القاعدة الثلاثون [الحرمة - الاحتياط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحرمة تنبني على الاحتياط (١).
وفي لفظ: الاحتياط في باب الحرمة واجب. (٢)
سبق مثل هاتين القاعدتين في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٤٨ وفي قواعد حرف الحاء قريباً: الحرمات تثبت بالشبهات تحت رقم ٢٦.
ومفاد القاعدة:
إن على المسلم أن يحتاط لدينه فلا يقدم على ما فيه وجه تحريم أو شبهة تحريم؛ لأن مبنى الحرمات على الاحتياط.
стр. 1612
القاعدة الحادية والثلاثون [الحرمة - الحل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحرمة لا تثبت صفة للمحل إلا بزوال صفة الحل.
لاستحالة اجتماع الضدين في محل واحد. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحلال والحرام صفتان متغايرتان، أو هما نقيضان لا يجتمعان في محل واحد، ولا يرتفعان، فالمحل إما أن يكون حلالا وإما أن يكون حراماً.
فإذا ارتفع أحد الوصفين ثبت الآخر، فلا تثبت صفة المحل إلا بزوال الأُخرى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند ابن أبي ليلى: أن من قال لزوجته: هي عليَّ حرام. أنه لا يثبت بهذا القول شيء - ولو نوى -؛ لأن صفة الحل في الزواج لا تزول إلا بالتطليقات الثلاث.
ومنها: الخمر حرام، لكنها إذا تخللت صارت حلالا. وزالت الحرمة.
ومنها: المال المغصوب أو المسروق حرام الانتفاع به، ولكن إذا وَهَبَه المغصوب منه أو المسروق منه للغاصب أو السارق حل له الانتفاع به، وزالت صفة الحرمة.
стр. 1613
القاعدة الثانية والثلاثون [الحرية - القهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحرية المتأكدة بمنعة المسلمين لا تنقض بالقهر. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإنسان الممنوع بقوة المسلمين ومنعتهم هو حرٌ سواء أكان مسلماً أم ذمياً أم مستأمناً. فكل أولئك حريتهم متأكدة بمنعه المسلمين ودفاعهم عنهم وحياطتهم لهم، فهذه الحرية لا تزول بالقهر وغلبة غير المسلمين عليهم، فالمسلم يبقى حراً والذمي يبقى حراً ولو أسره أعداء الإِسلام وغلبوا عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أغار العدو على أرض الإِسلام فأخذ أسارى من المسلمين أو الذميين أو مستأمنين في دارنا موادعين، فاسترقهم، ثم إن المسلمين ظهروا على أهل الحرب، فوجدوا أولئك الذين استرقهم الأعداء، فإنهم يعودون أحراراً كما كانوا قبل ظهور أهل الحرب عليهم. وكذلك إن أخذوا بعض أموالهم فوجدت في الغنيمة فهي لهم قبل القسمة بغير شيء وبعد القسمة بالقيمة؛ لأن هؤلاء كانوا في مَنعَة المسلمين، والحرية المتأكدة بمنعة المسلمين لا تنقض بالقهر والاستيلاء.
стр. 1614
القاعدة الثالثة والثلاثون [الحريم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحريم له حُكْم ما هو حريم له (١).
(تحت قاعدة التابع تابع)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحريم: فعيل من الحرمة، وحريم البئر وغيرها: ما حولها من مرافقها وحقوقها. (٢)
سمي بذلك لأنه يحرم على غير مالكه أن يستبد بالانتفاع. (٣)
فمفاد القاعدة: أن ما يحيط بالبئر أو العين أو غيرهما حكمه في الحرمة حكم البئر أو العين. فإن كانت البئر مملوكة فحريمها مملوك لا يحل الانتفاع به بغير إذن المالك. وإن كانت البئر مباحة عامة فحريمها كذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حريم الحرام ما يحيط به، كالفخذين فإنهما حريم للعورة الكبرى.
وحريم الواجب ما لا يتم الواجب إلا به، ومن ثَمَّ وجب غسل جزء من الرقبة والرأس مع الوجه لتحقيق غسله.
ومنها: غسل جزء من العضد مع الذراع.
стр. 1615
ومنها: ستر جزء من السرة والركبة مع العورة، وجزء من الوجه مع الرأس للمرأة في الصلاة والإِحرام.
ومنها: حرم الاستمتاع بما بين السرة والركبة في الحيض؛ لحرمة الفرج. عند قوم.
ومنها: حريم المسجد حكمه حكم المسجد، لا يجوز الجلوس فيه للبيع ولا للجنب - ويجوز الاقتداء فيه بمن في المسجد والاعتكاف فيه.
ومنها: حريم المعمور فهو مملوك لمالك المعمور في الأَصح، ولا يملك بالإِحياء قطعاً.
стр. 1616
القاعدة الرابعة والثلاثون [حصول المقصود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
حصول المقصود بالشيء ينهيه ويقرره. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن المقصود بالشيء أو العقد إذا حصل ووجد فإن ذلك ينهي هذا الشيء ويقرره ويؤكده.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى جارية بشرط الخيار، ثم وطئها في زمن الخيار فقد سقط خياره، وتَمَّ العقد. فلا حق له في الرجوع بعد ذلك إلا بسبب جديد، كاكتشاف عيب.
