الشرع شرعاً جزئياً، وإنما شرعها شرعاً كلياً وحكم الشارع الكلي ثابت سواء وجد هذا الزوج المعين أم لم يوجد.
ومنها: إذا اشترى عيناً فالشارع أحلَّها لهُ وحرَّمها على غيره؛ لإثباته سبب ذلك الملك الثابت بالبيع، ولم يحرم الشارع عليه رفع ذلك فله أن يرفع ما أثبته في هذه العين المقيدة على أي وجه أحب ما لم يحرمه الشارع عليه.
стр. 1717
القاعدة الثانية بعد المئة [الحكم - السبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم يبنى على السبب (١)
وفي لفظ: الحكم يثبت بالسبب. (٢)
وفي لفظ: السبب يسبق الحكم. (٣) وتأتي في قواعد حرف السين إن شاء الله تعالى.
وفي لفظ: القضاء بإعتبار السبب. (٤) وتأتي في قواعد حرف القاف إن شاء الله تعالى.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحكم مسبب. ولا بد لكل حكم من سبب، سواء أكان ذلك الحكم تعبدياً أم غير تعبدي. ولا بد أن يسبق السببُ الحكمَ - كما تقدم بيانه - لابتنائه عليه، ولأن السبب يسبق وجوده المسبب عقلا وعادة وشرعاً. فلا يمكن أن يسبق المسبب سببه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
الحدث ناقض للطهارة. فالنقض مسبب عن الحدث، والحدث
стр. 1718
سبب، ولا يمكن أن يثبت النقض قبل الحدث.
ومنها: سبب وجوب الصلاة الوقت، فلا يمكن أن تقع صلاة صحيحة قبل دخول وقتها.
ومنها: دخول رمضان سبب الصوم، ولا يمكن أن يسبق الصوم شهر رمضان ويكون فرضاً عنه.
ومنها: القتل العمد العدوان سبب للقصاص، ولا يمكن أن يثبت القصاص قبل القتل.
ومنها: النصاب سبب لوجوب الزكاة فلا يمكن أن يثبت الوجوب قبل وجود النصاب.
ومنها: العقد سبب حِلَّ البدلين، فلا يجوز أن يسبق الحِلُّ العقد.
ومنها: عقد النكاح سبب حل الاستمتاع بين الزوجين فلا يحل الاستمتاع قبل العقد.
ومنها: الطلاق سبب الفرقة فلا تكون الفرقة قبل الطلاق أو قَبْل سبب موجب لها.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة وبني الحكم على الشرط لا السبب:
إذا حفر إنسان بئراً في طريق العامة فسقطت فيها دابة أو إنسان. فعلى الحافر قيمتها ودية الإنسان، وإن لم يكن مباشراً, لأن الحافر بفعله أزال ما يمسك الدابة أو الإنسان على سطح الأرض، وإزالة المستمسَك شرط الوقوع. والسبب هو ثقل الماشي نفسه، لكن لا يمكن إضافة الحكم إليه لأنه ليس من صنعه، فأضيف الحكم إلى الشرط مجازاً، وهو إزالة المسكة
стр. 1719
بالحفر. (١)
ولكن يمكن أن يستدرك فيقال: إلا إذا ثبت أن الساقط قد ألقى بنفسه في البئر إذا كان إنساناً. أو أن الحافر قد فعل كل ما في وسعه لينبه السائرين على وجود البئر أو الحفرة، وأنه قام بتنفيذ ما طلبت منه الجهات المعنية لكي يسمحوا له بالحفر في الطريق العامة. ففي هاتين الحالتين لا يتحمل الحافر خطأ غيره.
стр. 1720
القاعدة الثالثة بعد المئة [الحكم - الحاجة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم يثبت بحسب الحاجة. (١)
وفي لفظ: الحكم مع الحاجة يخالف الحكم مع عدم الحاجة. (٢)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
إن ثبوت الأحكام الشرعية إنما يكون مقدراً بالحاجة إلى ذلك الحكم - أي في دائرته التي يمكن أن يظهر فيما نفوذه ولا يتعداها إلى خارجها.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال لزوجته: إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك. فقالت: حضت. فالقياس أن يقع الطلاق عليها وعلى فلانة معها؛ لأن قولها: حضت. حجة تامة فيما لا يعلمه غيرها، فيكون ثبوت هذا الشرط كثبوت شرط آخر بالبينة أو بتصديق الزوج.
ولكن قالت الحنفية: إنه لا يقع على الأُخرى شيء حتى يعلم أنها قد حاضت؛ لأن في ذلك حق الضرة، وهي ما سلطتها ولا رضيت بخبرها في حق نفسها.
ومنها: الملك المستحق إذا ثبت بإقرار المشتري لم يرجع على البائع بالثمن, لأنه اشتراه وهو يعلم أنه مستحق، فبإقراره أثبت حق المستحق للمبيع، ولا يُلزم إقراره البائع بإرجاع الثمن, لأن الإقرار حجة قاصرة
стр. 1721
على المقر ولا تتعداه إلى غيره.
