الثمن خمسمئة درهم فهو على شفعته، كأنه قال: إن كان الثمن ألف درهم فقد سلمت الشفعة؛ لأنه ربما لا يستطيع الشراء بألف ولكنه يستطيع بأقل منها.
ومنها: من سئل هل أخذت من فلان مالاً؟ فأجاب: بنعم. كان جوابه متضمناً إقراره بالأَخذ.
ومنها: من سئل ألم تقتل فلاناً؟ فأجاب: ببلى. كان مقراً بالقتل وهكذا ...
وقد يشمل السؤال الإِخبار والإنشاء أيضاً فلا يختص بالاستخبار.
فلو باع شخص فضولي مالاً من أخر، وبلغ صاحب المال، وحينما بلغه الخبر قال: رضيت، فيعتبر قوله: رضيت، إذناً وصح البيع.
стр. 1787
القاعدة الثالثة والعشرون: [الخطاب الملزم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الخطاب الملزم للغير لا يثبت حكمه فى حقه ما لم يعلم به كخطاب الشارع. (١)
وفي لفظ: حكم الخطاب لا يثبت فى حق المخاطب ما لم يعلم به خصوصاً إذا كان ملزماً. (٢)
وقد سبقت في قواعد حرف الحاء تحت رقم ٧٠
وفي لفظ أخص: الوكيل هل ينعزل قبل علمه بموت الموكل أو عزله؟ (٣) وتأتي في حرف الواو إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قد سبق ذكر مماثل هذه القاعدة حرف الحاء تحت رقم ٧٠.
وبُيِّن هناك معناها ومدلولها:
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من وكل إنساناً في أمر ما فإن حكم الوكالة لا يثبت في حق الوكيل ما لم يعلم به أو يوافق عليه.
وكذلك إذا عزل الوكيل ولم يعلم فهو على وكالته حتى يعلم بالعزل. في الصحيح.
стр. 1788
ومنها: إذا أذن الولي للصغير أو العبد أو المعتوه بالتجارة وأعلم بذلك أهل سوقه فبايعوه، ثم حجر عليه، فإن هذا الحجر غير ملزم لأهل السوق حتى يعلموا به، وإلا كان غارَّاً لهم فيضمن ما بايعوا به المأذون بعد حجر مولاه له ما لم يعلمهم بالحجر.
стр. 1789
القاعدة الرابعة والعشرون [خلط النفل بالفرض]
أولًا: لفظ ورود القاعدة:
خلط النفل بالفرض قبل إكمال الفرض مفسد للصلاة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الفرض غير النفل، فالفرض أو الواجب - عند غير الحنفية - هو ما طلبه الشارع طلباً جازماً، ويترتب الثواب على فعله، والعقاب على تركه، كالصلوات الخمس والزكاة وصوم رمضان وغير ذلك من فرائض الإسلام.
وأما النفل فهو التطوع، وهو كل عبادة حث عليها الشارع ورغب فيها ولم يعزم عليها ولم يوجبها، سواء في ذلك النفل في الصلاة أو الصدقة أو الحج أو غير ذلك من النوافل المستحبات من العبادات والمعاملات.
فمفاد القاعدة: أن الفرض يجب أن يؤدى كاملاً، ثم من شاء أن يتنفل بعد تمام فرضه فله ذلك، أما من أراد أن يتنفل قبل تمام فرضه ويخلط الفرض بالنفل وخاصة في الصلاة فذلك مفسد ومبطل لصلاته، فلا تصح صلاته فرضاً ولا نفلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من صلى الفجر ثم قبل أن يسلم أراد أن يتطوع بركعتين أخريين، فقد فسد فرضه، ولم يعتبر نفله.
стр. 1790
وأما من كان مسافراً وصلى ركعتين من الرباعية، ثم قبل السلام نوى الإِقامة فعليه الإتمام، ويأتي بركعتين أخريين، وإلا فسدت صلاته. ولكن نية الإِقامة لا تصح إلا بمكان يصلح للإقامة وإلا فلم تصح. وبالتالي لا تصح صلاته.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
إذا صلى المسافر ركعتين تامتين ثم قعد عند التشهد، ثم قام فقرأ وركع وسجد، ثم نوى الإِقامة - فقد استحكم خروجه من الفرض بتقييد الركعة أي الثالثة بالسجدة فلا يتغير فرضه بنية الإقامة - لأنها جاءت متأخرة - ولكنه متنفل بركعة فيضيف إليها ركعة أخرى ليكون شفعاً.
ففي هذه الصورة لا تبطل صلاته. فقد انفصل فرضه عن نفله، فأخذ كلٌّ حكمه.
стр. 1791
القاعدة الخامسة والعشرون [خلف الوعد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
الخلف في الوعد حرام (١).
وفي لفظ: الوعد يحرم الخلف فيه. (٢) وتأتي في حرف الواو إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الوعد: فَعْل - فهو مصدر لوعد يعد إذا وعد خيراً؛ لأنه حاصل عن كرم.
