القاعدة الرابعة والعشرون بعد المائة [الإفادة، التكرار]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
حمل اللفظ على ما يستفاد به فائدة جديدة أولى ما يحمل على التكرار. (١)
وفي لفظ: كلام العاقل مهما أمكن حمله على الإِفادة لا يحمل على التكرار والإعادة. (٢) وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان بمعنى القاعدة السابقة في قواعد حرف التاء - التأسيس أولى من التأكيد.
ومفادهما: إن الكلام إذا دار بين أن يفيد معنى جديداً وبين أن يؤكد ويكرر معنى سابقاً، كان حمله على إفادة المعنى الجديد أولى من حمله على التأكيد والتكرار وقديماً قالوا: الإفادة خير من الإعادة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قول أبي بكر الصديق لأم المؤمنين عائشة رضوان الله عليهما: لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه (٣). لشيء كان قد وهبها إياه قبل مرضه الذي مات فيه - ولم تستلمه، فهل القبض يفيد معنى الحيازة؟ أو هما مختلفان؟ فالقبض: هو الأَخذ. فيقال: هو في قبضته. أي في ملكه.
стр. 1752
وأما الحيازة: فهي تفيد الضم والجمع، من حازه يحوزه إذا ضمه، وكل من ضم إلى نفسه شيئاً فقد حازه.
فاختلاف اللفظين يدل على اختلاف المعنيين، ولذلك كان إفادته معنى جديداً أولى من حمله على التكرار. ومن هنا اشترط في الهبة لإتمامها القبض؛ لأنه دليل التملك لا مجرد الحيازة.
ومنها: إذا قال لزوجته: أنت طالق طالق طالق. طلقت ثلاثاً عند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى. وحتى إن قال: أردت به التأكيد. فهو يصدق ديانة لا قضاء؛ لأن القاضي مأمور باتباع الظاهر. وعند الشافعي وأحمد رحمهما الله: لا يلزمه إلا واحدة حملاً للفظ على التكرار. (١)
стр. 1753
قواعد حرف الخاء
стр. 1754
القاعدة الأولى [الخاص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الخاص مبين فلا يلحقه البيان. (١) أصولية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخاص في اللغة: المنفرد (٢) والمبين: الواضح.
والخاص في الاصطلاح: هو كل لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد جنساً (٣) أو نوعاً أو عيناً.
فمفاد القاعدة: أن اللفظ الخاص واضح بنفسه قد يحتاج إلى توضيح أو بيان من غيره (٤) بخلاف العموم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قلت: هذا كتابي. كان هذا لفظاً خاصاً لا يحتاج إلى بيان، لا من حيث معنى - كتاب - ولا من حيث النسبة.
وإذا قلت: رأيت اليوم رجلاً. فهذا كلام واضح لا يحتاج إلى تبيين ما هو الرجل؛ لأن كلمة - رجل - لفظ خاص يفيد غير ما يفيده لفظ امرأة.
стр. 1755
القاعدة الثانية [خبر الآحاد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
خبر الآحاد إذا ورد مخالفاً لنفس الأصول لم يقبل. (١) أصولية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
خبر الآحاد: هو الخبر - أي الحديث - الذي لم يصل إلى رتبة المتواتر أو المشهور.
ومفاد القاعدة: أن خبر الآحاد عند الحنفية - غير مقبول إذا ورد مخالفاً للقواعد العامة في الشرع. وهذا المراد من قولهم: نفس الأُصول.
وهذه من المسائل التي خالف فيها الحنفية غيرهم، فلم يعملوا بأخبار آحاد ثبتت صحتها بدعوى أنها مخالفة لقواعد الشرع العامة، وبذلك أهملوا كثيراً من الأَخبار الصحيحة.
ودعوى مخالفة الأُصول دعوى مجردة؛ لأنه إذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ فهو أصل قائم بنفسه فيجب اتباعه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مسألة رد الشاة أو البقرة أو الناقة المصراة مع صاع من تمر، اعتبر الحنفية أن هذا الخبر معارض للأصول والقواعد العامة في الشرع، فلم يعملوا بموجبه وأهملوه بدعوى: أن اللبن مثلي، فهو إنما يضمن بمثله، لا بصاع من تمر. وحديث المصراة ثابت في الصحيحين، وقد أخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة وفي كلها "معها" صاعاً من تمر" (٢)
стр. 1756
القاعدة الثالثة [خبر العدل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
خبر العدل مقبول فيما يكون ملزماً. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعدل: هو من تقبل شهادته من حيث إنه لم يعرف بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة. وهو الرضي المقنع في الشهادة. (٢)
فمفاد القاعدة: إن خبر الإنسان العدل - ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً - مقبول ومعتبر ومأخوذ به في الأمور التي هي ملزمة للخصم المدعى عليه. أو في أمر شرعي ملزم كالإِخبار برؤية هلال شهر رمضان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا جنى عبد جناية، فأخبر إنسان مولى العبد وسيده بجناية عبده - وكان المخبر عدلاً - فاعتق السيد عبده بعد علمه بجنايته، فهو ضامن لجناية عبده لعتقه له باختياره بعد علمه بجنايته.
ومنها: إذا كان لإنسان دابة حمار أو جمل أو ثور فعدا على أحد أو على زرعه، وجاء المتعدى عليه وأخبر صاحب الدابة يجنايتها وعدوانها، فعلى صاحب الدابة ضمان ما أتلفت. وكذلك لو أخبره غير المتعدى عليه وكان عدلاً.
