رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القواعد:
إذا قال صاحب الدين عند حلوله: لله عليَّ أن لا أطالبه إلا بعد شهر. لزم التأجيل. وقد استشكلت هذه المسألة؛ لأن الصورة إن كانت في معسر فالإنظار - أي الإمهال - واجب، والواجب لا يصح نذره. وإن كانت في موسر قاصد للأداء لم يصح أيضاً, لأن أخذه منه واجب ولا يصح إبطال الواجب بالنذر.
ولكن أقول وبالله التوفيق: إن أداء الدين من الموسر عند حلول أجله هو الواجب، ولكن أخذ الدائن دينه عند حلول أجله ليس بواجب بل هو جائز - وإن كان المدين موسراً؛ لأَن الواجب ما يأثم بتركه، وصاحب المال لا يأثم بترك ماله عند المدين ولو حل أجله؛ لأن له أن يسقط الدين ويبرئ منه أو يزيد في الأَجل كما في مسألتنا.
ومنها: إذا أوصى من له الدين الحالّ أن لا يطالب المدين إلا بعد شهر فإنه تنفذ وصيته، لكن بشرط أن يخرج قدر الدين من ثلثه.
واستدرك على هذين الصورتين أن الدين لم يؤجل وإنما هو حالّ، ولكن منع من المطالبة مانع (١).
وعلى ذلك قال في المغنى: كل دين حلَّ أجله لم يصر مؤجلاً بتأجيله. (٢)
وعند الحنفية قاعدة مقابلة تقول:
الحالُّ يقبل التأجيل. خلافاً للشافعية.
واستثنى الحنفية من عدم قبول التأجيل إذا حلّ وقته:
القرض، ورأس مال المسلم، وبدل الصرف، والثمن بعد الإِقالة،
стр. 1577
ودين الميت، وما أخذ به الشفيع العقار.
وما عدا ذلك فهو يقبل التأجيل عندهم. ولكن التأجيل مشروط بشروط:
أولاً: بالقبول من المدين وإلا فلا يصح، والمال حالٌّ.
وثانياً: أن لا يكون التأجيل لمدة مجهولة جهالة فاحشة، فلا يصح التأجيل - مثلاً - إلى مهب الريح، أو مجيء المطر. ويصح إلى الحصاد والدِياس. وإن كان البيع لا يجوز بثمن مؤجل إليها. (١)
стр. 1578
القاعدة العاشرة [البقاء والابتداء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
حالة البقاء أسهل من حالة الابتداء. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولاتها:
إن البقاء على أمر من الأمور والاستمرار عليه أسهل وأيسر من حالة ابتدائه؛ لأن الشروط التي يجب توافرها في ابتداء التصرف وترتب الحكم عليها يمكن أن يتجاوز عن بعضها في حال البقاء والاستمرار.
وقد سبقت هذه القاعدة في قواعد حرف الباء تحت رقم ٣٥.
стр. 1579
القاعدة الحادية عشرة [اليمين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحالف إن كان ظالماً فاليمين على نيّة منه يستحلفه لا على نيه الحالف. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اليمين إنما توجه عند التقاضي على المدعى عليه عند عدم وجود بيَّنة للمدعي، والمدعى عليه إما أن يكون ظالماً وإما أن يكون مظلوماً.
فمفاد القاعدة: أن اليمين إنما تكون على نية المستحلف - وهو القاضي أو المدعي - إذا كان الحالف ظالماً، فلا يصح فيها التورية ولا ينفع الاستثناء، ودليلها قوله ﵊ "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" (٢) وفي لفظ: "اليمين على نية المستحلف". (٣)
ومفهوم هذه القاعدة: أن الحالف إن كان مظلوماً فاليمين على نيته لا على نية المستحلف.
وهذا عند الحنفية والحنابلة، دون المالكية والشافعية حيث إن عندهم أن اليمين على نية المستحلف سواء أكان الحالف ظالماً أم مظلوماً.
إلا في الطلاق والعتاق فعلى نيَّة الحالف على كل حال باتفاق.
стр. 1580
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجه القاضي اليمين على المدعى عليه أنه ليس له عليه حق يطالب به - وهو يعني موضوع الدعوى - فليس للمدعى عليه أن ينوي بيمينه نفى حق آخر.
لكن إن كان المدعى عليه مظلوماً والمدعي ظالماً فللمدعى عليه أن ينوي بيمينه نفى حق آخر أو يوري في اليمين.