ومنها: إذا كان له على آخر دين فأخذ به رهناً ثم هلك الرهن عند المرتهن سقط الدين؛ لأن ما هو المقصود بالرهن قد حصل, لأن بقبض الرهن ثبتت يد الاستيفاء للمرتهن، ويتم ذلك بهلاك الرهن، وصيرورته مستوفياً بهلاكه بمنزلة استيفائه حقيقة، هذا عند الحنفية فقط وعند الآخرين الرهن غير مضمون. (٢)
ومنها: إذا باع أرضاً بشرط الخيار له ثم أجَّرها بإذن المشتري، فقد سقط خياره لأن برضائه تأجيرها بإذن المشتري يقرر العقد وينهي خياره.
стр. 1617
القاعدة الخامسة والثلاثون [حق الله - خبر الواحد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
حق الله تعالى يثبت بخبر الواحد العدل. (١)
وفي لفظ: قول الواحد العدل مقبول في الديانات (٢). وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقوق نوعان: حقوق للعباد بعضهم على بعض. وحقوق لله تعالى على العباد.
فأما حقوق العباد بعضهم على بعض فلا يقبل فيها خبر الواحد إلا عند الضرورة، كشهادة القابلة وأمثالها.
وأما حقوق الله تعالى: فتثبت بخبر الواحد العدل، وذلك فيما يتعلق بأبواب الحلال والحرام والنجاسة والطهارة، ولا يشترط في هذا الواحد إلا العدالة، فلا تشترط الحرية ولا الذكورية، واختلفوا في خبر مستور الحال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مسلم اشترى لحماً وقبضه، فأخبره مسلم ثقة أنه ذبيحة مجوسي، فإنه لا يجوز له أن يأكل منه ولا يطعم غيره؛ لأن المخبر أخبره بحرمه العين.
ومنها: إذا أخبره ثقة مسلم رجلاً أو امرأة حراً أو عبداً أو أمة أن هذا الماء الذي يريد الوضوء منه نجس إذ سقطت فيه فأرة، أو وقعت فيه نجاسة، فلا يحل له أن يتوضأ منه.
стр. 1618
القاعدة السادسة والثلاثون [حق الملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
حق الملك يمنع ابتداء النكاح ولا يمنع بقاءه. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
حق الملك يصيِّر المملوك سلعة بيد المالك، سواء كان المملوك رقيقاً أم حيواناً، ولذلك يمنع أن ينكح المملوك سيدته، أو أن تنكح السيدة عبدها, ولكن لو طرأ الملك على نكاح أو شراء قائم لا يمنع بقاء النكاح أو الاشتراء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إن تزوج المكاتب مولاته - قبل تحرره - ودخل بها فعليه المهر؛ وسقط الحد بشبهة العقد، ولا يجوز النكاح وإن عتق.
وإما إن تزوج المكاتب أو العبد بنت مولاه بإذنه جاز النكاح؛ لأنه لا ملك لها في رقبته ولا حق ملك ما دام الأَب حياً، فإن مات المولى فسد نكاح العبد؛ لأنها ملكت رقبة زوجها إرثاً - وملكها رقبة الزوج لو أقترن بالعقد منع صحة النكاح، فإذا طرأ على النكاح يرفعه أيضاً؛ لأن المنافي يؤثر سواء كان طارئاً أو مقارناً.
فأما نكاح المكاتب فلا يفسد بموت المولى - عند الحنفية خلافاً للشافعي ﵀.
ومنها: العدة تمنع ابتداء النكاح ولا تمنع بقاءه، كامرأة طلقها
стр. 1619
زوجها أو مات عنها، فلا يجوز نكاحها مادامت في العدة. ولكن إن كانت زوجة واغتصبها مغتصب فعليها عدة من الزنا - مع بقاء نكاحها من زوجها - والعدة خشية أن تكون علقت من الزاني المغتصب أو المكره.
ومنها: إذا أبق عبد - أي هرب من سيده - فلا يجوز بيعه حالة الإِباق، أما لو باعه قبل إباقه ثم هرب العبد، فالبيع باق.
стр. 1620
القاعدة السابعة والثلاثون [إسقاط الحق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحق بعد ما يثبت لا يسقط إلا بإسقاط صاحب الحق، (١) صريحاً أو دلالة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ثبت حق من الحقوق لشخص ما ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً حراً أو عبداً فلا يجوز إسقاطه ولا يسقط من نفسه، وإنما يسقط بإسقاط صاحب الحق له دون غيره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ثبت حد القصاص للولي فلا يجوز إسقاطه إلا مِن قِبَلِه. فلا يجوز للحاكم ولا غيره إسقاطه.
ومنها: إذا ثبت حق الشفعة لواحد فلا يسقط إلا بإسقاط الشفيع له.
ومنها: إذا ثبت حق الولاية على الصغير أو الصغيرة لأحد الأولياء فلا يسقط إلا بإسقاطه هو لولي آخر أو للقاضي؛ وفي هذه الصورة يجوز للقاضي إسقاط هذا الحق إذا ثبت عضل الولي لوليته ومنعها من النكاح من الكُفْءِ.
