القاعدة التاسعة والسبعون [حكم الشيء وشرطه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
حكم الشيء يعقبه ولا يقترن به، بخلاف شرطه الذي يجب اقترانه به. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
حكم الشيء: ما يترتب على وجود ذلك الشيء. والمراد به الحكم الشرعي المترتب على تصرف المكلف من حل أو حرمة أو وجوب أو إباحة أو كراهة أو صحة أو فساد.
فمفاد القاعدة: أن وجود الحكم تابع لوجود الشيء فلا يسبقه الحكم ولا يقترن به ولا يصاحبه، وذلك خلاف لشرط الشيء، حيث إن الشرط يجب أن يسبق الفعل ويقترن به ليوجد حكمه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حل الاستمتاع بين الزوجين هو حكم العقد الصحيح بينهما. وشرط كون العقد صحيحاً مستوفياً أركانه وشروطه سابق لوجود الحكم ومقترن بالعقد.
ومنها: صحة الصلاة حكم مترتب على استيفاء الصلاة أركانها وشروطها المقترنة بها، كالطهارة واستقبال القبلة عند القدرة، وغير ذلك من شروطها.
ومنها: القبض في كل بيع إنما يستحق بالعقد، فهو حكم العقد لا شرطه كالملك، الذي قد يتأخر لوجود شرط الخيار لأحدهما.
стр. 1682
القاعدة الثمانون [العقد الفاسد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
حكم فاسد العقود حكم صحيحها في الضمان. (١)
وفي لفظ: فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه (٢) وتأتي في حرف الفاء إن شاء الله.
وفي لفظ: كل عقد يجب الضمان في صحيحه يجب الضمان في فاسده، وما لا فلا. (٣) وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله.
وفي لفظ: المقبوض في عقد فاسد كالمقبوض في العقد الصحيح فيها يرجع إلى الضمان وعدمه. (٤)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما يترتب على العقد الصحيح من وجوب ضمان المبيع عند التلف أو عدم ضمانه يترتب على العقد الفاسد أيضاً، والعقد الفاسد هو العقد الذي فقد أحد شروطه صحته ولم يصل إلى درجة البطلان.
ولكن يختلف ضمان الصحيح عن ضمان الفاسد، فإن ضمان العقد الصحيح إنما يكون بالثمن الذي سميا، وأما ضمان الفاسد فإنما يكون بالقيمة، ولذلك قالوا: المبيع فاسداً تضمن قيمته يوم قبضه لو قيمياً، وبمثله لو مثلياً لضمانه بقبضه كالمغصوب. (٥)
стр. 1683
فالصحيح والفاسد مستويان في أَصل الضمان لا في المقدار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استأجر الولي أجيراً على عمل للصبي إجارة فاسدة، فيكون الأُجرة على الولي لا في مال الصبي. وأما لو كانت الإجارة صحيحة ففي مال الصغير.
ومنها: باع سيارة مطلقة دون تحديد بعشرة آلاف ريال، كان هذا البيع فاسداً لجهالة السيارة حيث لم تحدد، فإن جاء البائع بسيارة وقبضها المشتري - مع فساد البيع - ثم تلفت في يده فعليه قيمتها يوم قبضها، لا الثمن الذي سميا.
ومنها: تزوجها بعقد فاسد فعليه مهر المثل لا المهر المسمى.
стр. 1684
القاعدة الحادية والثمانون [حكم فعل النائب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
حكم فعل النائب يظهر في حق المنوب عنه. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النائب والمنوب عنه: فرع وأصل كالوكيل والموكل.
فمفاد القاعدة: إذا فعل النائب فعلاً مما ناب فيه فيظهر حكم ذلك الفعل في حق الأصيل المنوب عنه لا في حق النائب؛ لأنه فرع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ناب عن غيره في أداء دينه، فقد برئت ذمه المدين وهو المنوب عنه.
ومنها: ناب عن معضوب - وهو غير القادر على الحج بنفسه - وأدى النسك، فقد برئت ذمة المعضوب.
ومنها: إذا ارتهن الكافر من الكافر خمراً، ووضعها على يدي مسلم عدل - كناية عن إيداعها عنده - وقبضها، فالرهن جائز؛ لأن العدل في القبض نائب عن المرتهن، والمرتهن من أهل العقد على الخمر، فيظهر أثر العقد في حقه. ولكن تنزع الخمر من يد المسلم؛ لأنه ممنوع من الاقتراب منها، إذ هو مأمور باجتنابها، فتنزع من يده وتوضع على يدي ذمي عدل.
стр. 1685
القاعدة الثانية والثمانون [حكم ما بعد الغاية]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها. (١)
وفي لفظ: حكم ما بعد الغاية بخلاف ما قبله. (٢) أصولية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الغاية معناها: النهاية. فغاية الشيء منتهاه، ومداه. وحروف الغاية (إلى، حتى).
فمفاد القاعدة: أن حكم ما بعد النهاية مخالف لحكم ما قبلها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣). فإن - إلى - حرف غاية وجر، ومفاد الآية أن حكم الليل مخالف لحكم النهار، فإذا كان النهار ظرفاً ووعاءً للصوم فالليل بخلافه، فيكون ظرفاً ووعاءً للإفطار.
