← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

القاعدة الرابعة عشرة: [الدعوى على الغائب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الدعوى على الغائب بما هو سبب على الحاضر تسمع ويقضى بها. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل في الدعوى أن تكون على حاضر، أصيل أو وكيل، ولا تسمع دعوى على غائب. لكن مفاد هذه القاعدة: أن الدعوى إذا كانت بسبب من حاضر وغائب أنها تسمع ويقصى بها، ولو كان فيها حكم على الغائب، لأن الحاضر مدعى عليه أيضاً بسبب متحد بينه وبين الغائب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رجل أتي بآخر للقاضي وقال: هذا كفل لي بمالي على فلان الغائب - بأمره - ولي على فلان الغائب ألف قَبْلَ كفالته. فأنا أطالبه بها باعتباره كفيلاً بأَمر الغائب. وأقر الرجل بالكفالة وأنكر المال. فأقام المدعي البينة على الألف قبل كفالته. فتقبل بينته ويقضى بالكفالة والمال؛ لأنه ادعي على الغائب ما هو سبب لَحِقِّه على الحاضر. فينتصب الحاضر خصماً عن الغائب ويكون القضاء عليه قضاء على الغائب.

стр. 1822

ومنها: إذا أقام رجل دعوى على شريك في شركة مفاوضة - والشريك الآخر غائب - تقبل الدعوى، لأن شركة المفاوضة ينوب فيها كل واحد عن الآخر، والحكم على الحاضر هو حكم أيضاً على الغائب لوحدة السبب ووحدة المال في هذه الشركة. إلا إذا كانت الدعوى على أحد الشريكين بسبب سابق على وجود الشركة. ومنها: رجلان شهدا على رجل بحق من الحقوق فقال المشهود عليه: هما عبدان. فقالا: كلنا عبدين إلا أنا اعتقنا، وأقاما البينة على ذلك، فإن القاضي يقضي بعتقهما، ويكون ذلك قضاء على مولاهما، حتى لو حضر المولى وأنكر العتق لا يلتفت إلى إنكاره (١).

стр. 1823

القاعدة الخامسة عشرة: [الدعوى المتناقضة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الدعوى مع التناقض لا تصح (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل في الدعوى أن تكون على أمر واضح بيِّن، وأن يَثْبت المدعي على دعواه حتى النهاية بالقضاء له أو عليه. بمعنى أن يبقى مدعياً بما ادعاه حتى يقيم البينة على ما يدعيه، أو توجه اليمين على خصمه المدعى عليه عند عدم البينة، وحتى يحكم القاضي في القضية. ولكن إن ظهر تناقض من المدعي في دعواه بأن ذكر في آخر كلامه ما ينقض أوله فتعتبر الدعوى باطلة ولا تقبل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة: إذا كفل رجل عن رجل بألف ريال بأَمره، ثم غاب الأصيل، فادعى الكفيل أن الألف من ثمن خمر - ليسقط الكفالة ولا يؤدي المال - لأن الخمر ليست مالاً بالنسبة للمسلم - فإن هذا الكفيل ليس بخصم في ذلك؛ لأنه التزم المطالبة بكفالة صحيحة، والمال يجب على الكفيل بالتزامه بالكفالة - وإن لم يكن واجباً على الأصيل - لأن الكفيل مناقض في دعواه؛ لأن التزامه بالكفالة إقرار منه أن الأصيل مطالب بهذا المال - والمسلم لا يكون مطالباً بثمن خمر - فيكون الكفيل مناقضاً في قوله: إن المال ثمن خمر، فهو التزم بالكفالة أَوَّلاً ثم أراد التهرب منها ثانياً بادعاء أَن المال من ثمن خمر حتى لا يلزم بأداء المكفول. ولذلك لا يقبل قوله: إن الألف من ثمن خمر.

стр. 1824

القاعدة السادسة عشرة: [تبعيض الدعوى] أولاً: لفظ ورود القاعدة الدعوي هل تتبعض أو لا؟ (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالتبعيض: جعل الدعوى أبعاضاً أي أقساماً وأجزاء بحيث يؤخذ ببعضها ويهمل بعض آخر. ومفاد القاعدة: أن الدعوى هل يمكن أن تقسم وتجزأ بحيث يحكم ببعض أجزائها دون بعض؟ خلاف عند المالكية. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أقر رجل بطلاق امرأته ولكنه قال: طلقتها على مال - وذكره -. واعترفت الزوجة بوقوع الطلاق ولكنها أنكرت أنه على مال. فالدعوى هنا تتضمن شيئين: الطلاق، والمال. والطلاق معترف به من كليهما، والمال تنكره المرأة، فهل تحلف المرأة أنه طلقها على غير مال؟ فإذا حلفت لزم الطلاق وسقط المال. أو هل يحلف الزوج على ما قاله ويستحق المال. خلاف. ومنها: إذا قال: طلقت وأنا مجنون. فهل يلزم الطلاق؟ عند ابن

стр. 1825

القاسم (١) لا يلزم الطلاق إذا علم أنه مجنون، وقال اللخمي (٢) وسحنون (٣). يلزم الطلاق.

