← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وليس معنى ذلك أن الشافعي ﵀ يفسد العقد بجهالة المهر، بل هو يجيز العقد ولو لم يسَمَّ للزوجة مهراً، ولكن يرى أنه يلزم مهر المثل عند فساد المهر المسمى. فمن قوله ﵀: والبيوع لا تنعقد إلا بثمن معلوم، والنكاح ينعقد بغير مهر (١). ومن قوله ﵀ (وإنما جعلت لها مهر مثلها لأن النكاح لا يرد كما ترد البيوع الفائتة) - أي المستهلكة.

стр. 1542

القاعدة الخامسة والعشرون: [جهة الشيء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: جهة الشيء بمنزلة حقيقته (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بجهة الشيء هنا: صفته التي يعرف بها، أو الجهة التي يوجد بها. فمفاد القاعدة: أَن صفة الشيء التي يعرف بها ويميز عن غيره لها في الاعتبار حكم حقيقة ذلك الشيء، والمراد أن صفة العقد تقوم مقام حقيقة العقد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال رجل: من جاءَني بمتاعي من مكان كذا فله أجر مقداره كذا درهماً أو ديناراً أو ريالا. فذهب رجل فجاء بالمتاع، فعند الحنفية له أجر مثله لا يجاوز المسمى. وحجتهم في ذلك أن هذا استئجار المجهول، واستئجار المجهول باطل، إلا أنه إذا حمله إنسان بعد ما سمع كلامه فإنما جاء به على جهة تلك الإِجارة، وقد رضي القائل بذلك فيستوجب أجر المثل باعتبار أن جهة الشيء بمنزلة حقيقته، بخلاف ما إذا خاطب إنساناً بعينه، فله الأَجر إذا ذهب سواء وجد المتاع أم لم يجده. وأما عند الشافعي ﵀: فله المسمى واعتبر ذلك إجارة صحيحة مستنداً إلى قوله تعالى حكاية عن إخوان يوسف ﵇ ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [الآية ٧٢ من سورة يوسف].

стр. 1543

القاعدة السادسة والعشرون [الجهل بالأَحكام] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الجهل بالأَحكام الشرعية إنما يكون عذراً إذا لم يقع حاجة إليها. (١) وفي لفظ: كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس له يقبل، إلا إذا كان مما يخفى. (٢) وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأَصل أن الجهل بالأَحكام الشرعية في دار الإسلام لا يكون عذراً - كما سيأتي في قاعدة لاحقة -؛ لأن دار الإسلام دار العلم وشيوع الأَحكام. ومفاد هذه القاعدة استثناءً من القاعدة التالية: وهي أن الجهل بالأَحكام الشرعية في دار الإسلام يكون عذراً إذا كانت هذه الأَحكام غير محتاج إليها. وهي الأَحكام التي فيها خفاء وهو ليس في حاجة للعمل بها، كجهل الفقير أحكام الزكاة والحج. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الزوجة المعتقة التي تجهل أن لها الخيار بعد العتق تعذر بالجهل بهذا الحكم فيبقى لها خيارها حتى تعلم؛ لأن هذا من الأَحكام التي لم تقع الحاجة إليها بالنسبة لها.

стр. 1544

القاعدة السابعة والعشرون: [الجهل بالأَحكام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الجهل بالأَحكام في دار الإسلام ليس بعذر (١)، أو لا يكون عذراً. (٢) وفي لفظ: الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يسقط أحكامها (٣). وفي لفظ: الجهل الذي يعذر به صاحبه، أولا يكونه عذراً (٤). وفي لفظ: الجهل هل ينتهض عذراً (٥)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دار الإسلام دار العلم وشيوع الأَحكام، فلا يعذر أحد بترك العلم بأحكام دينه، بخلاف الجهل بها في دار الحرب، فيعتبر عذراً، لأن دار الحرب دار جهل، فيكون الجاهل عاجزاً عن الائتمار بالشرائع قبل العلم بوجوبها. وبخلاف من يعذر بالجهل كلما في القاعدة السابقة. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا أسلم كافر في دار الإسلام ولم يعلم بالشرائع فيجب عليه التعلم، ولا يعذر في ترك العلم بها، لأنه قادر على العلم وإزالة الجهل.

стр. 1545

فلو لم يُصَلِّ مدة بدعوى الجهل بوجوب الصلاة فيجب عليه قضاء ما تركه منذ أسلم؛ لأنه قصر في طلب العلم. ولكنه إذا أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوب الصلاة ولا تحريم المحرمات، ومكث زماناً ثم علم، فلا يلزمه قضاء ما فاته من الصلوات، ولا يقام عليه حد ارتكاب المحرمات قبل العلم بالأَحكام. بخلاف ما لو أرتكب محرماً في دار الإسلام بعد إسلامه فإنه يعاقب ولا يعذر بعدم العلم بالتحريم.