ومنها قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٤)، فحكم طلوع الفجر وما بعده مخالف لحكم ما قبله بدليل وجود - حتى -.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٥) فللأكل والشرب غاية هي
стр. 1686
طلوع الفجر فبعد طلوع الفجر، لا أكل ولا شرب.
ومنها: إذا قال: بعتك هذه الأرض من هنا إلى هنا. تدخل البداية ولا تدخل النهاية.
ومنها: إذا حضنت المطلقة الولد - من ذكر أو أنثى - فإن ذلك مشروط بعدم زواجها، فإذا تزوجت فللوالد أن يأخذ منها الولد.
دخول المرفقين والكعبين في الوضوء عند غسل اليدين والرجلين وذلك ثابت بالإجماع؛ ولأن المرفق جزء من اليد لا غاية لها، وكذلك الكعب من الرجل. (١)
стр. 1687
القاعدة الثالثة والثمانون [حكم المعطوف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
حكم المعطوف حكم المعطوف عليه. (١) لغوية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعطوف والمعطوف عليه - بالواو أو الفاء أو ثم - مشتركان في الحكم، وإن كانا غيرين، فيأخذ المعطوف حكم المعطوف عليه نفياً أو إثباتاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قلنا: جاء زيد وعمرو، فقد اشتركا في المجيء. والواو هنا لمطلق الجمع.
وإن قلنا: جاء زيد فعمرو، فإن مجيء عمرو تال لمجيء زيد بغير مهلة - وهذا معنى قولهم: الفاء للترتيب والتعقيب.
وإن قلنا: جاء زيد ثم عمرو، فإن مجيء عمرو تال لمجيء زيد وبينهما مهلة.
ومنها: إذا قلنا: ما رأيت زيداً ولا عمراً. فقد نفيت رؤية كليهما.
стр. 1688
القاعدة الرابعة والثمانون [انفراد الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم إذا انفرد استند إلى سببه. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لكل حكم سبب ترتب عليه ذلك الحكم ونتج عنه، فإذا انفرد حكم بني على سببه، بخلاف ما إذا تعدد الحكم فيستند كل حكم إلى سببه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقر المريض - مرض الموت - بدين لأجنبي وعليه ديون أخرى، تحاص الغرماء (٢) في ماله. فإقراره لواحد ولآخرين تجمعها حالة واحدة وهي وحدة السبب وهي حالة المرض، فتعلق الديون كلها بماله في وقت واحد، وهو عند الموت حكم واحد استند إلى سبب واحد هو المرض فاستووا فيه.
ومنها: إذا جنى إنسان جنايتين خطأ على شخصين، وهاتان الجنايتان تعلقتا بماله، فالمال بين المجني عليهما؛ لأن تعلق الجنايتين بالمال حكم والسبب واحد وهو الجناية فاستويا فيها.
стр. 1689
القاعدة الخامسة والثمانون [الحكم الثابت بجملة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم إذا ثبت بجملة يبقى ببقاء الواحد. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بثبوت الحكم بجملة: أن يكون الحكم متعلقاً بجماعة.
فمفاد القاعدة: أن الحكم إذا ثبت متعلقاً بجماعة أو عدة أشخاص، فإنه يبقى نافذاً وسارياً ما دام قد بقي واحد من أولئك الجماعة الذين ثبت الحكم فيهم أو لهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كانت بلدة مسلمة ثم أرتد أهلها وبقي فيها مسلم واحد أو ذمي آمن فإنها لا تصير دار حرب، ولكن بشرط أن يقدر هذا المسلم على إظهار شعائر دينه، والذمي يكون آمناً بأمانه. وبشرط أن لا يعلن أهلها المرتدون الحرب على المسلمين، وإلا صارت دار حرب.
ومنها: إذا حاصر المسلمون حصناً ثم طلب أهل الحصن الأَمان من المسلمين مدة سنة مقابل مال يدفعونه، ورضى المسلمون بذلك، فلا يجوز للمسلمين أن يقاتلوا أهل هذا الحصن ما دام قد بقي من السنة المتفق عليها يوم واحد. أو لم يبق من أهل الحصن إلا رجل واحد.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا صالحت سرية أهل حصن على مال وأمنوهم - إلى أن ينصرفوا
стр. 1690
عنهم - فإن أهل الحصن آمنون حتى تنصرف عنهم السرية كلها. لكن إذا خرج الأمير - قائد السرية - مع جماعة القوم الذي لهم المنعة وبقي بعض أفراد السرية لم يخرجوا، فإن الأَمان قد تم وإن لم يخرج أولئك؛ لأن الباعث لأهل الحصن على التماس الصلح وأداء المال هو خوفهم من السرية وذلك باعتبار جماعتهم ومنعتهم، فبخروج الأمير مع جماعة القوم الذين لهم المنعة تم لهم ذلك.