стр. 1581
القاعدة الثانية عشرة [الحالف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحالف كل من توجهت عليه دعوى صحيحة. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اليمين إنما تجب بشيئين: الأول: وجود دعوى صحيحة - كما سبق ذكره - لأن الدعوى إذا لم تكن صحيحة فلا يقبلها القاضي ولا ينظر فيها.
والثاني: أن لا يوجد للمدعي بيَّنة؛ لأنه إذا وجدت البينة فلا يجوز توجيه اليمين على المدعى عليه.
ومفاد القاعدة: الشرط الأول هو صحه الدعوى.
فالحالف الذي يجب عليه اليمين هو من توجهت عليه دعوى صحيحة لا باطلة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من أدعى على رجل مبلغاً من المال لم يبين مقداره وطلب يمين خصمه، فإن القاضي لا يجيبه إلى ذلك؛ لأن هذه الدعوى دعوى بمجهول، هي باطلة, لأن الدعوى لا تصح إلا بعد بيان القدر والجنس.
رابعاً: مما استثنى من مسائل هذه القاعدة:
القاضي لا يحلف على تركه الظلم في حكمه. لأنه قد يظلم وهو غير متعمد بالظلم.
стр. 1582
ومنها: في حدود الله تعالى: وإن كانت الدعوى صحيحة.
ومنها: المنكر أن المدعي وكيل صاحب الحق لا يحلف. وإن كانت الدعوى صحيحة.
ومنها: مَن عليه الزكاة إذا ادعى مسقطاً للزكاة. لا يحلف. (١)
стр. 1583
القاعدة الثالثة عشرة [الإقرار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
حجة الإقرار لا تعدو المُقِرِّ. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد الإقرار من القسم الأول من قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٤، ٥ وهي قاعدة - الإقرار حجة قاصرة.
ومفادها: أن الإقرار حجة في حق المقر خاصة لا تتعداه إلى غيره.
стр. 1584
القاعدة الرابعة عشرة [الحجة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحجة لإثبات الحقوق مشروعة بحسب الإِمكان. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحجة في اللغة: الدليل والبرهان. يقال: حاجَّه محاجَّة فحجه - يحجه إذا غلبه في الحجة. (٢)
والحجة في الاصطلاح: هو معناها في اللغة أي الدليل والبرهان والبيِّنة.
فمفاد القاعدة: أن إقامة الدليل لإثبات الحقوق والبرهنة عليها مشروعة بحسب الإمكان أي أن كل أَمر له دليل وحجة بحسبه، حيث إن الشرع لم يفرض دليلاً واحداً لكل أمر أو قضية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قبول شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، وهي كشهادة الرجال فيما يطلعون عليه. (٣)
ومنها: قبول شهادة القابلة في الاستهلال.
стр. 1585
القاعدة الخامسة عشرة
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحجر جائز على الحر المكلف. في مسائل. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحجر في اللغة: المنع. يقال: حجر عليه القاضي حجراً. إذا منعه عن التصرف في ماله. (٢) وهو معناه في الاصطلاح الفقهي، ولا يكون إلا بأمر القاضي.
الأصل أن الإنسان الحر المكلف له الحرية في التصرف في أمواله كيف يشاء, لأن الملك هو القدرة على التصرف. والمالك قادر على التصرف في أمواله تصرفاً فعلياً وقولياً.
ومفاد هذه القاعدة: أن الحر المكلف يجوز الحجر عليه ومنعه من التصرف في أمواله قولاً أو فعلاً؛ نظراً لمصلحته ولمصلحة من يعوله. ولكن هذا الحجر مقيد ومحدد في مسائل لا يعدوها وهي:
حجر الصبي، والمجنون، وهذان غير مكلفين، والمبذر لأمواله فيما لا يفيده، وحجر هؤلاء الثلاثة لحق أنفسهم ومن يعولون.
ومنها: حجر المفلس لحق الغرماء، وحجر الراهن لحق المرتهن، والمريض لحق الورثة، والعبد لحق سيده، والمرتد لحق المسلمين، وهذا عند الشافعية. (٣)
стр. 1586
وأما عند الحنفية فإن أبا حنيفة ﵀ لا يرى الحجر على الحر، إلا في ثلاث مسائل، ولكن تلاميذه بخلافه حيث يرون الحجر على الحر في سبع وهي:
الطبيب الجاهل الذي يعالج الناس ولا يعرف الطب فيضرهم في أجسادهم.