стр. 1546

القاعدة الثامنة والعشرون [الجهل بالشرط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الجهل بالشرط مبطل وإن صادفه. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة: العلم شرط في صحة العمل، فمن جهل ولم يعلم ما يفعل كان عمله باطلاً وإن صادف الحق، والمراد بالشرط هنا الشرط الشرعي وليس مطلق شرط. فمفاد القاعدة: أن الجهل بحقيقة العمل يبطل العمل، وإن وقع على وجهه المشروع مصادفة واتفاقا. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من صلى جاهلاً بكيفية الصلاة لا تصح صلاته، وإن صلاها صحيحة. ومنها: من فسر كتاب الله تعالى بغير علم أثم وإن أصاب. ومنها: القاضي إذا حكم وهو جاهل بحكم الله تعالى يدخل النار وإن أصاب في حكمه. ومنها: من تطبب ولم يعلم منه طب يضمن وإن أصاب، لما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال " (من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن." (٢))

стр. 1547

القاعدة التاسعة والعشرون [الجهل بالمماثلة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة. (١) وفي لفظ: المماثلة المجهولة كالمفاضلة المعلومة. (٢) وتأتي حرف الميم إن شاء الله وفي لفظ: الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه. (٣) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تختص بالمسائل الربوية، فالشرط في حل تبادل الأَموال الربوية تحقق المماثلة بينها، وعند الشك في تحقق المماثلة أو الجهل بها تفسد المعاملة وتبطل لاحتمال الربا. وباب الربا مبني على الاحتياط كما سبق بيانه. وهذا أمر متفق عليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: بيع كومة - أو صبرة - من طعام - تمر أو حنطة أو زبيب أو غيرها - بكومة مثلها دون كيل أو وزن لا يجوز؛ لاحتمال المفاضلة والشك في المماثلة. فتكون هذه المعاملة باطلة؛ لأن الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، والمفاضلة في الأَموال الربوية تبطل المعاملة بها.

стр. 1548

القاعدة: الثلاثون [الجهل والنسيان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الجهل والنسيان يعذر بهما في حق الله تعالى المنهيات دون المأمورات. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دليل القاعدة: حديث معاوية بن الحكم ﵁ لما تكلم في الصلاة، ولم يؤمر بالاعادة لجهله بالنهي عن الكلام في الصلاة. (٢) وحديث يعلى بن أمية حيث أمره النبي ﷺ بنزع الجبة عن المحرم ولم يأمره بالفدية لجهله. (٣) فمفاد القاعدة: أن من فعل منهياً عنه جاهلاً بالنهي فهو معذور ويسقط عنه الإثم والعقوبة. وأما من ترك مأموراً نسياناً أو جهلاً فهو غير معذور - إذا كان في دار الإسلام -. والفرق بينهما: أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها. والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحاناً للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها. ومع النسيان والجهالة لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي عنه، فعذر بالجهل أو النسيان.

стр. 1549

هذا في حقوق الله تعالى، وأما في حقوق العباد فلا يعذر بالجهل والنسيان ولكنه قد يرفع عنه الإثم. ولكن الجهل بالمحرمات المشتهرة في دار الإسلام لا يعتبر عذراً؛ لأنها لا تخفى حرمتها ولا أحكامها كالزنا وشرب الخمر واللواط وغيرها من المحرمات المشتهر تحريمها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من وطئ زوجته في حال إحرامه ناسياً أو جاهلاً فلا فدية عليه عند الإمام الشافعي ﵁ ولا يفسد حجه على الأَظهر. (١) ومنها: إذا تطيب ناسياً فلا فدية عليه، بخلاف ما لو جاوز الميقات المكاني بدون إحرام ناسياً لزمه الدم، والفرق إن الإِحرام من الميقات مأمور به والطيب منهي عنه. ومنها: من لبس ما ليس له لبسه قبل الإِحرام جاهلاً بما عليه في لبسه، أو ناسياً لإحرامه ثم يثبت عليه أي مدة بعد ما ثبت عليه بعد الإحرام، أو ابتدأ لبسه بعد الإحرام جاهلاً بما عليه في لبسه أو ناسياً لحرمه أو مخطئاً به، وذلك أن يريد غيره فيلبسه، نزع الجبة والقميص نزعاً ولم يشقه، ولا فدية عليه في لبسه (٢). هذه المسائل مما يتعلق بحقوق الله تعالى. وما يتعلق بحقوق العباد: لو ضرب مريضاً جاهلاً مرضه ضرباً يقتل المريض ولا يقتل الصحيح. فمات المريض. قالوا: يجب القصاص في الأصح.