стр. 1621
القاعدة الثامنة والثلاثون [الحق إذا لم يتجزأ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحق إذا كان مما لا يتجزأ فإنه يثبت لكل واحد على الكمال. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقوق نوعان: نوع يقبل التجزئة بين أصحابه كالميراث، حق لكل الوارثين على سبيل التجزئة. ونوع لا يقبل التجزئة بحال، بل يثبت لكل واحد على الكمال، إِن انفرد واحد أخذ الحق كله بكماله، وإن تنازعوا تقاسموا، هذا إذا كان الحق مِمَّا يملك، وإما إن كان الحق لا يملك فلا ينقسم، بل يثبت لكل على كماله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ولاية المطالبة بإزالة الضرر العام من طريق المسلمين تثبت لكل من له حق المرور على الكمال.
ومنها: حق الشفعة يثبت لكل شفيع على الكمال. إن انفرد واحد أخذ الكل، وإن كثر الشفعاء فتنازعوا تقاسموا المشفوع فيه.
ومنها: حق المطالبة بالقصاص يثبت لكل ولي على الكمال، ولكن يسقط على الكمال إذا تنازل أحد الأَولياء؛ لأن القصاص لا يقبل التبعيض.
ومنها: ولاية الإِنكاح للصغير والصغيرة ثابتة للأولياء على سبيل الكمال، وكذلك ولاية الاعتراض فيما إذا تزوجت من غير كفء. والمراد
стр. 1622
بالأَولياء المستوين في الدرجة.
ومن أمثلة ما يقبل التبعيض: إذا وَصَّى بخدمة مملوك لشخصين جاز أن يتهايئا فيخدم هذا يوماً وهذا يوماً؛ لأن الاستخدام في المملوك يتجزأ.
ومنها: حق حد القذف في الأَصح، حتى إذا عفا بعض المقذوفين فللباقي حق الاستيفاء كاملاً؛ لأنه إنما شرع لدفع المعرة، ولا يدفع العار إلا بتمام الحد. (١)
стр. 1623
القاعدة التاسعة والثلاثون [الحق الثابت بالإقرار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحق الثابت بالإقرار لا يبطل باليمين. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قواعد الإثبات: الإِقرار أو البينة، أو اليمين للنفي لا للإثبات.
فمفاد القاعدة: أنه إذا ثبت حق بإقرار واعتراف من هو عليه، فإن هذا الحق لا يبطله بعد ذلك يمين المدعى عليه, لأن اليمين لما كانت للنفي فيريد المدعي عليه بيمينه نفي ما أثبته بإقراره، وذلك يعتبر رجوعاً عن الإِقرار وهو لا يجوز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقر أنه غصب هذا الشيء من هذا الشخص أو من هذا، فإن اصطلحا أخذاه وكان بينهما، وإن اختلفا وكل يدعيه لنفسه استحلف المقر لكل منهما، فمن حلف له سقط حقه وثبت الحق للآخر وإن حلف لهما بطل إقراره؛ لأن جهالة المُقَرِّ له تمنع صحة الإقرار.
وهذه القاعدة تشير إلى أنَّ من حلف له المُقر سقط حقه في المغصوب وثبت الحق للآخر، فاليمين لم تبطل الإقرار.
وأما إذا حلف لهما فهذا في الظاهر مخالف للقاعدة لأنه يبطل إقراره بهذا الحلف. ولكن إنما بطل إقراره لأن المُقرَّ له صار مجهولاً، والمقرُّ له إذا صار مجهولاً بطل الإقرار بذلك لا باليمين، والله أعلم.
стр. 1624
القاعدة الأربعون [الحق الثابت]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحق الثابت في محل مقصور عليه لا يبقى بعد فواته. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن الحق الثابت في محل واحد مقصور عليه لا يتعداه إلى غيره إذا فات هذا المحل زال ذلك الحق, لأن الحق لا يبقى بعد فوات محله المقصور عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قطع شخص يد آخر عمداً، وكانت يد القاطع شلاء، فيقال للمقطوعة يده اقطع يده إن شئت، وإلاّ فخذ الأرش - التعويض أو دية اليد؛ لأنه وجد جنس حقه ولكنه ناقص في الصفة فيخير لذلك. فإن سقطت يد القاطع أو كانت صحيحة فقطعت بسبب آخر قبل أن يختار المقطوع القصاص - ففي هذه الحالة لا شيء لمن له القصاص عند الحنفية؛ لأن الواجب هو القصاص لا غير، وقد سقط لفوات محله حقيقة وحكماً. وهو قول عند أحمد وبه قال مالك رحمهما الله تعالى. (٢)
أما عند الشافعي (٣) ﵀ فالواجب أحد شيئين إما القصاص وإما الأرش، وإذا تعذر استيفاء أحدهما لفوات محله تعين الآخر. وهو أحد القولين عند أحمد ﵀.
стр. 1625
القاعدة الحادية والأربعون [الحق في التبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحق في التبع إنما يثبت بثبوته في الأصل. (١)
تحت قاعدة التابع تابع
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة "التابع تابع" السابقة في قواعد حرف التاء تحت رقم ١١، وفي قاعد حرف الثاء تحت رقم ١٧.
