← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

على إثبات نسب الآخرين منه؛ لأن أُم الولد أصبحت فراشاً له، ونسب ولد أم الولد ثابت من المولى من غير دِعوة إلا أن ينفيه صراحة، وهو لم ينف نسب الولدين الآخرين صراحة فينسبان له. وفي نظري أن وجهة نظر زفر أقوى. والله أعلم.

стр. 1857

القاعدة السابعة والثلاثون [الدليل الحكمي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الدليل الحكمي كالدليل المتيقن به. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأدلة نوعان: أدلة متيقن بها كدليل العرف ودليل الحال، والأدلة الحسية. وأدلة حكمية: أي أَدلة يحكم بها شرعاً وإن لم يكن لها سبب ظاهر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: انقضاء عدة المرأة بالشهور أو الحيض دليل حكمي على براءة رحمها، وحلها للأزواج. وهي دليل حكم به الشرع. ومنها: من نفى حبل امرأته وفرق القاضي بينهما باللعان، وحكم أن الولد ليس منه تنقضي عدتها منه بوضع الولد، وإن كان الولد ليس منه بالحكم. فاللعان دليل حكمي على نفي الولد عن الزوج. ومنها: إذا كانت زوجة صبي دون البلوغ، ومات الصبي، وظهر بها حبل عند موته، فإن عدتها منه أن تضع حملها استحسانا عند أبي حنيفة النعمان ومحمد رحمهما الله تعالى، وروى عن أحمد مثله (٢). لظاهر الآية: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) وذلك خلافا لأبي يوسف وزفر والشافعي رحمهم الله تعالى حيث يقولون: إن العدة في هذه الحالة بالشهور لا بوضع الحمل؛ لأننا متيقنون أن الحمل من

стр. 1858

الزنا وليس من الصبي ولا حرمة لماء الزاني، وعدة المزني بها عدة المُطْلقة، وهو قول مالك أيضاً. (١) وكان موت الصبي دون البلوغ دليلاً حكمياً على أن حملها ليس منه؛ لأَن غير البالغ لا يتصور منه الحبل.

стр. 1859

القاعدة الثامنة والثلاثون [الدوام على الفعل] أولاً: لفظ ورود القاعدة الدوام على الفعل بمنزلة الإنشاء (١). وفي لفظ: الدوام على الشيء هل هو كابتدائه. (٢) وفي لفظ: دوام المعلق عليه هل ينزل منزلة ابتدائه؟ (٣) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الدوام: معناه الاستمرار والبقاء. والإنشاء: معناه الابتداء. فمفاد القاعدة: أن من حلف لا يعمل شيئاً - وهو يعمل فيه ولم يتركه حين حلف - أو حلف على صفة وهو متلبس بها ولم يتركها عند الحلف، واستمر مقيما على عمله ومتلبسا بصفته، فهو يحنث في يمينه؛ لأَن استمراره على الفعل أو بقاءَه على الصفة بمنزلة ابتدائه لذلك الفعل، وتلبسه بتلك الصفة. وينظر القواعد ذات الأرقام ٢٩٢ - ٢٩٣ من قواعد حرف الهمزة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من حلف لا يسكن هذه الدار - وهو ساكن فيها - ولم يخرج منها مع إمكانية خروجه. فهو حانث في يمينه وعليه الكفارة.

стр. 1860

ومنها: إذا حلف بطلاق امرأته إذا قعد عند فلان، وهو قاعد عنده ولم يقم عند يمينه - فاستمراره على القعود مع إمكانية قيامه وانصرافه يأخذ حكم الابتداء فتطلق منه امرأته. وهكذا على كل فعل مستدام. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: مَن وجب عليه كفارة ظهار فلم يستطع الرقبة وبدأ في الصوم ثم أَيسر، فيستمر في صومه ولا يجعل دوامه عليه كابتدائه. ومنها: فقير أخذ الزكاة قبل الحول، ثم استغنى - وهي باقية - لم يردها. (١)