стр. 1826

القاعدة السابعة عشرة: [دفع الدعوى] أولاً: لفظ ورود القاعدة: دفع الدعوي صحيح، وكذا دفع الدفع. وكما يصح الدفع قبل إقامة البينة يصح بعدها، وكما يصح قبل الحكم يصح بعده. وكما يصح عند الحاكم الأول يصح عند غيره. وكما يصح قبل الاستمهال يصح بعده. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة مهمة جداً، وهي معمول بها الآن في كل البلدان وكل الأَنظمة، والدفع في اللغة - كما قال ابن فارس - التنحية، والمراد بالدفع هنا: نقض الدعوى وتنحية المدعي وصرفه عن دعواه. والبينة: الشهود، والأَدلة. والاستمهال: طلب المهلة لإِقامة البينة واستيفاء الأَدلة. فمفاد القاعدة: أن للمدعى عليه دفع دعوى خصمه ونقضها، كما أَنَّ للمدعي دفع ذلك الدفع ونقضه. والدفع يصح ويجوز في كل الحالات سواء قبل الحكم للمدعي أو بعده، وقبل إقامة البينة أو بعدها، ويصح أيضاً عند الحاكم الأول وعند غيره. كما يصح قبل استمهال المدعي للاتيان ببينته أو بعده. وهذه القاعدة مهمة لأنها تقيم الدليل على جواز جعل المحاكم درجات - كما هو حاصل الآن - وحق المدعى عليه في استئناف الدعوى، وحق المدعي في استئناف آخر بعد استئناف المدعى عليه حتى تصل القضية

стр. 1827

إلى محكمة النقض أو إلى أعلى محكمة في البلاد حيث يكون حكمها ملزماً لا يجوز دفعه ولا رفعه ولا نقضه، وذلك لوجوب إنهاء النزاع حتى لا يستمر إلى غير نهاية. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: برهن مدع على مال له على آخر وحكم له به، ثم برهن خصمه أن المدعي أقر قبل الحكم أنه ليس عليه شيء، يبطل الحكم. وقيل لا يبطل الحكم لاحتمال حدوث الدين بعد إقراره. ومنها: حكم له بمال ثم رفعا إلى قاض آخر وجاء المدعى عليه عند القاضي الثاني بالدفع، قالوا: يسمع الدفع ويبطل الحكم الأول. ومنها: إذا ادعى المدعى عليه البراءة واستمهل يومين فلم يأت بالدفع وحكم عليه، ثم أتى بالبينة وبرهن على البراءة فالمختار أنه تقبل ويبطل الحكم. وهذا يخالف المعمول به في المحاكم بأن للاستئناف مدة محددة لا يقبل بعدها. رابعاً: ومما استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا قال المدعى عليه: لي دفع ولم يبين وجهه لا يلتفت إليه ويحكم عليه. ومنها: إذا قال: لي بينة غائبة عن البلدة وبَيَّن وجه الدفع لا يقبل. أما لو ادعى إيفاء الدين وقال: لي بينة في البلدة. يمهله القاضي إلى مجلس أخر فإن لم يبرهن يحكم عليه. (١)

стр. 1828

القاعدة الثامنة عشرة: [دفع الضرر] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: دفع الضرر واجب بحسب الامكان. (١) وفي لفظ: الضرر يدفع بقدر الامكان. (٢) وتأتي في قواعد حرف الضاد إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دفع الضرر قبل وقوعه، أو رفعه بعد وقوعه واجب، لأن الضرر في الشرع ممنوع ومدفوع. ولكن دفع الضرر ليس مطلقاً، بل هو مشروط بحسب الإمكان والقدرة، حيث إن دفع الضرر بضرر مثله لا يجوز، ودفعه بضرر أعلى منه أولى بعدم الجواز؛ لأن دفع الضرر لما فيه من المفسدة، فدفعه بضرر أعلى منه أو مثله لا يزيل المفسدة، بل قد يزيدها. والأصل أن يزال الضرر ويدفع بغير ضرر أصلاً، أو بضرر أخف قدر الإمكان - أي الاستطاعة -؛ لأن التكليف الشرعي مقترن بالقدرة على التنفيذ ومقيد بالوسع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: شرع الجهاد لدفع شر الأعداء، ووجبت العقوبات لقمع الاجرام، وصيانة الأمن، ووجب سد ذرائع الفساد وأبوابه من جميع أنواعه.

стр. 1829

ومنها: شرع حق الشفعة لدفع الضرر المتوقع من الشريك أو الجار. ومنها: شرع الحجر على المفلس والسفيه لدفع ضرر سوء تصرفاتهما المالية. ومنها: إذا غصب ثوباً ثم صبغه، فإن المغصوب منه له الحق في استرداد ثوبه، ولكن دفع الضرر عن الغاصب بإيجاب قيمة صبغه على المغصوب منه - لكن هذا مشروط بأن يكون الصبغ يزيد من قيمة الثوب لا أن ينقصها. فإذا كان الصبغ ينقص من قيمة الثوب فعلى الغاصب ضمان ما نقص الثوب. كل ذلك إلى جانب العقوبة التعزيرية للغاصب.