المفتي الماجن الذي يعلم الناس الحيل ويفتي عن جهل، أو يفتي بما يخالف الشرع لِغَرض أو هوى.
المكّاري المفلس يحجر عليه لمصلحة الناس حيث يضرهم في أموالهم وأوقاتهم ومصالحهم.
المدين لحق بغرماء إذا طلبوا الحجر عليه كيلا يتلف ما في يده.
السفيه وهو المبذر الذي لا يحسن التصرف في أمواله، فإن القاضي يحجر عليه بطلب أوليائه.
المغفل الذي لا يهتدي إلى التصرفات ولا يصبر عنها.
حجر الحاكم على المحتكر إذا أمره ببيع الطعام فامتنع. باعه الحاكم عليه. (١)
стр. 1587
القاعدة السادسة عشرة [الحجر الخاص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحجر الخاص مع قيام الإذن العام باطل. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا أذن الولي للصبي أو العبد بالتجارة فهو إذن عام يجيز للصبي والعبد المتاجرة في كل أنواع التجارات ومع كل الناس. (٢)
فإذا أراد الولي أو السيد منع المأذون من التجارة في نوع خاص أو مع أناس مخصوصين بعد الإذن العام فمفاد القاعدة أن هذا الحجر الخاص باطل ولا يصح.
عند الحنفية لا يكون الإذن إلا عاماً ولا يخصص، وأما عند غيرهم فيجوز تخصيص الإذن بنوع من التجارة وبمدينة معينة وسوق مخصوصة. (٣)
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع المأذون متاعاً أو اشتراه واشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام، وعلى العبد دين أو ليس عليه دين - فنقض المولى البيع في خلال الثلاثة الأيام بمحضر من الآخر لم يجز نقضه, لأنه حجر خاص في إذن عام؛ لأن هذا التصرف من العبد تناوله الإِذن العام فالمولى بفسخ هذا التصرف عليه - يحجر عليه من إمضائه بالإجازة، والحجر الخاص مع قيام الإذن العام باطل، كما أن استثناء تصرف من الإذن بالتجارة عند ابتداء الإذن باطل.
стр. 1588
القاعدة السابعة عشرة [الحجر - التعليق بالشرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحجر لا يحتمل التعليق بالشرط،
إنما يحتمل الإِضافة إلى وقت ما يحتمل التعليق بالشرط. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالشرط هنا: هو الشرط اللغوي وهو المبدوء بإن أو إحدى أخواتها،
فمفاد القاعدة: أن الحجر لا يجوز تعليقه بالشرط؛ لأن الحجر من باب التقييد والتقييدات لا تحتمل التعليق بالشرط، بخلاف الإِذن فإن الإِذن يحتمل الإِضافة والتعليق بالشرط لأنه من باب الإطلاقات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لعبده المأذون إن جاء آخر هذا الشهر فقد حجرت أو قد حجرت عليك رأس الشهر، فإنه يكون باطلاً. كما لو قال لامرأة: إن جاء رأس الشهر تزوجتك.
أما إذا قال لعبده: إذا كان رأس الشهر فقد أذنت لك في التجارة فهو كما قال، ولا يكون مأذوناً حتى يجيء رأس الشهر؛ لأن ذلك من باب الإطلاق.
стр. 1589
القاعدة الثامنة عشرة [الحدث الحكمي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحدث الحكمي أغلظ من النجاسة العينية. عند أبي يوسف ﵀. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحدث: هو الحالة الناقضة للطهارة شرعاً، والجمع: الأَحداث. مثل سبب وأسباب. والأَحداث نوعان: أحداث حكمية، وأحداث حسية عينية. فالحدث الحكمي كالجنابة، والإِمذاء، والريح، وكل ناقض للوضوء بأثره.
والأَحداث العينية: كالغائط والبول، والدم، وكل ناقض للوضوء بخروجه.
فمفاد القاعدة: أن الحدث الحكمي أغلظ وأشد في أحكامه من النجاسة العينية، من حيث ترتب بعض الأَحكام، كتنجيس الماء الملاقي لجسد المغتسل من الجنابة، ولكن عند باقي الأَئمة إن الماء المستعمل في إزالة النجاسة الحكمية كماء الغسل والوضوء طاهر غير طهور. عدا مالك ﵀ فإنه طهور عنده.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من أزال النجاسة العينية تنجس الماء لملاقاة النجاسة، وكذلك إذا اغتسل لإزالة الجنابة فإن الماء المغتسل به نجس عند أبي يوسف.