ومنها: إذا شهد امرأتان ورجل بالسرقة، ثبت المال لصاحبه ولم يثبت القطع؛ لأن الحدود لا يقبل فيها شهادة النساء. فقبلت شهادتهن بالمال دون القطع؛ لأن الحكم بحسب الحاجة.
ومنها: إذا كان الإِمام يعتقد طهارته وكان محدثاً أو جنباً فهو معذور في الإمامة والمأموم معذور في الائتمام على قول مالك وأحمد وغيرهما، ولكن على الإِمام الإِعادة لأنه مخطئ في الاعتقاد فخطؤه عليه فيعيد. وأما المأمومون فصلاتهم صحيحة، إذ لهم هذه الصلاة وليس عليهم من خطأ الإِمام شيء؛ لأن حكم الصلاة مع الحاجة يخالف حكمها مع عدم الحاجة.
ومنها: تحصيل الجماعة في صلاة الخوف والمرض ونحوهما مع استدبار القبلة والعمل الكثير ومفارقة الإمام، ومع ترك المريض القيام أولى من أن يصلوا وحداناً. (١)
стр. 1722
القواعد الرابعة والخامسة والسادسة بعد المئة
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحكم إذا حصل عقيب علل يضاف جميعه إلى كل علة. (١)
وفي لفظ: الحكم لا يثبت بدون سبب. (٢)
وفي لفظ: الحكم متى ظهر عقيب سبب ظاهر يحال به على ذلك السبب. (٣)
وفي لفظ: الحكم يثبت بحسب العلة. (٤)
وفي لفظ: الحكم يضاف إلى السبب دون المحل. (٥)
وفي لفظ: الحكم يضاف إلى علته حقيقة وإلى الشرط مجازاً. (٦)
وفي لفظ: الحكم يضاف إلى الشرط مجازاً عند تعذر إضافته إلى السبب. (٧)
وفي لفظ: يضاف الحكم إلى الشرط عند عدم صلاحية العلة لذلك. (٨) وتأتي في حرف الياء إن شاء الله.
وفي لفظ: إنما يثبت الحكم بثبوت السبب. (٩) وقد سبقت في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٦٤٢.
стр. 1723
وفي لفظ: إنما يضاف الحكم إلى الشرط إذا تعذر إضافته إلى السبب. (١) [الحكم - السبب - العلة - الشرط]
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تنقسم إلى قسمين، الأول: مفاده أن الحكم إنما يضاف ويحال إلى سببه وعلته كما تقدم في أكثر من قاعدة. وهذا مدلول القواعد الخمس الأولى مع التاسعة.
والقسم الثاني: مفاده: أن الحكم إذا لم يصلح إضافته إلى العلة والسبب وتعذر ذلك السبب بسبب من الأسباب، فإنما يحال به على الشرط، وتكون إضافة الحكم إلى الشرط على طريق المجاز, لأن الحقيقة إضافته إلى سببه وعلته لا إلى شرطه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
من طلق زوجته في مرض موته - القياس أن لا ترث؛ لأن سبب الإِرث انتهاء النكاح بالموت ولم يوجد؛ لارتفاعه بالتطليقات، أو نقول: إن سبب الإِرث الزوجية مع الموت وقد انتفت بالطلاق البائن قبل الوفاة. ولكن ورثت هنا استحساناً لأن الصحابة رضوان الله عليهم قد اتفقوا على ذلك.
من حق هذا المثال أن يكون استثناءً من القواعد؛ لأن سبب الإرث وهو الزوجية مع الموت قد انتفى بالطلاق الثلاث. فالحكم لم ينبن على سببه ولا على شرطه، بل بني على خلاف قصد المريض من باب: من استعجل الشيء قبل أوانه يعاقب بحرمانه. ومن باب المعاملة بنقيض
стр. 1724
المقصود الفاسد.
ومنها: إذا اشترى ثوبين ثم وجد أحدهما معيباً، فله رد المعيب وحده دون الثاني. لأن الحكم يثبت بحسب العلة، وحكم الرد ثبت في المعيب دون السليم.
ومنها: إذا أقام اثنان البينة على أن هذا الغلام هو ابن هذا الرجل من امرأته هذه، قضي بنسبه لذي اليد من امرأته المشار إليها إن جحدت هي ذلك؛ لأن السبب هو الفراش القائم بينهما. لكن بشرط أن يكون عمر الغلام مناسباً لوقت زواج الرجل بتلك المرأة.
ومنها: إذا شهد شاهدان أن رجلاً حلف أن يعتق عبده إن دخل هذه الدار. وشهد آخران أنه قد دخلها. وقضى القاضي بعتقه. ثم رجع الشهود عن شهادتهم. فيضمن شهود اليمين قيمة العبد دون شهود الدخول؛ لأن شهود اليمين هم العلة في العتق. وشهود الدخول شهدوا على الشرط. وإضافة الحكم إلى الشرط مجاز والمجاز لا يعارض الحقيقة. بل متى كانت العلة صالحة لإضافة الحكم إليها لا يضاف شيء إلى الشرط.