فمفاد القاعدة: أن من وعد عدة بخير وكرم فيجب عليه الوفاء به؛ لأن عدم الوفاء بهذا الوعد حرام، وعدم الوفاء هو معنى الخلف؛ لأنه نوع من الكذب والكذب حرام، وأيضاً الخلف في الوعد من صفات المنافقين كما ذكر ذلك رسول الله ﷺ في الحديث "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". (٣) ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق.
وقد قيد بعضهم الخلف المحرم المذموم إذا تضرر به الموعود ولم يخالف الشرع، أو كان الوعد تعليقاً لشيء على شيء، أو فى بيع الوفاء فيجب الوفاء.
стр. 1792
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال له: إذا فعلت ما أشرت به عليك فلك عندي كذا، أو أنني أعدك بأن أعطيك كذا. فهذا يجب الوفاء به ولا يجوز الخلف فيه.
ومنها: بيع الوفاء: وهو أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بمالك عليَّ من الدين، على أنني متى قضيت الدين فهو لي (١). فهنا إذا قضي الدين وجب على المشتري رد العين لصاحبها.
стр. 1793
القواعد السادسة والسابعة والثامنة والعشرون [الخَلَف والأَصل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الخَلَف إنما يجب بالسبب الذى وجب به الأصل. (١)
ومنها: حكم الخلافة باتحاد السبب. (٢) وقد سبقت في قواعد حرف الحاء تحت رقم
وفي لفظ الخلف عن شيء يقوم مقامه عند فواته. (٣)
وفي لفظ: الخَلَف يعمل عمل الأصل عند عدم الأَصل (٤).
وفي لفظ: الخَلَف لا يكون أقوي - أو فوق - الأصل. (٥)
وفي لفظ: قيام الأَصل يمنع ظهور حكم الخلف. (٦) وتأتي في حرف القاف إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذا القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تدل على ثلاثة أمور تتعلق بالبدل - وهو الخلف عن الأَصل.
стр. 1794
الأول: أن الخلف أو البدل أنما يجب بالسبب الذي وجب به أصله. وهذا مدلول القاعدتين الأولى والثانية.
والثاني: أن الخلف أو البدل إنما يقوم مقام أصله ويعمل عمل أصله عند فوات الأصل وعدم وجوده.
وهذا مدلول القاعدتين الثالثة والرابعة.
والثالث: أن الخلف أو البدل لا يكون أقوى من الأَصل أو فوقه بل دائماً يكون البدل دون الأَصل وأضعف منه مركزاً.
وهذا مدلول القاعدة الخامسة. وبناء عليه إذا وجد الأَصل منع من ظهور البدل لأنه أضعف منه، وهذا مدلول القاعدة الأخيرة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
التيمم خَلَف وبدل عن الماء عند عدم وجوده أو تعذر استعماله، وسبب التيمم هو سبب استعمال الماء وهو إرادة التطهر من الأَحداث للصلاة أو غيرها مما يحتاج إلى طهارة وإن كانت طهارة التيمم حكمية، فهو أضعف من الماء في التطهير.
ومنها: الأَجنبي الذي يعول اليتيم - وليس بوصي له ولا بينهما قرابة - وليس لهذا اليتيم أحد سواه - جاز أن يقبض ما يوهب له؛ لأن من يعول اليتيم خلف عن وليه؛ ولأنه أحق بحفظه وتربيته فهو بمنزلة وليه.
ومنها: أنه عند الوجود الماء والقدرة على استعماله يسقط البدل وهو التيمم فلا يجوز.
ومنها: أن الوكيل نائب عن الأصيل فيما وكل به، فإذا حضر الأصيل فلا عمل للوكيل بوجوده إلا بإذنه.
ومنها: إذا قلعَ سِنَّ آخرَ فيجب أرشها، ولكن إذا نبت مكانها سن أخرى سقط الحكم ولا يجب الأرش.
стр. 1795
القاعدة التاسعة والعشرون [الخلوة الصحيحة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الخلوة الصحيحة بالزوجة كالدخول في الأحكام. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخلوة: هي انفراد الرجل مع المرأة بعد العقد عليها. وتكون الخلوة صحيحة إذا لم يكن مانع يمنع الرجل من جماع المرأة، سواء أكان المانع منها كالحيض أو الصوم أو الإحرام، أم كان منه كالصوم والإحرام، أم من غيرهما كوجود أخر معهما ولو نائماً. والمراد بالدخول: الجماع.
فمفاد القاعدة: أن الرجل إذا عقد على امرأة ثم خلا بها وانفردا بدون مانع من الجماع فإن هذه الخلوة ينبني عليها الأَحكام المترتبة على دخول الرجل بالمرأة وجماعه لها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يثبت بالخلوة الصحيحة تمام المهر للزوجة حتى لو طلقها ولم يمسها.
ومنها ثبوت نسب الولد منه لو حملت وولدت في المدة.
ومنها: ثبوت نفقتها عليه.
