلا تعتبر هذه الجناية، لأنه سبب الضرر لنفسه فلا يتحملها غيره.
هذا ما يتعلق بالأرش أو الدية، وأَما ما يتعلق بالإِثم وحق الله تعالى فالفاعل آثم حينما جر الضرر على نفسه إذا كان متعمداً وبغير ضرورة شرعية؛ لأن الله نهى عن إلقاء النفس في التهلكة وعن قتل النفس، ولذلك كان قاتل نفسه في النار، وما كان دون النفس فبحسبه، لأن البعض معتبر بالكل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من قطع يد نفسه أو رجل نفسه أو فقأ عين نفسه فلا يتحمل دية اليد أو الرجل أو العين أحد غيره، فإن كان مخطئاً فلا إثم عليه، وإن كان متعمداً فهو آثم، وأما في الدنيا فلا عقوبة عليه ولا تعويض له.
ومنها: من شرب الخمر أو تحسى السم أو شرب الدخان وهو يعلم أن ما فعله فيه ضرر على نفسه أو عقله فمات أو جن فدمه هدر ولا يتحمل جنايته على نفسه أحد.
стр. 1521
القاعدة الثانية عشرة: [جناية المملوك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
جناية المملوك على المالك فيما يوجب المال هَدْر. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمملوك: العبد الرقيق أو الجارية الرقيقة.
فمفاد القاعدة: أنه إذا جنى الرقيق جناية على مالكه وهذه الجناية تتعلق بالمال فإنه لا ضمان على العبد فيما جنى وأتلف، لأن العبد مال وهو بعض مال السيد فإذا جنى بعض المال على بعضه فهو هدر، أي باطل أي لا تعويض فيه، لأن المال - وأن كان عبداً فهو مملوك لا مالك كدابتين تناطحتا فقتلت إحداهما الاخرى.
وإما إذا كانت الجناية على غير المال فالعبد مسؤول ويتحمل تبعة جنايته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قتل عبد مملوك دابة لسيده أو أحرق له متاعاً أو زرعاً فالعبد غير ضامن، لأن العبد ملك لسيده وهو لا يملك شيئاً فإذا ضمَّناه كان ذلك تضميناً للسيد بعض ماله ببعض ماله، وذلك عبث.
ولكن إذا قتل العبد إنساناً حراً أو عبداً مثله أقيد به. وإن زنى بجارية لسيده أو لغيره أو بِحُرَّة فعليه الحد خمسون جلدة.
стр. 1522
القاعدة الثالثة عشرة: [الجنايات - العقوبات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجنايات سبب لإيجاب العقوبات (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجنايات التي يرتكبها أصحابها عمداً هي سبب لوجوب العقوبات عليهم؛ لأن العقوبات إنما شرعت زواجر عن ارتكاب الجنايات والجرائم، ولكن يجب أن تكون العقوبة بحسب الجناية أو الجريمة التي يرتكبها الشخص أو يقع فيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من زنى عوقب بالحد - الجلد أو الرجم، لأن الزنا حَرَّمَه الله في كل ملة، فمن زنا ارتكب جريمة توجب العقوبة.
ومنها: من سرق مالا، عوقب بقطع يده، لأن السرقة جناية على المال. وهكذا.
стр. 1523
القاعدة الرابعة عشرة: [الجنون] .
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجنون إذا وجد مرة فهو لازم أبداً (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجنون: هو اختلاط العقل بحيث يمنع جريان الأَفعال والأَقوال على نهج العقل إلا نادراً. (٢)
أو هو زوال العقل أو فساده (٣).
فمفاد القاعدة: أن الإنسان إذا وجد منه الجنون مرة - فإِنه لا ينفك عنه
أي أن الجنون يعتبر مرضاً مزمناً لا يقبل البرء إذا وجد.
والمقصود بالقاعدة:
١ - الجنون غير المطبق - أي من يجن تارة ويفيق أخرى.
٢ - والجنون المُسَبَّب عن فساد في المخ لا يمكن علاجه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لو أن رجلاً يعرف أنه جن مرة فقالت امرأته: إنه طلقني ثلاثاً البارحة.
стр. 1524
فقال الرجل: عاودني الجنون البارحة فقلت كذا وأنا مجنون. فالقول قوله مع يمينه، لأن الجنون إذا وجد مرة فهو لازم أبداً، ولهذا كان عيباً لازماً إذا وجد في حالة الصغر أو الكبر ولذلك لا يقع طلاقه في هذه الحال.