стр. 1830

القاعدة التاسعة عشرة: [دفع الضرر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: دفع الضرر عن المسلمين واجب. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى سابقتها، ولكن تلك تفيد دفع الضرر عن العامة والخاصة، وهذه مفادها دفع الضرر عن الإِسلام وأهله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال أمير المسلمين لأهل حصن: لا أَمان لكم إن آمنكم مسلم أو أتاكم برسالة مني حتى آتيكم أنا فأؤمنكم بنفسي. فإذا أَتاهم مسلم وقال: إني رسول الأمير إليكم قد آمنكم - وكان كاذباً - فنزلوا على ذلك، فهذا الأَمان باطل، وهم فيء؛ لأن الأمير اشترط عليهم أن لا يؤمنهم إلا هو - لمصلحة المسلمين - وقد تقدم إليهم بذلك، فنزولهم على أمان غيره لا يعتبر أماناً؛ لأن قول الأمير بمنزلة النبذ لكل أمان إليهم، إلا أمانا يسمعونه من لسانه. ومنها: على من ولي أمراً من أمور المسلمين أن يكون همه مصلحة الإسلام والمسلمين ودفع الضرر عنهم ما أَمكنه، والتهاون في ذلك خيانة لمن ولاه الله أمرهم.

стр. 1831

القاعدة العشرون [دفع ما ليس بواجب] أولاً: لفظ ورود القاعدة دفع ما ليس بواجب عليه يُسْتَرد. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الواجب على المكلف أداء ما يجب عليه أداؤه. فإذا دفع ما وجب عليه فقد أَدَّى ما عليه وبرئت ذمته، ولا حق له في استرداد ما دفعه بعد ذلك. ولكن إذا حدث أن أَدَّى إنسان ما لا يجب عليه بطريق الخطأ، فله حق استراد واسترجاع ما دفعه، ولا حق لآخذه في منعه منه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وجب على إنسان زكاة ماله فأعطاه لمصرفها، فليس له أن يستردها بعد ذلك؛ لأنه دفع واجباً عليه لمن يستحقه. لكن إذا دفع رشوة فله حق استرداد ما دفع، لأن دفع الرشوة ليس بواجب عليه بل هو محرم عليه. ومنها: من دفع لشفيع مالا ليترك شفعته فله حق استرداد ما دفع؛ لأنه ليس للشفيع حق أخذ مال بدلا من شفعته، ولرضاه بأخذ المال سقطت شفعته، ويجب عليه رد المال إلى صاحبه. ومنها: إذا انفق على منكوحة بما فرضه القاضى ثم تبين فساد النكاح، بأن شهدوا بأنها أخته من الرضاع. أو أن العقد تم قبل انتهاء عدتها من زوج آخر - وفرق بينهما - رجع الزوج بما أَخذت منه؛ لأنه تبين أنها أخذت بغير حق.

стр. 1832

القاعدة الحادية والعشرون: [الدفع لغرض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الدفع إذا كان لغرض لا يجوز الاسترداد إذا كان باقياً. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تقابل سابقتها، ومفادها: أن من دفع مالاً لغرض مشروع فلا يجوز له استرداد ما دفع ما دام الغرض المدفوع لأجله باقياً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من بلغ ماله نصاباً وقبل حولان الحول عَجَّل دفع زكاته إلى الساعي أو إلى الفقراء، فلا يجوز له استرداد ما عجل ما دام النصاب باقياً إلى تمام الحول. ولكن إذا نقص النصاب قبيل تمام الحول فيجوز له الاسترداد؛ لأن الغرض لم يبق. ومنها: إذا دفع المكفول عنه - أي الأصيل - المال إلى الكفيل - قبل دفع الكفيل من عنده إلى الطالب - الدائن - ليؤديه إليه، لا يسترده منه ما دام هذا الغرض باقياً؛ لأنه تعلق به حق القابض على احتمال أدائه للدين. بخلاف ما إذا دفع المال إلى الكفيل على غرض دفعه إلى رب الدين، ثم أدى بنفسه قبل أداء الكفيل، فإنه يسترده لعدم بقاء الغرض.

стр. 1833

القاعدة الثانية والعشرون: [الدفع - الرفع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الدفع أسهل - أولى - أقوى من الرفع (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الدفع: المراد به الاحتياط للأمر والإعداد له قبل وقوعه، وهذا من باب الوقاية خير من العلاج. فالدفع يكون قبل الثبوت والرفع بعده. وأما الرفع: فهو إزالة الضرر بعد وجوده ووقوعه. فمفاد القاعدة: إن أخذ أسباب الوقاية قبل نزول البلاء أيسر وأولى من ترك البلاء حتى ينزل ثم رفعه بعد ذلك. والتعبير بأسهل وأولى يراد به بالنسبة للمكلف أو المكلفين، وأما كونه أقوى - وهو تعبير الزركشي - فالمراد به حقيقة الدفع أمام الرفع لا بالنظر للمكلف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أريد تولية إمام أو مسؤول فلا يولى إلا من استوفى الشروط المطلوبة في من أريد توليته بحسب المهمة التي يراد توليته لأجلها. ولا يولى من لم يستوف هذه الشروط. وأما إذا وَلِّي الإمام المستوفي للشروط ثم فسق فلا يعزل، لصعوبة الرفع ولما يسببه ذلك من أمور قد لا تحمد عقباها، أو لأن إثبات الفسق يصعب تحقيقه. ومنها: أن الشهادة على جرح الشاهد قبل تعديله تكون مقبولة؛

стр. 1834

لأنه دفع للشهادة قبل ثبوتها. ومنها: السفر قبل الشروع في الصيام يبيح الفطر، ولو سافر في أثناء يوم من رمضان لا يبيحه. ومنها: أن الزوج يملك منع زوجته من حج الفرض، فإن شرعت فيه بغير إذنه ففي جواز تحليلها قولان. ومنها: وجود الماء بعد التيمم وقبل الصلاة يمنع الدخول فيها، ولو دخل فيها بالتيمم ثم وجد الماء أثناء الصلاة لا يبطلها حيث تسقط عنه بالتيمم، عند بعض الفقهاء. وقيل: تبطل ويجب عليه الوضوء.