ومنها: ثبوت العدة عليها لو طلقها بعد هذه الخلوة.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
لا يثبت الإِحصان لكليهما. كما لا يثبت حرمة البنت لو كانت المختلى بها الأُم. ولا يثبت بالخلوة الحل للزوج الأول، لاشتراط الدخول الفعلي.
كما لا يثبت بها الرجعة، ولا الإرث، ولا توجب حرمة المصاهرة.
стр. 1796
القاعدة الثلاثون: [الخيار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الخيار يشترط للفسخ لا للإجازة. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخيار: في اللغة: فِعال من الخير، فهو اسم بمعنى الاختيار.
واصطلاحاً: هو كون أحد العاقدين في فسحة من اختيار العقد أو تركه.
والخيارات على ثمانية عشر قسماً:
فمفاد القاعدة: أن الخيار - وبخاصة خيار الشرط - إنما يشترط حين التعاقد لإمكان فسخ العقد لا لإجازته، لأن العقد تام وإنما توقف نفاذه على الشرط، ففي خلال مدة الشرط لصاحب الشرط حق فسخ العقد لا إجازته، لأن إجازة العقد ونفاذه يتوقف على انتهاء مدة الشرط أو إسقاطه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من اشترى شيئاً لم يره فله خيار الرؤية، فإن رآه إما أعجبه إذا رآه وافياً بغرضه مستوفياً لشروطه فيتم العقد وينفذ، وإلا فسخ العقد لاختلاف المرئي عن الموصوف.
ومنها: من اشترى شيئاً على أنه بالخيار ثلاثة أيام، أو على أن يستشير شريكه مثلاً، فإذا انتهت مدة الثلاثة أيام فقد تم العقد ونفذ ولزم المشتري ما اشتراه أو البائع ما باعه إن كان الخيار له، وإلا فيمكن فسخ العقد من خلال المدة، أو عند عدم موافقة الشريك أو رضائه بالعقد.
стр. 1797
القاعدة الحادية والثلاثون: [خير الأمور]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
خير الأمور أوساطها (١). حديث شريف
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم، قال في كشف الخفاء: قال ابن الغرس (٢): ضعيف. وقال في المقاصد الحسنة: رواه ابن السمعاني (٣) في ذيل تاريخ بغداد، لكن بسند فيه مجهول عن علي ﵁ مرفوعاً.
وللديلمي (٤) بلا سند عن ابن عباس مرفوعاً: "خير الأعمال أوسطها".
ويشهد لهذا الخبر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (٥) ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
стр. 1798
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١)(٢) وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٣) أي عدولاً، لأن الوسط معناه العدل من كل شيء.
وقد أخرجه أيضاً الزبيدي (٤) في الإتحاف ج ٦ ص ٤٦٥، ج ٧ ص ٣٣٦، ٤٢٢، وج ٨ ص ١٣ والقاضي عياض (٥) في الشفا ج ١ ص ١٧٥، والقرطبي (٦) في التفسير ج ٢ ص ١٥٤، ج ٥ ص ٣٤٣، ج ٦ ص ٧٢٦ وغيرها.
ومفاد الحديث أن الخير في الاعتدال في كل شيء، حيث لا إفراط ولا تفريط، وحيث أن الفضيلة وسط بين رذيلتين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اختلف الوارث والوصي يؤخذ بأوسط الأعداد.
ومنها: إذا وجبت قيمة على إنسان واختلف المقومون فإنه يقضى بالوسط (٧)
стр. 1799
القسم الرابع
قواعد
حرف
الدال الذال الراء الزاي
أولاً: قواعد حرف الدال
стр. 1800
القاعدة الأولى: [الغالب - النادر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الدائر بين الغالب والنادر، إضافته إلى الغالب أولى. (١)
وفي لفظ: النادر ملحق بالغالب في الشريعة. (٢) وتأتي في حرف النون إن شاء الله.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
سبق في قواعد حرف الحاء تحت رقم ٩٧ معنى الغالب والنادر وحكمهما.
وهاتان القاعدتان تؤكدان معنى ما سبق، وهو أن الحكم للغالب لا للنادر، وأن النادر لا حكم له منفرداً، وإنما هو ملحق بالغالب فحكمه حكمه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
في حديث رسول الله ﷺ في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٣) دليل على حل ما مات في البحر - ولو حتف أنفه - ولا يحتاج ما في البحر إلى ذكاة.
ومن حيوانات البحر ما يعيش تارة في البر كالتمساح والسلحفاة - المسماة ترس - وفرس النهر وأشباه ذلك. فهل هذه تذكى ذكاة حيوان
стр. 1801
البر، أم هي ملحقة بحيوان البحر؟ من نظر إلى أن الغالب في حيوان البحر حل ميتته بغير ذكاة حمل عليه وأَلحق به ما هو بحري، وإن كان يعيش تارة في البر وتارة في البحر. إلحاقاً للنادر بالغالب.