стр. 1861

القاعدة التاسعة والثلاثون [الدين دافع. منعة الدار] أولاً: لفظ ورود القاعدة الدين دافع في حق من يعتقد لا في حق من لا يعتقد. ومنعة الدار دافعة في حق من يعتقد ومن لا يعتقد. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الدين يدفع عن معتنقه ومعتقده ما يمكن أن يوقع عليه من عقوبات عن أفعال يبيحها الدين. وأما من لا يعتقد الدين فإن الدين ليس بمانع عنه ما يجب عليه من عقوبات لأَفعال لا يسمح بها دينه. وأَما منعة الدار فهي دافعة عن الساكن فيها، سواء كان يعتقد الدين الإِسلامي أو كان من أهل الذمة أو من المستأمنين. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أسلم كافر في دار الحرب ثم خرج إلى المسلمين، ثم فتح المسلمين هذه الدار فإن أولاد هذا الرجل وأمواله تكون محرزة ولا تغتنم، بل ترد عليه قبل القسمة ويعدها بغير شيء؛ لأنه صار في منعة المسلمين. وأما إذا قُتِل هذا الذي أَسلم وهو في دار الحرب - قتله مسلم عمداً أو خطأ فإن عند أبي حنيفة لا يلزم القاتل قصاص ولا دية - وإن كان محرزا رقبته باسلامه - وذلك لأنه ليس في منعة دار الإِسلام، ولكن تلزم القاتل كفارة. ومنها: إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان لا يسقط سبب إحرازه نفسه وماله بالدار، فلو قتله مسلم عمدا قُتِل به، وإن قتله خطأ وجبت الدية على عاقلة القاتل ويلزم بالكفارة؛ لأَن الدين دافع في حق من يعتقد، بخلاف الصورة السابقة.

стр. 1862

القاعدة الأربعون [الديون] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الديون: أموال في الذمة، وما في الذمة لا يتعين، ولذلك فإن ما كان في الذمة إنما يقضي بمثله لا بعينه؛ لأَن الدَّيْن ليس بمال لا عرفا ولا شرعاً، وإنما هو وصف في الذمة لا يتصور قبضه حقيقة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان لمفقود على رجل دَيْن، والمَدِين مُقِرٌّ به - وللمفقود زوجة وولد يطلبون النفقة - فجائز للمدين أن ينفق عليهم من دين المفقود. ومنها: إذا كان لرجل على رجل مال، وللمطلوب على الطالب مثله، فهو قصاص عند الحنفية -؛ لأَن مطالبة كل واحد منهما صاحبه بدراهمه اشتغال بما لا يفيد؛ لأنه يستوفي من صاحبه ويرد عليه من ساعته ما كان له قِبَلَهُ. ولا يجوز الاشتغال بما لا يفيد بخلاف الأعيان، ولأن النقود لا تتعين بالتعيين. ومنها: إذا حلف ليقضين فلانا دينه اليوم، فباع من الدائن عبدا بدينه وقبضه، بر بيمينه، لأَن قضاء الدين طريقه المقاصة، ولأَن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها. (٢)