وأقول: لكن لا بد من إثبات بتقرير طبيب أو شهود أنه قد جن قبل ذلك، لأن هذا أمر لا يخفى.
ومنها: إذا قيل أن فلاناً ارتد البارحة، فقال الرجل: عاودني جنون - وهو معروف بذلك - فالقول قوله مع يمينه، وإن لم يعرف بالجنون لا يقبل قوله.
стр. 1525
القاعدة الخامسة عشرة [الجهاد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجهاد واجب على المسلمين. (١) عن أبي حنيفة ﵁. واجب أي فرض
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجهاد في اللغة: فِعال من الجَهد وهو الشقة والتعب وبلوغ النهاية والغاية في الطلب (٢). وبالضم والفتح الطاقة والوسع.
والجهاد من هذا الباب وهو بذل الوسع والطاقة في حرب الأعداء وقتالهم.
وهو مصدر جاهدت العدو إذا قابلته في تَحَمُّل الجهد، أو بذل كل منكما جُهده - أي طاقته - في دفع صاحبه. ثم غلب في الإسلام على قتال الكفار. (٣)
فمفاد القاعدة: أن محاربة الكفار وقتالهم في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ونشر دين الله في الأرض، والدفاع عن الإسلام فرض على المسلمين لا يجوز لهم أن يتركوه أو يهملوه، لأن الواجب والفرض ما طلبه الشارع طلباً جازماً ويثاب المسلم على فعله ويأثم ويعاقب على تركه كالصلاة.
والجهاد قد يكون فرض عين وقد يكون فرض كفاية بحسب الظروف والأحوال وهو في عصرنا الحالي فرض عين بجميع أنواعه وعلى كل مسلم
стр. 1526
بحسب جهده وطاقته وموقعه؛ لأن الكفار رمونا عن قوس واحدة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإعلامياً وأخلاقياً وثقافياً.
стр. 1527
القاعدة السادسة عشرة [جهالة المستثنى]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
جهالة المستثنى توجب جهالة المستثنى منه. (١)
وفي لفظ: إذا كان المستثنى مجهولاً فالمستثنى منه يصير مجهولاً أيضاً.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى الاستثناء وهو إستفعال من ثنيت الشيء أثنيه ثنياً إذا عطفته ورددته.
فالاستثناء اصطلاحاً: صرف العامل عن تناول المستثنى (٢).
والاستثناء أداته "إلا" وينوب عنها غير وسوى.
فمفاد القاعدة: أن المستثنى إذا كان مجهولاً فإن جهالته توجب جهالة المستثنى منه، فينتج بطلان المعاملة المبنية على ذلك؛ لأن جهالة المعقود عليه تمنع جواز العقد.
ثالثاً: من أمثلة القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى قطيعاً بألف درهم إلا ديناراً - أي كان المستثنى من غير جنس المستثنى منه - لاختلاف المقومين للمستثنى. فالمعاملة باطلة.
أو اشتراه بألف درهم إلا قفيز حنطة، أو إلا شاة. فالبيع فاسد؛ لأن المستثنى إذا كان من غير جنس المستثنى منه فإنما يستثنى من المستثنى منه بالقيمة، وطريق معرفة القيمة الحزر والظن، فلا يتيقن به فيكون المستثنى
стр. 1528
مجهولاً؛ لأن الكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء الاستثناء، وما وراء الاستثناء من الأَلف مجهول، والبيع بالثمن المجهول فاسد.
ومنها: إذا باع شيئاً من الحيوان واستثنى ما في بطنه، فالبيع فاسد؛ لأن ما في البطن لا يجوز إيجاب البيع فيه مقصوداً، فلا يجوز استثناؤه مقصوداً؛ لأن الجنين في البطن مجهول.
стр. 1529
القاعدة السابعة عشرة [جهالة المعقود عليه]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
جهالة المعقود عليه تمنع جواز العقد (١).
وفي لفظ: المجهول لا يجوز تمليكه بشيء من العقود قصداً (٢) وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله.
وفي لفظ: جهالة المعقود عليه تفسد العقد. (٣)
وفي لفظ: جهالة المبيع وما يتفاوت يمنع صحة العقد.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
من أركان العقد معرفة المعقود عليه - مبيعاً أو ثمناً - فإذا كان أحدهما مجهولاً فسد العقد وبطل، لأنه يفتح باب التنازع.