ومنها في قوله ﷺ "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" (١) فهل قوله ﷺ هذا تصرف بالفتوى فيجوز لكل أحد أن يحيي بدون إذن الإمام أو بغير إذنه، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، أو هو تصرف منه ﷺ بالإمامة، فلا يجوز لأحد أن يحيي إلا بإذن الإمام وهو مذهب أبي حنيفة ﵀؟
قال القرافي ومذهب مالك والشافعي - وأحمد - رحمهم الله تعالى في الإِحياء أَرجح، لأن الغالب من تصرفه ﷺ الفتيا والتبليغ، والدائر بين الغالب والنادر إضافته إلى الغالب أولى.
стр. 1802
القاعدة الثانية: [دار الإسلام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
دار الإسلام دار أحكام (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تتميز دار الإِسلام عن دار الحرب بكون دار الإِسلام داراً تطبق فيها أحكام الإِسلام وينفذ فيها شرع الله .
فأيما دار أَمكن فيها تطبيق وتنفيذ أحكام الله فهي دار إسلام، ولو كان كثير من أهلها كفاراً.
وأيما دار لا يمكن فيها تطبيق أحكام الله فهي ليست دار إسلام بل دار حرب، وإن كان أهلها مسلمين.
فإذن الذي يميز دار الإِسلام عن دار الحرب هو تطبيق شرع الله وتنفيذه كما أمر الله وكما أمر رسول الله ﷺ .
وعلى ذلك فباختلاف المنعة والملك لا تتباين الدار بين المسلمين لأَن حكم الإِسلام يجمعهم، هذا إذا كانوا جميعاً يحكمون بشرع الله، وإن انفرد كل حاكم بجزء من أرض الإِسلام يَحْكُمه.
وأما في عصرنا الحاضر فقد انقسمت البلاد الإِسلامية إلى دول متعددة وجنسيات مختلفة يحكم منها كل حاكم - ملك أو رئيس أو أمير - يطبق على الناس قوانين وأنظمة وضعية يختلف مصدرها بين بلد وآخر، وعطل شرع الله من أكثرها ومن أكثر أحكامها إلا من رحم الله - وقليل ما هم -، فلم تعد الدار دار إسلام وإن كان سكانها مسلمين، بل بناء
стр. 1803
على هذه القاعدة، فإن كل دار لا تحكم بشرع الله هي دار حرب، والله المستعان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المسلم يرث قريبه المسلم إذا كان في بلد غير بلده، وهما من بلاد الإسلام.
كما أن الذمي في أي بقعة من دار الإِسلام يرث قريبه الذمي الهالك في غير بلده ما دام في دار الإِسلام.
وأما الحربي إذا مات في دار الحرب فلا يرثه قريبه الذمي؛ لإختلاف الدارين وكذلك إذا مات ذمي - وله قريب في دار الحرب - فلا يرثه؛ لاختلاف الدارين. ولكن ماله يصرف إلى بيت المال إذا لم يكن له وارث في دار الإِسلام، كالمسلم الذي لا وارث له إذا مات.
ومنها: أن المسلم أو الذمي إذا ارتكب جناية في بقعة من دار الإِسلام وحكم عليه بجناية، ثم فر قبل تنفيذ الحكم إلى بقعة أخرى من بقاع الإِسلام، فإن على حاكم البقعة أن يقبض عليه، فأما يرده إلى بلده لينفذ فيه شرع الله، وأما ينفذ هو شرع الله فيه إذا علم بجنايته والحكم فيها؛ لأَن شرع الله حاكم على جميع من في أرض الإِسلام ما دام حكامها يحكمون به.
стр. 1804
القاعدة الثالثة [دار الحرب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
دار الحرب في حكم موضع واحد فيما يبتنى عليه استحقاق الغنيمة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
كما سبق الدار داران: دار إسلام ودار حرب، فدار الإِسلام هي الدار التي يطبق فيها شرع الله ودار الحرب ما سواها، سواء أكان أهلها من ملة واحدة، أم اختلفت أديانهم ومللهم، فكلهم في نظر الإِسلام دار واحدة وملة واحدة.
ومفاد القاعدة: إن دار الحرب وإن اختلفت مواضعها فحكمها حكم موضع واحد ودار واحدة فيما يبتنى عليه استحقاق الغنيمة وغيره من الأَحكام. فالغنيمة عند الحنفية لا يستحقها الغانمون بالقسمة إلا إذا أُحرزت في دار الإِسلام، ولا يغير هذا الحكم إذا أُخذت من موضع في دار الحرب ثم نقلت إلى موضع آخر غير دار الإِسلام. فكل مواضع دار الحرب يعتبر في حكم موضع واحد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا خرج المجاهد بفرسه من دار الإِسلام إلى دار الحرب يعتبر فارساً، ويستحق سهم فارس، حتى لو أعار فرسه لغيره وقاتل راجلا في إحدى المعارك فهو يستحق سهم فارس، إذ يبقى له سهم فارس ما بقي فرسه حيّاً في دار الحرب ولو كان معاراً.