ومفاد القاعدة: أن الحق في التابع أو في الفرع إنما يكون ثبوته بثبوته في متبوعه الذي هو أصله, لأن ما كان تابعاً لغيره في الوجود كان تابعاً له في أحكامه، ولا يفرد بالحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا رهن إنسان عند آخر بقرة حاملاً، فولدت عند المرتهن، فإن ابنها رهن معها حيث يثبت فيه حق المرتهن تبعاً لثبوته في أمه.
ومنها: عند أبي يوسف محمَّد رحمهما الله تعالى: إذا استحق إنسان القصاص في النفس فقطع يد الجاني ثم عفا عنه؛ عندهما لا شيء عليه؛ لأن اليد تابعة للنفس وهو كان مستحقاً للقصاص في النفس، وعندما استوفى طرفاً من نفس لو استوفاها لم يضمن، فكذلك إذا استوفى جزءاً منها لم يضمن كما لو قطع يد مرتد.
وأما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنه يضمن دية اليد؛ لأن من له حق الاستيفاء في النفس لا حق له في استيفاء الطرف؛ لأن استيفاء الطرف قطع، وهو كان حقه في القتل، والقطع غير القتل. (٢)
стр. 1626
القاعدة الثانية والأربعون [الحق الضعيف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحق الضعيف لا يعدو محله. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحق إذا كان ضعيفاً لا يتعدى محله - أي لا يتجاوزه - ولو كان له صلة بغيره، والمراد بالحق الضعيف الحق الذي في إثباته شبهة، أو شرع رخصة من باب الضرورة والحاجة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الشفعة حق للشفيع دون غيره، فإذا أراد الشفيع أن يتنازل عن حق الشفعة لغيره - ممن لا حق له في المشفوع فيه - سقطت شفعته، ولم ينتقل هذا الحق إلى غيره؛ لأن حق الشفعة حق ضعيف يسقط بأدنى سبب، لأن الشفعة إنما شرعت دفعاً لضرر متوقع استثناءً من القواعد العامة.
ومنها: إذا وهب جارية فاستولدها الموهوبة له، أو زوجها فولدت، ثم أراد الواهب الرجوع في هبته فلا حق له في ولد الجارية؛ لأن ذلك حق ضعيف فلا يبقى بعد تصرف الموهوب له، ولأن الرجوع في الهبة حقٍ ضعيف لكراهة الرجوع فيها أو تحريمه. ولأن الموهوب إذا تغير تغيراً فاحشاً أو تبدل الملك فيه سقط الرجوع فيه.
стр. 1627
القاعدة الثالثة والأربعون [الحق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحق لا يسقط بتقادم الزمان. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ثبت الحق لصاحبه لا يسقط بمضي المدة وتقادم الزمان ما دام هناك مَنْ يطالب به. والمقصود بهذه القاعدة الحق المخصوص بالعباد لا حق الله تعالى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
القذف، والقصاص، واللعان. لا تسقط بمضي المدة، فللمقذوف أن يطالب بإقامة الحد على القاذف مهما تطاول الزمان.
وكذلك حق القصاص لا يسقط إلا بإسقاط من له الحق مهما تطاول الزمان.
وكذلك اللعان.
ومنها: إذا كان لإنسان دين على آخر فلا يسقط هذا الدين إلا بالأَداء أو الإِبراء، لا بمضي المدة، فللدائن المطالبة بحقه حتى يستوفيه، أو يبرئ المدين.
ملحوظة: هذا حكم القاعدة العام، ولكن إذا حدد الإمام مدة
стр. 1628
معينة للمطالبة بالحقوق فيجب التزامها، فإذا جاء إنسان وطالب بحق له بعد مضي المدة فلا ينظر بطلبه، هذا إذا كان عن طريق الدعوى، حيث لا تقبل الدعوى به لأمر الإِمام بعدم النظر في الدعوى بعد مضي المدة كخمسة عشر عاماً مثلاً.
ولكن لا تبرأ ذمة المطالب بالحق إلا بالأَداء أو الإِبراء.
стр. 1629
القاعدة الرابعة والأربعون [الحق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحق متى ثبت لا يبطل بالتأخير ولا بالكتمان. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه بمعنى القاعدة السابقة وتزيد عليها حكماً آخر.
فمفاد هذه القاعدة: أن الحق متى ثبت لا يبطله تأخير المطالبة من صاحبه باستيفائه، ولا يبطله أيضاً كتمان من عليه الحق، ولا سكوت صاحب الحق عن المطالبة خوفاً وتقيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من كان معه مال يستحق عليه العشر فمر به العاشر فكتمه. ثم مر به في الحول الثاني فكتمه، ثم في الحول الثالث اكتشف العاشر كتمانه فإنه يُعَشِره لثلاثة أحوال.
ومنها: من كتم زكاة ماله عدة سنوات، أو أخر إخراجها، فإنها تؤخذ منه لكل السنوات الماضية.
стр. 1630
القاعدة الخامسة والأربعون [الحق المتعلق]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحق المتعلق بالعين أقوى من الحق المتعلق بالذمة. (١)
وفي لفظ: ما تعلق بالعين مقدم على ما تعلق بالذمة. (٢) = وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحق إما أن يتعلق بالذمة - وهي الوعاء الاعتباري لتحمل التبعات والمسؤوليات. وهي عند الفقهاء: أهلية الإنسان لتحمل ما يجرى بينه وبين غيره من التصرفات.