فمفاد هذه القواعد: أن المبيع أو الثمن - وهو المعقود عليه - إذا كان مجهولاً فإن جهالته تفسد العقد وتبطله، وكذلك لو كان المجهول شرطاً لا سبيل إلى معرفته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا وهب نصيبه من دار أو عقار أو سيارة مجهولة لم تجز الهبة لجهالة الموهوب، ولأنه يشترط في الهبة القبض وقبض المجهول مستحيل.
стр. 1530
ومنها: إذا اشترى ثوبين أو ثلاثة كل منها بعشرة دراهم على أنه بالخيار ثلاثة أيام يمسك أيها شاء ويرد الآخر لم يجز عند زُفَر ﵀.
ومنها: إذا اشترى سمسماً أو زيتوناً على أن فيهما من الدهن كذا، فهذا شرط باطل لا طريق للبائع إلى معرفته. ويكون سبباً في جهالة المعقود عليه، فيكون مفسداً للعقد.
стр. 1531
القاعدة الثامنة عشرة [جهالة المُقِرَ والمُقِرَ له]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
جهالة المُقِرَ تمنع صحة الإقرار. (١)
ومقابلها: جهالة المُقِرَ له تمنع صحة الإقرار. (٢)
وفي لفظ: الإِقرار للمجهول باطل. (٣)
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولاتها:
هذه من قواعد الإِقرار السابقة في القسم الأَول - قواعد حرف الهمزة.
ومفادها: أن المُقِرَّ أو المُقَرِّ له إذا كانا مجهولين فإن الإِقرار لا يكون صحيحاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا قال: لك على أحدنا ألف ريال. لم يصح الإقرار لأن الُمقِرَّ مجهول.
ومنها: أقر فقال: لفلان علينا ألف درهم، ولم يُسمّ أحداً. فهو باطل.
ومنها: إذا أقر أنه غصب هذه الدار أو هذه السلعة من هذا أو هذا - كل واحد منهما يدعيه. فإن اصطلحا على أخذه أخذاه - وإن لم
стр. 1532
يصطلحا استحلف كل واحد منهما. وإن نكلا عن اليمين لم يصح الإِقرار، لأن الحق لا يثبت للمجهول.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد:
إذا قال: لك على أحدنا ألف درهم - وجمع بين نفسه وعبده - أو بين نفسه وشريكه في شركة المفاوضة - صح الإِقرار؛ لأن المال يطالب به السيد؛ حيث إن العبد لا يملك فلا يصح أن يكون مديوناً - إلا إذا كان مأذوناً له في التجارة فاستدان ثم أبطل سيده الإِذن، فالسيد يتحمل مديونية العبد.
وفي شركة المفاوضة كل واحد من الشريكين وكيل عن الآخر فجاز أخذ المال من أي منهما، ولذلك صح الإِقرار.
ومنها: إذا رد الشتري المبيع بعيب فبرهن البائع على إقراره أنه باعه من رجل - ولم يُعينه - قُبل وسقط حق الرد؛ لأن بيع المشتري البيع دليل على رضاه بالعيب المانع من الرد.
стр. 1533
القاعدة التاسعة عشرة [الجهالة وتأثيرها]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجهالة إنما تؤثر في العقود اللازمة. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقود التي يتعامل بها الناس قسمان: عقود لازمة من الطرفين، كعقد البيع، والنكاح، والإجارة، وأمثالها. وعقود غير لازمة كعقد الإِعارة والهبة، والهدية وأشباه ذلك.
فمفاد القاعدة: أن الجهالة تضر بالعقد وتؤثر فيه بالإِبطال إذا كان عقداً لازماً، وأما إذا كان العقد غير لازم فلا تؤثر فيه الجهالة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باعه شاةً من شياه غير معينة بطل العقد للجهالة.
وأما إذا أعاره أرضاً مطلقة - أي غير محدد وجه الانتفاع بها - جاز ذلك، وللمستعير أن يزرع ويغرس ويبني ويفعل فيها كل ما هي معدة له من الانتفاع؛ لأن الإِذن مطلق.
стр. 1534
القاعدة العشرون [الجهالة وسقوطها]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجهالة تسقط فيما كان تبعاً. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجهالة مضرة بالعقد اللازم كما سبق.