ومنها: أن المدد الذي يلحق لمعاونة الجيش والسرية يشاركون العسكر وأَصحاب السرية في الغنيمة ولو لم يقاتلوا إذا التقى المدد والعسكر في دار الحرب.
стр. 1805
القاعدة الرابعة: [داعية الطبع: الوازع الطبيعي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
داعية الطبع تجزئ عن تكليف الشرع. (١)
وفي لفظ: الوازع الطبيعي مغن عن الإيجاب الشرعي. (١) وتأتي في حرف الواو إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشرع الحكيم منع المكلفين عن أَشياء وحرمها عليهم كشرب الخمر والزنا والسرقة وغيرها، مما حدَّ عليها حدودا، ورتب على فعلها عقوبات، لقيام بواعثها. ولكن هناك أَشياء حكم الشارع بنجاستها وثبت ضررها، ولكنه لم يحد عليها حدودا، ولم يرتب على الإقدام عليها عقوبات، لأَن طبع الإنسان السوي ينفر من الإقدام عليها. ومن هنا أَقام الشارع الحكيم الوازع الطبيعي ونفرة النفس مقام الإيجاب الشرعي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
البول والدم والعذرة كلها نجسة، ولم يرتب الشارع على تناولها عقوبة أو حدّاً اكتفاء بأن الوازع الطبيعي عند الإنسان السوي يمنعه من تناول هذه الأشياء لقذارتها.
فأقيمت داعية الطبع مقام تكليف الشرع في هذه الأمور وأشباهها.
стр. 1806
القاعدة الخامسة [الدافع بغير حق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الدافع بغير حق ضامن كالقابض (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومسائلها:
المراد بالدافع: المعطي.
ومفاد القاعدة: أن من أعطى استحقاقا لغير صاحبه بغير حق أو بغير إذن من صاحبه فهو ضامن لما أعطاه ودفعه؛ لأَن إِعطاءهَ غير صاحبه ظلم وتفريط، فهو ضامن.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى سلعة ثم دفع ثمنها لغير البائع - بغير إذنه - فهو ضامن للثمن، ولا تبرأ ذمته منه، وللبائع حق حبس السلعة حتى يستوفي الثمن.
ومنها: إذا دفع مهر زوجته لأَبيها أو أخيها - بغير رضاها - فهو ضامن ولا تبرأ ذمته من المهر؛ لأَنه دفع لغير صاحب الحق بغير إذن أو رضى منه.
ومنها: المودَع الذي أدَّى الوديعة إلى غير المودِع - بغير إذنه - وأَقر على ذلك هو ضامن, لأنه دفع بغير حق.
стр. 1807
القاعدة السادسة [الأَعم، الأَخص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الدال على الأعم غير دال على الأخص. (١) أصولية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى العام والأَعم والخاص والأَخص.
ومفاد القاعدة: أن اللفظ يدل على أَمر عام لا يدل على أَمر خاص بدون قرينة؛ لأَن العام وإن كان يشمل الخاص بعمومه لكنه لا يدل عليه بخصوصه، لاحتمال أَن يدل على غيره مما يشترك معه في أَصل العموم.
ولذلك فإن دلالة العام على الخاص لا تكون بدون قرينة مخصصة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لامرأَته "حبلك على غاربك" فهل هذا اللفظ يدل على الطلاق المحرَّم؟
الأَصل أن هذا مَثَل، حقيقته في الحيوان كالفرس أو البقرة التي يريد صاحبها تركها ترعى كما شاءت، فهو يترك حبلها الذي يربطها به على كتفها لتتحرك بحرية في الرعي دون تقييد، فإذا قال لامرأته ذلك فهو إما يريد حقيقة معنى اللفظ فيكون كذبا لا يبنى عليه حكم، وإما أن يريد نقل هذا اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، بأن يشبه المرأَة بالبقرة أو الفرس في مطلق تصرفها وأنه لا حجر عليها، وهذا معنى إنشائي عام لا يتحقق إلا
стр. 1808
بقرينة، وهي نية نقل اللفظ من الإخبار إلى الإنشاء، والإِنشاء عام يشمل إرادة الطلاق وغيره، فإذن لا بد له من نية أخرى تخصصه وهي نية وإرادة المعنى الخاص وهو زوال العصمة، فحينئذ يقع الطلاق (١).
ومنها: إذا قال لم: أر اليوم أَحدا، (فأحدا) لفظ عام يشمل كل أحد رجلاً أو أُنثى صغيرا أو كبيرا على أي صفة كانت، ولا يجوز حمله على أَحد مخصوص - كزيد - مثلا إلا بقرنية تخصصه، أو على إنسان داخل أو خارج بعينه إلا بقرنية مخصصة.
стр. 1809
القاعدة السابعة [المفاسد - المصالح - المنافع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
درء المفاسد أولى من جلب المصالح - أو المنافع. إلا إذا كانت المصلحة أعظم (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من أَدلة ثبوت هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بالشيء فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (٣).