فإذا جاءت سرية أخرى مع بقاء أولئك الأَفراد جاز لأهل السرية الثانية مقاتلة أهل الحصن من غير نبذ ومن غير رد المال؛ لأن الأَمان لأهل الحصن كان إلى غاية وهي خروج السرية الأولى إلى دار الإِسلام - ولم يكن أماناً عاماً، فانتهى الأمان بوجود الغاية وهي انصراف السرية الأولى. والسرية الثانية لم تدخل في الأَمان. ولذلك لا يلزمها. والحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها. كما في القاعدة التالية.
стр. 1691
القاعدة السادسة والثماثون [الحكم - العلة - السبب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها. (١)
وفي لفظ: الحكم يدور مع علته وجوداً أو عدماً. (٢)
وفي لفظ الحكم ينتهي بانتهاء علته. (٣)
وفي لفظ: لا يبقى الحكم مع زوال سببه. (٤) وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله تعالى
وفي لفظ: الحكم ينتفي لانتفاء سببه. (٥)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحكم لا بد أن يثبت بعلة، والمراد بالعلة: هنا السبب.
وإذا وجدت العلة أو السبب ثبت الحكم بها، فإذا زالت العلة أو السبب زال الحكم بزوالها وانتهى بانتهائها؛ لأن الحكم يدور مع علته وسببه وجوداً وعدماً.
وهذا ما يسميه الأصوليون مسلك الدوران، أو مسلك الاطَّراد والانعكاس.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
وجود النصاب علة وسبب لوجوب الزكاة، فإذا هلك قبل تمام
стр. 1692
الحول لم تجب.
ومنها: الجلالة (١) التي تأكل النجاسة قد نهى عنها النبي ﷺ (٢)، فإذا حبست حتى تطيب، كَانت حلالاً باتفاق المسلمين؛ لأن علة النهي والتحريم كانت النجاسة، فلما زالت صارت طاهرة.
ومنها: الخمر المنقلبة بنفسها إلى الخَلَّية تطهر باتفاق المسلمين، فإن النجاسة إذا زالت بأي وجه زال حكمها.
стр. 1693
القاعدة السابعة والثمانون [الحكم المعلق بالمشتق]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحكم إذا علق باسم مشتق من معنى فالمعنى الذي اشتق منه الاسم هو العلة للحكم. (١)
وفي لفظ: الحكم متى علق باسم مشتق فذلك المعنى هو الموجب للحكم. (٢)
وفي لفظ: الحكم إذا علق باسم مشتق فإنه يكون معلّلاً بها يكون منه الاشتقاق. (٣)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالاسم المشتق، الاسم المأخوذ من مصدر.
فمفاد هذه القواعد: أن الحكم إذا استند إلى اسم مشتق من مصدر وبني عليه فإن المعنى الذي يدل عليه مصدر الاشتقاق يكون هو العلة والسبب للحكم، والموجب له، وهو المسمى في عرف الأصوليين الوصف المناسب للحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤)، السارق اسم مشتق من السرقة فالسرقة علة وسبب القطع. ولو لم تكن علة لخلا الكلام عن الفائدة.
стр. 1694
ومنها: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (١) فالزانية والزاني اسم مشتق من الزنا؛ فالزنا علة وسبب الجلد وإقامة الحد.
ومنها: قوله ﵊: "الجار أحق بصقبه أو بسقبه". (٢) أي بشفعته، فإن الجار اسم مشتق من الجوار والمجاورة، فالجوار علة وسبب لطلب الشفعة.
стр. 1695
القاعدة الثامنة والثمانون [الحكم - الشرط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحكم بعد وجود السبب يتوقف على وجود شرطه. (١)
وفي لفظ: الحكم بعد وجود السبب لا يثبت قبل وجود الشرط. (٢)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
كل حكم مرتبط بسببه وعلته فإذا وجد السبب وجد الحكم لا محالة، ولكن ثبوت هذا الحكم وتحققه متعلق بوجود شرطه، فما لم يوجد شرطه لا يثبت، بمعنى: أنه لا يجب عليه ولا يطالب به، وإما أنه يجب عليه ويتعلق بذمته ولكن لا يقبل منه ولا يجوز له فعله، إلا بوجود شرطه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قطاع الطرق إن أخذوا المال ولم يَقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولم يُقتلوا؛ لأن القتل شرط لوجوب القتل عليهم. ولو قَتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يقطعوا.
ومنها: إخراج الزكاة لا يجب قبل وجود الشرط وهو الحول، وإن وجد النصاب فبتمام النصاب وجبت الزكاة في المال، ولكن لا يجب إخراجها ولا يطالب بها المزكي ما لم يحل على النصاب الحول.
ومنها: الصلاة بعد دخول وقتها وجبت وتعلقت بذمة المكلف، ولكن لا يجوز له أداؤها إلا بعد استيفاء شروطها من الطهارة والقبلة عند الاختيار، وغير ذلك من شروطها.
стр. 1696
ومنها: إحياء الموات سبب لتملكه، ولكن أبا حنيفة اشترط إذن الإمام فالملك التام للمحيي لا يتم إلا بإذن الإمام عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافاً لصاحبيه وباقي الأئمة حيث لا يشترطون إذن الإمام.