ومن أمثلة إضافة الحكم إلى الشرط دون السبب لعدم صلاحية السبب.
من حفر بئراً في الطريق ووضع عليه حاجزاً وإشارات تنبه المارين إليه فجاء إنسان ورفع الحاجز أو أزال الإشارات فوقع في البئر إنسان أو دابة، فالضامن هو رافع الحاجز لا الحافر مع أن الحافر سبب ورافع الحاجز شرط.
стр. 1725
القاعدة السابعة بعد المئة
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحكم يبنى على الظاهر فيما يتعذر الوقوف على حقيقة الحال فيه. (١)
وفي لفظ: البناء على الظاهر فيما يتعذر الوقوف على حقيقة جائز. (٢)
وقد سبق في قواعد حرف الباء تحت رقم ٥٦.
وفي لفظ: الحكم يبنى على الظاهر. (٣)
وفي لفظ: الحكم ينبني على الظاهر ما لم يتبين خلافه. (٤)
وفي لفظ: الأصل البناء على الظاهر واستصحاب الحال ما لم يعلم خلافه (٥). وقد سبقت في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٤٣٠
وفي لفظ: الحكم بالظاهر واجب عند تعذر الوقوف على الحقيقة. (٦)
وفي لفظ: عند المنازعة يجعل القول قول من يشهد له الظاهر (٧) - مع يمينه. وتأتي في حرف قواعد حرف العين إن شاء الله.
стр. 1726
[الحكم - الظاهر]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قد سبق مثل هذه القواعد ضمن قواعد حرف الباء تحت رقم ٥٦ ج ٣ ص ٨٠.
стр. 1727
القاعدة الثامنة بعد المئة [البناء على القصد دون اللفظ] .
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحكم يبنى على المقصود ولا ينظر إلى اختلاف العبارة بعد اتحاد المقصود (١).
وفي لفظ: العبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ. (٢) وتأتي في حرف العين إن شاء الله.
وفي لفظ: إنما ينبني الحكم على ما هو المقصود. (٣) وقد سبقت في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٦٤١.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
الأَحكام إنما تنبني على مقصود المتعاقدين ونياتها، ولا ينظر إلى اختلاف العبارة مع اتحاد المقصود. إلا إذا لم يمكن الوقوف على المقصود فتحكم العبارة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا قال لآخر: وهبتك هذه السيارة بعشرة آلاف. كان هذا بيعاً، وإن جاء بلفظ الهبة, لأن ذكر العوض دليل على أن المقصود هو البيع لا الهبة.
стр. 1728
القاعدة التاسعة بعد المئة [إضافة الحكم للمحل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكم يضاف إلى المحل عند تعذر إضافته إلى السبب. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأَصل إضافة الأحكام إلى أسبابها - كما سبق قريباً - ولكن قد يتعذر إضافة الحكم إلى السبب فيضاف إلى الشرط - كما سبق أيضاً، لكن مفاد قاعدتنا هذه أن الحكم إذا تعذر إضافته إلى سببه أو شرطه بأن كان السبب سماوياً ليس بفعل أحد من البشر أو جهل الفاعل، فإن الحكم حينئذ يضاف إلى محله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
القسامة عند عدم معرفة القاتل هي أَيْمان تضاف إلى أهل المحلة التي وجد القتيل بها بين أظهرهم. فيطلب أن يحلف خمسون منهم: ما قتلناه ولا نعلم له قاتلاً.
ومنها: إذا اختلط حنطة مع شعير لمالكين مختلفين - وكان الخلط بغير صنع أحد - فإن المخلوط هنا هالك لصعوبة الفصل، إلا أنه لا ضامن له فيكون لأقرب الناس إليه وهما المالكان قبل الخلط، فيقتسمان المخلوط لبقاء عين كل واحد حقيقة، وتعيب بعيب الشركة، ولا ضامن المخلوط.
بخلاف فعل الغاصب؛ لأن الغاصب في هذه الحالة ضامن لكل منهما مثل حبه حنطة أو شعيراً.
ولكن في مسألتنا هذه إذا كان ثمن الحنطة ضعف ثمن الشعير أليس من
стр. 1729
العدل أن يضمن صاحب الشعير لصاحب الحنطة خسارة حنطته التي أخذها بسبب نقصان ثمن الشعير المختلط ببره؟
ومنها: إذا اختلطت أغنام لشخصين وليس هناك علامة مميزة لكل قطيع منهما وكان عدد كل قطيع مساوِ للآخر، فيقتسمان بالعدد.
وهكذا كل ما خلط لا بفعل أحد وتعذر التمييز، كاختلاط الزيوت بعضها ببعض مع اختلاف أنواعها.
стр. 1730
القاعدة العاشرة بعد المائة [الحكمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحكمة تراعى في الجنس لا في الافراد. (١) أي حكمة الحكم
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
حكمة الحكم: أي المعنى الذي لأجله شرع الله الحكم.