وإما أن يتعلق بالعين، والمراد بالعين هنا السلعة.
فمفاد القاعدة: أن الحق إذا تعلق بالعين - أي كان الحق في ذات السلعة الموجودة - فهو مقدم في الاستيفاء على الحق المتعلق بذمة الشخص المدين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مات رجل عن تركة وديون، منها ديون ثمن طعام أو لباس أو قروض استهلكها، ومنها دين ثمن سيارة اشتراها ولم يدفع ثمنها وهي موجودة بحالها، فالدائن صاحب السيارة صاحب حق تعلق بالعين وهي السيارة فهو أحق بها من سائر الغرماء، فله أخذها واسترجاعها.
стр. 1631
وأما أصحاب الديون الأخرى المستهلكة - وهي ديون تعلقت بذمة المتوفى - فهم شركاء في التركة، إن وفت بديونهم أخذ كل منهم حقه، وإن لم تف بديونهم تحاصوا، أي أخذ كل منهم حصة من المال بحسب مقدار دينه.
فصاحب الدين المتعلق بالعين أخذ حقه كاملاً باستحقاقه للعين الموجودة، وأما أصحاب الديون المتعلقة بالذمة فقد لا يأخذون حقوقهم بكمالها إذا لم تف التركة بها.
ومنها حق المرتهن المتعلق بالمرهون مقدم على غيره.
стр. 1632
القاعدة السادسة والأربعون [الحق الواحد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحق الواحد يجوز أن يثبت في محلين. (١)
خلافاً لابن أبي ليلى ﵀ الذي يقول: (إن الحق الواحد لا يجوز أن يثبت في محلين مختلفين) (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن الحق لا بد له من محل يثبت فيه ويطالب به صاحبه، ولكن هل يجوز أن يثبت حق واحد في محلين في آن واحد؟
عند جميع الفقهاء يجوز؛ لأن الحق المراد به هنا ما يثبت في الذمة، وما يثبت في الذمة يجوز تعدد محاله.
وخالف في ذلك ابن أبي ليلى ﵀ فقال: إن الحق الواحد لا يثبت إلا في محل واحد، ولذلك أنكر الكفالة. وهذا في الحقيقة يصح في الحق المتعلق بالعين فقط.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان على إنسان دين فكفله به شخص آخر فللدائن مطالبة الأصيل والكفيل، حيث إن ذمتيهما اشتغلتا بهذا الدين، فثبت الحق في محلين حيث إن العقد بالكفالة يوجب ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل على وجه التوثيق.
وخالف في هذه المسألة ابن أبي ليلى فمنع جواز الكفالة وقال: إن
стр. 1633
الحق متى ثبت في محل خلا عنه المحل الأول.
فعنده أن الكفالة كالحوالة، فكما أن الحوالة تبرئ ذمة المحيل فكذلك الكفالة تبرئ ذمة الأصيل. والجمهور على خلاف ذلك: حيث إن الكفالة لا تبرئ ذمة الأصيل، فللمكفول له مطالبة الأصيل والكفيل.
ومنها: أن شخصاً إذا أخذ كفيلاً بنفس المطلوب، ثم أخذ كفيلاً آخر بنفسه، فإن الكفيل الأول لا يبرأ فللطالب مطالبة الكفيلين.
стр. 1634
القاعدة السابعة والأربعون [الغنيمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحق يتأكد في الغنيمة بالاحراز. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تشير هذه القاعدة إلى مسألة خلافية بين الحنفية وغيرهم، حيث إن الحنفية يرون أن حق الغانمين في الغنيمة لا يتأكد إلا بالاحراز في دار الإِسلام، ولذلك فهم لا يجيزون قسمتها في دار الحرب، خلافاً للمالكية والشافعية والراجح عند الحنابلة حيث يرون جواز قسمتها في دار الحرب بعد الاستيلاء عليها.
ويدخل في ذلك مال الصلح والفيء، والهدية، وغير ذلك من أموال الكفار التي يستولي عليها المسلمون.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا غنم المسلمون غنيمة من العدو فهم يملكونها بالاغتنام، ولكن لا يتأكد حق الغانمين فيها إلا إذا وصلوا بها دار الإِسلام، فيتم إحرازها فيها ويجوز قسمتها بعد ذلك. ويترتب على ذلك أحكام.
стр. 1635
القاعدة الثامنة والأربعون [الحق - الحقيقة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحق يعمل عمل الحقيقة في إثبات الحرمة. (١)
وفي لفظ: الحق لا يعارض الحقيقة. (٢)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحق والحقيقة لفظان وإن اشتركا في أصل المادة فبين معنييهما خلاف: فالحق، ضد الباطل. وهو واحد الحقوق، وهو الأَمر الصواب المتيقن، أو الأَمر الثابت الذي لا يجوز إنكاره. (٣)
ويأتي الحق بمعنى الواجب والثابت.