стр. 1590
ومنها: إنَّ مَن وجب عليه غسل من الجنابة ولم يجد سترة من الرجال عليه أن يغتسل وإن لم يجد سترة، وكذلك المرأة بين النساء. ولكن من أراد أن يستنجي ولم يجد سترة من الرجال فلا يجوز له أن يتكشف ويستنجي.
وكذلك المرأة بين النساء.
стр. 1591
القاعدة التاسعة عشرة [تداخل الحدود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحدود تتداخل. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحدود: جمع حد. والحد في اللغة: المنع، ومنه قيل للبواب والسجان حداد، إما لأنه يمنع عن الخروج، أو لأنه يعالج الحديد من القيود. (٢)
والحد: الحاجز بين الشيئين. وحد الشيء: منتهاه (٣)
والحد شرعاً: هي العقوبات المقدرة في الشرع, لأنها تمنع من الإِقدام.
ومعنى تداخل الحدود: أن يعاقب على جرائم متشابهة من جنس واحد قد اجتمعت بحد واحد إذا لم يكن قد عوقب على كل منها وحده.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من زنى، أو شرب خمراً، أو سرق مراراً - ولم يعاقب على كل فعلة منها وحدها - كفى حدٌّ واحدٌّ لكل منها. سواء أكان الأول موجباً لما أوجبه الثاني أم غير موجب.
стр. 1592
فلو زنى وهو بكر، ولم يقم عليه الحد ثم زنى وهو ثيب، أقيم عليه حد الرجم فقط.
ومنها: لو قذف واحداً مراراً أو جماعة في مجلس أو مجالس متفرقة، كفى حد واحد. بخلاف ما إذا زنى فحد، ثم زنا ثانية فإنه يحد ثانياً.
أما لو زنى وسرق وشرب فيقام عليه ثلاثة حدود لاختلاف الجنس.
ومنها: لو وطئ مراراً في نهار رمضان لم يلزم بالثاني وما بعده شيء؛ لأن الوطء الثاني كان في حال فطره لا صومه؛ لأنه أفطر بالوطء الأول.
ولو وطئ في يومين من رمضانين مختلفين تعددت الكفارات. وأما إن كانا من رمضان واحد فإن كفر للأول تعددت وإلا اتحدت.
وقد سبق مثل هذه القاعدة في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٦٥، وفي قواعد حرف التاء من القسم الثاني تحت رقم ٧٢.
стр. 1593
القاعدة العشرون [الحدود - الشبهات]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحدود تسقط أو تُدرَأ بالشبهات (١). بخلاف الحقوق. (٢)
وفي لفظ: تسقط أوتندرئ بالشبهات. (٣)
وفي لفظ: الحدود مبناها على الإِسقاط والدرء بالشبهات. (٤)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
معنى تدرأ: أي تدفع، والشبهة: الالتباس. والمشتبهات من الأمور: المشكلات. واشتبهت الأمور: التبست فلم تتميز ولم تظهر. (٥)
فمفاد القاعدة: أن الحدود أو العقوبات المقدرة شرعاً تسقط ولا تقام عند وجود شبهة أو التباس بالفعل أو المحل، ولكن شرط في الشبهة أن تكون قوية. وأما حقوق العباد فلا تسقط بالشبهة
ومستند هذه القاعدة الأثر الوارد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعاً". (٦)
وعن عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ
стр. 1594
"ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". (١) وفي الباب آثار أخرى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا ثبت زنا على رجل أو امرأة ثم ادعى الرجل أنه كان مخطئاً ويظنها امرأته، أو أنه كان مكرهاً. أو ادعت المرأة أنها كانت نائمة فلم تشعر إلا بالزاني فوقها، ففي هذه الأحوال يدرأ الحد عنهما.
ومنها: إذا ثبت جنون الرجل أو المرأة.
ومنها: إذا اتهم بسرقة فادعى أن له حقاً فيها، كذلك يدرأ عنه الحد، أو ظن أن ما سرقه ملكه، أو مال أبيه أو ابنه، ولكن يجب عليه رد المسروق.
ومنها: إذا اتهم بالسكر أو شرب المسكر فادعى أنه لم يعلم أن ما شربه خمر، كذلك لا يقام عليه الحد.
ومنها: إذا تزوج امرأة بدون ولي، أو بغير شهود، لا يقام عليه الحد للاختلاف في وجوب ذلك. (٢)
стр. 1595
القاعدة الحادية والعشرون [الحدود]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحدود شرعت زواجر عن ارتكاب أسبابها، عند من يعتقد حرمة السبب. (١)
وفي لفظ: الحدود عقوبات. (٢)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى الحدود، ومعنى الزواجر.