ومنها: إذا أخبر عدل برؤية هلال رمضان، وجب قبول شهادته وخبره وإلزام الناس بالصيام.
стр. 1757
القاعدة الرابعة [خبر الفاسق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
خبر الفاسق في باب الدين غير مقبول. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الفاسق هو غير العدل، أو هو من عرف بارتكاب كبيرة لم يتب منها، أو الإصرار على صغيرة، وهو غير الرضي المقنع في باب الشهادة.
فمفاد القاعدة: أن خبر هذا الفاسق غير مقبول في الأمور التي تخص الدين كالإخبار بنجاسة الماء أو طهارته، أو الإِخبار برؤية الهلال، أو الإِخبار بحديث عن رسول الله ﷺ . أو غير ذلك من الأمور التي تتعلق بالدين، كما أن هذا الفاسق لا تقبل شهادته في الأمور الدنيوية في القضاء والدعاوى.
والأَصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢)
فقد أمر الله بالتبين والتحقق عند خبر الفاسق وهذا دليل على عدم قبول خبره مفرداً.
стр. 1758
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد رجل واحد برؤية هلال رمضان - وكان بالسماء غير أو غبار - فإن كان هذا الشاهد المخبر عدلاً قبلت شهادته وأمر الناس بالصيام.
وإن كان هذا الشاهد المخبر فاسقاً لم تقبل شهادته؛ لتمكن التهمة في خبره، فشهادته هذه برؤية الهلال بمنزلة حديثه عن رسول الله ﷺ ، وخبر الفاسق عن رسول الله ﷺ مردود غير مقبول.
стр. 1759
القاعدة الخامسة [خبر النبي ﷺ -]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
خبر النبي ﷺ حجة يجب المصير إليه والعمل به، ولا يترك إلا لمعارض مثله أو أقوى منه. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
خبر النبي ﷺ : المراد به حديثه الذي أخبرنا به عن وجوب شيء أو تحريمه أو ندبه أو كراهته أو إباحته. أو فعله ﷺ العبادي.
فمفاد القاعدة: أن حديث رسول الله ﷺ وفعله العبادي حجة ودليل يجب العمل بموجبه والاستدلال به على الأحكام، ولا يجوز تركه والعدول عنه إذا صحت طريقه، إلا إذا وجد معارض لحكم الخبر مثله من السنة فيقع الترجيح بينهما إن أمكن، أو كان المعارض أقوى في ثبوته ودلالاته. كنص القرآن أو الخبر المتواتر أمام خبر الآحاد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وردنا خبر صحيح عن رسول الله ﷺ بتحريم الغش، فيجب علينا اتباعه والنصح للمسلمين في البيع.
ومنها: وجوب سجود السهو في الصلاة قبل السلام أو بعده، لفعل رسول الله ﷺ ذلك، وأمره به.
стр. 1760
القواعد السادسة والسابعة والثامنة [خبر الواحد - خبر الجماعة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
خبر الواحد فيما يرجع إلى الدين حجة شرعاً. (١)
وفي لفظ: خبر الواحد حجة في أمر الدين. (٢)
وفي لفظ: خبر الواحد في أمر الدين حجة يجب العمل بها إذا كان المخبر ثقة. (٣)
وفي لفظ: خبر الواحد في أمر الدين ملزم. (٤)
خبر الواحد ليس حجة في الأحكام - أي القضايا. (٥)
وخبر الجماعة حجة في الديانات والأحكام. (٦)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القواعد ذوات دلالات ثلاث: الدلالة الأولى: أن خبر الواحد - والمراد به: الحديث أو الأَثر الذي لم يصل إلى رتبة التواتر أو المشهور - عند الحنفية - أو لم يصل إلى رتبة المتواتر فقط عند غيرهم - فخبر الواحد الثقة مقبول وملزم وهو حجة في الأمور التي تتعلق بالدين؛ ولأنه إخبار عن رسول الله ﷺ في أمر عام.
стр. 1761
والدلالة الثانية: أن خبر الواحد غير مقبول في القضاء, لأن فيه إلزاماً على المدعى عليه، والالزام في القضاء لا يصح إلا بشاهدين. أو رجل وامرأتان في غير الزنا حيث يشترط في إثبات واقعة الزنا أربعة شهود.
والدلالة الثالثة: أن خبر الجماعة - اثنان فأكثر - يلزم في الدين وفي القضاء. أما في الدين فلما كان خبر الواحد حجة ملزمة فخبر الجماعة أولى بالقبول. وأما في القضاء فقد سبق أن خبر الواحد غير مقبول فيه لوجود التهمة، وأما خبر الجماعة فأبعد عن التهمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
الأَحاديث الصحيحة والحسنة أخبار آحاد، وهي حجة ملزمة في أمر الدين، وإن كان راوي أحدها واحداً فقط. لاستيفائها شروط القبول - ما لم يكن هناك معارض كما سبق -
فحديث رسول الله ﷺ "بطهارة ماء البحر وحل ميتته" (١) حديث حسن صحيح يجب العمل به والمصير إليه، ولا يجوز أن يأتي إنسان ويقول إن ماء البحر ليس طهوراً لملوحته، أو أن ميتة البحر ليست حلالاً على الإطلاق.