стр. 1550

أما لو حبس من به جوع وعطش ولم يعلم بحاله مدة لا يموت فيها الشبعان عند الحبس فمات. قالوا: لا قصاص. والفرق أن أَمارات المرض لا تخفى بخلاف الجوع. وإذا سقط القصاص فيجب الدية والتعزير إذا كان الحبس بغير حق. ومنها: إذا شهد رجلان بقتل ثم رجعا وقالا: تعمدنا، ولكن ما عرفنا أنه يقتل بشهادتنا. قالوا: فلا يجب القصاص في الأَصح؛ إذ لم يظهر تعمدهم للقتل.

стр. 1551

القاعدة الحادية والثلاثون [جواب الأمر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: جواب الأمر بحرف الواو كجواب الشرط بحرف الفاء. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا صدر قول من إنسان بلفظ الأمر وعطف عليه جواباً بالواو فمفاد هذه القاعدة: أن حكم عطف الجواب بالواو كحكم عطف جواب الأمر بحرف الفاء. أي في ترتب الحكم عليه كترتبه على وقوعه بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: قال: ادخلي الدار وأنتِ طالق، فدخلت طلقت. ومنها: إذا قال لعبده: أدخل الدار وأنت حر. فدخل عتق. ومنها: قال: أَدِّ إلي ألفاً وأنت حر، كان تعليقاً بأداء الألف. كل هذه الأمثلة تفيد حكمها كما لو كان تعليقاً للحكم بالشرط المقترن بالفاء، فكأنه قال في الأولى: ادخلي الدار فإن دخلت فأنت طالق. وفي الثانية كأنه قال: إذا أديت إلي ألفاً فأنت حر.

стр. 1552

القاعدة الثانية والثلاثون: [جواب السؤال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: جواب السؤال - يجري على حسب ما تعارف كل قوم في مكانهم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبقت هذه القاعدة في قواعد حرف الهمزة تحت قواعد - الأَصل - رقم ٣٠٧ وهي تدخل تحت قاعدة - العادة محكمة.

стр. 1553

القاعدة الثالثة والثلاثون: [الجوابر والزواجر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الجوابر والزواجر والفرق بينهما (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الجوابر: جمع جابرة، من جبر يجبر: إذا أصلح. والزواجر: جمع زاجرة، من زجر يزجر: إذا منع. فالزواجر مشروعة لطلب المصالح، والزواجر شرعت لدرء المفاسد. فالجوابر شرعت لجبر ما فات من مصالح حقوق الله تعالى وحقوق عباده، ولا يشترط في ذلك أن يكون من وجبت عليه آثماً، ولذلك شرعت مع الجهل والخطأ والنسيان، وعلى المجانين، كما في حق الذاكر والعامد والعاقلين. وأما الزواجر فهي بخلافها تختص بالصنف الثاني، أي الذاكر والعامد والعاقلين، ومعظمها لا يجب إلا على عامد زجراً له عن العود إليها، ولغيره عن مواقعة مثل ذلك، وقد تكون الزواجر لدفع المفاسد وإن لم يكن إثم ولا عدوان، كما في حد الحنفي إذا شرب النبيذ، وتأديب الصبيان إصلاحاً لهم. واختلفوا في الكفارات، والجمهور على أنها جوابر، بدليل أنها تجب على النائم والناسي والمخطئ وغيرهم، ولأنها عبادات وقربات لا تصح إلا بالنية؛ والتقرب إلى الله تعالى لا يصلح زاجراً بخلاف الحدود والتعزيرات.

стр. 1554

ووقع الاختلاف في بعض الكفارات هل هي جوابر أو زواجر ككفارة الظهار وكفارة الفطر التعمد في رمضان، وكفارة إفساد الحج.

стр. 1555

القاعدة الرابعة والثلاثون [الجواز الشرعي] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: جواز الشرع ينافي الضمان وفي لفظ: الجواز الشرعي ينافي الضمان. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالجواز الشرعي: إباحة الشرع وإذنه بالفعل. فمفاد القاعدة: أن إباحة الشرع للفعل أو إذنه من له الحق فيه تنفي وتسقط عن الفاعل الضمان والمؤاخذة؛ لأن المرء لا يؤاخذ بفعل ما يملك أن يفعله شرعاً، أو بفعل ما أذن له فيه صاحب الحق. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: يجوز لولي القتيل أمر غيره بقصاص قاتله نيابة عنه، فلا ضمان على ذلك الغير إذا اقتص بحضور ولي القتيل. ومنها: من كسر لمسلم طبلاً أو مزماراً أو قتل له خنزيراً أو أراق له خمراً لا يضمن على الأَصح لأنه فعل بإذن الشرع، إلا أن يترتب على فعله ضرر أشد، أو يكون هناك حاكم مسلم يقيم شرع الله فلا يجوز الافتيات عليه، بل يرفع الأمر له لإزالة هذا المنكر. ومنها: إذا أقام القاضي حداً أو تعزيراً فمات المضروب، فلا ضمان على القاضي.