والحقيقة: ضد المجاز، وما يحق على الرجل أن يحميه (٤). وحقيقة الشيء منتهاه، وأصله المشتمل عليه. (٥)
فمفاد القاعدة: أن الحق والحقيقة لا تعارض بينهما، فكل منها يعمل عمل الآخر في إثبات ما يراد إثباته من حرمة وغيرها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا طلق الرجل زوجته طلقة بائنة، أو طلقها ثلاثاً، فهل له أن
стр. 1636
يتزوج من أختها في عدتها؟ عند الحنفية والحنابلة (١) والمالكية (٢)، لا يجوز له ذلك؛ لأن هذه معتدة على الإطلاق كالعدة من طلاق رجعي, لأن العدة من حقوق النكاح، والحق يعمل عمل الحقيقة: لأنها أي العدة - لا تجب إلا بنكاح أو شبهة نكاح، فبقاء العدة كبقاء حقيقة النكاح.
وخالف في ذلك الشافعي رحمه الله تعالى، فهو يرى أنه يجوز له أن يتزوج من أختها؛ لأن النكاح مرتفع بينهما بجميع علائقه.
ومنها: الحقيقة للمشتري حقيقة الملك، وللبائع حق الاسترداد، فإذا ولدت الجارية المبيعة لأقل من ستة أشهر من بيعها، فللبائع حق الاسترداد. لأنه تبين أن الحمل كان عنده.
стр. 1637
القاعدة التاسعة والأربعون [الحقائق الشرعية - الماهيات الجعلية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحقائق الشرعية المتعلقة بالماهيات الجعلية إنما تنطلق على الصحيح منها دون الفاسد. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقائق الشرعية: هي كل لفظ وُضع لمعنى في اللغة، ثم استعمل في الشرع لمعنى آخر مع هجران الاسم اللغوي عن المسمى، بحيث لا يسبق إلى أفهام السامعين الوضع الأول، كالصلاة. (٢)
والمراد بالماهيات الجعلية: الحقائق التي صدرت عن المكلف، أو التصرفات الفعلية للمكلف كالبيع والنكاح والإِجارة والجهاد وغيرها من الصلاة والصوم وسائر العقود والعبادات.
فمفاد القاعدة: أن نظر الشرع إلى تصرفات المكلفين إنما يعتبر فيها الصحيح دون الفاسد، من حيث بناء الأَحكام الشرعية عليه. فإذا أَحل الله البيع فإنما يراد به البيع الصحيح لا البيع الفاسد أو الباطل وهكذا.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يبيع ولا يشتري أو لا يستأجر، أو لا يصلي. فلا يحنث إلا بالصحيح دون الفاسد وفي الحنث بالصلاة خلاف: هل يحنث بمجرد تكبيرة الإحرام. أو إذا ركع، أو بعد الفراغ، ثلاثة أوجه عند الشافعية.
стр. 1638
وكذلك بالنسبة للصوم لو حلف لا يصوم.
ومنها: لو حلف لا يبيع فاسداً فباع صحيحاً أو فاسداً لم يحنث؛ لأن الصحيح غير محلوف عليه، وأما الفاسد فلأن الفساد لا يجامع البيع. أي أن البيع الفاسد لا يُعَدُّ بيعاً شرعاً؛ لأن البيع الشرعي لا يكون غير صحيح.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
إذا حلف لا يحج حنث بالفاسد قطعاً؛ لأنه يجب المضي فيه وإتمام أعماله كالصحيح.
стр. 1639
القاعدة الخمسون [حقوق العباد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
حقوق العباد إنما تسقط بإذن العباد. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقوق نوعان: ١. حقوق الله ، فهذه لا تسقط إلا بالأَداء كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. أو تسقط بتوبة العبد، وبعفو الله ومغفرته لمن تاب.
٢. حقوق العباد - وهي مضمون القاعدة - فهذه لا تسقط إلا بإذن من له الحق وهو العبد. وحتى لو تاب العبد وعليه حقوق للعباد فلا تكمل توبته إلا برد الحقوق لأربابها أو إبراؤه منها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حق الشفعة لا يسقط إلا بإسقاط مَن له الحق فيه بعد المطالبة.
ومنها: من اغتصب شيئاً لغيره فلا تسقط عن الغاصب التبعة إلا برد المغصوب لصاحبه أو إبراؤه منه ومسامحته.
ومنها: حق النفقة للزوجة ولمن يعوله الرجل لا يسقط إلا بإسقاط مَن له الحق.
стр. 1640
القاعدة الحادية والخمسون [حقوق العباد - الصبيان - المجانين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
حقوق العباد تتوجه على الصبيان - والمجانين - عند تقرر السبب كما تتوجه على البالغين. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
حرصاً من الشرع الحكيم على حقوق العباد لم يعلق هذه الحقوق على وجود شروط التكليف، بل إذا صدر فعل من غير مكلف تعلق بحق من حقوق العباد توجهت المطالبة بهذا الحق حتى على الصبيان والمجانين كما تتوجه على البالغين. ولكن الخطاب يتوجه على الصبي بعد بلوغه - أو على وليه - والمجنون وحتى الدابة ولكن يتوجه الخطاب على ولي المجنون وصاحب الدابة.