المراد بدرء المفاسد دفعها ورفعها وإزالتها.
وإذا تعارضت مفسدة ومصلحة أو مضرة ومنفعة، فرفع المفسدة يقدم في الغالب إلا أَن تكون المفسدة مغلوبة؛ وذلك لأَن اعتناء الشرع بترك المنهيات أَشد من اعتنائِه بفعل المأمورات، لما يترتب على فعل المناهي من الضرر المنافي لحكمة الشارع في النهي.
стр. 1810
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
تحريم الربا والزنا وبيع الخمور مع أن فيها منافع لأَهلها، ولكن المضار الناتجة عنها أشد وأعظم.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
هجرة المرأة المؤمنة من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام ولو لم تجد محرماً، حفاظا على دينها.
ومنها: المتحيرة التي ليس لها عادة في الحيض قالوا عليها صلاة الفرائض أَبدا احتياطا لمصلحة الصلاة، ولم تحتط لدرء المفسدة الحاصلة من الصلاة مع الحيض.
стр. 1811
القاعدة الثامنة [الدراهم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الدراهم لا تكون مضمونة إلا بمثلها. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدراهم جمع درهم، والمراد بالدراهم في هذه القاعدة مطلق المال الذي يعتبر ثمناً للأشياء، سواء أكان دراهم أم دنانير أم ورقا، كما هو السائد في عصرنا.
فمفاد القاعدة: أن النقد إنما يكون مضمونا عند فواته أو استهلاكه وهلاكه بمثله نوعا وقدرا، فلا يجوز بنقد آخر، إلا عند العجز فيجوز بالقيمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من اقترض من آخر عشرة آلاف ريال أو دينار، فعليه رد مثلها حين حلول الأَجل.
ومنها: من غصب من آخر نقدا من عملة معينة وأتلفه فعليه مثله لصاحبه المغصوب منه قدرا وصفة ونوعا.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
إذا اقترض شخص من آخر مبلغا من المال من عملة أو نقد ورقي في زمننا هذا ثم أُلغيت هذه العملة وبطل التعامل بها فعلى المقترض قيمتها يوم اقترضها يؤديها لصاحبها حتى لا يتضرر المقرض.
стр. 1812
القاعدة التاسعة [الدراهم والدنانير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الدراهم والدنانير جنسان صورة ولكنهما جنس واحد معنى ومقصوداً؛ لأن المعنى المطلوب بهما الثمنية (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند الحنفية ومالك ورواية عن أحمد رحمهم الله تعالى أن الدراهم - وهي النقد المضروب من الفضة - والدنانير وهي النقد المضروب من الذهب - وإن كانا في الواقع جنسين من معدنين مختلفين لكنهما عند التعامل يعتبران جنسا واحدا؛ من حيث إن المعنى المقصود والمطلوب بهما كونهما ثمنا للأشياء.
هذا حينما كان الذهب والفضة ثمنا للأشياء وتعامل الناس بهما، ولكن في عصرنا الحالي والتعامل قائم بالعملة الورقية المسماة - بنكنوت - فإن كل عملة تعتبر قائمة بذاتها وجنسا خاصا لا يشبه الجنس الآخر والعملة الأخرى لبلد آخر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استدان شخص من آخر مائة دينار، فله أَن يؤدي عنها قيمتها من الدراهم.
ومنها: إذا اشترى سلعة بثمن مقدر بالدراهم فله أن يدفع الثمن بالدنانير مقدرا قيمتها بالدراهم.
стр. 1813
ومنها: إذا كان عنده عشرة مثاقيل من الذهب ومائة درهم من الفضة فقد بلغ ما يملكه نصاباً عند الحنفية ورواية عند أحمد (١)، وهو قول مالك (٢) أيضاً، فيخرج عنه الزكاة إذا حال عليهما الحول.
وقيل: يضمان بالقيمة؛ فمن كان عنده تسعة مثاقيل تساوي مائة درهم، وعنده أيضاً مائة درهم ضما إلى بعضهما ووجبت فيها، الزكاة وقيل: يكمل أَحدهما بالأَحظ للفقراء من الأَجزاء أو القيمة (٣).
стр. 1814
القاعدة العاشرة [الريب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. (١) حديث شريف
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم رواه أبو داوود والطيالسي (٢) وأحمد وأبو يعلى (٣) الموصلي في مسانيدهم، كما رواه الدارمي (٤) والترمذي والنسائي وآخرون عند الحسن بن علي ﵄.
وقال الترمذي حديث: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح
стр. 1815
الإسناد، وصححه ابن حبان. (١)
ومعنى يريبك يقال: رابه يريبه وأرابه يريبه ريبة، وهي الشك والتردد.
فمفاد الحديث: إذا شككت في شيء فدعه إلى ما لا شك ولا ريب فيه.
أي إذا شككت في حل شيء وحرمته والتبست عليك الأمور ولا مرجح فدع ما شككت فيه فهو أَسلم لدينك؛ لأَن ترك ما يشك فيه أصل عظيم في الورع.