стр. 1697
القاعدة التاسعة والثمانون [العلة ذات الوصفين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحكم الثابت بعلة ذات وصفين إنما يثبت عند ثبوت الوصفين جميعاً. (١)
وفي لفظ: الحكم المعلق بعلة ذات وصفين يحال به على آخر الوصفين وجوداً. (٢)
وفي لفظ مقابل: الحكم الثابت بعلة ذات وصفين ينعدم بانعدام أحد الوصفين. (٣)
وفي لفظ: الحكم إذا تعلق بعلة ذات وصفين يضاف إلى آخرهما وجوداً، والحكم الثابت بعلة ذات وصفين يزول بزوال أحدهما. (٤)
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد وإن اختلفت صيغ ورودها فدلالاتها متحدة.
ومفادها:
١. أن الحكم يجوز أن يعلق ويبنى على علة ذات وصفين أو أكثر.
٢. أن الحكم إنما يثبت إذا وجد وتحقق الوصفان، والحكم إنما يتم بوجود الوصف الثاني بعد الأَول. إذن لا بد من وجود الوصفين معاً.
٣. وأن الحكم إذا ثبت بالعلة ذات الوصفين فإنه ينعدم بانعدام أحدهما ولو بقي الآخر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
ثبوت الميراث معلق بالنسب - أو الزوجية والموت -. فلا يستحق إلا بالموت.
стр. 1698
ومنها: إذا علق طلاق زوجته بالخروج وتكليم فلان، فلا يقع الطلاق إلا إذا خرجت وكلمت ذلك الشخص. فلو خرجت دون أن تكلمه لا يقع الطلاق.
ومنها: القرابة مع الملك علة العتق. فأما القرابة وحدها فلا تكون علة للعتق، كملك المكاتب قريبه - أباه أو ابنه أو أمه أو أخته - فلا يعتق عليه؛ لأنه لا ملك للمكاتب حقيقة بل له كسب حتى يعتق.
стр. 1699
القاعدة التسعون [الحكم المنصوص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم الثابت بالنص يجوز إثباته فيما ليس في معنى المنصوص. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ثبت حكم بنص من كتاب أو سنة أو إجماع فلا يجوز إثبات هذا الحكم في غير المنصوص قياساً عليه إلا إذا كان غير المنصوص في معنى المنصوص، بأن وجدت علته بعينها في غير المنصوص حتى يصح القياس. هذا عند جماهير الفقهاء الذين يرون أن الأحكام الشرعية - غير التعبدية - معللة. خلافاً للظاهرية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا دل محرم آخر أو حلالاً على صيد فقتله المدلول، فهل على الدال جزاءً؟ عند الحنفية وأحمد ﵀ (٢) عليه جزاء كقاتل الصيد سواءً، استناداً إلى آثار عن الصحابة ﵃.
وأما عند الشافعي ﵀ فلا جزاء على الدال وإن كان مسيئاً (٣)؛ لأن جزاء الصيد إنما وجب بقتله بالنص في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ
стр. 1700
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١) والدلالة ليست في معنى القتل؛ لأن الحكم الثابت بنص لا يجوز إثباته فيما ليس في معنى المنصوص.
وعند مالك ﵀: لا جزاء على الدال ولكنه آثم. (٢)
стр. 1701
القاعدة الحادية والتسعون [الحكم - تمام السبب وأوله]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم عند تمام سببه يثبت من أول السبب. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا تم سبب الحكم بشروطه، وكان بين بدء السبب وتمامه مدة أو فترة زمنية، فإن الحكم يعتبر منذ بدء السبب لا عند تمامه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
البيع بشرط الخيار إذا أجيز من قبل من له الخيار ثبت الملك به من وقت العقد، فتهون زوائد المبيع في فترة الخيار ملكاً للمشتري لا للبائع، وإن كانت هذه الزوائد وجدت قبل تسليم المبيع للمشتري، سواء كان الخيار للبائع أم للمشتري.
ومنها: إذا عقد رئيس حصن هدنة أو صلحاً مع المسلمين واشترط مشاورة رؤوس أهل الحصن، فإذا حصلت الموافقة فتعتبر الهدنة أو الصلح نافذاً من تاريخ الاتفاق لا من بعد وقت المشاورة، إلا إذا اشترط خلاف ذلك.
стр. 1702
القاعدة الثانية والتسعون والثالثة والتسعون [الحكم في الفرع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحكم في التبع لا يثبت ابتداء، بل بثبوته في الأصل يظهر في التبع (١)
وفي لفظ: الحكم في الفرع يثبت على الوجه الذي يثبت في الأصل (٢)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
سبق أمثال هاتين القاعدتين
ومفادهما: أن التابع أو الفرع له ميزتان؛ الأولى: أن الحكم لا يثبت فيه ابتداءً وإنما يثبت أولاً في الأصل ثم يظهر في التبع والفرع.