стр. 1835

القاعدة الثالثة والعشرون [دلالة الإِذن - الإِذن العرفي] . أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: دلالة الإذن من حيث العرف كالتصريح بالإِذن (١). وفي لفظ: الإِذن العرفي في الإِباحة أو التمليك أو التصرف بطريق الوكالة كالإِذن اللفظي (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: الدلالة غير التصريح من إشارة أو عرف أو حال أو غير ذلك. وأما التصريح فهو: القول الصريح باللفظ الواضح أو الكتابة المستبينة. والدلالة إما أن تكون دلالة حال أو دلالة عرف وموضوع القاعدتين دلالة العرف. فمفاد القاعدتين: أن ما دل على الإذن بفعل شيء أو تملكه أو تناوله وكان ذلك معروفاً بين الناس فهو في قوة التصريح بالإذن. دليل جواز الرجوع إلى الدلالة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ﴾ (٣). ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: من فتح باب داره لزائره وأشار له بالدخول فيباح للزائر الدخول بهذه الإشارة - وإن لم يتلفظ رب الدار، لجريان العرف بذلك، وتكون

стр. 1836

هذه الدلالة في قوة التصريح النطقي بالإِذن في الدخول. ومنها: إذا وضع الطعام بين يدي الضيف، فهو دلالة على جواز وإباحة تناوله وأكله عرفاً. ومنها: لما وكل النبي ﷺ عروة بن أبي الجعد (١) ﵁ في شراء شاة بدينار، فاشترى شاتين باع إحداهما بدينار وجاء بدينار وشاة إلى رسول الله ﷺ : "فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة في بيعه". (٢) وكذلك عن حكيم بن حزام ﵁.

стр. 1837

القاعدة الرابعة والعشرون [التصريح - الدلالة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: دلالة الإذن تنعدم بصريح النهي (١) وفي لفظ: دلالة الحال والعرف يسقط اعتبارها إذا صرح بخلافها. (٢) وفي لفظ: الدلالة يسقط اعتبارها حين التصريح بخلافها. (٣) وفي لفظ: لا عبرة للدلالة في مقابلة الصريح (٤) وتأتي في قواعد حرف - لا - إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد تؤدي معنى مشتركا - وإن كان بعضها أعم دلالة من بعض - وهو أَن الدلالة سواء أكانت دلالة الإذن أم دلالة الحال، أم دلالة العرف أو غيرها من الدلالات فكلها يسقط اعتبارها إذا وجد التصريح بخلافها؛ لأَن الصريح أقوى من الدلالة؛ لأنه الأصل .. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: الأمين له السفر بالوديعة دلالة، فأما إذا نهاه المودع عن السفر بها صراحة فليس له السفر بها؛ لأَن التصريح أقوى من الدلالة. ومنها: إذ قبض الأب مهر ابنته البالغة من الزوج فعلمت

стр. 1838

وسكتت، كان سكوتها إذنا منها بالقبض دلالة ويبرأ الزوج؛ لأَن ما كان السكوت فيه كالنطق فهو من قبيل الدلالة. ولكن إذا صرحت البنت بالنهي فلا يجوز قبض الأب عليها ولا يبرأ الزوج. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد: دلالة الشرع - في أن الولد للفراش - أَقوى في ثبوت النسب من تصريح منكر جماع المطلقة رجعيا أو إنكاره أَنه راجعها في العدة بقوله: لم أجامعها أو لم أراجعها، إذ يعمل بدلالة الشرع وينسب الولد إليه، لأَن دلالة الشرع أقوى من صريح العبد؛ لأَن دلالة الشرع لا تحتمل الكذب بخلاف تصريح العبد.

стр. 1839

القاعدة الخامسة والعشرون [دلالة الحال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة وتقوم مقام إظهار النية. (١) عند مالك وأحمد رحمهما الله تعالى ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دلالة الحال: يراد بها ما دلت عليه القرائن، والمراد بالحال الوضع العام للمسألة المبحوثة، وهو ما يسمى البساط عند المالكية. فمثلا من دلالات النكاح: اجتماع الناس وتحدثهم بما اجتمعوا له، وإظهار الزينات فهذه دلالات على أن المراد بهذا الاجتماع هو النكاح، فوجود هذه الدلالات مع العبارات والألفاظ الكنائية تجعل المراد وكأنه مصرح به، ويقوم وجود هذه الدلالات مقام إظهار النية، وعند الحنفية يصح بكل لفظ يدل على التمليك في الحال (٢). ينظر القاعدة رقم ٣١٤ من قواعد حرف الهمزة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال ولي الزوجة للزوج: مَلّكتكها بألف درهم. جاز النكاح بهذا اللفظ؛ لأَن الحاضرين يعلمون بالاضطرار أن المراد به الإِنكاح. ومن هنا قال ابن تيمية ﵀: أن العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، وهي التي تدل عليها أُصول الشريعة وتعرفها القلوب (٣).