ومفاد هذه القاعدة: أن الجهالة إنما تضر وتفسد العقد إذا كانت في صلب العقد متعلقة بأصول التبادل، ولكن إذا كانت الجهالة متعلقة بالفرع التابع فإن هذه الجهالة لا تضر ولا تفسد العقد لأنها ليست في صلب العقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى شاةً واشترط أن تكون لبوناً - أي ذات در ولبن - صح العقد عند الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى، مع أن اللبن في الضرع مجهول - ولكن لما كان تبعاً وليس أصلاً في العقد جاز - خلافاً لأبي حنيفة ﵀ الذي لا يجيز بيع اللبن في الضرع.
ومنها: لو شرطها حاملاً. صح ذلك عند أبن قدامة؛ لأنه صفة مقصودة يمكن الوفاء بها.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا اشترط في الشاة أو البقرة أنها تحلب قدراً معيناً من اللبن لم يصح العقد؛ لتعذر الوفاء به.
ومنها: إذا اشترى جارية وشرط أنها مغنية. لم يصح العقد؛ لأن الغناء مذموم في الشرع فلم يصح اشتراطه كالزنا.
стр. 1535
القاعدة الحادية والعشرون: [الجهالة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجهالة في ابتداء المعاملة مفسدة المعاملة. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمعاملة هنا: هي العمل على العناية بالأشجار كالنخيل وأشجار الفواكه وغيرها بالسقي والحفظ والتشذيب وغير ذلك مما يحتاجه الشجر.
فمفاد القاعدة: أنه إذا وجدت الجهالة في ابتداء مدة المعاملة بحيث لم يحدد بدء المدة يعتبر ذلك مفسداً للمعاملة ومبطلاً لها.
ويجوز أن تَعُم هذه القاعدة كل معاملة بين طرفين فيها جهالة كالاجارة وغيرها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا دفع صاحب النخل نخله للعامل غير ملقح وأشترط التلقيح على رب النخل، قال: فإن ذلك لا يجوز؛ لأن التخلية تنعدم عقيب العقد، لأن العقد قد انعقد بينهما في الحال، فالشرط - وهو أن يكون التلقيح على رب النخيل - مُفَوِّت موجب العقد وهو التخلية بين النخل والعامل، وقبل التلقيح لم يُخَلِّ بينه وبين النخل، لأن النخل ما يزال في يد صاحبه حتى يلقحه، بخلاف إذا ما كان رب النخل قد لقحه قبل المعاملة. وبخلاف ما إذا أشترط أن يلقحه في هذا الشهر على أن يحفظه العامل ويسقيه من غرة الشهر القادم فيجوز، لأن ابتداء المعاملة هنا من غرة الشهر الداخل وهو معلوم، والمعاملة عقد إجارة فيجوز إضافتها إلى وقتٍ في المستقبل.
стр. 1536
القاعدة الثانية والعشرون: [الجهالة والمنازعة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجهالة التي لا تفضي إلى المنازعة لا تمنع صحة العقد. (١)
وفي لفظ: الجهالة في المعقود عليه إذا كانت تفضي إلى المنازعة تمنع صحة العقد. (٢)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان متقابلتان لفظاً ولكنهما متحدتان معنى ومفهوماً ونتيجة.
فالمقصود من العقود انتفاع كل من المتعاقدين أو المتعاملين عموماً بما تعاقدا عليه، ويحرص الشارع دائماً على حسن المعاملة والتراضي والتحاب بين المتعاملين.
ولذلك كان كل ما يسبب الخصومة والمنازعة بينهما مفسداً للعقد والمعاملة؛ درءاً لفساد العلاقة بين المسلمين وجلباً للمحبة والتعاون على الخير والبر بينهم، ولذلك فَكُلُّ جهالة في العقد سواء في المبيع أو الثمن أو ما يتعلق بأحدهما - وهذه الجهالة تفضي إلى المنازعة والخصومة - فإن هذه الجهالة تمنع صحة العقد وتوجب بطلانه وفساده، بخلاف ما إذا كانت الجهالة قليلة لا تفضي إلى المنازعة فلا تمنع صحة العقد.
стр. 1537
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
اشترى ثوباً من عشرة أثواب غير متفاوتة القيمة ولا الجودة والنوعية صح العقد لعدم التفاوت بينها - وإن كان الثوب الذي سيختاره المشتري مجهولاً - ولعدم إفضاء هذه الجهالة للمنازعة.