والميزة الثانية: أن الحكم الثابت في الفرع إنما يثبت بناء على ثبوته في الأَصل وعلى الوجه الذي ثبت في الأَصل.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا باع بقرة حاملاً فيثبت البيع في جنينها تبعاً لها، ولا يجوز أن يفرد جنينها بالبيع، كما لا يجوز أن يباع جنينها أولاً ثم هي بعد ذلك.
وإذا بيعت بشرط الخيار أو بثمن مؤجل ثبت ذلك في جنينها أيضاً.
ومنها: الحكم فيما يقاس على الأَموال الربوية الستة هو نفس الحكم فيها أيضاً.
ومنها: إذا أخذت أسيرة كافرة حبلى فهي فِيء تسترق وجنينها تَبَعٌ لها.
стр. 1703
القاعدة الرابعة والتسعون [الحَكَم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكَم كالقاضي. (١)
سبق معنى الحَكَم
ومفاد هذه القاعدة: أن الحَكَم في قبول أحكامه ولزومها لمن حكماه كالقاضي في ذلك. وليس للمحكمين أو أحدهما رد أحكامه بعد أن تراضوا به حَكَماً.
ولكن حكم الحَكَم يختلف عن حكم القاضي في مسائل عدها ابن نجيم أربع عشرة مسألة، ويختلف عن القاضي في أن حكمه لا يتعدى المحكمين له. إلا في مسألة نذكرها مما استثني.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حكم اثنان حَكَماً بينهما في قسمة أرض أو عقار أو خلاف أو مال، فقسمه بينهما أو حكم في الخلاف وجب عليهما قبول حكمه إلا إذا تبين فيه خطأ فاحش.
ومنها: إذا حكم الزوجان حَكَمين من أهلها وأهله فحكما بالتفريق بينهما جاز عليهما، وإن حكما بعدم التفريق وألزما الزوجين أو أحدهما شيئاً لزم.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا حَكم الشريك وغريم له حَكَماً، فحكم الحَكَم بينهما وألزم الشريك شيئاً من المال المشترك - بعد حكمه على الشريك - تعدى هذا الحكم إلى الغائب وهو الشريك الآخر؛ لأن حكمه بمنزلة الصلح وهو من صنيع التجار ولذلك جاز.
стр. 1704
القاعدة الخامسة والتسعون [ثبوت الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم لا يثبت إلا بنص أو قياس أو إجماع. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالحكم: الحكم الشرعي
فمفاد القاعدة: أن الحكم الشرعي لا يثبت في حق العباد إلا مستنداً إلى دليل من الأَدلة الشرعية، وهي: نصوص الكتاب والسنة والقياس عليهما والإِجماع من مجتهدي الأمة.
ولا يجوز أن يصدر حكم عن هوى أو غاية أو غرض غير مبني على دليل شرعي وإلا كان حكماً باطلاً غير ملزم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجوز لحاكم مسلم أن يحرَّم ما أحل الله أو يحلل ما حرَّم.
ومنها: إذا أصدر حاكم حكماً يحعل حد الزنا خمسين جلدة للمحصن أو رجماً للبكر، أو لم يعتبر الزنا جريمة تستحق العقوبة إذا كانت بالتراضي.
فكل ذلك أحكام باطلة لأنها مخالفة للنصوص الشرعية الثابتة.
ومنها: إذا أَصدر حاكم مسلم لبلد مسلم أمرا بأخذ الجزية من المسلمين من غير أرضه مقابل سكناهم في بلده فهذا حكم باطل مخالف لشرع الله حيث لا يجوز فرض الجزية على مسلم في أرض الإِسلام مقابل سكناه في بلد غير بلده.
стр. 1705
القاعدة السادسة والتسعون [عود الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم لا يعود بعد زواله إلا بسبب جديد. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لكل حكم سبب ترتب عليه وجوده، والأَصل أن الحكم يزول بزوال سببه كما سبق بيانه.
فمفاد القاعدة: أنه إذا زال حكم وانقضى بزوال سببه وانقضائه، أنه لا يعود هذا الحكم إلا بسبب جديد، لا بالسبب الزائل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا زنا إنسان وأقيم عليه حد الزنا مرة، فلا يجوز إقامة الحد عليه مرة أخرى إلا بسبب جديد، كأن يزني مرة ثانية.
ومنها: إذا عقد إنسان عقد نكاح على إمرأة، فلا يجوز له أن يعقد عليها مرة أخرى، ولا يجدد العقد إلا إذا طلقها وانقضت عدتها الرجعية دون مراجعة أو في عدتها إذا كانت عدة بينونة صغرى، أو بعد زوج آخر إذا كانت بينونة كبرى.
ومنها: إذا نزع خفيه قبل انتهاء مدة المسح فقد بطلت طهارته وانتقض وضوؤه، فلا يعود إلا بسبب جديد هو إعادة الطهر والوضوء بالماء.
стр. 1706
القاعدة السابعة والتسعون [حكم الخارج]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم للخارج دون المَخْرَج (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تتعلق هذه القاعدة بموجب الحدث الناقض للطهارة.