فمفاد القاعدة: أن الحدود إنما شرعها الله وأوجبها للمنع من ارتكاب أسبابها بالنسبة للواقع فيها حتى لا يعود إليها، وبالنسبة لغيره حتى يعتبر به.
وهذا عند مَن يعتقد حرمة سبب الحد. وأما من لا يعتقد الحرمة فلا يقام عليه الحد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شرع حد القتل قصاصاً للزجر عن ارتكاب جريمة القتل بغير حق، وعقوبة للقاتل، وشفاءً لصدور أولياء القتيل وسل سخائم قلوبهم.
ومنها: شرع حد القطع في السرقة عقوبة للسارق، وزجراً عن سرقة الأَموال حفظاً على أربابها.
ومنها: شرع حد السكر عقوبة للشارب وزجراً لغيره عن شرب الخمر حفظاً للعقول، وحرصاً على دوام المحبة والمودة بين المسلمين،
стр. 1596
ودوام ذكر العبد لربه وإقامة الصلاة.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
الذمي لا يقام عليه حد السكر لأنه لا يعتقد حرمة الخمر.
ومنها: المجوسي إذا تزوج أمه أو أخته لا يقام عليه حد الزنا, لأنه يعتقد إباحة ذلك.
стр. 1597
القاعدة الثانية والعشرون [الحر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحر لا يدخل تحت اليد. (١) والاستيلاء. (٢)
وفي لفظ: الحر لا يدخل في العقد. (٣)
وفي لفظ: الحر ليس بمال متقوم (٤).
وفي لفظ: الحر لا يضمن باليد. (٥)
وفي لفظ: الأصل في الناس الحرية. (٦)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالحر: الإنسان الذي ليس بعبد ولا رقيق سواء كان ذكراً أم أنثى صغيراً أم كبيراً، مسلماً أم غير مسلم.
ومعنى لا يدخل تحت اليد: أي أنه لا يكون مالا يباع ويشترى - أي أنه لا يُملك؛ لأن المملوك هو الذي يقع تحت اليد. وهو أيضاً لا يضمن كما تضمن المملوكات.
ولكن يمكن أن يدخل الحر تحت اليد إذا أريد باليد هنا القوة والقدرة، بمعنى أنه يقع أسيراً مثلاً. أو يحبس ويسجن.
стр. 1598
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من أستأجر حراً لعمل ما فهل له أن يؤجره من غيره؟ منهم من قال: ليس لمستأجره أن يؤجره من غيره، ولا تقرر أجرته بالتسليم؛ لأن منافعه لا تدخل تحت اليد، وهذا راجح.
ومنها: إذا غصب إنسان صبياً فمات في يده أو بمرض، لم يضمن ديته.
ولكن إذا نقله إلى مكان يغلب فيه الهلاك فمات، فإن ديته على عائلة الغاصب، ولكن الضمان هنا ضمان إتلاف لا غصب؛ لأن الحر يضمن بالإتلاف، ولا يضمن بالغصب، بخلاف العبد فإنه يضمن بكليهما.
ومنها: إذا حبس حراً ولم يمنعه الطعام والشراب حتى مات حتف أنفه لم يضمنه.
ومنها: إذا وطئ حرة بالشبهة وماتت بالولادة لم تجب الدية في المشهور. (١)
стр. 1599
القاعدة الثالثة والعشرون [الحرام، الحلال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحرام لا يحرم الحلال. (١) حديث
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تخريج الحديث: ورد الحديث بغير لفظ القاعدة وهو حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ وعن أبيها أنه: سئل رسول الله ﷺ عن رجل يتبع المرأة حراماً أينكح ابنتها؟ أو يتبع الابنة حراماً أينكح أمها؟ فقال ﵊: "لا يحرم الحلالَ الحرامُ إنما يحرم ما كان بنكاح حلال" (٢).
وفي رواية أخرى عن ابن عمر ﵄: قال: قال رسول الله ﷺ "لا يُحرِّم الحرامُ الحلالَ" (٣)
ومفاد الحديث أن الفعل الحرام لا يترتب عليه أحكام تترتب على الفعل المباح، وذلك في باب النكاح والرضاع خاصة. وهذه القاعدة محل
стр. 1600
خلاف بين الحنفية والشافعية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من زنا بامرأة حرمت عليه أصولها وفروعها كما لو نكحها نكاحاً حلالا صحيحاً. وهذا عند الحنفية والحنابلة (١) مستدلين بقوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (٢). والمراد بالنكاح عندهم الوطء لا مجرد العقد سواء كان الوطء حلالا أم حراماً.