стр. 1863

قواعد حرف الذال

стр. 1864

القاعدة الأولى [ذكر بعض العام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ذكر بعض العام لا يُخَصَصه سواء كان أمراً أم نهياً أم خبراً. (١) على الصحيح من أقوال العلماء، فإن جزء الشيء لا ينافيه. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق معنى العام وهو اللفظ الدال على متعدد. فمفاد القاعدة: أنه إذا ذكر لفظ عام ثم عطف عليه أو ذكر بعده بعض افراده، فان ذلك لا يخصص اللفظ العام؛ لأَن جزء الشيء لا يعارضه ولا ينافيه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] فإذا قيل بعدها: "ولا تقتلوا الرجال" فهل يعتبر ذكرَ الرجال - وهم بعض النفس - مخصصا لعموم النهي عن قتل النفس؛ الصحيح كما قال القرافي أنه لا يخصصه، وقيل على الشذوذ: إنه يخصصه من طريق المفهوم، فإن ذكر الرجال يقتضي مفهومه قتل غيرهم. ومنها: إذا قيل: أكرموا العلماء. أكرموا الفقهاء. فهل يعتبر ذكر الفقهاء وهم بعض العلماء مخصصا لعموم العلماء فيكون مفهومه لا تكرموا غير الفقهاء؟ الصحيح لا؛ لأَن من عدا المذكورين مسكوت عنه. ومنها: إذا قال: قرأت الكتب. قرأت كتب النحو. فهل يعتبر ذلك مخصصاً؟ ويكون ذكر البعض دالا على أن غير المذكور بخلافه؟ الصحيح لا.

стр. 1865

القاعدة الثانية [ذكر البعض] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله. (١) وفي لفظ: ذكر جزء ما لا يتجزأ كذكر كله (٢) وفي لفظ: ذكر الجزء فيما لا يحتمل التجزيء كذكر الكل (٣) وفي لفظ: ما لا يتجزأ فذكر بعضه كذكر كله (٤). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله تعالى. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الشيء إذا كان لا يقبل التجزئة - كالطلاق والعتاق والقصاص والنسب والرق - فيعتبر كُلاً واحداً، إذا وجد بعضه أو نُفي، فيأخذ هذا البعض حكم الكل، فكأنه وجد أو نُفِي كله. وهذه القاعدة شبه متفق عليها عند جمهور الفقهاء من جميع المذاهب، وإن خالف في ذلك زفر بن الهذيل من الحنفية فلم يعتبر ذكر البعض ذكراً للكل.

стр. 1866

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا طهرت المراة من حيضها آخر الوقت، وقد بقي من الوقت ما يمكنها من الاغتسال منه والتحريمة للصلاة - لزمها صلاة ذلك الوقت عند الجميع. عدا زفر رحمه الله تعالى حيث قال: لا يلزمها شيء. ومنها: إذا عفا مُسْتَحِق القصاص عن بعضه سقط كله. ومنها: إذا قال لزوجته رأسك طالق. طلقت كلها ومنها: إذا كفل برأس رجل أو برقبته أو بأي جزء منه يعبر به عن البدن - كان كفيلا به كلِّه - بخلاف ما لو قال بِرِجْلِه. رابعاً: يستثنى من مسائل هذه القاعدة: إذا قال لزوجته: أنت طالق واحدة إذا شئت. فقالت شئت نصف واحدة. لا تطلق. ومنها: إذا قال: لله علي أن أصلي ركعة. لا يلزمه شيء في قول محمَّد رحمه الله تعالى. وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يلزمه ركعتان - وهو الراجح عند الحنفية؛ لأَن الركعة تدخل ضمن الركعتين - وإن كانت الركعة الواحدة عند الحنفية لا تعتبر صلاة بحيالها. وعند غير الحنفية يلزمه ركعة الوتر.