فمفاد القاعدة: أن هذا المعنى الشرعي يجب مراعاته في جنس المحكوم فيه - وهو الشيء الذي ورد فيه حكم الشارع بالحل أو التحريم أو الوجوب أو الكراهة أو الندب، أو الرخصة، ولا يجوز مراعاة هذه الحكمة ووجودها في الأَفراد؛ لاختلاف الأَحوال، وعدم الانضباط لو روعيت في الافراد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الحكمة في جواز الفطر وتأخير الصوم وجواز القصر في السفر هي المشقة، وهي تراعى في ذات السفر لا في المسافرين، وفي ذات المرض لا في المرضى.
ومنها: أن الله حرم الخمر لإسكارها، ولما تسببه من مفاسد جمة، فلا يأتي إنسان ويقول: أنا أشرب الخمر فلا أسكر، أو لا يصدني الخمر عن الصلاة، أو غير ذلك، فتكون مباحة لي حيث إن الحكمة في حقي منتفية.
فنقول لا يجوز ذلك لأن الحكمة تراعى في الجنس، فالخمر جنس مسكر ومفسد وإن لم يسكر من بعضه بعض الناس، فهو حرام للحكمة العامة.
стр. 1731
القاعدة الحادية عشرة بعد المائة [شرط الحل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
حل الوطء لا يكون إلا بملك. (١) (أي كامل).
وفي لفظ: قيام الملك في المحل شرط منصوص للحل. (٢) وتأتي في حرف القاف إن شاء الله تعالى.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
القاعدة الأولى أخص من الثانية، والثانية أعم، حيث أن الأولى موضوعها حل الوطء فقط، وتفيد أن حل الوطء للزوجة أو للأمة لا يكون إلا بملك كامل للبضع.
فالأَمة المشتركة لا يجوز لأحد الشريكين وطؤها؛ لأن ملك كل واحد منهما ليس كاملاً، إذ كل واحد يملك نصفها مشاعاً. وإذا وطئ أحدهما الأَمة فعليه تعويض شريكه ثمن نصيبه منها ويتملكها. وأما الزوجة فلا يتصور فيها الشركة، ولكن لو كان العقد فاسداً فلا يحل له وطؤها لعدم خلوص ملك البضع.
وأما القاعدة الثانية فموضوعها أعم حيث اشترطت قيام الملك في المحل مطلقاً فيشتمل ذلك الأَبضاع وغيرها.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
كما سبق في الشرح أن الأَمة المشتركة لا يجوز لأحد الشريكين وطؤها
стр. 1732
لعدم الملك الكامل لكل منهما.
ومنها: من ملك شقص عبد لا يجوز بيعه كله أو عتقه إلا برضاء شريكه وإلا كان ضامناً.
ومنها: إذا كانت أرض أو دار أو سيارة بين شركاء فلا يجوز لأحدهم بيعها ولا إجارتها إلا برضاء باقي الشركاء، وإلا كان ضامناً؛ لعدم خلوص الملك له.
стр. 1733
القاعدة الثانية عشرة بعد المائة [اجتماع الحل والحرمة
]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحل والحرمة إذا اجتمعا في المحل يترجح جانب الحرمة في الابتداء والانتهاء. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إنه عند اجتماع الحل والحرمة في أمر واحد ولا مرجح لأحدهما، فيجب ترجيح جانب الحرمة ابتداء وانتهاء لأنه الأَحوط للدين.
وقد سبق لهذه القاعدة أمثال في قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٢٥٧ - ٢٦٠.
стр. 1734
القاعدة الثالثة عشرة بعد المائة [الحل والحرمة - الاحتياط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحل والحرمة مبني على الاحتياط. (١)
وفي لفظ: الاحتياط في باب الحرمة واجب. (٢)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الحل والحرمة حكمان شرعيان، فلا حلال إلا ما أحله الشرع، وقام الدليل على حله، ولا حرام إلا ما حرمه الشرع وقام الدليل على تحريمه.
فما لم يقم الدليل الراجح على الحل والحرمة - واشتبه الأمر - فالأَصل التوقف، والبناء على الأَحوط للدين، والأَصل تغليب جانب الحرمة كما سبق في أكثر من قاعدة.
وأما إذا لم يقم دليل على حل الشيء أو حرمته، فهو من المسكوت عنه والأَرجح فيه الحل ما لم يثبت ضرره.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا شك في أن هذه المرأة التي يريد الزواج منها قد أرضعت معه، فالأَحوط للدين تركها، والزواج من غيرها.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا اشتبهت أخته بنساء أهل مصر جاز له الإقدام على النكاح من نساء ذلك المصر والمراد بالمصر - المدينة الكبيرة - ولا يحتاج إلى التحري. (٣)
стр. 1735
القاعدة الرابعة عشرة بعد المائة [الحل والحرمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحل والحرمة من حق الشرع (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
كما سبق إن الحل والحرمة حكمان شرعيان
والحل: التحليل أي جعل الشيء حلالاً مباحاً لفاعله.