ومنها: إذا شهد واحد عند القضاء والمنازعة في قضية فلا تقبل شهادته وحده ولو كان عدلاً؛ لأن الشهادة عند القضاء من باب الإلزام، والإلزام لا يثبت بخبر الواحد.
ومنها: إذا شهد جماعة - اثنان فصاعداً: أن فلاناً قتل فلاناً - فيؤخذ بقولهم إذا كانوا عدولاً. ولكن لو كان الشاهد واحداً فلا تقبل شهادته.
стр. 1762
وكذلك إذا روى جماعة حديثاً عن رسول الله ﷺ وكلهم ثقات - يقبل خبرهم؛ لأنه إذا كان يقبل خبر الواحد إذا كان ثقة فخبر الجماعة أولى بالقبول.
رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القواعد
تقبل شهادة المرأة الواحدة - إذا كانت عدلاً - فيما لا يطلع عليه الرجال كشهادة القابلة على الولد ونسبته إلى أبيه.
ومنها: شهادة النساء وحدهن - واحدة أو أكثر - إذا لم يكن بينهن رجل وحدثت بينهن جناية.
стр. 1763
القاعدتان التاسعة والعاشرة [خبر الواحد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
خبر الواحد لا ينفك عنه الشبهة. (١)
وفي لفظ: خبر الواحد عند المسالمة حجة. وعند المنازعة لا يكون حجة لما فيه من الإلزام. (٢)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان لهما ارتباط بما سبقهما من قواعد في أحكام خبر الواحد، ومفادهما: أن خبر الواحد في باب القضاء غير مقبول؛ لأنه لا يخلو عن شبهة ولا ينفك عنها، وذلك من حيث طريق ثبوته، أو وجود التهمة.
ولخبر الواحد حالتان: الأولى عند المسالمة وعدم المنازعة والتقاضي: فهو مقبول ويعتبر حجة لعدم الإِلزام.
والثانية: عند المنازعة والتقاضي فهو غير مقبول لما فيه من الالزام على الغير والإِلزام لا يثبت بخبر الواحد.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال المدعي عندي بينة. ثم جاء بشاهد واحد يشهد له على ما يدعيه، فإن القاضي أو الحاكم لا يقبل شهادته ولو كان الشاهد من أَعدل الناس إلا إذا جاء المدعي بشاهد آخر معه. لأن خبر الواحد لا ينفك عن
стр. 1764
الشبهة وهو خلاف المشروع.
ومنها: إذا رأى جارية أو سيارة مع رجل يبيعها ويزعم أنها كانت في يد رجل آخر وهو أمره ببيعها وصدقته الجارية - إن كان المبيع جارية - أو صدقه المشتري في غيرها أو غير المشتري، والرجل ثقة مسلم، فلا بأس بشرائها منه لأنه أخبر بخبر مستقيم محتمل ولا منازع له فيه.
وأما إن قال: كانت في يد فلان ولكنه ظلمني وغصبني وأخذتها منه. لم ينبغ للمشتري أن يعترض لشراء ولا قبول - إن كان المخبر ثقة أو غير ثقة؛ لأنه أخبر هنا بخبر مستنكر فيه إلزام على الغير.
стр. 1765
القاعدة الحادية عشرة [خبر الواحد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
خبر الواحد لا يوجب علم اليقين بل يوجب العمل. (١)
وفي لفظ: خبر الواحد يوجب العمل ولا يوجب علم اليقين. (٢) فقهية أصولية
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان بمعنى واحد، وتمثلان رأياً لكثير من الأصوليين والفقهاء، وهو أن خبر الواحد يوجب العمل بمضمونه ودلالاته - إذا صحت طريقه ورواه العدل الضابط الثقة - أي أن الخبر قد بلغ درجة الشهرة أو الصحة أو الحسن - فيجب أن يعمل به ولا يجوز مخالفته، ولكنه لا يوجب علم اليقين كالمتواتر. فالمتواتر هو الذي يوجب علم اليقين لكثرة رواته؛ ولأنه قطعي في ثبوته.
وأما خبر الآحاد - وإن كان صحيحاً - فهو دليل ظني من حيث ثبوته - فلا يفيد إلا الظن. بخلاف المتواتر القطعي الذي يوجب علم اليقين.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٣) دليل قطعي من حيث ثبوته، فهو يفيد علماً يقينياً بوجوب قراءة القرآن في الصلاة - الفاتحة
стр. 1766
أو غيرها.
وأما قوله ﷺ "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) فهو خبر آحاد وهو دليل ظني فلا يفيد علم اليقين، وإن كان يجب العمل بمضمونه لصحة طريقه، فقراءة الفاتحة للإمام والمنفرد - عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى واجبة في الصلاة وليست ركناً، إذ تصح الصلاة بدونها وإن كان المصلي مسيئاً بعدم قراءتها. وهو رواية عن أحمد بن حنبل ﵀. وأما عند مالك والشافعي والثوري والمشهور عند أحمد ﵏ جميعاً أن قراءة الفاتحة للإمام والمأموم والمنفرد ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به.
стр. 1767
القاعدة الثانية عشرة [خبر الواحد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
خبر الواحد - ولو عبداً أو صبياً - يقبل في المعاملات. (١)
وفي لفظ: خبر الواحد في المعاملات يوجب العلم من حيث الظاهر. (٢) - أو هو حجة.