وليس من هذا باب التكليف ولكن من باب ربط الأَحكام بأسبابها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قتل صبي أو مجنون إنساناً أو دابة عمداً - لا يجب عليهما القصاص - لعدم التكليف، ولكن دية الخطأ على العاقلة، وثمن الدابة من ماله، ويخاطب الولي إن كان هناك ولي، وإلا فعلى الصبي بعد بلوغه. والمجنون كالصغير سواء، ولكن يخاطب بعد إفاقته إن أفاق وإلا فعلى وليه.
ومنها: إذا أتلفت دابة إنسان متاعاً أو مالاً لشخص آخر فعلى صاحب الدابة ضمان ما أتلفته.
стр. 1641
القاعدتان الثانية والخمسون والثالثة والخمسون [حقوق العقد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
حقوق العقد تتعلق بالعاقد، وكيلاً كان أو مباشراً لنفسه. (١)
وفي لفظ: حقوق العقد في البيع والشراء تتعلق بالوكيل العاقد؛ لأن العاقد سبب في العقد فيضاف الحكم إليه.
وعند الشافعي ﵀: إن حقوق العقد تتعلق بالموكل. (٢)
وفي لفظ: الحكم يثبت لمن باشر سببه. (٣)
وفي لفظ: عقد الوكيل يقع للموكل. (٤)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
العقد من أركانه العاقدان، والعاقدان إما أن يكونا أصليين - أي أن حقوق العقد وواجباته تتعلق بكل واحد منها أصالة - وإما أن يكونا وكيلين - أي نائبين عمَّن تعود نتائج العقد إليهما. وإما أن يكون أحدهما أصيلاً والثاني وكيلاً. فإذا وقع العقد وتم بين متعاقدين وكيلين أو أحدهما أصيلاً والثاني وكيلاً. فالأَصيل تتعلق به حقوق العقد بلا خلاف. سواء أكان بائعاً أم مشترياً زوجاً أم زوجة أجيراً أم مستأجراً بحسب نوع العقد.
وموضوع هذه القواعد فيما إذا كان كلاهما أو أحدهما وكيلاً، فهل تتعلق به حقوق العقد من دعوى أو تنازع أو رد بعيب أو استحقاق أو غير ذلك من حقوق العقد. أو أن الوكيل تنتهي علاقته بالعقد بمجرد تمامه
стр. 1642
وتنتقل حقوقه كلها للأصيل؟ خلاف.
فعند الحنفية: إن حقوق العقد تتعلق بالوكيل العاقد لا بالأَصيل، فهو مرجع المخاصمة لأنه السبب المباشر في العقد.
وأما عند الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى: فإن حقوق العقد تتعلق بالأَصيل الموكل لا بالوكيل؛ لأن الأصيل هو المستفيد الحقيقي من العقد لا الوكيل, لأن الوكيل مجرد واسطة تنتهي مهمته بإتمام العقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى الوكيل سلعة ثم ظهر بها عيب، أو باع سلعة ثم ظهر بها عيب أو استحقت، فعلى رأي الحنفية أن المخاصمة للوكيل معه.
وعند الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى للأصيل ومعه. (١)
ومنها: من وهب لعبد شيئاً أو باع لعبد، فالمخاصمة إنما تعود للعاقد وهو العبد، لا للمولى. عند أبي حنيفة ﵀.
ومنها: في شركة العنان إذا أقر أحد الشريكين بدين في تجارتهما، وأنكره الآخر، لزم المقر جميع الدين - إن كان هو الذي ولي الدين؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد وكيلاً كان أو مباشراً لنفسه - وأحد الشريكين في شركة العنان يعتبر وكيلاً لصاحبه في الشركة؛ لأن كل واحد من الشريكين يجعل عنان التصرف في بعض المال إلى صاحبه دون البعض. فكل واحد من الشريكين في شركة العنان يعتبر وكيلاً من جانب وأصيلاً من جانب آخر. (٢)
стр. 1643
القاعدة الرابعة والخمسون [الحقوق المجردة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحقوق المجردة لا يجوز الاعتياض عنها. (١)
وفي لفظ: لا يستحق العوض عن الحق الذي ليس بمتقوم. (٢) وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقوق قسمان: حقوق متقومة بالمال - أي لها قيمة مالية - وحقوق غير متقومة.
فالحقوق المتقومة يجوز الاعتياض عنها - أي أخذ عوضها -؛ لأن لها قيمة مالية.
وأما الحقوق غير المتقومة فلا يجوز الاعتياض عنها؛ لأنها حقوق مجردة، إنما شرعت ليتوصل بها إلى أمور أخرى، أو يدفع بها أضرار متوقعة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حق الشفعة حق مجرد، شرع لدفع ضرر متوقع من الشريك الجديد أو الجار. ولذلك لا يجوز الاعتياض عنه، فمن باع شفعته سقطت ولا يستحق شيئاً من المال.
ومنها: إذا شكت المرأة عِنّة زوجها، فبعد الإِمهال لها الخيار في
стр. 1644
البقاء والرضا بما قسم الله لها، أو أن تختار نفسها فيفسخ النكاح بينها وبين زوجها.
فإذا أرادت أن تتنازل عن خيارها مقابل مبلغ من المال يبذله لها زوجها ورضيت، سقط خيارها ولا تستحق العوض؛ لأن الخيار إنما شرع لها لدفع الضرر عنها، فإذا تنازلت عن خيارها لأجل المال تبين أنها راضية بالبقاء مع زوجها وأنه لا ضرر عليها, ولذلك سقط خيارها ولا تستحق المال.