стр. 1556

ثالثاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: جاز أكل مال الغير إذا اضطر إليه في مخمصة - ولم يكن صاحبه في حاجة إليه - أو بالإِكراه الملجئ فيجوز الأكل ولكن على الآكل ضمان ما أكل. لأن الجواز الشرعي في رفع الإثم فقط. ومنها: إذا تصدق الملتقط باللقطة ثم جاء صاحبها بعد ذلك فله تضمين الملتقط أو المتصدق عليه، ويعتبر هذا استثناء من القاعدة؛ لأن المشرع أذن له في التقاطها والتصرف فيها بعد تعريفها ومضى عام عليها. ولكن لما كان تصرفه بغير إذن صاحبها جاز لصاحبها تضمين الملتقط أو الفقير.

стр. 1557

القاعدة الخامسة والثلاثون [الجواز للممنوع دليل الوجوب] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: جواز ما لو لم يشرع لم يجز دليل على وجوبه. (١) وفي لفظ: ما كان ممنوعاً إذا جاز وجب. تأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله. وفي لفظ: الواجب لا يترك إلا لواجب. تأتي في قواعد حرف الواو إن شاء الله. وفي لفظ: ما لا بد منه لا يترك إلا بما لا بد منه. وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد وإن اختلفت صيغها فدلالتها متحدة: ومفادها: أن ما شرعه الله مما لو لم يشرع ويأذن به الله كان ممنوعاً ومحرماً، فشرعه دليل وجوبه؛ لأن إجازة الشارع لفعل المحرم دلت على ذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: قطع اليد في السرقة أوجبه الشارع حداً، ولولا ذلك لما جاز وكان حراماً لما فيه من قطع عضو عظيم المنفعة. ومنها: وجوب أكل الميتة للمضطر. ومنها: الختان لو لم يجب لكان حراماً لما فيه من قطع عضو وكشف العورة والنظر إليها.

стр. 1558

ومنها: إقامة الحدود على ذوي الجرائم، لو لم تشرع لكانت حراماً لما فيها من الضرر على المقامة عليهم. رابعاً: مما استثنى من مسائل هذه القواعد فكان سنة لا واجباً: النظر إلى المخطوبة لا يجب، ولو لم يشرع لم يجز. ومنها: سجود السهو سنة عند الشافعية، وسجود التلاوة كذلك لا يجبان، ولو لم يشرعا لم يجوزا.

стр. 1559

القاعدة السادسة والثلاثون [الجيد والرديء] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الجودة في الأَموال الربوية هدر. (١) وفي لفظ: الجيد والرديء في الربوية سواء، والدراهم الزيوف كالجياد في بعض المسائل. (٢) وفي لفظ: الجيد والرديء والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل. (٣) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأَموال الربوية - أي الأَموال التي يجب بيعها متماثلة - جيدها ورديئها سواء، فلا يجوز التفاضل بين جيد ورديء منها؛ لأنهما سواء في الجنسية كتمر رديء بتمر جيد. وكذلك بالنسبة للدراهم الجياد والزائفة - أي المغشوشة - إذا كان الغالب الفضة، فهما سواء، وكذلك ما كان تبراً - أي ذهباً غير مضروب - أي مسكوك - مع المضروب، والصحيح مع المكسور، فهما سواء في وجوب التماثل بينهما وزناً ويحرم التفاضل، أي أن يكون أحدهما أثقل من الآخر بحجة الضرب أو الصحة أو غير ذلك من الصفات التي لا اعتداد بها في تبادل الأَموال الربوية.

стр. 1560

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لا يجوز تبادل صاع تمر جيد - كالسكّري - مثلاً - بصاعين من نوع آخر أقل جودة - كالشقراء، أو الخضري، أو المكتومي (١). بل إذا كان ولا بد من التبادل فصاع بصاع أو أن يبيع صاحب الرديء تمره بدراهم ثم يشتري بها تمراً جيداً. وهذا حكم رسول الله ﷺ في حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄: حيث قال رسول الله ﷺ لمن قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة - فقال ﵊: (لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً) (٢) أخرجه البخاري. ومنها: إذا اشترى بالجياد ونقد الزيوف، وباعها بالمرابحة فإن رأس المال هو الجياد، في ست مسائل عدها ابن نجيم في الفوائد الزينية ص ٥٦.

стр. 1561

ثانياً: قواعد حرف الحاء

стр. 1562

القاعدة الأولى [الحاجة - شرع العقود] أولاً: لفظ ورود القاعدة: حاجة الناس أصل في شرع العقود. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إن شرع العقود وجوازها مبني على حاجة الناس لتبادل المنافع؛ حيث إنه لا يستطيع الإنسان أن يقوم بكل ما يحتاجه بنفسه دون استعانة بالآخرين، ولذلك شرعت العقود بناء على حاجة الناس إلى تبادل المنافع ليعمر الكون. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: شرع عقد البيع لحاجة الناس إلى تبادل الأَملاك، فالبائع في حاجة إلى المال، والمشتري في حاجة إلى السلعة. ومنها: شرع عقد الإِجارة لحاجة الناس إلى تبادل المنفعة، فالمستأجر يريد أن ينتفع بملك غيره، والمؤجر يريد الانتفاع بالأُجرة وهي ثمن المنفعة. وهكذا. ومنها: شرع عقد النكاح ليحل الاستمتاع بين الرجل والمرأة، وليكثر النسل ويحفظ الجنس. ولولا شرع العقود لتهارج الناس ولأكل القوي الضعيف وفسد الكون.