وفي لفظ: خبر الواحد في المعاملات مقبول عدلاً كان أو فاسقاً. (٣)
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تتعلق بخبر الشخص الواحد وذلك في المعاملات المالية بخاصة، ولا يشترط في المخبر أن يكون عدلاً.
فمفاد هذه القاعدة: أن خبر الشخص الواحد في المعاملات مقبول سواء أكان المخبر رجلاً أم امرأة حراً أم عبداً كبيراً أم صبياً مميزاً، والعلة في ذلك أن المعاملات بين الناس يحكم فيها بالعرف والعادة الجارية بين الناس، وهي لكثرتها ودوامها واستمرارها تدعو حاجة الناس الملحة إليها إلى رفع الحرج وعدم التشديد؛ لأنه لو اشترط في كل معاملة جارية بين الناس شاهدان عدلان لوقع الناس في الحرج والضيق. (٤) والحرج في الشريعة
стр. 1768
مدفوع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
من رأى شيئاً عند إنسان ثم رآه في يد غيره يبيعه، وقال: إنه اشتراه منه أو وكله ببيعه، جاز الشراء منه بناء على خبره، وبناء على حسن الظن بالمسلمين.
ومنها: إذا أرسل إنسان هدية لآخر مع ابنه - وهو صبي - جاز له قبولها لعادة الناس في ذلك.
ومنها: إن رأى إنساناً يبيع شيئاً فلا بأس بشرائه منه؛ لأن اليد دليل الملك يستوي فيه الفاسق والعدل، إلا إن كان مثل هذا البائع لا يملك مثل تلك العين التي يعرضها للبيع وهو ليس موثوقاً. فالأَحوط أن يتنزه المشتري فلا يشتري هذا الشيء.
стр. 1769
القاعدة الثالثة عشرة [الخراج، الضمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الخراج بالضمان (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم أخرجه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ وعن أبيها. وفي بعض طرقه ذكر السبب: وهو أن رجلاً ابتاع عبداً فأقام عنده ما يشاء أن يقيم، ثم وجد به عيباً، فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده عليه. فقال الرجل: يا رسول الله قد استعمل غلامي. فقال ﵊: "الخراج بالضمان" وهو حديث صحيح من جوامع الكلم، ولاشتماله على معان كثيرة جرى مجرى المثل.
والخراج في اللغة: ما خرج من الشيء، فخراج الشجرة: الثمرة. وخراج الحيوان دره ونسله. وخراج العبد: غلته.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابة الأموال: والخراج في هذا الحديث هو غلة العبد الذي يشتريه الرجل فيستعمله زماناً ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع فيرده، ويأخذ جميع الثمن ويفوز بغلته كلها؛ لأنه كان في ضمانه لو هلك هلك من ماله.
والضمان في اللغة: هو الكفالة والالتزام. والمقصود به هنا: المؤونة
стр. 1770
كالإِنفاق والمصاريف وتحمل التلف والخسارة والنقص.
فمفاد القاعدة: أن من يضمن شيئاً إذا تلف يكون نفع ذلك الشيء له في مقابله ضمانه حال التلف - والغرم بالغنم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اعتق الراهن العبد المرهون نفذ عتقه، فإن كان الراهن غنياً فلا سعاية على العبد لإمكان المرتهن أخذ حقه من الراهن وهو الأداء إن كان الدين حالاً، أو قيمة الرهن إن كان الدين مؤجلاً.
وإما إن كان الراهن فقيراً فيسعى العبد للمرتهن في الأقل من قيمته أو من الدين؛ لتعذر أخذ الحق من الراهن. فيؤخذ ممن حصلت له فائدة العتق وهو العبد, لأن الخراج بالضمان - والغرم بالغنم.
ومنها: إذ رد المشتري حيواناً أو سيارة أو داراً بخيار العيب - بعد قبضه واستعماله غير عالم بالعيب - وكان قد استعمل المشترى مدة - بنفسه أو أجره من غيره وقبض أجرته - لا يلزم رد ذلك للبائع لكونه في ضمان المشتري, لأنه لو كان تلف في يده قبل الرد لكان تلفه عليه ومن ماله.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة
إذا أعتقت امرأة عبداً فإن ولاءه يكون لابنها. أما لو جنى هذا العبد جناية خطأ فالعقل - أي الدية - على عصبة المرأة لا على ابنها. فعصبة المرأة هنا عليهم العقل ولا ميراث لهم بوجود الابن.
стр. 1771
القاعدة الرابعة عشرة [الخروج من الحل إلى الحرمة والعكس]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الخروج من الإباحة إلى التحريم، والخروج من التحريم إلى الإباحة. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قد يكون الشيء مباحاً فيحرم، وقد يكون حراماً فيباح، فما هو ضابط هذين الانتقالين من الشيء لنقيضه أو ضده؟
الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب - أي لا بد من شروط وقيود عظيمة؛ لأن فيها خروجاً من جانب المفسدة إلى جانب المصلحة، ولا يجوز ترجيح مصلحة على مفسدة إلا إذا كانت تلك المصلحة أعظم من تلك المفسدة، وأما الانتقال من الإباحة إلى التحريم فلا يشترط فيها أعلى الرتب بل يكفي فيها أيسر الأسباب؛ لأن المنع أسهل من الفعل والامتناع أيسر من الإِقدام؛ ولأن تعارض المفسدة أو المضرة مع المنفعة يستلزم تغليب جانب المفسدة؛ لأن درء المفاسد مقدم وأولى من جلب المصالح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
١. أمثلة للخروج من التحريم للإباحة:
المرأة لا تحل للرجل إلا بعقد الزواج أو ملك اليمين، وعقد الزواج لكي يكون صحيحاً ويفيد حل المرأة للزوج يستلزم شروطاً في المرأة
стр. 1772
وشروطاً في الرجل وشروطاً في العقد، فمن شروط المرأة أن تكون خالية من الموانع الشرعية التي تمنع عقدها على الرجل كأن تكون زوجة لآخر، ومنها أن تكون حاملاً من آخر، ومنها: أن لا تكون محرماً للزوج بنسب أو رضاع. ومنها: أن لا تكون معتدة من آخر، وأن يكون لها ولي الخ ما هنالك من شروط.