стр. 1867

القاعدة الثالثة [الذكور البالغون] أولاً: لفظ ورود القاعدة الذكور البالغون أصول، ليسوا تبعاً لآبائهم، بخلاف النساء (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الذكر من بني آدم إذا بلغ أصبح رجلاً، فيعتبر أَصلا قائماً بنفسه ليس تابعا لأبيه، بخلاف الأُنثى وإن بلغت فهي متابعة، إما للأَب وإما للأخ وإما للزوج. والمتبوع أصل والتابع فرع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا استأمن الحربي إلى أهل الإِسلام فأمَّنوه، فخرج معه بامرأة وأَطفال صغار فقال: هذه امرأتي وهؤلاء أولادي - ولم يكن ذكرهم في الأَمان - يجعلون جميعاً آمنين بأمانه استحسانا. ولكن إذا كان معه كبار بالغون يعبرون عن أنفسهم، فقال هؤلاء أولادي. فهم فيء؛ لأَنهم أصول قد خرجوا بالبلوغ عن أن يكونوا تبعاً له في حكم الأَمان. ولكن إذا خرج بنساء قد بلغن وقال: هؤلاء بناتي، فهن آمنات استحسانا؛ لأَنهن في عياله ونفقته، ما لم يتحولن إلى بيوت الأزواج. ومنها: لو كان معه أُمهات أو جدات أو أَخوات أو عمات أو خالات، فمن معه منهن فَهُنّ آمنات تبعاً له، بخلاف الآباء والأَجداد، فإنه لا يتبعه في الأَمان أحد من المقاتلة، إلا عبده وأَجيره استحسانا، وهذا مشروط بتصديق العبد أنه عبده، والأَجير أَنَّه أَجيره وأما إن كذبه فهو فيء.

стр. 1868

القاعدة الرابعة [اليقين - الذمة المشغولة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الذمة إذا أعمرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين مثله (١). وفي لفظ: الذمة المشغولة بيقين لا تبرأ بالشك. (٢) وفي لفظ: ما عرف ثبوته بيقين لا يزال إلا بيقين مثله. (٣) وتأتي في حرف الميم إن شاء الله تعالى. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الذمة: معناها العهد والأَمان، إذ أن نقض العهد والأَمان موجب للذم. وأما الذمة عند الفقهاء: فهي بمعنى النفس أو الذات التي لها عهد. والمراد بها هنا أَهلية الإنسان لتحمل عهدة ما يجري بينه وبين غيره من العقود الشرعية أو التصرفات. فالذمة في الحقيقة: وعاء اعتباري يكون محلاً للتعهدات. فمفاد القاعدة: أن الذمة إذا أشغلت أو أَعمرت بتكليف يقيناً فلا يمكن أن تبرأ عن تحمل مسؤولية ما اشغلت به إلا بيقين مثل يقين ما أشغلت أو اعمرت به. والقاعدة الثالثة أعم حيث إنها تفيد أن ما عرف ثبوته يقيناً لا يزال ولا يرتفع إلا بمثل ما ثبت به.

стр. 1869

ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا شك في ترك مأمور في الصلاة، فعليه سجود السهو؛ لأن الذمة اعمرت بوجوب صلاة كاملة، والشك في ترك المأمور لا يبرئ ذمة المكلف مما أعمرت به، فوجب عليه سجود السهو ليتيقن من براءة ذمته. ومنها: من عليه دين بيقين وشك في قدره، لزمه إخراج القدر المتيقن به إبراء الذمة. ومنها: إذا شك فيما عليه من صيام أو زكاة فيجب عليه أن يأتي بالأَكثر أخذاً بالأحوط.

стр. 1870

القاعدة الخامسة: [الذمة خَلَف عن الإسلام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الذمة خَلَف عن الإسلام في حصول الإحراز بها في حق الشرع. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإحراز والمنعة في دار الإِسلام يتمان بأَحد شيئين: إما بالإسلام: وهو أن يكون الشخص مسلماً فيحرز ماله وما في يده في حق الشرع. وإما بالذمة: فالذمي الذي رضي بحكم الإِسلام وسكن دار الإِسلام وأدى الجزية، فهو أيضاً يحرز ماله وما في يده في حق الشرع. فلا يحق لأحد أن يأخذ من يد مسلم أو ذمي مالاً في يده بغير حق، لأنه أحق به في شرع الله؛ ولأن عقد الذمة في تقرر الملك به خَلَف عن الإسلام (٢). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا دخل مسلمون أو ذميون دار الحرب مغيرين، وأصابوا سبايا من أحرار أهل الحرب فهم فيء يخمسهم الإِمام - وإذا أسلم الأُسراء قبل إخراجهم إلى دار الإِسلام فقد أَمنوا من القتل بالإِسلام، ولكنهم أرقاء، لأن الرق ثبت فيهم لما صاروا مقهورين، والإِسلام يمنع ابتداء الاسترقاق، ولكنه لا يمنع الرق الثابت. وأما إذا كان المصيب - في الأَسر - ذمياً فإنه يؤمر ببيع السبي