وأما عند الشافعي والصحيح عند مالك (٣) رحمهما الله تعالى: فلا يحرم على الزاني بالمرأة فروعها ولا أصولها لِهذا الحديث، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: "لا يحرم إلا إذا كان الوطء بنكاح أو ملك يمين، وأما بالزنا فلا تثبت الحرمة. قال؛ لأن النكاح أمر حُمدت عليه، والزنا فعل رجمت عليه فأنى يستويان!
وثبوت حرمة المصاهرة بطريق النعمة والكرامة، والزنا المحض سبب لإيجاب العقوبة فلا يصلح سبباً لإيجاب الحرمة والكرامة؛ ولأن الزنا لا يثبت به النسب والعدة، فكذلك حرمة المصاهرة. (٤)
стр. 1601
القاعدة الرابعة والعشرون [الحرب - خدعة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحرب خدعة (١). حديث
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تخريج الحديث: هذا الحديث أخرجه الجماعة وغيرهم (٢)، وهو عند البخاري تحت رقم ٣٠٢٨، والفتح ج ٧ ص ١٥٧ عن أبي هريرة ﵁ قال "سمى النبي ﷺ "الحرب خدعة" وفي الباب أيضاً عن جابر بن عبد الله ﵄.
"وخَدْعة" بفتح الخاء وضمها "وخُدَعة". ومعنى خُدعة: أنها تخدع أهلها ومعنى تخدع: تختل والختل: إرادة المكروه بالمخدوع من حيث لا يعلم". (٣)
ومفاد القاعدة - كما قال في الفتح - الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن ولو مرة، وإلا فقاتل "وأصل الخدع: إظهار أمر وإضمار خلافه.
وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار. واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن - كما قال النووي - إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز.
وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة.
стр. 1602
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد الإمام حرب قوم - ليس بينه وبينهم عهد ولا ميثاق - فعليه أن يوِّري حين خروجه بأن يذكر أنه يريد حرباً في جهة الشمال مثلاً، وهو يريد قوماً في جهة الجنوب أو الغرب، حتى لا ينذروا به فيستعدوا، لكي يأخذهم على غِرَّة وغفلة.
стр. 1603
القاعدة الخامسة والعشرون [الحرج - التكليف]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحرج مدفوع (١) أو مرفوع (٢)
وفي لفظ: الخطاب بحسب الوسع. وتأتي في حرف الخاء إن شاء الله.
وفي لفظ: التكليف بحسب الوسع. (٣) وقد سبقت في حرف التاء تحت رقم ١٧٩.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحرج معناه في اللغة: الضيق. يقال: مكان حرج أي ضيق كثير الشجر. وحَرِج صدره: بمعنى ضاق. والحرج يأتي بمعنى الإثم. (٤)
فمفاد القاعدة: أن التضييق في الشرع مدفوع ومرفوع فلا تكليف إلا بحسب الوسع، أي الطاقة والقدرة الممكنة. وتندرج تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ليس على مؤجر العبد للخدمة أن يشترط تسمية كل عمل عند العقد
стр. 1604
, لأن ذلك حرج وهو مدفوع.
ومنها: جواز إقامة الجمعة في أكثر من مسجد جامع واحد في المصر الواحد إذا كان المصر متسعاً، حتى لا يقع الناس في الحرج إذا أُجبروا على إقامة الجمعة في موضع واحد.
стр. 1605
القاعدة السادسة والعشرون [الحرمات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحُرُمات تثبت بالشبهات (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحرمات: جمع حرمة، هي كل ما حرمه الله ومنع من إتيانه.
والشبهات: جمع شبهة وهي ما يشبه الثابت وليس بثابت.
فمفاد القاعدة: أن الشبهة ملحقة في الحقيقة في الحرمة - وهذا من باب الاحتياط - ودليل هذه القاعدة قوله ﷺ : "من وقع في الشبهات وقع في الحرام" (٢)
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأَموال الربوية يجب فيها تحقق المماثلة، فإذا شك في تحققها حُرمت المعاملة.
ومنها: إذا أرسل كلبه المعلم وشاركه في الصيد كلب غير معلم أو كلب كافر، ولا يدري أيهما اصطاد. حرم أكل الصيد للشبهة.