والحرمة: التحريم أي جعل الشيء حراماً محظوراً وممنوعاً على فاعله.
وهذان الحكمان من أهم الأحكام التي تتعلق بحياة الإنسان ليعيش آمناً مطمئناً على نفسه وماله وعرضه وعقله ودينه. ولذلك لم يكل الله التحريم والتحليل لأحد من خلقه. فالله هو المشرع الحقيقي، هو الذي يحل وهو الذي يحرم، في كتابه أو على لسان رسول الله ﷺ نصاً أو دلالة. فليس لأحد من البشر حق التحليل والتحريم - ولذلك فإن الله ذم الذين يحلون ويحرمون بغيرِ إذنه وشرعه فقال سبحانه ذاماً لهم: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. (٢)
وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ
стр. 1736
حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (١) وقد ذم الله سبحانه الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
فمفاد القاعدة: أن التحليل والتحريم من حق الشرع لا من حق غيره، فمن أحل أو حرم خلافاً لشرع الله فهو مذموم مستحق للعقاب الشديد والعذاب الأليم؛ لأنه أقام نفسه مشرعاً مقام الله العزيز الحكيم.
وقد ذم الله الذي اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، (٢) إذ كانوا يحلون ويحرمون بغير ما أنزل الله، ولا زالوا كذلك
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قد حرم الله الربا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فليس لأحد بعد ذلك كائناً من كان أن يحكم بغير حكم الله ويحل الربا بأي حجة مهما كانت.
ومنها: قد حرم الله الزنا واللواط والسرقة وشرب الخمر فليس لبشر بعد ذلك أن يحل ما حرم الله سبحانه، ويسميه بغير اسمه، وإلا فهو واقع تحت وعيد الله سبحانه حيث يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣)
ومنها: لا يجوز للحاكم المسلم الذي يحكم بشرع الله أن يفرض على
стр. 1737
المسلمين من غير بلده الجزية مقابل سكناهم في بلده ويسميها بغير اسمها.
ومنها: لا يجوز للحاكم المسلم أن يحرم على المسلمين من غير سكان بلده ما أحله الله لهم من حرية السكنى والعمل ما داموا يُحكَمون بشرع الله الذي يجب تطبيقه على الجميع على السواء، دون تفرقة بين مسلم ومسلم بحجة المواطنة أو غيرها؛ لأن المسلم هو مواطن في أي مكان في أرض الإِسلام.
стр. 1738
القاعدتان الخامسة عشرة بعد المائة والسادسة عشرة بعد المائة [الحلال والحرام - المشتبه - ما يريب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الأولى: الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات (١)
والثانية: "فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة" (٢). (٣)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هذان حديثان نبويان كريمان: أولهما عن النعمان بن بشير ﵄، ونصه متفق عليه.
والحديث الأول جزء من حديث قيل إنه ثلث الإِسلام. والمراد بالمشتبهات: المسائل التي لم يعرف حلها ولا حرمتها، إما لتعارض الأَدلة فيها، أو ما اشتبه بالحرام الذي قد صح تحريمه. وليس من المشتبهات ما سكت عنه الشرع، بل الصحيح حله لعموم الأَدلة.
وثانيهما: حديث أخرجه البخاري عن حسان بن أبي سنان (٤)،
стр. 1739
وهو عند الترمذي من حديث الحسن بن علي ﵄ وقال عنه: حديث حسن صحيح.
والمراد بما يريبك: أي ما تشك في حله فدعه إلى ما اتضح حله وتيقنت منه.
وقد ساق السرخسي ﵀ الحديثين مساقاً واحداً وكأنه ساق الثاني تفسيراً للأول.
فمفاد الحديثين: أن البعد عن الأمور المشتبهة والتي فيها ريبة وشك ولم يتيقن من حلها هو الطريق إلى براءة الذمة؛ لأن من أتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا اشتبهت شاتان مذبوحتان مسلوختان إحداهما مذكاة والاخرى غير مذكاة وجب البعد عنهما. لأن إحداهما محرمة عيناً - وهي الميتة - والاخرى لأجل الاشتباه.
ومنها: إذا تزوج امرأة، ثم أخبر أنها أخته من الرضاعة - وإن كان الخبر من واحد - فلبراءة الذمة واستبراء الدين والعرض عليه مفارقتها.
ومنها: إذا شك في انتهاء عدة المطلقة رجعياً فلا يجوز له مراجعتها، لأن الحكم بسقوط الرجعة يؤخذ فيه بالاحتياط. (١)
ومنها: إذا أراد الحاكم المسلم أن يصدر نظاماً أو قانوناً ينظم به بعض أحوال الناس وشك في أن هذا النظام يعارض أمراً شرعياً بالحل أو التحريم، فيجب عليه أن لا يصدره استبراء لدينه وحفاظاً على شرع الله أن تنتهك حرماته.