стр. 1871

المسلم، لأنه لا يجوز أن يسترق ذمي مسلماً. ومنها: إذا عقد شخص عقد ذمة وله عبيد وأموال، فإذا ظهر عدو على أرض الإِسلام، وأخذ عبيد وأموال هذا الذمي، ثم استنقذ المسلمون ما في أيديهم فإنهم يردون على الذمي عبيده وأمواله بغير شيء قبل القسمة وبالقيمة بعد القسمة؛ لأن على المسلمين القيام بدفع الظلم عن أهل الذمة، كما عليهم ذلك في حق المسلمين.

стр. 1872

القاعدة السادسة [ذو السببين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ذو السببين مقدم في الاستحقاق على ذي السبب الواحد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ذو السببين: أي صاحب السببين الموجبين للاستحقاق، مقدم على صاحب السبب الواحد؛ لأن السببين أقوى من السبب الواحد، والضعيف لا يعارض القوي. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أَخوان أحدهما لأب وأم، والآخر أخ لأب. فالميراث للأخ الشقيق من الأب والأم؛ لأنه صاحب سببين، بخلاف الأخ لأب فهو صاحب سبب واحد، وصاحب السببين مقدم على صاحب السبب الواحد. ومنها: الأخ الشقيق يقدم في ولاية النكاح على الأخ لأب، لهذا السبب. ومنها: ميراث المرتد بعد قتله لورثته المسلمين؛ لأنهم يستحقون ماله بالإسلام والقرابة، وغيرهم من المسلمين يستحق بالإِسلام فقط. وهذا رد على من يقول: إن ميراث المرتد لبيت المال يرثه ورثته المسلمون لاختلاف الدين.

стр. 1873

القاعدة السابعة [ذو العدد - الفعل المضاف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ذو العدد إذا قوبل بذي العدد ينقسم الآحاد على الآحاد، والفعل المضاف إلى جماعة بعبارة الجمع يقتضي الانقسام على الأفراد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا قوبل عدد بعدد فإن ذلك يقتضى الانقسام على الأَفراد، وكذلك إذا كان الفعل مضافاً إلى جماعة بعبارة الجمع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قيل: ركب القوم دوابهم، فإنه يفهم منه ركوب كل واحد دابته. ومنها: إذا قيل: أعط هؤلاء العشرة هذه العشرة الدراهم، اقتضى إعطاء كل واحد من العشرة درهماً. ومنها: إذا برز عشرة للقتال، فقال الأمير لعشرة من المسلمين: إن قتلتموهم فلكم أسلابهم، فقتل كل رجل واحداً منهم، استحق كل قاتل سلب قتيله خاصة.

стр. 1874

قواعد حرف الراء

стр. 1875

القاعدة الأولى: [رافع الإباحة] أولا لفظ ورود القاعدة: رافع الإباحة محرَم. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإباحة: معناها - كما سبق - جواز الفعل والترك حيث لا إثم على الفعل ولا على الترك كما أنه لا ثواب على الفعل ولا على الترك، إلا إذا صحب ذلك نية تجعل المباح مثاباً أو مؤثماً. والحرام: هو الممنوع شرعاً، وهو المحظور. فمفاد القاعدة: أن الإباحة إذا وجدت في أمر ما ثم طرأ عليها ما يرفعها فإن هذا الطارئ يعتبر محرَّماً للإباحة السابقة. ولما كان تحريم الحلال من خصوصيات الشرع؛ لأن الحكم لله لا لغيره ولا لأحد من خلقه، فإن أي نظام يحرم ما أحل الله وأباح صراحة. إنما يعتبر نظاماً كافرا متعدياً حدود الله؛ وكذلك كل نظام يُحِل ما حرَّم الله ومنع. لأنه أقام نفسه مقام صاحب التشريع. إلا إذا كان مانع المباح مجتهداً، أو وجد مصلحة شرعية راجحة منع بسببها المباح منعاً مؤقتاً - لا مستمراً دائماً - فإن كان اجتهاداً صحيحاً من مجتهد شرعي حائز لشروط الاجتهاد فهو مأجور. وإن كان اجتهاداً غير شرعي من غير مجتهد شرعي أو مجتهد شرعي حابى نظاماً غير شرعي، فهو آثم مأزور.