ومنها: باع شاة من قطيع أو حصة من دار غير معلومة فسد البيع، لأن هذه جهالة تفضي إلى المنازعة لتفاوت الشياه، وجوانب الدار.
стр. 1538
القاعدة الثالثة والعشرون: [الجهالة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الجهالة كما تمنع الدعوى والبينة تمنع اليمين أيضاً. (١)
وفي لفظ الخانية: الجهالة كما تمنع قبول البينة تمنع الاستحلاف أيضاً. (٢)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
للجهالة أحكام مترتبة عليها، وقد سبق ذكر بعضها فيما سبق من قواعد، وهذه القاعدة تفيدنا حكماً أخر من أحكامها وهي أن الجهالة في المعقود عليه، أو المقِرّ أو المُقَرَّ له أو المُقَرِّ به، أو غير ذلك من أنواعها، تمنع الدعوى وتمنع البينة - أي الإِشهاد - وهي كذلك تمنع توجيه اليمين على المدعى عليه.
والأَصل أن قبول البينة أو الاستحلاف لا بد أن ينبني على دعوى صحيحة، وإذا كانت الجهالة تمنع صحة الدعوى فتمنع أيضاً كل ما يترتب على صحة الدعوى كاليمين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال المدين: قضيت بعض ديني ولا أدري كم قضيت، أو قال: نسيت قدره، وأراد أن يحلف الطالب لا يلتفت إليه؛ لأَن المدعي وهو المدين لا يمكنه إقامة البينة على دعواه بقضاء بعض الدين للجهالة، ولذلك فلا توجه اليمين على المدعى عليه - وهو الدائن.
стр. 1539
ومنها: إذا ادعى رجل على آخر استهلاك مال، أو خيانة في ربح أو وصية - ولم يحدد المقدار - وطلب من القاضي تحليف خصمه بعد قوله: لم أعلم مقداره أو نسيت، لا يلتفت القاضي إلى قوله، لأن اليمين يترتب على صحة الدعوى، والدعوى هنا لم تصح.
رابعاً: مما استثنى من مسائل هذه القاعدة:
إذا ادعي على قيم الوقف أو الوصي الخيانة المطلقة، جاز تحليفهما وإن كان المدَّعى به مجهولاً - لمصلحة الوقف واليتيم - ولعسر تحديد مقدار خيانة القيم أو الوصي.
стр. 1540
القاعدة الرابعة والعشرون: [الجهالة المستدركة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجهالة المستدركة في التزام المال ابتداء لا تمنع صحته. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا كانت الجهالة في التزام المال مستدركة قبل تمام العقد - ومعنى استدراكها إزالتها ومعرفة مقدار المال الملتزم به - فهذه الجهالة الابتدائية لا لا تمنع صحة العقد عند تمامه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تزوج امرأة على عبد مطلق عن الوصف، أو على أمة، أو على بيت أو على مقدار من المال لم يُبَيِّنهُ، فالعقد صحيح ولها عبد وسط أو أمة وسط أو بيت وسط، ومهر المثل وتجبر على القبول، وكذلك لو أتاها بقيمة عبد وسط أو قيمة أمة وسط أو قيمة بيت وسط، أجبرت على القبول. هذا عند الحنفية، وخالف الشافعي رحمه الله تعالى في ذلك حيث قال: لا تصح التسمية؛ لأن النكاح عقد معاوضة فيكون قياس البيع، والعبد المطلق لا يستحق بعقد البيع عوضاً فكذلك في النكاح. بناء على أصله وهو (أن كل ما لا يصح مُسمّى في البيع لا يستحق في النكاح)؛ لأن المقصود بالمسمى مهراً هو المالية وبمجرد ذكر الجنس دون بيان الوصف لا تصير المالية معلومة، فلا يصح التزامه بعقد المعاوضة لبقاء الجهالة والغرر فيه (٢).
стр. 1541
وليس معنى ذلك أن الشافعي ﵀ يفسد العقد بجهالة المهر، بل هو يجيز العقد ولو لم يسَمَّ للزوجة مهراً، ولكن يرى أنه يلزم مهر المثل عند فساد المهر المسمى. فمن قوله ﵀: والبيوع لا تنعقد إلا بثمن معلوم، والنكاح ينعقد بغير مهر (١). ومن قوله ﵀ (وإنما جعلت لها مهر مثلها لأن النكاح لا يرد كما ترد البيوع الفائتة) - أي المستهلكة.