стр. 1740
القاعدتان السابعة عشرة والثامنة عشرة بعد المائة [دليل الحلال والحرام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحلال ما لم يدل دليل على تحريمه. عند الشافعي ﵀
والحلال ما دل الدليل على حله. عند أبي حنيفة ﵀. (١)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
عند الشافعي ﵀: إن حكمنا على الشيء بأنه حلال إذا لم يقم دليل على تحريمه، فالأَصل عنده الحل، والتحريم إخراج من الحل، فكل ما لم يقل دليل على تحريمه فهو الحلال اتباعاً للأصل.
وأما عند أبي حنيفة ﵀: فالحلال عنده هو ما قام الدليل على أنه حلال، فالأَصل عنده التحريم، فالحل عنده يدور على وجود دليل الحل لا انتفاء دليل التحريم.
وأنكر الحنفية نسبة ذلك إلى أبي حنيفة ﵀ (٢).
وقد سبق مثل هذه القواعد في قواعد حرف الهمزة تحت ٤٤١.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إن المسكوت عنه في الشرع الذي لم يرد دليل على حله ولا على تحريمه - كالزرافة - مثلاً، فعند الشافعي ﵀ بناء على قاعدته - هي حلال، لعدم قيام الدليل على تحريمها.
стр. 1741
وأما عند أبي حنيفة ﵀ بناء على القاعدة المنسوبة إليه فهي حرام؛ لأنه لم يقم دليل على حلها.
ولكن الراجح عند الفريقين - الحنفية والشافعية - ومعهم المالكية والحنابلة - أن الراجح في المسكوت عنه الحل، لعموم الأدلة. (١)
стр. 1742
القاعدة التاسعة عشرة بعد المائة [الحلف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الحلف على الشيء مشروط بإمكانه (١).
أي إمكان وقوعه وعدم وقوعه.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة شبه متفق على مضمونها بين الفقهاء
ومفادها: أن الأَيمان مبنى احتمالها للحنث وعدمه هو إمكان وقوع المحلوف عليه عادة. ولذلك قالوا: إن اليمين المكفرة إنما تكون على أمر مستقبل ممكن الوقوع عادة.
فاليمين أنواع: منها يمين على أمر ماض. فإن كان صادقاً فهو بارٌ في يمينه، وإن كان كاذباً مع تعمد الكذب فهي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله تعالى.
ومنها: أن يحلف على أمر ماض وهو يظن صدقه - ولم يتعمد الكذب فيه - ثم يتبين أنه على خلاف ما حلف، فليس عليه شيء إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن يحلف على أمر مستقبل مستحيل الوقوع عقلاً أو عادة، فالجمهور على أنه لا يحنث واليمين تعتبر لغواً لعدم إمكان البر. وأما عند أبي يوسف ﵀ فيرى أن الحلف على أمر مستقبل - سواء كان مستحيل الوقوع أو ممكناً فهي يمين منعقدة، ويحنث في الحال إذا حلف على أمر مستحيل.
стр. 1743
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حلف لا يأكل هذا الطعام ثم أكله، فقد حنث وعليه كفارة يمين.
ومنها: حلف أن لا يدخل هذا البيت أو لا يعمل هذا العمل ثم دخل البيت وعمل العمل، فهو حانث وعليه الكفارة.
وأما إذا حلف ليشربن ما في هذه الكأس من الماء، فإذا الكأس فارغة لا ماء فيها - وهو لا يعلم - فعند الجمهور أنه لا يحنث؛ لأن يمينه غير منعقدة, لأن يمينه على أمر غير ممكن في العادة. وعند أبي يوسف يحنث.
ومنها: إذا حلف ليقتلن فلاناً، فإذا هو ميت، وهو لا يعلم بموته - حنث عند أبي يوسف ﵀. ولم يحنث عند الجمهور؛ لأن المحلوف عليه غير ممكن الوقوع. لأن الميت لا يقتل.
стр. 1744
القاعدة العشرون بعد المائة [الحلف]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الحلف في طرف الثبوت على البت وفي النفي على العلم. (١)
وفي لفظ: كل من حلف على فعل نفسه حلف على البت نفياً كان المحلوف عليه أو إثباتاً، ومن حلف على فعل غيره، فإن كان على إثبات حلف على البت أيضاً، وإن كان على نفي فيحلف على نفي العلم. (٢) وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله تعالى.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
القاعدة الأولى مجملة والثانية مفصلة.
ومفادهما: أن من توجه عليه اليمين في المحكمة - وهو المدعى عليه - إن كان المحلوف عليه من فعل نفسه ويراد باليمين إثباته أو نفيه فيكون حلفه على البت أي القطع والجزم بأنه فعل أو لم يفعل، وكذلك إذا كان يراد باليمين الحلف على فعل غيره مثبتاً له فيحلف على البت أيضاً.
وأما إذا كان على نفي فعل غيره فيكون حلفه بأنه لا يعلم. أي على نفي علمه بالواقعة.
وقد سبق مثل هاتين القاعدتين في قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٣١٢ - ٣١٣.