стр. 1840

القاعدة السادسة والعشرون [دلالة المجموع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: دلالة المجموع على القطع - مع ظنية الاحاد - جائز بانضمام دليل عقلي. (١) أصولية فقهية ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: خبر الواحد المجرد يفيد الظن ولا يفيد اليقين؛ لوجود الاحتمال بخطئه أو كذبه. ولكن إذا تأيد هذا الخبر بوروده من طرق متعددة، أو انضم إليه أخبار أخرى تؤيده فإن هذا المجموع يفيد اليقين والقطع؛ لأَن العقل يجزم بامتناع اجتماع العدد الكثير على الكذب - وإن لم يبلغ هذا المجموع حد التواتر؛ لأَن رجحان المظنون يتزايد بكثرة الأمارات إلى أن تبلغ حد القطع. والعلم القطعي عند العلماء له معنيان: الأول ما يقطع الاحتمال أصلاً كالمحكم والمتواتر. والثاني: ما يقطع الاحتمال الناشئ عن الدليل، كالظاهر والنص والخبر المشهور المستفيض. فالأول يسمونه علم اليقين. والثاني علم الطمأنينة. والقاعدة تشمل كلا النوعين. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الأخبار الواردة في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة. ومنها: الأخبار الواردة في جواز المسح على الخفين.

стр. 1841

القاعدة السابعة والعشرون [الدلالة في الأحكام] أولاً: لفظ ورود القاعدة الدلالة فى بعض الأحكام كالصريح، خصوصا فيما بني على التوسع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: قد سبق في أكثر من قاعدة أن للدلالة حكم الصريح في كثير من الأَفعال والتصرفات وبخاصة دلالة العرف. ولكن هذه القاعدة تخص نوعا من الأحكام تكون فيه الدلالة كالصريح وذلك في الأحكام التي مبناها على التوسع كالمعاملات والأمان، ولكن بشرط أن يكون الخبر الذي بنيت عليه الدلالة حقا - أي صادقا غير كاذب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أخبر فضولي بكرا بأن وليها زوجها. فسكتت يعتبر سكوتها رضا بالنكاح. ومنها: إذا أخبر فضولي الشفيع ببيع ما يستحق شفعته، فسكت عن الطلب. سقطت شفعته. لكن بشرط أن يكون البيع قد وقع فعلا قبل الإخبار. ومنها: إذا أَبلغ الوكيلَ فضوليٌ بأن الموكّل قد عزله عن الوكالة فيعتبر تصرفه باطلا بعد هذا الخبر. والعلة في قبول هذه الأَخبار وبناء الأحكام عليها أنه متى كان الخبر

стр. 1842

حقا فالمخبر كأَنه رسول الأصيل فكأن الأصيل قد أمر الفضولي أن يبلغ الخبر دلالة، ولكن هل يشترط في المبلغ العدد والعدالة كلاهما أو أحدهما. أو لا يشترط خلاف. ومنها: إذا قال أمير الجيش المسلم في مجلسه قد أَمنت أهل هذا الحصن - لحصن يحاصرونه - فذهب مسلم أو ذمي فاخبرهم - بغير إذن الأَمير - فهم آمنون إذا نزلوا ولا يحل استرقاقهم أو قتلهم. (١) ومنها: لو أن مسلما من أهل العسكر أشار إلى مشرك في حصن أَن تعال، أو أشار إلى أهل الحصين أن افتحوا، أو أشار إلى السماء، فظن المشركون أن ذلك أمان ففعلوا فهم آمنون. (٢)

стр. 1843

القاعدة الثامنة والعشرون [الدلالة في المقادير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الدلالة في المقادير التي لا يسوغ الاجتهاد في إثبات أصلها متى اتفقت فى الأقل واضطربت في الزيادة يؤخذ بالأقل فيما وقع الشك فى إثباته، وبالأكثر فيما وقع الشك في إسقاطه. (١) تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ورد عن الشرع تقدير أشياء، ولكن اختلف في تلك المقادير بالزيادة أو النقصان. مفاد القاعدة أمران: الأول: أنه إذا اتفقت الأَقوال الواردة في مقدار الشيء في الأقل، واضطربت واختلفت في الزيادة أنه يؤخذ بالأَقل، لأنه المتيقن، والأكثر مشكوك فيه، وهذا يسميه الأصوليون الأخذ بأقل ما قيل. والأمر الثاني: أنه يؤخذ بالأَكثر إذا وقع الشك في إسقاطه. وفي كلا الأمرين إِنما يكون البناء على المتيقن لا المشكوك فيه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: عند أبي حنيفة ﵀: أن للفارس من الغنيمة سهمان، سهم له وسهم لفرسه، وللراجل سهم؛ لأَن إعطاء السهمين للفارس متفق عليه والأكثر مختلف فيه، لأَن عند غير أبي حنيفة أن للفارس ثلاثة أسهم،

стр. 1844

سهم له وسهمان لفرسه (١)، وهو الأرجح. ومنها: أمثلة للثاني: أن كفارة اليمين من الإطعام هل هي مد لكل مسكين؟ أو مدان. فقال الحنفية: بوجوب المدَّين؛ لأَن سقوط الكفارة عن ذمته دخله الاشتباه باخراج المد، ووجب الأَخذ بالأكثر للاحتياط في إبراء الذمة. ومنها: أن التكبيرات في أيام التشريق - عند أبي حنيفة - افتتاحها من صلاة الفجر من يوم عرفة وتختم في صلاة العصر من يوم النحر، وعند الصاحبين وأحمد ﵏، تختم في صلاة العصر من آخر أيام التشريق. (٢)