ومن شروط الرجل: أن لا يكون متزوجاً أربعاً غيرها وهن كلهن في عصمته، أو أن يكون في عدة رابعة مطلقة، أو أن يكون له زوجة هي أخت أو خالة أو عمة من يريد الزواج منها إلى آخر ما هنالك من شروط، ومن شروط العقد وأركانه: وجود الولي، والشهود إلى آخر ما هنالك من شروط وأركان. فإذا استوفى العقد شروطه وتم أبيحت المرأة للرجل.
وأما إذا أراد الرجل الانتقال من إباحة المرأة الزوجة إلى تحريمها فيكفيه أن يتلفظ بلفظ الطلاق فتحرم عليه. فكان الانتقال من التحريم إلى الإِباحة يستلزم أعلى الرتب.
وأما الانتقال من الإباحة إلى التحريم فيكفي فيه أيسرها وهي كلمة الطلاق هنا.
ومنها: المسلم محقون الدم بإسلامه، فلا يباح دمه إلا بموجب شرعي كالردة، والزنا بعد إحصان، وقتله لمعصوم عمداً عدواناً، وهذه الموجبات الثلاثة لا يثبت واحد منها إلا بشروط وأركان.
فالمرتد - مثلاً - قبل إباحة دمه يستتاب، وإن كان ارتد لشبهة يناقش فيها، ويناظر حتى تزال شبهته، وينظر في تحقق ردته وأسبابها، وكل ذلك حتى لا يباح دمه إلا بعد اليقين الكامل أنه كفر ولا أَمل في عوده إلى حظيرة الإِيمان والإِسلام.
وحتى لو ثبت كل ذلك وأوجبنا قتله وعند إرادة التنفيذ رجع ونطق بالشهادتين فيحقن دمه للحال ولا يباح قتله بحال إلا بسبب آخر.
стр. 1773
القاعدة الخامسة عشرة [الخروج من الخلاف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الخروج من الخلاف مستحب. (١)
وفي لفظ: الخروج من الخلاف أولى وأفضل. (٢)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالخروج من الخلاف - أو مراعاة الخلاف - إعمال المجتهد بدليل خصمه المجتهد المخالف له في لازم مدلوله. والمقصود به إتيان ما هو أحوط للدين في مسألة - اجتهادية - اختلفت فيها أنظار الفقهاء واجتهاداتهم.
فمفاد القاعدة: أنه عند وجود اختلاف في مسألة اجتهادية يستحب أن يخرج المكلف من الخلاف بفعل ما هو أَحوط لدينه، وذلك أولى وأفضل.
ومسألة مراعاة الخلاف تعتبر أصلاً من أصول الإمام مالك ﵀. (٣)
ولمراعاة الخلاف شروط تنظر في المنثور للزركشي. (٤) وفي شرح
стр. 1774
منظومة أصول الإمام مالك للولاتي (١). وأشباه ابن السبكي. (٢)
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان الخلاف في التحليل والتحريم فالخروج من الخلاف بالاجتناب أفضل؛ لأنه الأَحوط في الدين فمثلاً عند الاختلاف في حل نبيذ التمر والزبيب الذي لا يسكر قليله، أو في حرمته، فالأولى اجتنابه وعدم شربه خروجاً من الخلاف احتياطاً للدين.
ومنها: إذا كان الخلاف في الكراهة أو الجواز والوجوب فالأولى الفعل، ومثاله: قراءة البسملة مع الفاتحة، فقد كرهها مالك ﵀ وأوجبها الشافعي ﵀ فالفعل أفضل.
стр. 1775
القاعدة السادسة عشرة [سكوت المدعى عليه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الخصم إذا سكت عن الجواب في مجلس القاضي جعله منكراً، وإذا سكت عن اليمين بعد ما طُلب منه جعله ناكلاً (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بسكوت المدعى عليه عند القاضي، ولسكوت المدعى عليه عند القاضي حالتان يختلف حكم كل منهما عن الاخرى: فالحالة الأولى: أن يطلب القاضي من المدعى عليه الجواب عن دعوى خصمه، فإن أبى الجواب وسكت اعتبره القاضي منكراً للمدعي به. ففي هذه الحالة يطلب القاضي من المدعي البينة على ما يدعيه، أو يوجه اليمين على المدعى عليه إن عجز المدعي عن البينة.
والحالة الثانية: أن يطلب القاضي من المدعى عليه اليمين عند عدم وجود بينة لخصمه المدعي، فإن سكت ولم يحلف اعتبر ناكلاً - أي ممتنعاً - عن اليمين، وفي هذه الحالة يكون أمام القاضي مسلكان: المسلك الأول: أن يلزم المدعى عليه بالدعوى - بعد إنذاره أنه إذا لم يحلف يلزمه بها - سواء قلنا إن الزام المدعى عليه الناكل بالدعوى على اعتبار أن نكوله إقرار بالمدعي، أو بذل بما يدعيه خصمه على سبيل الصلح.