стр. 1745
القاعدة الحادية والعشرون بعد المائة [أمور المسلمين - فعل المسلم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
حمل أمور المسلمين على الصحة واجب. (١)
وفي لفظ: حمل فعل المسلم على الصحة والحل واجب ما أمكن. (٢)
وفي لفظ: فعل المسلم محمول على ما يحل شرعاً (٣). وتأتي في حرف الفاء إن شاء الله تعالى.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
الأصل في المسلم - كفرد وفي المسلمين - كجماعة - أن تكون أفعالهم وأقوالهم مراعى بها قواعد الشرع وأحكامه، فلا يجوز حمل فعل مسلم أو كلام تكلم به على غير وجه شرعي صحيح دون دليل؛ لأن حسن الظن بالمسلمين واجب، وقد أمرنا بإحسان الظن بأهل القبلة، فلا يجوز إساءة الظن بالمسلم إذا فعل فعلاً أو قال قولاً، ونحن نجد لفعله أو كلامه وجهاً شرعياً صحيحاً نحمله عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا رأينا مسلماً يسير مع امرأة أو يخاطبها، فلا يجوز لنا أن نسيء الظن بهما أو نحاول التجسس عليهما لنتأكد من صلة هذا الرجل بهذه
стр. 1746
المرأة، ما لم تقم قرينة قوية على سوء الظن.
ومنها: إذا قال لآخر: افتح باب داري هذه، أو أعطني كتابي هذا، فقال المخاطب: نعم، وفعل ما طلب منه، كان قوله: نعم. إقراراً بالملكية بالدار والكتاب للمخاطب؛ وذلك أن نعم - غير مفهوم المعنى بنفسه، فكان محمولاً على الجواب، ولأنه لو لم نحمله على الجواب لصار لغواً، وكلام العاقل محمول على الصحة ما أمكن ولا يحصل على اللغو إلا إذا تعذر حمله على الصحة.
стр. 1747
القاعدة الثانية والعشرون بعد المائة [التبادر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
حمل اللفظ إلى ما يتبادر إلى الذهن أولى. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها ارتباط بقاعدتين: الأولى: قاعدة: الأصل في الكلام الحقيقة؛ لأن عند الاطلاق إنما المتبادر إلى ذهن المخاطب هو المعنى الحقيقي للكلمة دون المعنى المجازي، والثانية: قاعدة العرف أو العادة محكمة. فإنه عند الإطلاق وبخاصة في باب الأَيمان، فإِنما يحمل كلام المتكلم الحالف على معنى الكلمة وإطلاقها العرفي دون اللغوي.
فمفاد القاعدة: أن حمل لفظ المتكلم على المعنى الذي يسبق إلى ذهن المخاطب ويتبادر إليه هو أولى وأجدر بالقبول من حمله على معنى يحتاج إدراكه إلى أعمال فكر وتروِ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من حلف لا يأكل من هذه الشجرة، فإنه يحمل الأكل على ما يخرج من ثمرها وإنتاجها دون خشبها, لأن المتبادر هو الثمر والإنتاج حسب العادة، ولا يحمل على خشبها. - وهي حقيقة الأَكل منها - لأن هذا معنى مهجور لتعذره أو تعسره وعدم استعماله.
ومنها: إذا حلف أن يصلي. فيحمل على الصلاة الشرعية ذات
стр. 1748
الأَركان - لا على الدعاء - لأن المعنى الشرعي هو الحقيقة المتبادرة إلى الذهن عند إطلاق لفظ الصلاة.
ومنها: إذا حلف ليصومن، فلا يبر إلا إذا صام صوماً شرعياً بنيته، ومن الفجر إلى غروب الشمس, لأنه هو المتبادر من لفظ الصيام.
стр. 1749
القاعدة الثالثة والعشرون بعد المائة [اللفظ العام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
حمل اللفظ العام على سببه دون عمومه. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اللفظ العام: هو اللفظ الدال على متعدد دفعة واحدة من غير حصر.
ومفاد القاعدة: أن اللفظ العام إذا أطلق قد يحمل على سبب وروده لا على عموم دلالاته. فكأن هذه القاعدة تشير إلى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، خلافاً للمشهورعند الأصوليين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) لفظ الميتة عام في كل ميتة سواء أكانت ميتة بر أم ميتة بحر وسواء كانت لها نفس سائلة أو لا نفس سائلة لها - أي لا دم فيها. ولكن خصت بميتة البر دون البحر، وبما لها نفس سائلة دون غيرها، لسببين: الأول: أن الآية نزلت في الميتة التي كانوا يأكلونها وهي ميتة حيوان البر بدليل قولهم: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله.
والسبب الثاني: قوله ﵊ "أحل لنا ميتان ودمان
стр. 1750
: فأما الميتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" (١)، وقوله ﵊ في البحر: "هو الحل ميتته" (٢).