стр. 1845

القاعدة التاسعة والعشرون [الدلالة على القتل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الدلالة الممكنة من القتل بمنزلة مباشرة القتل من وجه (١). وفي لفظ: الدلالة على القتل بمنزلة مباشرة القتل منه وجه. (٢) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الدلالة هنا بمعناها اللغوي: هو الإرشاد. فمفاد القاعدة: أنه إذا دل شخص شخصاً آخر على ثالث ليقتله بحيث تمكن المستدل من قتله فتعتبر تلك الدلالة بمنزلة مباشرة قتله من وجه؛ لأنه لولا تلك الدلالة لما عثر عليه ولما قتله. والدليل على هذه القاعدة: أن المحرم إذا دل حلالاً على صيد ليقتله فقتله كان عليه من الجزاء ما على القاتل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا دل شخص آخر على مطلوب للثاني يريد قتله - والدال يعلم بقصده - وكان المطلوب في مكان لا يستطيع الفرار منه ولا الدفاع عن نفسه فيه، فقتل المستدل المدلول عليه فإن الدال يعتبر قاتلا مباشرا للقتل من وجه. ومنها: إذا هرب أسير أو معتقل من أيدي الكفار فقالوا لأسير آخر يرف مكانه: دلنا عليه لنقتله وإلا قتلناك، لم يسعه أن يدلهم عليه، لأَن

стр. 1846

في هذا ظلماً للأَسير الهارب، ولأنهم لا يتمكنون منه إلا بدلالته، فهو بهذه الدلالة يمكنهم من قتله ولا رخصة في ظلم المسلم بهذا الطريق. ومنها: إذا حاصر الكفار حصناً للمسلمين فقالوا لأسير مسلم لديهم: دلنا على الموضع الذي يؤتى من قبله الحصن أو على مدخل الماء الذي يشربون منه أو لنقتلنك، وهو يعلم أنه إن دل على ذلك ظفروا بالحصن وقتلوا من فيه، أو كان على ذلك أكبر رأيه، فليس ينبغي له أن يدلهم على ذلك؛ لأنه يمكنهم بهذه الدلالة من قتل المسلمين واسترقاق ذراريهم وارتكاب الحرام من نسائهم. ومنها: أنه لو قيل لرجل: لنقتلنك أو لتمكننا من فلانة نزني بها - وهم لا يقدرون عليها إلا بدلالته - أنه لا يسعه أن يدل عليها.

стр. 1847

القاعدة الثلاثون [دليل التاريخ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: دليل التاريخ كالتصريح بالتاريخ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا قامت دلالة على تاريخ سابق فيعتبر ما ترتب عليه من أحكام، وتكون تلك الدلالة كالتصريح بالتاريخ عند عدم التصريح به. وهكذا شأن كل دلالة أنها تثبت بها الأحكام ما لم يقم تصريح بخلافها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تنازع رجلان في ملكية بيت وكل واحد منهما يدعي أن البيت بيته، وأقاما البينة على ذلك، فإن كان أحدهما ساكنا في البيت فهو بيته؛ لأَن اليد هنا مرجحة عند تعارض البينتين؛ لأَن تمكنه من سكنى البيت دليل سبق عقده، وتقدم تاريخ تملكه، بشرط أن لا تكون إحدى البينتين أثبتت تاريخاً سابقا. ومنها: إذا تنازع رجلان في امرأة وكل واحد يدعي أنها امرأته ويقيم البينة، فإن كانت في بيت أحدهما - وكان قد دخل بها - فهي امرأته بما أن الترجيح يحصل باليد عند تعارض البينتين على العقد ولأن تمكنه من الدخول بها أو من نقلها إلى بيته دليل سبق عقده. إلا إذا كانت إحدى البينتين اثبتت تاريخاً سابقاً، وأنه تزوجها قبله فحينئذ يسقط اعتبار الدليل في مقابلة التصريح بالسبق.

стр. 1848

القاعدة الحادية والثلاثون [دليل الرضا والقبول] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: دليل الرضا كصريح الرضا (١) - أو كصريحه (٢) وفي لفظ: دليل القبول كصريح القبول (٣) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى ما سبق من القواعد وهو أن الدلالة تقوم مقام الصريح عند عدمه. ولكن هذه القاعدة خاصة بالرضا والقبول، فإن وجدت دلالة الرضا أو دلالة القبول - وهو ما يدل على الرضا - لأَن الرضا أَمر قلبي - فكأن الرضا والقبول وجد صراحة فيتم العقد بناء على ذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ابلغ الولي ابنته البكر بزواجها من شخص عيَّنه فسكتت، فيكون سكوتها دليلاً على رضاها وقبولها. ومنها: إذا سام شخص سلعة من آخر، فأخبره صاحبها بثمنها، فأخرج المشتري الثمن ووضعه أمام البائع - من حيث يتمكن من أخذه - ثم أخذ المشتري السلعة وانصرف بها والبائع ساكت وتركه يأخذها وينصرف بها وهو قادر على منعه، كان ذلك دليلاً من البائع على قبوله للثمن ورضائه بالعقد وإن لم يتكلم.