وهذا المسلك قال به الحنفية والحنابلة (٢) وألزموا المدعى عليه بالمدعي
стр. 1776
به.
والمسلك الثاني: أن يرد القاضي اليمين على المدعي فيحلف ويستحق بيمينه ما يدعيه، وهذا المسلك قال به الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادعى شخص على آخر ديناً أو إتلافاً وذكر سبباً، فوجه القاضي السؤال على المدعى عليه عن صحة دعوى خصمه، فسكت المدعى عليه ولم يجب، وكرر عليه القاضي السؤال فلم يجب - وليس في سمعه ولا نطقه علة - فطلب القاضي من المدعي البينة فلم توجد، فوجه القاضي اليمين على المدعى عليه وطلب منه أن يحلف على نفي ما ادعاه خصمه عليه، فسكت، كرر عليه القاضي السؤال - وهدده بإنه إذا لم يحلف يعتبر ناكلاً ويلزم بالمدعي به أو يرد اليمين على خصمه - ومع ذلك فقد سكت ولم يحلف، فللقاضي أن يعتبره ناكلاً ويلزمه المدعي به، وإلا رد اليمين على المدعي وطلب منه أن يحلف على صدق دعواه فإن حلف استحق ما ادعاه، وإن أبى سقطت الدعوى.
стр. 1777
القاعدة السابعة عشرة [الخصومة من المناقض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الخصومة من المناقض غير مسموعة. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدعوى في الخصومة تقبل بشروط: منها: أن يكون الخصم المدعي معروفاً حاضراً هو أو وكيله. ومنها: أن يكون المدعى عليه معروفاً كذلك. ومنها: أن يكون المدعي به شيئاً معلوماً، فالجهل بأحد الثلاثة يجعل الدعوى غير مقبولة.
فمفاد القاعدة: أنه إذا ثبت تناقض في دعوى المدعي - بأن فقدت الدعوى شرطاً من هذه الشروط فإن الدعوى لا تسمع ولا تقبل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادعى على آخر أنه سرق منه مائة درهم. ثم قال: بل السارق هذا - لغير الأول - فقد ناقض في دعواه فلا يقطع واحد منهما، ولا يضمن واحد منهما المال، للتناقض في الدعوى، حيث إنه ادعى على واحد أولاً ثم أضرب عنه وادعى على ثان غيره، فأصبح المدعى عليه مجهولاً، وقد ثبت بذلك تناقض المدعي في دعواه فتسقط ولا تقبل.
стр. 1778
القاعدة الثامنة عشرة [الخطأ في غير المعين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الخطأ فيما لا يشترط فيه التعيين لا يضر. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من العبادات ما يشترط فيه تعيين النية - أي تحديد نوع العبادة التي يريد أداءها وتحديد رتبتها -، من حيث إن العبادات أنواع كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها، وكل منها له رتب مختلفة من حيث يكون بعضها فرضاً وبعضها نفلاً أو منذوراً، أداء أو قضاءً.
ففي العبادات المختلفة يجب تحديد نوع العبادة المطلوب أداؤها، فإن كانت العبادة هذه ذات وقت متسع كالصلاة وجب تحديد رتبتها كفرض الصبح أو الظهر أو العشاء أداءً أو قضاءً، أو نفلاً راتبة أو غيرها.
وأما إذا كان وقت العبادة لا يتسع لغيرها كصيام رمضان - فإن عند الحنفية وبعض من غيرهم لا يشترطون لصحة صوم رمضان تحديد وتعيين نيته، بل يجوز صيامه بمطلق نية الصيام، أو بنية واجب آخر، أو بنية التطوع، وكله يقع عن رمضان؛ لأن صوم رمضان متعين بوقته، حيث أن وقته لا يسع لغيره، والتعيين في المتعين لغو.
فمفاد هذه القاعدة: أن المكلف إذا أخطأ في تعيين نية العبادة فيما يحتاج إلى التعيين فقد بطلت عبادته، كمن أراد أن يصلي الظهر فنوى العصر، أو أن يصلي فرضاً فنوى نافلة.
стр. 1779
وأما في صيام رمضان فمن أراد صيام رمضان فنوى صياماً قضاءً أو تطوعاً في نهار رمضان فقد وقع عن رمضان وصح صومه عنه ولا يضره خطؤه في نيته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد حج الفريضة فأخطأ فنوى حجة تطوعاً، فلا يضره خطؤه، ويقع حجه عن حجة الإسلام؛ لأنه لا يجوز أن يتطوع بالحج مَن لم يحج حجة الإِسلام في الصحيح.
ومنها: الطهارات: إذا أراد أن يتوضأ للصلاة فنوى الوضوء لقراءة القرآن أو للطواف بالبيت، فلا يضره خطؤه فله أن يصلي بوضوئه هذا، لأن الطهارات لا تتعين بالتعيين في الأصح.
ومنها: الكفارات: فمن عليه كفارة يمين وظهار وقتل خطأ، فكفر عن إحداها بدون تعيين جاز، أو أراد أن يكفر عن اليمين فأخطأ ونواها عن الظهار صحت عن يمين؛ لأنه لا يشترط التعيين في الكفارات.