كذلك: الحيوان الذي يعيش بين البر والبحر كالسلحفاة - التي تسمى بالترس - والتمساح وفرس النهر وغيرها، هل يجب تذكيته باعتبار وجوده في بعض الأحيان في البر فيلحق بالحيوان البري، أو لا يجب تذكيته لوجوده في البحر فيلحق بميتة البحر - خلاف.
فمن لم يوجب الذكاة فيه - وهو مشهور مذهب مالك ﵀ حمل لفظ العموم على سببه دون عمومه، واعتبره من النادر المغلوب.
ومن حمل لفظ العموم على عمومه دون سببه - وهو لفظ الميتة أوجب ذكاة البحري الذي يكون تارة في البر وتارة في البحر.
стр. 1751
القاعدة الرابعة والعشرون بعد المائة [الإفادة، التكرار]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
حمل اللفظ على ما يستفاد به فائدة جديدة أولى ما يحمل على التكرار. (١)
وفي لفظ: كلام العاقل مهما أمكن حمله على الإِفادة لا يحمل على التكرار والإعادة. (٢) وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان بمعنى القاعدة السابقة في قواعد حرف التاء - التأسيس أولى من التأكيد.
ومفادهما: إن الكلام إذا دار بين أن يفيد معنى جديداً وبين أن يؤكد ويكرر معنى سابقاً، كان حمله على إفادة المعنى الجديد أولى من حمله على التأكيد والتكرار وقديماً قالوا: الإفادة خير من الإعادة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قول أبي بكر الصديق لأم المؤمنين عائشة رضوان الله عليهما: لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه (٣). لشيء كان قد وهبها إياه قبل مرضه الذي مات فيه - ولم تستلمه، فهل القبض يفيد معنى الحيازة؟ أو هما مختلفان؟ فالقبض: هو الأَخذ. فيقال: هو في قبضته. أي في ملكه.
стр. 1752
وأما الحيازة: فهي تفيد الضم والجمع، من حازه يحوزه إذا ضمه، وكل من ضم إلى نفسه شيئاً فقد حازه.
فاختلاف اللفظين يدل على اختلاف المعنيين، ولذلك كان إفادته معنى جديداً أولى من حمله على التكرار. ومن هنا اشترط في الهبة لإتمامها القبض؛ لأنه دليل التملك لا مجرد الحيازة.
ومنها: إذا قال لزوجته: أنت طالق طالق طالق. طلقت ثلاثاً عند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى. وحتى إن قال: أردت به التأكيد. فهو يصدق ديانة لا قضاء؛ لأن القاضي مأمور باتباع الظاهر. وعند الشافعي وأحمد رحمهما الله: لا يلزمه إلا واحدة حملاً للفظ على التكرار. (١)
стр. 1753
قواعد حرف الخاء
стр. 1754
القاعدة الأولى [الخاص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الخاص مبين فلا يلحقه البيان. (١) أصولية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخاص في اللغة: المنفرد (٢) والمبين: الواضح.
والخاص في الاصطلاح: هو كل لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد جنساً (٣) أو نوعاً أو عيناً.
فمفاد القاعدة: أن اللفظ الخاص واضح بنفسه قد يحتاج إلى توضيح أو بيان من غيره (٤) بخلاف العموم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قلت: هذا كتابي. كان هذا لفظاً خاصاً لا يحتاج إلى بيان، لا من حيث معنى - كتاب - ولا من حيث النسبة.
وإذا قلت: رأيت اليوم رجلاً. فهذا كلام واضح لا يحتاج إلى تبيين ما هو الرجل؛ لأن كلمة - رجل - لفظ خاص يفيد غير ما يفيده لفظ امرأة.
стр. 1755
القاعدة الثانية [خبر الآحاد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
خبر الآحاد إذا ورد مخالفاً لنفس الأصول لم يقبل. (١) أصولية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
خبر الآحاد: هو الخبر - أي الحديث - الذي لم يصل إلى رتبة المتواتر أو المشهور.
ومفاد القاعدة: أن خبر الآحاد عند الحنفية - غير مقبول إذا ورد مخالفاً للقواعد العامة في الشرع. وهذا المراد من قولهم: نفس الأُصول.
وهذه من المسائل التي خالف فيها الحنفية غيرهم، فلم يعملوا بأخبار آحاد ثبتت صحتها بدعوى أنها مخالفة لقواعد الشرع العامة، وبذلك أهملوا كثيراً من الأَخبار الصحيحة.
ودعوى مخالفة الأُصول دعوى مجردة؛ لأنه إذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ فهو أصل قائم بنفسه فيجب اتباعه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مسألة رد الشاة أو البقرة أو الناقة المصراة مع صاع من تمر، اعتبر الحنفية أن هذا الخبر معارض للأصول والقواعد العامة في الشرع، فلم يعملوا بموجبه وأهملوه بدعوى: أن اللبن مثلي، فهو إنما يضمن بمثله، لا بصاع من تمر. وحديث المصراة ثابت في الصحيحين، وقد أخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة وفي كلها "معها" صاعاً من تمر" (٢)