стр. 1876

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الطلاق تحريم، لأنه رافع لموجب النكاح. والنكاح للإباحة، ورافع الإباحة محرِّم، فالطلاق محرّم. ومنها: مانع تعدد الزوجات محاد لله ورسوله؛ لأن تعدد الزوجات مباح. فمانعه رافع للإباحة الثابتة بالكتاب والسنة والإِجماع، فمانع تعدد الزوجات محرِّم آثم. ومنها: معطي الأُنثى مثل نصيب الذكر من الميراث محاد لله ورسوله وكتابه، لأن إعطاء الذكر ضعف نصيب الأنثى واجب بالشرع. فمعطي الأُنثى مثل نصيب الذكر رافع لهذا الوجوب - وليس لمجرد الإِباحة - ورافع الوجوب أَشد تحريماً من رافع الإباحة. وهو كافر كفراً مخرجاً من الملة. ومنها: يباح للمسلم شرعاً أن يسكن في أي بلد من دار الإِسلام يحكمه شرع الله ، وأن يتصرف ويتنقل كما يريد - في حدود شرع الله - ولا يجوز لأحد أن يمنعه من ذلك، فإذا وجد نظام أو قانون أو حكم يمنع المسلم من السكنى في بلد مسلم في دار الإِسلام بأي حجة غير شرعية، أو بحجة أنه ليس من أهل هذا البلد، فهذا النظام أو القانون رافع للإِباحة الشرعية ومحرم لها. وواضع النظام والقانون قد أقام نفسه مشرعاً عن الله ، وبذلك يدخل في دائرة الكافرين الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١). لأنهم كانوا يحللون ويحرمون فيطيعهم أتباعهم في ذلك.

стр. 1877

القاعدة الثانية [الرأي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الرأي يسقط اعتباره إذا جاء الحكم بخلافه. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى القاعدة المشهورة القائلة "لا اجتهاد مع النص". حيث إن مفاد هذه القاعدة: أن الحكم أو الفتوى باجتهاد الرأي يسقط اعتبارها ويلغو ولا يعتد به إذا جاء حكم الشرع منصوصاً بخلاف الرأي والاجتهاد، لأنه: لا مساغ للاجتهاد في مورد النص" (٢) كما سيأتي. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قضى حاكم بعدم صحة رجعة الزوجة الرجعية دون رضاها، لا ينفذ ذلك القضاء لأنه مخالف لقوله تعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾. (٣) ومنها: إذا قضى حاكم بحل المطلقة ثلاثاً بمجرد عقد الزواج الثاني - دون دخول فلا ينفذ هذا الحكم؛ لأن حديث العسيلة (٤) يخالفه،

стр. 1878

فيكون التحليل بدون الوطء مخالفاً له فلا يجوز. ومنها ما سبق قريباً: من حكم إعطاء الأُنثى مثل نصيب الذكر من الميراث، فهذا حكم كافر والحاكم به كافر محاد لله ورسوله وكتابه.