стр. 1563

القاعدة الثانية أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة (١). وفي لفظ: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة. (٢) وفي لفظ: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة في حق أحاد الناس. (٣) وفي لفظ: الحاجة العامة إذا وجدت أثبتت الحكم في حق من ليس له الحاجة. (٤) وفي لفظ: الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر. (٥) ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد تتعلق ببعض رخص الشرع التي تدل على رحمة الله بعبادة. مراتب ما يحرص الشرع على توفيره والعناية به والحفاظ عليه بالنسبة للبشر ثلاث مراتب: الضرورة، والحاجة، والكمالية أو التحسينية. فالضرورة: مأخوذة من الضرر، وهي اسم من الاضطرار

стр. 1564

ومعناها: المشقة الشديدة وهي المرتبة الأولى التي يحرص الشرع أشد الحرص على العناية بها، وهي بلوغ الانسان حدا لو لم يجد ما يحتاجه من طعام أو شراب أو لباس أو مسكن أو دواء - هلك أو قارب. وهذه المرتبة تبيح كثيرا من المحرمات. وأما الحاجة، فهي دون الضرورة، وهي بلوغ الانسان حداً إذا لم يجد ما يحتاجه لم يهلك ولكن يكون في مشقة شديدة وجهد، فهذه المرتبة لا تبيح الحرام الذي تتيحه مرتبة الضرورة، ولكنها تسيغ الخروج على بعض القواعد العامة وتبيح الفطر في الصوم. وأما الكمالية أو التحسينية: فهي ما يقصد من فعله نوع ترفه وزيادة في لين العيش دون الخروج عن حد الشرع. وما عدا ذلك فهو زينة وفضول. فمفاد هذه القواعد: أنه إذا كانت هناك حاجة عامة لمجموع من الناس أو خاصة بشخص ما نزلت هذه الحاجة منزلة الضرورة في جواز الترخيص لأجلها. لكن تفترق عن الضرورة بأن الحاجة مبنية على التوسع والتسهيل فيما يسع العبد تركه، بخلاف الضرورة، لأن مبنى الضرورة على لزوم فعل ما لا بد منه للتخلص من عهده تلزم العبد ولا يسعه الترك، والحاجة العامة إذا وجدت جازت في حق الاحاد ومن ليست له حاجة. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: مشروعية الإِجارة والجعالة والحوالة والسلم ونحوها جوزت على خلاف القياس لعموم الحاجة إلى ذلك، والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة؛ ولأن الإِجارة والسلم بيع معدوم - وبيع المعدوم باطل - ولكن جُوِّز هنا لحاجة الناس.

стр. 1565

والجعالة فيها جهالة، وفي الحوالة بيع دين بدين، وهو ممنوع. ولكن جُوِّز لعموم الحاجة. ومنها: ضمان الدرك - أي تحمل التبعة والغرامة - وهو عبارة عن ضمان الثمن عند استحقاق البيع، جُوَّز على خلاف القياس للجهالة بالمكفول به. وجُوَّز للحاجة إليه. ومنها الخضاب بالسواد للجهاد، لإرهاب العدو. ومنها: التبختر بين الصفين، وقد قال النبي ﷺ لمن رآه يفعل ذلك: (هذه مشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموضع). (١) أو الموطن. رابعاً: مسائل مما خالفت فيه الحاجة الضرورة: قال الإمام الشافعي ﵀: "الحاجة لا تُحِقُّ لأحد أن يأخذ مال غيره". (٢) فلو وجد إنسان به جوع شديد - ولكن لم يصل به إلى درجة أن يهلك - فلا يجوز له في هذه الحالة أخذ طعام غيره بغير إذنه سواء كان هذا الغير محتاجاً إلى ذلك الطعام أو غير محتاج. أما في حالة الضرورة حيث لو لم يأكل هذا الطعام لهلك أو قارب؛ فيباح له الأخذ بغير إذن ولا إثم عليه، لكن بشرط أن لا يكون صاحبه في حاجة إليه مثل الآخر، وعليه أيضاً ضمان ما أكل؛ "لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير"، "وليس يحل بالحاجة محرم إلا في الضرورات من خوف تلف نفس" (٣).