فهل المعتبر في الحدث والناقض للطهارة المَخْرَج: كما هو رأي الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى.
أو المعتبر الخارج دون المخرج - قليلاً كان أو كثيراً - كما هو رأي الحنفية، وحكي عن أحمد ﵀؛
فهذه القاعدة تمثل رأي الحنفية في ذلك، إذ يعتبرون أن العبرة في الناقض هو الخارج دون مَخرَجه.
وعند أحمد ﵀ ينقض النجس الخارج من غير السبيلين إذا كان كثيراً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الخارج من السبيلين قليله وكثيره ينقض باتفاق.
والخارج من غير السبيلين - سواء أكان غائطاً أم بولاً أم دماً فهو ناقض عند الحنفية - سواء قل أم كثر. والراجح عند الحنابلة النقض إذا كان كثيراً (٢).
стр. 1707
وهو غير ناقض عند مالك (١) والشافعي (٢) رحمهما الله تعالى؛ لأنه خارج من غير المخرج فلم ينقض كالبصاق؛ ولأنه لا نص فيه.
ومنها: إذا سدت مثانة إنسان فسحب بوله بإبرة من بطنه فعند الحنفية والراجح عند الحنابلة تنقض طهارته، وأما عند مالك والشافعي لا تنقض؛ لأنه خارج من غير المخرج.
стр. 1708
القاعدة الثامنة والتسعون [الغالب والنادر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحكم للغالب. والنادر لا يظهر في مقابلة الغالب. (١)
وفي لفظ: الحكم يبنى على الغالب دون النادر. (٢)
وفي لفظ: الحكم ينبني على العام الغالب دون الشاذ النادر. (٣)
وفي لفظ: الحكم للغلبية، والمغلوب لا يظهر حكمه مع الغالب. (٤)
وفي لفظ: الحكم يبنى على ما هو الغالب منه المراد منه الأمور. (٥)
وفي لفظ: الحمل على الغالب والأغلب. (٦)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالغالب والأغلب: هو ما يكثر وقوعه على مقابله وهو أكثر الأَشياء، فالغالب هو الكثير. وهذه القواعد معقولة المعنى حيث إن الأَحكام الشرعية إنما تنبني على الغالب الأكَثري دون القليل النادر، فإن النادر الشاذ في الشرع لا حكم له، بجانب الكثير الغالب. فالمغلوب مغلوب.
والأَصل في الشرع حمل الأمور والأَحكام على ما يكثر وقوعه لا على ما يقل ويندر.
стр. 1709
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من باع بدراهم أو دنانير أو نقد غير معين ولا موصوف، انصرف ذلك إلى غالب نقد البلد.
ومنها: من مَلَك خمساً من الإبل سنة لزمه فيها شاة من غالب شياه البلد أو من أغلبها.
ومنها: إبل الدية في مال الجاني - إذا كان القتل عمداً - أو على العاقلة إن كان خطأ يجب من غالب إبل البلد أو من أغلبها.
ومنها: من باشر زوجته وليس بينهما ثوب فانتشر لها فعليه الوضوء، استحساناً, لأن الغالب من حال من بلغ في المباشرة هذا المبلغ خروج المذي منه حقيقة، فيجعل كالممذي بناءً للحكم على الغالب.
ومنها: نوم المضطجع جعل حدثاً على الغالب لزوال الاستمساك.
ومنها: اعتبر سكوت البكر رضاءً لأجل الحياء، بناء على الغالب من حال البكر.
ومنها: صلاة المسافر في السفينة قاعداً مع قدرته على القيام, لأن الغالب دوران رأس القائم. وهذا رأي أبي حنيفة ﵀، وعند صاحبيه لا يجوز صلاته الفريضة قاعداً مع قدرته على القيام لأن السفينة كالبيت في حق المسافر.
ولكن أقول وبالله التوفيق: إذا كانت السفينة صغيرة والراكب لا يحتمل دوار البحر أو كان البحر هائجاً فيقدم رأي أبي حنيفة ﵀. وأما إن كانت السفينة كبيرة كسفن هذا العصر، أو كان البحر هادئاً ولا يخشى الراكب الدوار فيجب عليه الصلاة قائماً، كما هو رأي الصاحبين.
ومنها: أنه لا يجوز الدخول لدار الحرب بما ينتفع به أهل الحرب في قتال المسلمين كالسلاح والحديد والركائب, لأن ذلك يتقوى به على القتال. وأما ما ليس بسلاح بعينه فإن كان الغالب عليه أنه يراد للسلاح -
стр. 1710
وقد يراد لغير السلاح - فلا يجوز إدخال ذلك إليهم, لأن الحكم للغالب.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
قالوا: إن بقاء الولد في بطن أمه أربع سنين نادر جداً، وإذا أتت به المرأة هذه المدة من حين فارقت الزوج إما لغيبة أو بطلاق - لحقه - أي نسب الولد للزوج المفارق. ولم تعتبر الغلبة في أمثاله.