وقد روى الترمذي من حديث عطية السعدي (٢) مرفوعاً: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس".
وقال الخطابي (٣): كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه وهو على ثلاثة أقسام: واجب ومستحب ومكروه: فالواجب ما يستلزمه ارتكاب المحرم - أي أن يكون الشك في حل شيء وحرمته. والمندوب: اجتناب معاملة من أَكثر ماله حرام، والمكروه اجتناب الرخص المشروعة على سبيل التنطع (٤).
стр. 1816
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من أرسل كلبه المعلم على صيد وشاركه كلب غير معلم أو غير مسمى عليه فيجب عدم أكل الصيد للشبهة، وفيه حديث عدي بن حاتم ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أُرسل كلبي وأُسمي فأجد معه على الصيد كلبا آخر لم أُسَمِّ عليه ولا أدري أَيهما أخذ.
قال: لا تأكل إنما سميت على كلبك ولم تُسَم على الآخر (١).
ومنها: من تزوج امرأة ثم قيل إنك قد أرضعتك أمها، أو جاءت امرأة وقالت: قد أرضعتكما. فالورع الترك وبطلان النكاح.
стр. 1817
القاعدة الحادية عشر [الدعوة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
دِعوة الكافر لا تعارض دِعوة المسلم (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدِعوة: قال الأزهري (٢): الدعوة بالكسر: ادعاء الولد.
فمفاد القاعدة: أن ادعاء المسلم الولد لا يعارضه ادعاء الكافر؛ لأَن تصرف المسلم في ملكه أنفذ من تصرف الكافر. والدِعوة تصرف. ولأن دِعوة المسلم راجحة بالإِسلام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
جارية بين شريكين أحدهما ذمي - علقت - أي حملت فادعى ولدها كل منهما. فهو ابن للمسلم وترجح دعوته بالإِسلام لما فيه من ثبوت حكم الإِسلام للولد.
стр. 1818
القاعدة الثانية عشرة: [دعوى السبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
دعوى السبب كدعوى الحكم الثابت بالسبب. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدعوى: الإدعاء والإخبار.
فمفاد القاعدة: أن ذكر السبب والإخبار به يكون في قوة دعوى الحكم الثابت بالسبب، لأن الحكم مبني على السبب، فذكر السبب والمطالبة به يكون أَساساً للحكم المبني على ذلك السبب. فمن ادعى سبباً كان كمن ادعى حكماً ثابتاً بذلك السبب، فذكر السبب وسيلة للمطالبة بالحكم المبني عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وادع المسلمون المشركين علي مئة رأس يؤديها المشركون كل سنة، فإذا جاؤوا بها وقالوا كانوا أحراراً ولكنا قهرناهم بإذن ملكنا في دارنا حتى صاروا عبيداً لنا، وقال القوم: ما قهرونا ولا عرضوا لنا إلا عندكم. فالقول قولهم. ولا يحل للمسلمين أن يأخذوهم لأنهم يدعون عليهم سبب الرق - وهو القهر -، وهم ينكرون ذلك، فلا يقضى بِرِقِّهم حتى تقوم الحجة للمدعي، كأن يعترف المائة رأس بأنهم عبيد لهم. (٢)
ومنها: إذا ادعي على أحد سبب للرق وهو ينكر فلا يقضى بِرقِّه
стр. 1819
حتى تقوم الحجة للمدعي.
ومنها: إذا ادعى صاحب الوديعة على الأمين أنه أتلفها، وقال الأمين - أنها قد تلفت - بغير تعد ولا تقصير مني، فالقول قوله مع يمينه لأن المودع يدعي عليه سبب الضمان وهو تعمد الإتلاف، وهو ينكر هذه الدعوة.
стр. 1820
القاعدة الثالثة عشرة: [الدعوى بالمجهول]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الدعوى بالمجهول فاسدة. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدعوى بالمجهول فاسدة أي باطلة لا تقبل، ولا يجوز للقاضي أن يسمعها أو يطالب المدعي بالبينة، أو المدعى عليه باليمين، لأن كونها دعوى على مجهول دليل بطلانها. كما سبق في قواعد حرف الجيم رقم ٢٣.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادعى شخص على آخر أنه استهلك ماله، أو اغتصبه، وقال لا أدري مقداره. فإن هذه الدعوى غير مقبولة ولا يلتفت إليها، ولا يستحلف المدعي عليه.
ومنها: إذا ادعى أن فلاناً أوصى له بمال لا يعلم مقداره/ لا تقبل دعواه ولا يلتفت إليه. (٢)
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
إذا اتهِم وصي الميت أو قيم الوقف باستهلاك مال اليتيم أو مال الوقف، يستحلف، وإن لم يكن هناك شيء معلوم، نظراً للصغير والوقف.