стр. 1566

القاعدة الثالثة [الحادث - انعقاد السبب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الحادث بعد انعقاد السبب - أو قبل إتمامه - يجعل كالموجود عند ابتداء السبب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: لكل حكم سبب لوجوده، فإذا لم يوجد السبب لم يوجد الحكم، فعقد البيع مثلاً سبب لحل البدلين، فإذا وجد سبب حكم ما وقبل تمام السبب حدث أمر له ارتباط بالمسبب، فيجعل هذا الحادث كأنه وجد عند ابتداء السبب، فيأخذ حكم السبب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الجارية المبيعة إذا ولدت قبل القبض يجعل كالمولود عند ابتداء العقد في انقسام الثمن عليه - حيث يكون المولود ملكاً للمشتري تبعاً لملكيته لأمه، كأنه وُجد معها قبل العقد، فيكون الثمن لكليهما. ومنها: من اشترى بقرة حاملاً وقبل تسلمها من البائع ولدت. فالبقرة وولدها للمشتري. ومنها: أي زيادة تحدث من المبيع قبل القبض تجعل كالموجود عند ابتداء العقد.

стр. 1567

القاعدة الرابعة [الإِضافة إلى أقرب وقت] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الحادث يحال بحدوثه إلى أقرب الأَوقات حتى يثبت دليل الإِسناد فيه إلى وقت سابق (١). وفي لفظ: الحوادث يحال بحدوثها علي أقرب الأَوقات. (٢) وفي لفظ: الحوادث تضاف إلى أقرب الأَوقات. (٣) وفي لفظ: إنما يحال بالحادث على أقرب الأَوقات. (٤) وقد سبقت في قواعد حرف الهمزة رقم ٤٣٩ وفي لفظ: يحال بالحادث على أقرب الأَوقات (٥). وتأتي في حرف الياء إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: إذا وقع اختلاف في زمن حدوث أمر - ولا بينة - ينسب هذا الأَمر إلى أقرب الأَوقات إلى الحال، ما لم يثبت نسبته إلى زمن أبعد. (٦) وقد سبق ذكر مثل هذه القواعد في قواعد القسم الأول - قواعد حرف الهمزة - تحت رقم ٤٣٩.

стр. 1568

القاعدة الخامسة [الحكم في المجتهدات] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الحاكم إذا قضى في المجتهد فيه بشيء فليس لمن بعده من الحكام أن يبطل ذلك (١). وفي لفظ: الحكم في المجتهدات نافذ بالاجماع. (٢) وفي لفظ: متى حكم الحاكم في المختلف فيه بشيء نفذ حكمه. (٣) وتأتي في حرف الميم إن شاء الله تعالى. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: لاستقرار الأَحكام واطمئنان الناس إلى ثبوث أحكام القضاة والحكام وعدم نقضها، لا يجوز لحاكم ولا قاض أن ينقض حكم حاكم أو قاض سابق إذا كان هذا الحكم باجتهاد صحيح من الحاكم أو القاضي السابق. ولم يكن هذا الاجتهاد مخالفاً لنص صريح من الكتاب أو السنة أو الإِجماع؛ لأنه إذا أجيز نقض الحكم باجتهاد حادث فيكون في ذلك فتح باب لا ينسد من النقوض؛ لأن كل حكم اجتهادي ينقضه حاكم آخر فلمن جاء بعده أن ينقضه، فيتسلسل اأَامر ولا يثبت حكم. ومفهوم القاعدة أنه إذا كان الحكم الاجتهادي لا ينقض، فالأَولى أن لا ينقض حكم نصي مبني على نص من الكتاب أو السنة أو الإِجماع.

стр. 1569

ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا حكم حاكم بحِلّ امرأة لزوجها، فليس لحاكم يأتي بعد ذلك فيحكم في هذه المسألة بعينها بتحريم هذه المرأة على زوجها. لكن له في مسألة أخرى مشابهة أن يحكم باجتهاده بحكم مخالف. فمثلاً: إذا اجتهد مجتهد في أن الخلع فسخ وأجاز زواج امرأة خالعها زوجها بعد طلقتين، فليس لمن جاء بعده - وهو يرى أن الخلع طلاق - أن يحكم ببطلان ذلك الزواج ويفرق بين الزوجين. ولكن إن حدثت مسألة مشابهة فله أن يحكم فيها بعدم حل عقد امرأة خالعها زوجها بعد طلقتين إلا إذا تزوجت رجلا آخر وطلقها بعد الدخول. ومنها: إذا حكم قاض بأن قول القائل لزوجته: عليَّ الحرام (١). بأنه يمين مثلاً أو لا شيء. فليس لمن جاء بعده أن يحكم على نفس هذا القائل بأن لفظ - عليَّ الحرام - طلاق بائن فيفرق بينه وبين زوجه بناء على اجتهاده هذا المخالف لاجتهاد القاضي السابق، أو أنه ظهار، أو غير ذلك من الوجوه المختلفة في هذه المسألة. ومنها: إذا أجاز الأمير البشراء والرسل من الغنيمة - قبل القسمة - على وجه الاجتهاد أو جعل للمقاتلين شيئاً من أسلاب القتلى بغير تنفيل. ثم رفع ذلك إلى من يرى خلاف رأيه فإنه لا يبطل شيئاً مما فعله لأنه أمضى باجتهاده في محل مختلف فيه. ومنها: إذا قال لامرأته: أنت خلية أو برَّية أو بائن أو بتة. فإن عمر وابن مسعود ﵄ قالا: يقع به تطليقة رجعية، وقال علي ﵁: ثلاث تطليقات.