ومنها: إذا أتت به لستة أشهر ولحظتين من حين الدخول لحق بالزوج مع أن ذلك نادر جداً والغالب خلافه. ولكن الشارع أعمل النادر في هاتين الصورتين ستراً للعباد ورحمة بهم. (١)
ومنها الغالب على ثياب الصبيان النجاسة - لا سيما مع طول لبسهم لها - والنادر سلامتها وقد جاءت السنة (بصلاته ﵇ بأمامة يحملها في الصلاة). إلغاء لحكم الغالب وإثباتاً لحكم النادر لطفاً بالعباد. (٢)
стр. 1711
القاعدة التاسعة والتسعون [الحكم والسبب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
حكم الشيء يعقبه ولا يقترن به (١). وقد سبقت تحت رقم ٧٩.
وفي لفظ: الحكم لا يسبق سببه. (٢) ولا أوانه (٣).
وفي لفظ: الحكم متى ظهر عقب سببه يحال عليه. (٤)
وفي لفظ: الحكم ينبني على أصل السبب لا على الأحوال. (٥)
وفي لفظ: الأصل أن الحكم متى ظهر عقيب سبب يحال على ذلك السبب. (٦) وقد سبقت في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٣٢٣.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحكم لا بد وأن يبنى على سبب سابق لوجوده وعلة متقدمة عليه، فوجود الحكم مترتب على وجود السبب، من حيث إن الحكم لا يسبق سببه ولا يقترن به، بل لا بد من تأخره عنه. وإن الحكم متى ظهر أو متى ورد بعد سبب فإنه يحال عليه، أي يبنى عليه ويعتبر علة له.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن سرق تقطع يده فالسرقة بشروطها سبب، ووجوب القطع حكم، ولا يمكن أن يقدم القطع على السرقة، ولا الحد على الجريمة.
стр. 1712
ومنها: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث قبل وجود اليمين لأن اليمين بشرط الحنث - سبب للكفارة. ولكن يجوز تقديم الكفارة على الحنث بعد وجود اليمين؛ لأنه يجوز تقديم الحكم على شرطه.
ومنها: لا يجوز إخراج الزكاة قبل وجود النصاب. وإن كان يجوز إخراجها قبل الحول بعد وجود النصاب، إذ يجوز تقدم الحكم على شرطه دون سببه.
ومنها: إذا رمى صيداً فأصابه، ثم ترك طلبه إلى عمل آخر، ثم طلبه فوجده ميتاً، فعند الحنفية لا يؤكل لاحتمال موته بسبب آخر. وعند أحمد ﵀ روايتان. (١)
وعند الشافعي ﵀ يؤكل لأن الموت يحال على سببه. (٢)
стр. 1713
القاعدة المئة [تعدي الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم متى ثبت في حادثة بالنص - وعرف المعنى فيه - تعدى الحكم بذلك المعنى إلى الفرع. (١) أصولية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ثبت حكم في مسألة بعينها بنص شرعي من كتاب أو سنة، وكان هذا النص معللاً وعرفنا علته - وهذا معنى قوله: وعرف المعنى فيه - إذ المراد بالمعنى العلة، أو الوصف المناسب لتشريع الحكم - ففي هذه الحال فإن حكم هذا النص يتعدى بتلك العلة إلى كل مسألة لا نص فيها، وجد فيها تلك العلة. وهذا هو القياس الأصولي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قفيز الطحان (٢) وما يقاس عليه مثل: من عصر سمسماً أو زيتوناً
стр. 1714
بجزء منه، أو ذبح شاة بشيء من لحمها، فلا يجوز قياساً على قفيز الطحان.
والمراد بقفيز الطحان: أحد أمرين: إما أن يقول صاحب الحب للطحان: اطحن بكذا وكذا بزيادة قفيز من نفس الطحن. وإما أن يطحن الصبرة لا يعلم مكيلها بقفيز منها. (١)
ومنها: من أعطى حائكاً قطناً أو صوفاً ينسجه بقطعة منه، فهذا لا يجوز قياساً على قفيز الطحان.
ومنها: قياس الأموال الربوية كالأرز والذرة والدخن وغيرها على الأَصناف التي ذكرها رسول الله ﷺ وهي الذهب والفضة والبر والتمر. الحديث. لوجود العلة وهي الوزن في الذهب والفضة، والكيل في البر وأخواته، أو الطعم والادخار.
стр. 1715
القاعدة الواحدة بعد المئة [الحكم المطلق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم المطلق لا يزيله إلا الذي أثبته (١). وهو الشرع.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالحكم المطلق: الحكم العام الذي حكم به الله بالحل والحرمة، دون تقييده بمسألة جزئية أو عين مخصوصة أو حالة معينة. مثل: حل البيع وحرمة الربا الثابت بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣). ففي هاتين الآيتين أحكام كلية ثابتة.
فمفاد القاعدة: أن الأحكام الكلية الثابتة لا ينسخها إلا حكم من الله .