стр. 1879

القاعدة الثالثة: [الربا - الاحتياط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الربا مبني على الاحتياط فالشبهة تعمل فيه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق مثل هذه القاعدة في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ٤٨. فمفاد القاعدة: أن المعاملات الربوية يجب فيها تمام الوضوح، وتحق المماثلة بين البدلين، فأَيُّما شبهة وجدت في تلك المعاملات الربوية فهي تمنع صحة العقد وتبطله؛ لأن باب الربا مبني على الاحتياط كما سبق (٢)؛ وذلك لشدة الوعيد في الكتاب والسنة للمتعاملين في الربا، فعند وجود أدنى شك في المماثلة أو وقوع المفاضلة فيجب إبطال العقد احتياطاً للدِّين. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: بيع ربوي بجنسه دون تحقق المماثلة يبطل العقد لشبهة التفاضل، كبيع صبرة تمر - أي كومة - بصبرة تمر مثلها في نظر الناظر، فهذا غير جائز لاحتمال المفاضلة، فلا بد من الكيل لتتحقق المماثلة. ومنها: مبادلة الحنطة بدقيقها لا تجوز إلا مثلاً بمثل يداً بيد؛ لأنهما جنس واحد. ومنها: عند الشافعي ﵀ لا يجوز مبادلة صاع دقيق بصاع دقيق؛ لأنهما قد لا يتساويان فإن الدقيق ينكبس بالكبس. وعلى ذلك فيجوز وزناً بوزن لأنه لا يختلف. عند من يجوزون وزن الكيلي إذا تغير العرف.

стр. 1880

القاعدة الرابعة [الربح المستحق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الربح لا يستحق إلا بعمل أو مال (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة معقولة المعنى واضحة المبنى. مفادها: أن الإنسان لا يستحق ربحاً بدون سبب مشروع، وإلا كان من أكل أموال الناس بالباطل. والأَسباب المشروعة للربح سببان رئيسيان: الأول: العمل. فالإنسان يستحق بعمله جزاءً، وأجرهُ هو ربح له. ويشترط في العمل أن يكون عملاً مشروعاً، وإلا فالربح حرام من كل عمل غير مشروع. الثاني: المال: أي أن يكون للإنسان مال يشغله - بغير الربا - فيستحق رب المال الربح بماله، وذلك في مال المضاربة، أو الإِجارة أو غير ذلك من تشغيل الأَموال. ولا يراد بالمال في القاعدة النقد فقط. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الأجير والعامل والفني والمهندس والبناء والمعلم والطبيب وغيرهم يستحقون أجر عملهم، وهو ربح لهم. إذ رأس مالهم هو العمل. ومنها: صاحب الأرض أو الشجر أو رب المال يستحقون ربحاً من المزارعة أو المساقاة أو المضاربة مقابل أموالهم، فالأَرض مال، والشجر مال ورأس مال المضاربة مال، والمصنع مال، والطاحونة مال، والعمارة

стр. 1881

المؤجرة مال وغيرها. ومنها: أنه إذا شرط في عقد المضاربة أن يكون ثلث الربح لأجنبي وثلث لرب المال، وثلث للمضارب، فإن ثلث الأَجنبي هو لرب المال، لأَن المشروط له الأجنبي لا عمل له ولا مال في هذا العقد، فيلغو ما شرط له ويجعل كالمسكوت عنه؛ فيكون لرب المال ولا تفسد المضاربة. بخلاف ما إذا شرط ثلث الربح لعبد المضارب أو أَجيره فيكون ثلثا الربح للمضارب لا لرب المال.