стр. 1821
القاعدة الرابعة عشرة: [الدعوى على الغائب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الدعوى على الغائب بما هو سبب على الحاضر تسمع ويقضى بها. (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في الدعوى أن تكون على حاضر، أصيل أو وكيل، ولا تسمع دعوى على غائب.
لكن مفاد هذه القاعدة: أن الدعوى إذا كانت بسبب من حاضر وغائب أنها تسمع ويقصى بها، ولو كان فيها حكم على الغائب، لأن الحاضر مدعى عليه أيضاً بسبب متحد بينه وبين الغائب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل أتي بآخر للقاضي وقال: هذا كفل لي بمالي على فلان الغائب - بأمره - ولي على فلان الغائب ألف قَبْلَ كفالته. فأنا أطالبه بها باعتباره كفيلاً بأَمر الغائب.
وأقر الرجل بالكفالة وأنكر المال. فأقام المدعي البينة على الألف قبل كفالته. فتقبل بينته ويقضى بالكفالة والمال؛ لأنه ادعي على الغائب ما هو سبب لَحِقِّه على الحاضر. فينتصب الحاضر خصماً عن الغائب ويكون القضاء عليه قضاء على الغائب.
стр. 1822
ومنها: إذا أقام رجل دعوى على شريك في شركة مفاوضة - والشريك الآخر غائب - تقبل الدعوى، لأن شركة المفاوضة ينوب فيها كل واحد عن الآخر، والحكم على الحاضر هو حكم أيضاً على الغائب لوحدة السبب ووحدة المال في هذه الشركة.
إلا إذا كانت الدعوى على أحد الشريكين بسبب سابق على وجود الشركة.
ومنها: رجلان شهدا على رجل بحق من الحقوق فقال المشهود عليه: هما عبدان. فقالا: كلنا عبدين إلا أنا اعتقنا، وأقاما البينة على ذلك، فإن القاضي يقضي بعتقهما، ويكون ذلك قضاء على مولاهما، حتى لو حضر المولى وأنكر العتق لا يلتفت إلى إنكاره (١).
стр. 1823
القاعدة الخامسة عشرة: [الدعوى المتناقضة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الدعوى مع التناقض لا تصح (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في الدعوى أن تكون على أمر واضح بيِّن، وأن يَثْبت المدعي على دعواه حتى النهاية بالقضاء له أو عليه. بمعنى أن يبقى مدعياً بما ادعاه حتى يقيم البينة على ما يدعيه، أو توجه اليمين على خصمه المدعى عليه عند عدم البينة، وحتى يحكم القاضي في القضية.
ولكن إن ظهر تناقض من المدعي في دعواه بأن ذكر في آخر كلامه ما ينقض أوله فتعتبر الدعوى باطلة ولا تقبل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة:
إذا كفل رجل عن رجل بألف ريال بأَمره، ثم غاب الأصيل، فادعى الكفيل أن الألف من ثمن خمر - ليسقط الكفالة ولا يؤدي المال - لأن الخمر ليست مالاً بالنسبة للمسلم - فإن هذا الكفيل ليس بخصم في ذلك؛ لأنه التزم المطالبة بكفالة صحيحة، والمال يجب على الكفيل بالتزامه بالكفالة - وإن لم يكن واجباً على الأصيل - لأن الكفيل مناقض في دعواه؛ لأن التزامه بالكفالة إقرار منه أن الأصيل مطالب بهذا المال - والمسلم لا يكون مطالباً بثمن خمر - فيكون الكفيل مناقضاً في قوله: إن المال ثمن خمر، فهو التزم بالكفالة أَوَّلاً ثم أراد التهرب منها ثانياً بادعاء أَن المال من ثمن خمر حتى لا يلزم بأداء المكفول. ولذلك لا يقبل قوله: إن الألف من ثمن خمر.
стр. 1824
القاعدة السادسة عشرة: [تبعيض الدعوى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الدعوي هل تتبعض أو لا؟ (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالتبعيض: جعل الدعوى أبعاضاً أي أقساماً وأجزاء بحيث يؤخذ ببعضها ويهمل بعض آخر.
ومفاد القاعدة: أن الدعوى هل يمكن أن تقسم وتجزأ بحيث يحكم ببعض أجزائها دون بعض؟ خلاف عند المالكية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أقر رجل بطلاق امرأته ولكنه قال: طلقتها على مال - وذكره -. واعترفت الزوجة بوقوع الطلاق ولكنها أنكرت أنه على مال. فالدعوى هنا تتضمن شيئين: الطلاق، والمال. والطلاق معترف به من كليهما، والمال تنكره المرأة، فهل تحلف المرأة أنه طلقها على غير مال؟ فإذا حلفت لزم الطلاق وسقط المال. أو هل يحلف الزوج على ما قاله ويستحق المال. خلاف.
ومنها: إذا قال: طلقت وأنا مجنون. فهل يلزم الطلاق؟ عند ابن
стр. 1825
القاسم (١) لا يلزم الطلاق إذا علم أنه مجنون، وقال اللخمي (٢) وسحنون (٣). يلزم الطلاق.