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تزوج رجل من امرأة معينة. فهذه مسألة جزئية أثبتها المكلف؛ لأنه هو الذي اختار هذه المرأة بالذات لتكون زوجة له دون غيرها. ولكن كون هذه المرأة حلال هذا الزوج حراماً على غيره من الرجال لم يشرعها
стр. 1716
الشرع شرعاً جزئياً، وإنما شرعها شرعاً كلياً وحكم الشارع الكلي ثابت سواء وجد هذا الزوج المعين أم لم يوجد.
ومنها: إذا اشترى عيناً فالشارع أحلَّها لهُ وحرَّمها على غيره؛ لإثباته سبب ذلك الملك الثابت بالبيع، ولم يحرم الشارع عليه رفع ذلك فله أن يرفع ما أثبته في هذه العين المقيدة على أي وجه أحب ما لم يحرمه الشارع عليه.
стр. 1717
القاعدة الثانية بعد المئة [الحكم - السبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم يبنى على السبب (١)
وفي لفظ: الحكم يثبت بالسبب. (٢)
وفي لفظ: السبب يسبق الحكم. (٣) وتأتي في قواعد حرف السين إن شاء الله تعالى.
وفي لفظ: القضاء بإعتبار السبب. (٤) وتأتي في قواعد حرف القاف إن شاء الله تعالى.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحكم مسبب. ولا بد لكل حكم من سبب، سواء أكان ذلك الحكم تعبدياً أم غير تعبدي. ولا بد أن يسبق السببُ الحكمَ - كما تقدم بيانه - لابتنائه عليه، ولأن السبب يسبق وجوده المسبب عقلا وعادة وشرعاً. فلا يمكن أن يسبق المسبب سببه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
الحدث ناقض للطهارة. فالنقض مسبب عن الحدث، والحدث
стр. 1718
سبب، ولا يمكن أن يثبت النقض قبل الحدث.
ومنها: سبب وجوب الصلاة الوقت، فلا يمكن أن تقع صلاة صحيحة قبل دخول وقتها.
ومنها: دخول رمضان سبب الصوم، ولا يمكن أن يسبق الصوم شهر رمضان ويكون فرضاً عنه.
ومنها: القتل العمد العدوان سبب للقصاص، ولا يمكن أن يثبت القصاص قبل القتل.
ومنها: النصاب سبب لوجوب الزكاة فلا يمكن أن يثبت الوجوب قبل وجود النصاب.
ومنها: العقد سبب حِلَّ البدلين، فلا يجوز أن يسبق الحِلُّ العقد.
ومنها: عقد النكاح سبب حل الاستمتاع بين الزوجين فلا يحل الاستمتاع قبل العقد.
ومنها: الطلاق سبب الفرقة فلا تكون الفرقة قبل الطلاق أو قَبْل سبب موجب لها.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة وبني الحكم على الشرط لا السبب:
إذا حفر إنسان بئراً في طريق العامة فسقطت فيها دابة أو إنسان. فعلى الحافر قيمتها ودية الإنسان، وإن لم يكن مباشراً, لأن الحافر بفعله أزال ما يمسك الدابة أو الإنسان على سطح الأرض، وإزالة المستمسَك شرط الوقوع. والسبب هو ثقل الماشي نفسه، لكن لا يمكن إضافة الحكم إليه لأنه ليس من صنعه، فأضيف الحكم إلى الشرط مجازاً، وهو إزالة المسكة
стр. 1719
بالحفر. (١)
ولكن يمكن أن يستدرك فيقال: إلا إذا ثبت أن الساقط قد ألقى بنفسه في البئر إذا كان إنساناً. أو أن الحافر قد فعل كل ما في وسعه لينبه السائرين على وجود البئر أو الحفرة، وأنه قام بتنفيذ ما طلبت منه الجهات المعنية لكي يسمحوا له بالحفر في الطريق العامة. ففي هاتين الحالتين لا يتحمل الحافر خطأ غيره.
стр. 1720
القاعدة الثالثة بعد المئة [الحكم - الحاجة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم يثبت بحسب الحاجة. (١)
وفي لفظ: الحكم مع الحاجة يخالف الحكم مع عدم الحاجة. (٢)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
إن ثبوت الأحكام الشرعية إنما يكون مقدراً بالحاجة إلى ذلك الحكم - أي في دائرته التي يمكن أن يظهر فيما نفوذه ولا يتعداها إلى خارجها.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال لزوجته: إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك. فقالت: حضت. فالقياس أن يقع الطلاق عليها وعلى فلانة معها؛ لأن قولها: حضت. حجة تامة فيما لا يعلمه غيرها، فيكون ثبوت هذا الشرط كثبوت شرط آخر بالبينة أو بتصديق الزوج.
ولكن قالت الحنفية: إنه لا يقع على الأُخرى شيء حتى يعلم أنها قد حاضت؛ لأن في ذلك حق الضرة، وهي ما سلطتها ولا رضيت بخبرها في حق نفسها.
ومنها: الملك المستحق إذا ثبت بإقرار المشتري لم يرجع على البائع بالثمن, لأنه اشتراه وهو يعلم أنه مستحق، فبإقراره أثبت حق المستحق للمبيع، ولا يُلزم إقراره البائع بإرجاع الثمن, لأن الإقرار حجة قاصرة