ومنها: الكفيل بالنفس إذا صالح المكفول له بمال لم يصح ولم يجب المال، وفي بطلان الكفالة روايتان.
ومنها: بيع حق المرور في الطريق، وحق الشرب - أي مسيل الماء - في جواز بيعهما وحدهما روايتان والمعتمد عدم الجواز إلا تبعاً للأرض (١).
стр. 1645
القاعدة الخامسة والخمسون [الحقوق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الحقوق لا تقبل النقل إلى الغير. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقوق كثيرة متنوعة، منها: ما لا تقبل الإِسقاط ولا النقل ولا الإِرث كحق الرجوع في الهبة. وحق الزوج في الاستمتاع، وحق العاقلة في التأجيل، وحق الإِرث، وحق ولاية النكاح، وحق الحضانة.
ومنها: ما يقبل الإِسقاط والإِرث دون النقل كالحدود والقصاص والوصايا والولايات ونحوها.
ومنها: ما لا يقبل النقل ولا الإِرث كحق الوالدين ..
ومنها: ما لا يقبل النقل ولا الإِرث ويقبل الإِسقاط كالسبق إلى مقاعد الأسواق والمساجد وحق التقديم في الحِلَق.
ومنها: ما لا يقبل النقل ويقبل الإِسقاط وكذا الإرث على الأَصح كخيار المجلس. وأما خيار الثلاث - أي إذا قال: لي الخيار ثلاثة أيام - فيقبل الإِرث قطعاً والإسقاط دون النقل.
فمفاد القاعدة: أنه لا يوجد حق يقبل النقل من صاحبه إلى غيره. وإن وجدت حقوق تقبل الإِسقاط أو الإِرث.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
بيع الدين من غير مَن عليه الدين - إن قلنا إنه حق - لا يجوز؛ لأن
стр. 1646
الحقوق لا تقبل النقل إلى الغير. وإن قلنا إن هذا الدين مال. فيجوز. ولكن الأَصح الأول. فإن الدين هو حق في الذمة ولذلك لا يقبل النقل إلى غير مَن عليه الدين.
ومنها: مَن ثبت له حق القصاص لا يجوز نقله إلى غيره.
ومنها: مَن ثبت له حق الشفعة لا يجوز نقله إلى غيره.
стр. 1647
القاعدة السادسة والخمسون [حقيقة الأمر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
حقيقة الأمر للوجوب. (١) أصولية فقهية لغوية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأمر: هو الطلب بصيغة، افعل، وليفعل، على سبيل الاستعلاء. (٢)
فإذا وردت صيغة الأمر بدون قرينة صارفة كان المراد بها الوجوب قطعاً؛ لأن الأَصل في صيغة الأَمر الوجوب - وهو طلب الفعل الجازم.
وقد تخرج صيغة الأَمر عن الوجوب إذا دلت قرينة صارفة لها فتكون للإباحة أو الندب أو التهديد أو غير ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) صيغتا أمر دلتا على طلب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على سبيل الفرض والوجوب، لعدم الصارف.
ومنها قوله تعالى ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤) كلها صيغ أمر دلت على الوجوب قطعاً.
стр. 1648
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١) اصطادوا صيغة طلب دالة على الإِباحة لا على الوجوب؛ لأن الأَصل في الاصطياد الإِباحة، والأَمر بعد النهي يرجع الأَمر إلى ما كان عليه قبل النهي.
ومنها قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢) الأَمر هنا للندب والإِرشاد للأفضل، لا للوجوب للقرائن الكثيرة الصارفة.
стр. 1649
القاعدتان السابعة والخمسون والثامنة والخمسون [الحقيقة - العادة - دلالة الحال]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الحقيقة تترك بدلالة العادة.
وفي لفظ: الحقيقة تترك بدلالة الحال، وتترك بدلالة الاستعمال أو العادة. (١)
وفي لفظ: العلم بالحال يقوم مقام الاشتراط. (٢) وتأتي في حرف العين إن شاء الله.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الأَصل في الكلام الحقيقة، - أي أن الراجح عند السامع أن المخاطب يريد بكلامه حقيقة معنى ألفاظه. لكن هذه الحقيقة اللغوية قد تترك بدلالات تدل عليها.
فمفاد هاتين القاعدتين: أن مما تترك به الدلالة الحقيقية للكلام: دلالة العادة والعرف والاستعمال، كما تترك بدلالة الحال، ودلالة الشرع، وغير ذلك من الدلالات، وبخاصة في باب الأَيمان إن لم يكن للحالف نية.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا حلف لا يركب دابة، لا يحنث لو ركب كافراً، مع أن لفظ الدابة
стр. 1650
يطلق في اللغة على كل ما دب على الأرض، والله سمى الكفار دواباً، قال ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١). ولكن هذا المعنى مهجور عرفاً حيث لا يطلق لفظ الدابة في العرف إلا على ذوات الأربع مما يركب كالحصان والبغل والحمار.
ومنها: صيغ العقود كبعت واشتريت وتزوجت وتأجرت. حيث استعمل لفظ الماضي وأريد به المضارع لدلالة الاستعمال. وهكذا.