ومنها: إذا وجد ذبيحتين مسلوختين إحداهما مذكاة والأُخرى غير
стр. 1606
مذكاة ولم يستطع التمييز بينهما، حرمتا كلاهما إحداهما بحسب الأَصل والثانية للشبهة.
ومنها: اللحوم المستوردة من غير بلاد الإسلام والتي يجهل ذابحها، هل هو مسلم أو غير مسلم، أو هل هي مذكاة أو غير مذكاة، حرم تناولها للشبهة.
стр. 1607
القاعدة السابعة والعشرون [حرمة النفس والمال] .
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
حرمة النفس لا تكون دون حرمة المال. (١)
وفي لفظ: حرمة مال المسلم كحرمة نفسه. (١)
وفي لفظ: حرمة المال كحرمة النفس. (٢)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القواعد أن دم المسلم وماله متساويان في التحريم، فلا يجوز أخذ مال المسلم إلا بطيب من نفسه أو بحق مشروع. كما أنه لا يجوز إراقة دم مسلم إلا بحق مشروع.
ودليل ذلك حديث رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". (٣)
فقد ساوى الحديث في الحرمة بين الدماء والأَموال والأَعراض.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إن كان مع المحدث ماء يكفيه للوضوء غير أنه يخاف العطش يتيمم،
стр. 1608
ولا يتوضأ به؛ لأنه يحرم عليه أن يقتل نفسه، وحرمة النفس لا تكون دون حرمة المال.
ومثله: لو لم يجد ماءً إلا بثمن وليس معه الثمن، أو بغبن فاحش، فله أن يتيمم، ويعتبر كالعاجز عن الوصول للماء.
ومنها: إذا رأى وهو يصلي سارقاً يسرق شيئاً من متاعه، وَسِعَه أن يقطع صلاته ويلحق بالسارق، لأن حرمة المال كحرمة النفس.
стр. 1609
القاعدة الثامنة والعشرون: [حرمة الملك] .
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
حرمة الملك باعتبار حرمة المالك. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن تحريم ما يملكه الإنسان على غيره تابع لحرمة المالك لذلك الشيء، فإن المالك المسلم أو غير المسلم - كالذمي - حرم على غيره دمه وماله وعرضه. إلا بحقه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إباحة مال الحربي، لأَن دمه مباح.
وتحريم مال المسلم والذمي, لأن دمهما غير مباح.
ومنها: من سيب دابة بمهلكة فأخذها آخر فهي تبقى مملوكة لصاحبها؛ لأن التسيب لا يحذف وصف المالكية في الدواب - فهي لصاحبها فلا يملكها أحد بالأَخذ.
وفي الباب حديث رواه الشعبي وقد أختلف في رفعه، قال البيهقي:
هذا حديث مختلف في رفعه وهو عن النبي ﷺ منقطع - والحديث - "كل أحد أحق بماله حتى يجعله لغيره". (٢)
стр. 1610
القاعدة التاسعة والعشرون [الحرمة المتعدية]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحرمة تتعدى في الأَموال مع العلم. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن اكتساب المال من حرام لا تقف حرمته عند مكتسبه، بل تتعداه لكل متعامل معه إذا علم أن هذا المال حرام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا سرق إنسان شيئاً وأراد بيعه، وعلم المشتري أن هذا الشيء مسروق فيحرم عليه أن يشتريه من سارقه، وإن اشتراه - مع علمه بسرقته - يكون آثماً وشريكاً للسارق في جريمته.
ومنها: إذا اغتصب مالا وآجره أو وهبه أو باعه، وعلم المستأجر أو الموهوب له أو المشتري أن هذا مال مغصوب، فلا يجوز له الإِقدام على استئجاره أو شرائه أو قبوله هبة، فحرمة الأَموال تتعدى مع العلم، وأما إذا لم يعلم فهو غير آثم.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
مال الوارث حلال له وإن علم بحرمته على المورث. فحرمته لا تتعدى مع العلم في حق الوارث، فإن مال مورثه حلال له وإن علم بحرمته منه.
стр. 1611
القاعدة الثلاثون [الحرمة - الاحتياط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحرمة تنبني على الاحتياط (١).
وفي لفظ: الاحتياط في باب الحرمة واجب. (٢)
سبق مثل هاتين القاعدتين في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٤٨ وفي قواعد حرف الحاء قريباً: الحرمات تثبت بالشبهات تحت رقم ٢٦.