стр. 1849

ومنها: إذا اشترى إنسان دابة أو سيارة ثم وجد بها عيباً، فله ردها على صاحبها لتدليسه العيب. ولا يجوز له في هذه الحال أن يركبها إلا إذا لم يجد طريقاً لردها إلى صاحبها إلا بركوبها - ولكن إذا ركبها لحاجة نفسه بعد علمه بالعيب فيكون ذلك دليل الرضا بالعيب؛ من حيث أنه انتفاع بملكه، ولا يجوز له الرد بعد ذلك. ومنها: من اشترى جارية فوجد بها عيباً ثم وطئها، يكون ذلك رضا بالعيب دلالة؛ لأن الوطء لا يكون إلا في الملك المتقرر الثابت.

стр. 1850

القاعدة الثانية والثلاثون: [دليل الشيء] أولاً: لفظ ورود القاعدة دليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه (١) وفي لفظ: يقوم ما يدل على الإِذن مقامه. (٢) وتأتي في حرف الياء إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه بمعنى سابقتها وهي أن الأمور الباطنة - كالرضا والقبول - لا يمكن الاطلاع عليها لأنها مغيبة ولا يمكن أن تعرف إلا من جهة صاحبها بتصريحه بها. أو قيام دليل عليها فيعتبر؛ لأنه يقوم مقام الصريح كما سبق في أكثر من موضع. والقاعدة تفيد المعنى الثاني حيث أن الدلالة تقوم مقام الصريح عند عدمه؛ لأن الأمور الباطنة لخفائها يعسر الوقوف عليها، فأقيم السبب الظاهر مقام الباطن تيسيراً، كالرضا فإنه أمر باطن فأدير الحكم مع السبب الظاهر. وقد سبق لها أمثلة.

стр. 1851

القاعدة الثالثة والثلاثون: [العرف - الإِيمان] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة دليل العرف يغلب على حقيقة اللفظ في باب الأَيمان. (١) وفي لفظ: مبني الإِيمان على العرف. (٢) وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله. وفي لفظ: هل الإِيمان مبنية على العرف؟ (٣) وتأتي في حرف الهاء إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: الإِيمان إنما يغلب على المراد بها عرف الناس لا المعنى الحقيقي للفظ المحلوف به أو عليه؛ لأن الحالف إنما يحلف على ما اعتاده لا علي المعنى اللغوي الحقيقي للفظ الذي يكون مهجوراً في الاستعمال أو نادراً. وهذا إذا لم يكن للحالف نية بإرادة المعنى الحقيقي. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: مَن حلف لا يركب دابة، إنما يحنث إذا ركب فرساً أو بغلاً أو حماراً مما يركب عرفاً، ولا يحنث إذا ركب كافراً وإن سماه الله في كتابه الكريم دابة؛ لأن لفظ الدابة في العرف إنما يختص بما يركب من ذوات الأربع لا بكل ما دب على الأرض. ومنها: من حلف لا يأكل بيضاً، لا يحنث إلا ببيض يأكله الناس

стр. 1852

عادة وهو بيض الدجاج. حتى لو أكل بيض سمك أو عصفور لا يحنث إلا أن ينويه. ومنها: من حلف لا يأكل لحماً، لا يحنث بأكل السمك أو الدجاج، لأن العرف لا يسميه لحماً، حيث إن اللحم في العرف إنما يطلق على لحم الإبل والبقر والغنم فقط.

стр. 1853

القاعدتان الرابعة والثلاثون والخامسة والثلاثون: [التوكيل المطلق - دليل العرف - التهمة] ألفاظ ورود القاعدة: دليل العرف يقيد مطلق التوكيل. (١) وفي لفظ: مطلق الوكالة يتقيد بالتهمة. (٢) وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: هاتان القاعدتان تختصان ببعض أحكام التوكيل، فهما من حيث اختصاصهما بالوكالة ضابطان ولكن من حيث أن أنواع الوكالة متعددة فهما قاعدتان. فمفادها: أن الوكالة وإن وردت مطلقة عن قيد التخصيص فهي يقيدها أمران: الأول: دليل العرف. والثاني: التهمة. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: من وكل إنساناً في شراء لحم له وأطلق، فإن هذا الإطلاق يقيد بعرف الموكِّل، فإن كان الموكل يعرف عنه أنه لا يأكل لحم الإبل واشترى له الوكيل لحم الإبل بحجة إطلاق الوكالة فلا يلزمه؛ لأن العرف مقيد، والوكيل يعلم ذلك.

стр. 1854

ومنها: إذا وكله في تزويجه بامرأة غير معينة. فزوجه بابنته أو أخته فقد لا يلزمه النكاح؛ لأن التهمة هنا تقيد هذه الوكالة المطلقة. ومنها: إذا وكله بشراء شيء أو بيعه فاشتراه أو باعه بغبن فاحش. فلا يجوز على الموكل؛ لأن دليل العرف يقيد مطلق التوكيل؛ ولأن الشراء أو البيع بغبن فاحش ليس بمتعارف. كمن اشترى سلعة تساوي خمسة بعشرين، أو باع ما تساوي عشرين بخمسة. ومنها: أن الوكيل بالبيع لا يبيع من أبيه أو ابنه للتهمة، ولا تهمة في بيعه من الأجنبي.