стр. 1570

فإذا قضى قاض بأحد القضاءين ثم رفع إلى من يرى خلاف ذلك لم يبطل قضاؤه؛ لأنه حصل في محل مختلف فيه. وإبطال القضاء في المجتهدات يكون قضاء بخلاف الإجماع فيكون باطلاً. (١)

стр. 1571

القاعدتان السادسة والسابعة [الحاكم - الولي الممتنع] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الحاكم يقوم مقام الممتنع بولايته. (١) وفي لفظ: من حَرُم عليه الامتناع من بذل شيء سُئله فامتنع، فهل يسقط إذنه بالكلية أو يعتر ويجبره الحاكم. (٢) ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: الولي: ضد العدو. وكل من ولي أمر آخر فهو وليه. ومنه ولي اليتيم، والصغير، والمجنون، والمرأة، والقتيل. أي مالك أمرهم. (٣) فمفاد القاعدتين: أن الولي إذا امتنع عن التصرف المفيد لمصلحة من هو وليه فهل للحاكم عزله وإسقاط إذنه كلياً - وهذا مفاد القاعدة الأولى - أو أن إذنه يعتبر ويجبره الحاكم على بذل ما طلب منه "وهذا تساؤل القاعدة الثانية، ذلك التساؤل الذي يشير إلى وجود خلاف. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا امتنع ولي اليتيم عن النظر في مال اليتيم بما يصلحه، في حفظه أو تنميته، وخشي عليه الضياع. فهل للحاكم أن يكف يد الولي عن المال ويقوم هو مقامه في التصرف؟ هذا ما ذكره صاحب المغني. أو أن إذن

стр. 1572

الولي يبقى معتبراً ويجبره الحاكم على التصرف؟ هذا ما ذكره ابن رجب. ومنها: ولي المرأة إذا عضلها ومنعها من الزواج بالكفء للخاطب، فهل للحاكم أن يزوجها وينزع ولايتها عن الولي، أو يقيم ولياً غيره أبعد منه؟ روايتان.

стр. 1573

القاعدة الثامنة [حال الضرورة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: حال تحقق الضرورة مستثنى من الحظر. من قول محمد بن الحسن ﵀. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: حرم الله أشياء، ولكنه عقب تحريمه لما حرم بقوله سبحانه ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢). فكانت حالة الضرورة مستثناة من الحظر والتحريم وتفيد إباحة المحرم. وهذا أمر متفق ومجمع عليه. فمفاد القاعدة: أن الضرورة الاستثناء من حالة الحظر والتحريم يجب أن تكون محققة لا موهومة. وهذا شرط متفق عليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اكره إنسان على شرب خمر أو قذف إنسان أو أكل ميتة بقتل أو قطع عضو، فلا يجوز له الإقدام على ما اكره عليه إلا عند تحقق الضرورة بشروطها: وهي أن يعلم أو يغلب على ظنه أن المكره قادر على تنفيذ ما هدد به، وأنه جاد في تهديده غير هازل وأنه لا يستطيع الصبر على ما هُدد به، وأنه لن يجد ناصراً ينصره، ففي هذه الحال يجوز له الإقدام على ما أكره عليه، وقد يجب.

стр. 1574

رابعاً: مما استثنى من مسائل هذه القاعدة: وهذه القاعدة ليست على إطلاقها فليس كل محرم تبيحه الضرورة، فهناك حالات لا يجوز للمضطر استباحتها مع وجود الضرورة كقتل المسلم المعصوم أو الزنا أو ضرب أحد الوالدين.

стр. 1575

القاعدة التاسعة [الحال والأَجل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الحالّ لا يتأجل (١) - إلا في مدة الخيار. (٢) وفي لفظ: الأَجل لا يلحق ولا يسقط. (٣) ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: إن ثمن المبيع إذا لم يشترط في العقد تأجيله فهو حالٌّ أي عاجل، أي يجب دفعه حالا بمجرد تسلم المبيع أو بتمام العقد، ولا يقبل التأجيل بعد تمام العقد بخلاف ما لو اشترط في العقد تأجيله لمدة محدودة، فهو آجل لا عاجل. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: اشترى دابة أو سيارة أو داراً بثمن معلوم عشرة آلاف أو مائة ألف، ولم يشترط المشتري في العقد تأجيل الثمن كله أو بعضه، فالثمن حالٌّ فيجب على المشتري تعجيله في مجلس العقد أو عند تَسَلّم المبيع أو عند انتهاء إجراءات البيع. ومن الدين ما لا يكون إلا مؤجلاً وهو مال الكتابة والدية.