стр. 1780
القاعدة التاسعة عشرة [خطأ الحاكم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
خطأ الإمام والحاكم في أحكامه في بيت المال. (١) إذا لم يكن متعمداً.
وفى لفظ: خطأ القاضي فى بيت المال (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخطأ ضد العمد. وهو أن يريد الإنسان شيئاً يحسن فعله فيقع منه غيره بخلاف ما يريد (٣). والخطأ أنواع: فمنه ما يكون في الاجتهاد وهو المقصود هنا.
فمفاد القاعدة: أن الحاكم: الإِمام أو القاضي إذا أخطأ في اجتهاده وترتب على خطئه ضرر للمحكوم عليه فإن تعويض هذا الضرر إنما يكون في بيت المال؛ لأَن الإِمام والحاكم والقاضي نائب عن الله تعالى في أحكامه وأفعاله فكان أرش جنايته في مال الله تعالى، ولأن الحاكم إِنما هو عامل للمسلمين لا لنفسه، ولذلك لا يتحمل خطأ اجتهاده الصحيح في ماله، لأَن الحاكم أو القاضي يكثر خطؤه في أحكامه المبنية على اجتهاده، فإيجاب ما يجب عليه أو على عاقلته يجحف بهم وبه ويجعل العلماء يمتنعون عن الحكم والقضاء فتضيع الحقوق.
وشرط كون خطأ القاضي والحاكم في بيت المال أن يكون اجتهاد
стр. 1781
كل منهما صحيحا مبنيا على قواعد الاجتهاد الصحيح غير مخالف لنص صريح أو خطأ متعمد أو ارتشاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حكم قاض في زان بالرجم على أنه محصن بشهادة شهود يظن عدالتهم - فرجم المتهم ثم تبين أن الشهود عبيد، فإن دية المرجوم في بيت مال المسلمين.
ومنها: إذا شهد شهود على رجل بالزنا وهو غير محصن - فضربه الإِمام الحد، فجرحته السياط أو مات ثم ظهر أن الشهود عبيد، فضمان النقصان والدية في بيت المال.
стр. 1782
القاعدة العشرون [الخطأ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الخطأ لا يستدام ولكن يرجع عنه (١).
وفي لفظ: الخطأ مرفوع (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخطأ إذا اكتشف يجب الرجرع عنه، ولا يجوز الاستمرار عليه، لأَن المخطئ مرفوع عنه الإثم، ولكنه إذا عرف خطأه وأصر عليه واستمر ولم يرجع عنه فلا يكون حينئذ خطأ، بل يكون تعمد الوقوع في الخطأ، فهو مأخوذ بما أخطأ فيه وهو آثم في ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حكم القاضي باجتهاده ثم تبين خطؤه إما في حكمه أو فى طريقه، فيجب عليه الرجوع عن حكمه في تلك القضية. فمن حكم في قضية طلاق أو قتل خطأ بأن حكم ببتات الطلاق ثم تبين له أن هذا الطلاق رجعي يجيز للزوج الرجعة فيجب عليه أن يرجع عن حكمه ذلك ويجيز للزوج الرجعة إلى زوجته ما دامت في العدة.
وكذلك لو حكم في قضية قتل خطأ أنه كان عمدا وحكم بالقصاص، ثم تبين له أن حكمه كان خطأ وأن القتل إِنما كان خطأ لا
стр. 1783
عمدا - فإن كان القصاص لم ينفذ - فيجب على القاضي أن يرجع عن حكمه ويعيد النظر في القضية ويحكم بالدية لا بالقصاص.
وأما إن كان الحكم قد نفذ واقتص من القاتل فيجب دية القتيل في بيت المال إذا كان الاجتهاد صحيحا.
ومنها إذا قتل أحد خطأ فإن الدية على العاقلة، والقاتل أحد العواقل يلزمه من الدية ما يلزم أحد العاقلة عند الحنفية والمالكية (١). وأما عند الشافعي ﵀ فليس على القاتل خطأ شيء من الدية لأَن الخطأ مرفوع (٢)، فكأن الشافعي ﵀ فهم من رفع الخطأ رفع الإثم ورفع الدية أيضاً وعند الحنابلة خلاف (٣).
стр. 1784
القاعدة الحادية والعشرون [الخطاب، الوسع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الخطاب بحسب الوسع (١)
وفي لفظ: التكاليف بحسب الوسع (٢)، وقد سبقت في قواعد حرف التاء تحت رقم ١٩٧.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الوسع: هو الطاقة والاستطاعة والقدرة.
ومفاد هاتين القاعدتين: أن الأَوامر الشرعية إنما يكون تنفيذها على قدر طاقة الإنسان وجهده واستطاعته وبما يقع تحت قدرته الميسرة، والأَدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤).
ومن السنة قوله ﷺ "إذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم" (٥)
ثالثاً: عن أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
من لم يجد الماء أو لم يستطع استعماله لبرد أو مرض يتيمم ويصلي.
стр. 1785
القاعدة الثانية والعشرون: [الخطاب - الجواب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الخطاب السابق كالمعاد فيما بني عليه الجواب. (١)
وفي لفظ: السؤال معاد - أو كالمعاد - في الجواب. (٢) وتأتي في حرف السين إن شاء الله تعالى.