ومفاد القاعدة:
إن على المسلم أن يحتاط لدينه فلا يقدم على ما فيه وجه تحريم أو شبهة تحريم؛ لأن مبنى الحرمات على الاحتياط.
стр. 1612
القاعدة الحادية والثلاثون [الحرمة - الحل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحرمة لا تثبت صفة للمحل إلا بزوال صفة الحل.
لاستحالة اجتماع الضدين في محل واحد. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحلال والحرام صفتان متغايرتان، أو هما نقيضان لا يجتمعان في محل واحد، ولا يرتفعان، فالمحل إما أن يكون حلالا وإما أن يكون حراماً.
فإذا ارتفع أحد الوصفين ثبت الآخر، فلا تثبت صفة المحل إلا بزوال الأُخرى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند ابن أبي ليلى: أن من قال لزوجته: هي عليَّ حرام. أنه لا يثبت بهذا القول شيء - ولو نوى -؛ لأن صفة الحل في الزواج لا تزول إلا بالتطليقات الثلاث.
ومنها: الخمر حرام، لكنها إذا تخللت صارت حلالا. وزالت الحرمة.
ومنها: المال المغصوب أو المسروق حرام الانتفاع به، ولكن إذا وَهَبَه المغصوب منه أو المسروق منه للغاصب أو السارق حل له الانتفاع به، وزالت صفة الحرمة.
стр. 1613
القاعدة الثانية والثلاثون [الحرية - القهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحرية المتأكدة بمنعة المسلمين لا تنقض بالقهر. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإنسان الممنوع بقوة المسلمين ومنعتهم هو حرٌ سواء أكان مسلماً أم ذمياً أم مستأمناً. فكل أولئك حريتهم متأكدة بمنعه المسلمين ودفاعهم عنهم وحياطتهم لهم، فهذه الحرية لا تزول بالقهر وغلبة غير المسلمين عليهم، فالمسلم يبقى حراً والذمي يبقى حراً ولو أسره أعداء الإِسلام وغلبوا عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أغار العدو على أرض الإِسلام فأخذ أسارى من المسلمين أو الذميين أو مستأمنين في دارنا موادعين، فاسترقهم، ثم إن المسلمين ظهروا على أهل الحرب، فوجدوا أولئك الذين استرقهم الأعداء، فإنهم يعودون أحراراً كما كانوا قبل ظهور أهل الحرب عليهم. وكذلك إن أخذوا بعض أموالهم فوجدت في الغنيمة فهي لهم قبل القسمة بغير شيء وبعد القسمة بالقيمة؛ لأن هؤلاء كانوا في مَنعَة المسلمين، والحرية المتأكدة بمنعة المسلمين لا تنقض بالقهر والاستيلاء.
стр. 1614
القاعدة الثالثة والثلاثون [الحريم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحريم له حُكْم ما هو حريم له (١).
(تحت قاعدة التابع تابع)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحريم: فعيل من الحرمة، وحريم البئر وغيرها: ما حولها من مرافقها وحقوقها. (٢)
سمي بذلك لأنه يحرم على غير مالكه أن يستبد بالانتفاع. (٣)
فمفاد القاعدة: أن ما يحيط بالبئر أو العين أو غيرهما حكمه في الحرمة حكم البئر أو العين. فإن كانت البئر مملوكة فحريمها مملوك لا يحل الانتفاع به بغير إذن المالك. وإن كانت البئر مباحة عامة فحريمها كذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حريم الحرام ما يحيط به، كالفخذين فإنهما حريم للعورة الكبرى.
وحريم الواجب ما لا يتم الواجب إلا به، ومن ثَمَّ وجب غسل جزء من الرقبة والرأس مع الوجه لتحقيق غسله.
ومنها: غسل جزء من العضد مع الذراع.
стр. 1615
ومنها: ستر جزء من السرة والركبة مع العورة، وجزء من الوجه مع الرأس للمرأة في الصلاة والإِحرام.
ومنها: حرم الاستمتاع بما بين السرة والركبة في الحيض؛ لحرمة الفرج. عند قوم.
ومنها: حريم المسجد حكمه حكم المسجد، لا يجوز الجلوس فيه للبيع ولا للجنب - ويجوز الاقتداء فيه بمن في المسجد والاعتكاف فيه.
ومنها: حريم المعمور فهو مملوك لمالك المعمور في الأَصح، ولا يملك بالإِحياء قطعاً.