стр. 1576

رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القواعد: إذا قال صاحب الدين عند حلوله: لله عليَّ أن لا أطالبه إلا بعد شهر. لزم التأجيل. وقد استشكلت هذه المسألة؛ لأن الصورة إن كانت في معسر فالإنظار - أي الإمهال - واجب، والواجب لا يصح نذره. وإن كانت في موسر قاصد للأداء لم يصح أيضاً, لأن أخذه منه واجب ولا يصح إبطال الواجب بالنذر. ولكن أقول وبالله التوفيق: إن أداء الدين من الموسر عند حلول أجله هو الواجب، ولكن أخذ الدائن دينه عند حلول أجله ليس بواجب بل هو جائز - وإن كان المدين موسراً؛ لأَن الواجب ما يأثم بتركه، وصاحب المال لا يأثم بترك ماله عند المدين ولو حل أجله؛ لأن له أن يسقط الدين ويبرئ منه أو يزيد في الأَجل كما في مسألتنا. ومنها: إذا أوصى من له الدين الحالّ أن لا يطالب المدين إلا بعد شهر فإنه تنفذ وصيته، لكن بشرط أن يخرج قدر الدين من ثلثه. واستدرك على هذين الصورتين أن الدين لم يؤجل وإنما هو حالّ، ولكن منع من المطالبة مانع (١). وعلى ذلك قال في المغنى: كل دين حلَّ أجله لم يصر مؤجلاً بتأجيله. (٢) وعند الحنفية قاعدة مقابلة تقول: الحالُّ يقبل التأجيل. خلافاً للشافعية. واستثنى الحنفية من عدم قبول التأجيل إذا حلّ وقته: القرض، ورأس مال المسلم، وبدل الصرف، والثمن بعد الإِقالة،

стр. 1577

ودين الميت، وما أخذ به الشفيع العقار. وما عدا ذلك فهو يقبل التأجيل عندهم. ولكن التأجيل مشروط بشروط: أولاً: بالقبول من المدين وإلا فلا يصح، والمال حالٌّ. وثانياً: أن لا يكون التأجيل لمدة مجهولة جهالة فاحشة، فلا يصح التأجيل - مثلاً - إلى مهب الريح، أو مجيء المطر. ويصح إلى الحصاد والدِياس. وإن كان البيع لا يجوز بثمن مؤجل إليها. (١)

стр. 1578

القاعدة العاشرة [البقاء والابتداء] أولاً: لفظ ورود القاعدة حالة البقاء أسهل من حالة الابتداء. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولاتها: إن البقاء على أمر من الأمور والاستمرار عليه أسهل وأيسر من حالة ابتدائه؛ لأن الشروط التي يجب توافرها في ابتداء التصرف وترتب الحكم عليها يمكن أن يتجاوز عن بعضها في حال البقاء والاستمرار. وقد سبقت هذه القاعدة في قواعد حرف الباء تحت رقم ٣٥.

стр. 1579

القاعدة الحادية عشرة [اليمين] أولاً: لفظ ورود القاعدة الحالف إن كان ظالماً فاليمين على نيّة منه يستحلفه لا على نيه الحالف. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: اليمين إنما توجه عند التقاضي على المدعى عليه عند عدم وجود بيَّنة للمدعي، والمدعى عليه إما أن يكون ظالماً وإما أن يكون مظلوماً. فمفاد القاعدة: أن اليمين إنما تكون على نية المستحلف - وهو القاضي أو المدعي - إذا كان الحالف ظالماً، فلا يصح فيها التورية ولا ينفع الاستثناء، ودليلها قوله ﵊ "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" (٢) وفي لفظ: "اليمين على نية المستحلف". (٣) ومفهوم هذه القاعدة: أن الحالف إن كان مظلوماً فاليمين على نيته لا على نية المستحلف. وهذا عند الحنفية والحنابلة، دون المالكية والشافعية حيث إن عندهم أن اليمين على نية المستحلف سواء أكان الحالف ظالماً أم مظلوماً. إلا في الطلاق والعتاق فعلى نيَّة الحالف على كل حال باتفاق.

стр. 1580

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وجه القاضي اليمين على المدعى عليه أنه ليس له عليه حق يطالب به - وهو يعني موضوع الدعوى - فليس للمدعى عليه أن ينوي بيمينه نفى حق آخر. لكن إن كان المدعى عليه مظلوماً والمدعي ظالماً فللمدعى عليه أن ينوي بيمينه نفى حق آخر أو يوري في اليمين.
следующие страницы →