وفي لفظ: ما تقدم من الخطاب يصير كالمعاد للجواب. (٣) وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخطاب الوارد إجابة لسؤال سائل يستدعي الجواب، وذلك الجواب غير مستقل بنفسه، فلا يصلح أن يكون ابتداء كلام. بل هو تابع للسؤال في عمومه وخصوصه حتى كأن السؤال معاد فيه.
فإذا ورد جواب بإحدى أَدواته: نعم، أو بلى، أو أَجَل، بعد سؤال مفصل فيعتبر الجواب مشتملاً على مضمون السؤال؛ لأن مدلولات هذه الأَدوات تعتمد على ما قبلها من تفصيل، ولأن الجواب غير مستقل بنفسه في الإفادة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أخبر الشفيع أن ثمن المبيع ألف درهم فسلم الشفعة، ثم تبين أن
стр. 1786
الثمن خمسمئة درهم فهو على شفعته، كأنه قال: إن كان الثمن ألف درهم فقد سلمت الشفعة؛ لأنه ربما لا يستطيع الشراء بألف ولكنه يستطيع بأقل منها.
ومنها: من سئل هل أخذت من فلان مالاً؟ فأجاب: بنعم. كان جوابه متضمناً إقراره بالأَخذ.
ومنها: من سئل ألم تقتل فلاناً؟ فأجاب: ببلى. كان مقراً بالقتل وهكذا ...
وقد يشمل السؤال الإِخبار والإنشاء أيضاً فلا يختص بالاستخبار.
فلو باع شخص فضولي مالاً من أخر، وبلغ صاحب المال، وحينما بلغه الخبر قال: رضيت، فيعتبر قوله: رضيت، إذناً وصح البيع.
стр. 1787
القاعدة الثالثة والعشرون: [الخطاب الملزم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الخطاب الملزم للغير لا يثبت حكمه فى حقه ما لم يعلم به كخطاب الشارع. (١)
وفي لفظ: حكم الخطاب لا يثبت فى حق المخاطب ما لم يعلم به خصوصاً إذا كان ملزماً. (٢)
وقد سبقت في قواعد حرف الحاء تحت رقم ٧٠
وفي لفظ أخص: الوكيل هل ينعزل قبل علمه بموت الموكل أو عزله؟ (٣) وتأتي في حرف الواو إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قد سبق ذكر مماثل هذه القاعدة حرف الحاء تحت رقم ٧٠.
وبُيِّن هناك معناها ومدلولها:
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من وكل إنساناً في أمر ما فإن حكم الوكالة لا يثبت في حق الوكيل ما لم يعلم به أو يوافق عليه.
وكذلك إذا عزل الوكيل ولم يعلم فهو على وكالته حتى يعلم بالعزل. في الصحيح.
стр. 1788
ومنها: إذا أذن الولي للصغير أو العبد أو المعتوه بالتجارة وأعلم بذلك أهل سوقه فبايعوه، ثم حجر عليه، فإن هذا الحجر غير ملزم لأهل السوق حتى يعلموا به، وإلا كان غارَّاً لهم فيضمن ما بايعوا به المأذون بعد حجر مولاه له ما لم يعلمهم بالحجر.
стр. 1789
القاعدة الرابعة والعشرون [خلط النفل بالفرض]
أولًا: لفظ ورود القاعدة:
خلط النفل بالفرض قبل إكمال الفرض مفسد للصلاة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الفرض غير النفل، فالفرض أو الواجب - عند غير الحنفية - هو ما طلبه الشارع طلباً جازماً، ويترتب الثواب على فعله، والعقاب على تركه، كالصلوات الخمس والزكاة وصوم رمضان وغير ذلك من فرائض الإسلام.
وأما النفل فهو التطوع، وهو كل عبادة حث عليها الشارع ورغب فيها ولم يعزم عليها ولم يوجبها، سواء في ذلك النفل في الصلاة أو الصدقة أو الحج أو غير ذلك من النوافل المستحبات من العبادات والمعاملات.
فمفاد القاعدة: أن الفرض يجب أن يؤدى كاملاً، ثم من شاء أن يتنفل بعد تمام فرضه فله ذلك، أما من أراد أن يتنفل قبل تمام فرضه ويخلط الفرض بالنفل وخاصة في الصلاة فذلك مفسد ومبطل لصلاته، فلا تصح صلاته فرضاً ولا نفلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من صلى الفجر ثم قبل أن يسلم أراد أن يتطوع بركعتين أخريين، فقد فسد فرضه، ولم يعتبر نفله.
стр. 1790
وأما من كان مسافراً وصلى ركعتين من الرباعية، ثم قبل السلام نوى الإِقامة فعليه الإتمام، ويأتي بركعتين أخريين، وإلا فسدت صلاته. ولكن نية الإِقامة لا تصح إلا بمكان يصلح للإقامة وإلا فلم تصح. وبالتالي لا تصح صلاته.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
إذا صلى المسافر ركعتين تامتين ثم قعد عند التشهد، ثم قام فقرأ وركع وسجد، ثم نوى الإِقامة - فقد استحكم خروجه من الفرض بتقييد الركعة أي الثالثة بالسجدة فلا يتغير فرضه بنية الإقامة - لأنها جاءت متأخرة - ولكنه متنفل بركعة فيضيف إليها ركعة أخرى ليكون شفعاً.
ففي هذه الصورة لا تبطل صلاته. فقد انفصل فرضه عن نفله، فأخذ كلٌّ حكمه.