стр. 1542
القاعدة الخامسة والعشرون: [جهة الشيء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
جهة الشيء بمنزلة حقيقته (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بجهة الشيء هنا: صفته التي يعرف بها، أو الجهة التي يوجد بها.
فمفاد القاعدة: أَن صفة الشيء التي يعرف بها ويميز عن غيره لها في الاعتبار حكم حقيقة ذلك الشيء، والمراد أن صفة العقد تقوم مقام حقيقة العقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل: من جاءَني بمتاعي من مكان كذا فله أجر مقداره كذا درهماً أو ديناراً أو ريالا. فذهب رجل فجاء بالمتاع، فعند الحنفية له أجر مثله لا يجاوز المسمى.
وحجتهم في ذلك أن هذا استئجار المجهول، واستئجار المجهول باطل، إلا أنه إذا حمله إنسان بعد ما سمع كلامه فإنما جاء به على جهة تلك الإِجارة، وقد رضي القائل بذلك فيستوجب أجر المثل باعتبار أن جهة الشيء بمنزلة حقيقته، بخلاف ما إذا خاطب إنساناً بعينه، فله الأَجر إذا ذهب سواء وجد المتاع أم لم يجده.
وأما عند الشافعي ﵀: فله المسمى واعتبر ذلك إجارة صحيحة مستنداً إلى قوله تعالى حكاية عن إخوان يوسف ﵇ ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [الآية ٧٢ من سورة يوسف].
стр. 1543
القاعدة السادسة والعشرون [الجهل بالأَحكام]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الجهل بالأَحكام الشرعية إنما يكون عذراً إذا لم يقع حاجة إليها. (١)
وفي لفظ: كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس له يقبل، إلا إذا كان مما يخفى. (٢) وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأَصل أن الجهل بالأَحكام الشرعية في دار الإسلام لا يكون عذراً - كما سيأتي في قاعدة لاحقة -؛ لأن دار الإسلام دار العلم وشيوع الأَحكام.
ومفاد هذه القاعدة استثناءً من القاعدة التالية: وهي أن الجهل بالأَحكام الشرعية في دار الإسلام يكون عذراً إذا كانت هذه الأَحكام غير محتاج إليها. وهي الأَحكام التي فيها خفاء وهو ليس في حاجة للعمل بها، كجهل الفقير أحكام الزكاة والحج.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الزوجة المعتقة التي تجهل أن لها الخيار بعد العتق تعذر بالجهل بهذا الحكم فيبقى لها خيارها حتى تعلم؛ لأن هذا من الأَحكام التي لم تقع الحاجة إليها بالنسبة لها.
стр. 1544
القاعدة السابعة والعشرون: [الجهل بالأَحكام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الجهل بالأَحكام في دار الإسلام ليس بعذر (١)، أو لا يكون عذراً. (٢)
وفي لفظ: الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يسقط أحكامها (٣).
وفي لفظ: الجهل الذي يعذر به صاحبه، أولا يكونه عذراً (٤).
وفي لفظ: الجهل هل ينتهض عذراً (٥)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دار الإسلام دار العلم وشيوع الأَحكام، فلا يعذر أحد بترك العلم بأحكام دينه، بخلاف الجهل بها في دار الحرب، فيعتبر عذراً، لأن دار الحرب دار جهل، فيكون الجاهل عاجزاً عن الائتمار بالشرائع قبل العلم بوجوبها.
وبخلاف من يعذر بالجهل كلما في القاعدة السابقة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أسلم كافر في دار الإسلام ولم يعلم بالشرائع فيجب عليه التعلم، ولا يعذر في ترك العلم بها، لأنه قادر على العلم وإزالة الجهل.
стр. 1545
فلو لم يُصَلِّ مدة بدعوى الجهل بوجوب الصلاة فيجب عليه قضاء ما تركه منذ أسلم؛ لأنه قصر في طلب العلم.
ولكنه إذا أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوب الصلاة ولا تحريم المحرمات، ومكث زماناً ثم علم، فلا يلزمه قضاء ما فاته من الصلوات، ولا يقام عليه حد ارتكاب المحرمات قبل العلم بالأَحكام. بخلاف ما لو أرتكب محرماً في دار الإسلام بعد إسلامه فإنه يعاقب ولا يعذر بعدم العلم بالتحريم.