стр. 1855

القاعدة السادسة والثلاثون: [دليل النفي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: دليل النفي كصريح النفي. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دليل الشيء يقوم مقام التصريح به - عند عدمه في كل شيء -. ولكن هذه القاعدة تصرح بأمر قد يلتبس، إذ قد يظن أن دليل الشيء يقوم مقامه في الإثبات فقط، فجاءت هذه القاعدة لتبين أن دليل النفي أيضاً يقوم مقام التصريح بالنفي عند عدمه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: سام سلعة من صاحبها - كسيارة أو كتاب مثلاً - ودفع فيها ثمناً، ولكن البائع بعد سماعه ذكر الثمن - ركب سيارته وانصرف -، أو حمل كتابه وأدار ظهره للمشتري وانصرف، فيكون إعراض البائع دليلاً على رفض الثمن الذي قدمه المشتري وعدم رضائه بالبيع بذلك الثمن. ومنها: ادعى رجل بنوة ولد أَمته الأكبر، ولها ولدان أصغر منه - لا يعرف نسبهما - فيثبت نسب الأكبر منه ولا يثبت نسب الآخرين؛ لأنه بإقراره بالأكبر فقط استدل على عدم إقراره بالآخرين؛ لأن إظهار النسب واجب عليه، وتخصيصه الأكبر بالإقرار دليل على نفي نسبه عن الآخرين عند أبي حنيفة وصاحبيه. ولكن زفر ابن الحارث الهذلي يرى أن إقراره بالنسب للأكبر دليل

стр. 1856

على إثبات نسب الآخرين منه؛ لأن أُم الولد أصبحت فراشاً له، ونسب ولد أم الولد ثابت من المولى من غير دِعوة إلا أن ينفيه صراحة، وهو لم ينف نسب الولدين الآخرين صراحة فينسبان له. وفي نظري أن وجهة نظر زفر أقوى. والله أعلم.

стр. 1857

القاعدة السابعة والثلاثون [الدليل الحكمي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الدليل الحكمي كالدليل المتيقن به. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأدلة نوعان: أدلة متيقن بها كدليل العرف ودليل الحال، والأدلة الحسية. وأدلة حكمية: أي أَدلة يحكم بها شرعاً وإن لم يكن لها سبب ظاهر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: انقضاء عدة المرأة بالشهور أو الحيض دليل حكمي على براءة رحمها، وحلها للأزواج. وهي دليل حكم به الشرع. ومنها: من نفى حبل امرأته وفرق القاضي بينهما باللعان، وحكم أن الولد ليس منه تنقضي عدتها منه بوضع الولد، وإن كان الولد ليس منه بالحكم. فاللعان دليل حكمي على نفي الولد عن الزوج. ومنها: إذا كانت زوجة صبي دون البلوغ، ومات الصبي، وظهر بها حبل عند موته، فإن عدتها منه أن تضع حملها استحسانا عند أبي حنيفة النعمان ومحمد رحمهما الله تعالى، وروى عن أحمد مثله (٢). لظاهر الآية: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) وذلك خلافا لأبي يوسف وزفر والشافعي رحمهم الله تعالى حيث يقولون: إن العدة في هذه الحالة بالشهور لا بوضع الحمل؛ لأننا متيقنون أن الحمل من

стр. 1858

الزنا وليس من الصبي ولا حرمة لماء الزاني، وعدة المزني بها عدة المُطْلقة، وهو قول مالك أيضاً. (١) وكان موت الصبي دون البلوغ دليلاً حكمياً على أن حملها ليس منه؛ لأَن غير البالغ لا يتصور منه الحبل.

стр. 1859

القاعدة الثامنة والثلاثون [الدوام على الفعل] أولاً: لفظ ورود القاعدة الدوام على الفعل بمنزلة الإنشاء (١). وفي لفظ: الدوام على الشيء هل هو كابتدائه. (٢) وفي لفظ: دوام المعلق عليه هل ينزل منزلة ابتدائه؟ (٣) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الدوام: معناه الاستمرار والبقاء. والإنشاء: معناه الابتداء. فمفاد القاعدة: أن من حلف لا يعمل شيئاً - وهو يعمل فيه ولم يتركه حين حلف - أو حلف على صفة وهو متلبس بها ولم يتركها عند الحلف، واستمر مقيما على عمله ومتلبسا بصفته، فهو يحنث في يمينه؛ لأَن استمراره على الفعل أو بقاءَه على الصفة بمنزلة ابتدائه لذلك الفعل، وتلبسه بتلك الصفة. وينظر القواعد ذات الأرقام ٢٩٢ - ٢٩٣ من قواعد حرف الهمزة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من حلف لا يسكن هذه الدار - وهو ساكن فيها - ولم يخرج منها مع إمكانية خروجه. فهو حانث في يمينه وعليه الكفارة.

стр. 1860

ومنها: إذا حلف بطلاق امرأته إذا قعد عند فلان، وهو قاعد عنده ولم يقم عند يمينه - فاستمراره على القعود مع إمكانية قيامه وانصرافه يأخذ حكم الابتداء فتطلق منه امرأته. وهكذا على كل فعل مستدام. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: مَن وجب عليه كفارة ظهار فلم يستطع الرقبة وبدأ في الصوم ثم أَيسر، فيستمر في صومه ولا يجعل دوامه عليه كابتدائه. ومنها: فقير أخذ الزكاة قبل الحول، ثم استغنى - وهي باقية - لم يردها. (١)
следующие страницы →