стр. 1882

القاعدة الخامسة [دلالة الحال أَصل شرعي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الرجوع إلى دلالة الحال لمعرفة المقصود بالكلام أصل صحيح في الشرع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دلالة الحال هي التي تعتمد على ملابسات الحادثة وما أَحاط بها وما سبقها من أمور. فمفاد القاعدة: أَن دلالة الحال تعتبر أَصلا شرعياً صحيحا لمعرفة المقصود والمراد من الكلام؛ حيث لا يكون الكلام وافيا بغرض المتكلم، أو تكون دلالة الكلام اللغوية لا تُعَبّر عن مقصود المتكلم تعبيرا واضحا. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال ولي المرأة للخاطب: ملكتك ابنتي أو أختي أو فلانة بمهر قدره كذا، وهناك شهود وجمع من الناس يظهرون الفرح والسرور، فيكون ذلك دليلاً على أن المراد بقوله: ملكتك أَي زوجتك، فيكون عقد النكاح صحيحا إذا استوفى شروطه، وإن لم يكن بلفظ التزويج أو الإنكاح. ومنها: إذا استأمن رجل وقال: آمنوني وبناتي، ولم يكن له إلا بنات بنات، فليس يدخلن في الأمان، لأَن أولاد البنات ينسبون إلى آبائهم لا إلى أبي أمهم، إلا إذا كان سبق وقال: لي بنات بنات ماتت أُمهاتهن فأمنوني في بناتي، فبتلك المقدمة يعلم أنه إِنما استأمن لهن.

стр. 1883

القاعدة السادسة [الرجوع عن الإقرار] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الرجوع عن الإِقرار باطل (١) وفي لفظ: إِقرار الإنسان في ملك نفسه ملزم. (٢) وفي لفظ: لا يقبل رجوع المقر عن إقراره، إلا فيما كان حدًّا لله يدرأ بالشبهات، ويحتاط لإسقاطه. (٣) وتأتي في قواعد حرف - لا - إن شاء الله تعالى. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإقرار سبق معناه إذ هو الاعتراف بحق للغير عليه، أو بفعل فعله. فمفاد القاعدة: أن الإنسان إذا أَقر بحق لغيره عليه ثم رجع عن إقراره، فإن رجوعه هذا باطل، ولا يعتد به ويلزم بالحق الذي أقر به لغيره؛ والعلة في ذلك أنه برجوعه يريد إبطال حق الغير، وذلك لا يجوز. وهذا كما سبق بيانه: بالنسبة لحقوق العباد، أما بالنسبة لحقوق الله تعالى التي تدرأ بالشبهات فإن الرجوع يعتبر صحيحا، إذا ثبت الحق عن طريق الإقرار لا الإشهاد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: لفلان علي ألف درهم - من ثمن خمر أو خنزير - لزمه الألف، وصل أو فَصَل؛ لأنه يريد بقوله: من ثمن خمر أو خنزير.

стр. 1884

إِبطال حق الدائن؛ لأَن الخمر والخنزير ليسا مالين عند المسلم. وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إن قال ذلك موصولا صدِّق. وإن قال ذلك مفصولا لا يصدق؛ لأنه بيان تغيير، وبيان التغيير لا يجوز مفصولا كالاستثناء والشرط. ومنها: إذا قال: هذه الدار لفلان بل لفلان آخر. فهي للأول لا للثاني؛ لأَن ذكر الثاني يعتبر رجوعا عن الإقرار وذلك لا يجوز.

стр. 1885

القاعدة السابعة [الرجوع عن الشهادة - التناقض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الرجوع عن الشهادة والتناقض فيها قبل القضاء مانع من القضاء بالمال والحد جميعا (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الشهادة: من شهد يشهد، إذا أخبر. والشهادة بيان الحق سواء كان عليه أو على غيره، وهي خبر قاطع، يختص بمعنى يتضمن ضرر غير المخبر، ليخرج الإقرار (٢). فمفاد القاعدة: أن الشاهد أو الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم، أو أخبروا بخلاف ما أخبروا به أولاً قبل القضاء بشهادتهم فإنها تبطل، ولا يقبل القاضي أو الحاكم شهادتهم الثانية؛ للتناقض مع شهادتهم الأولى، أو لرجوعهم عنها وإنكارهم إياها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: شهد شهود على إنسان بالسرقة من شخص بعينه - زيد مثلا - وقبل القضاء رجعوا، وقالوا: بل سرق الدراهم بعينها من رجل آخر - بكر مثلا - لم يقم الحد على السارق ولم يضمن المال؛ للتناقض في الشهادة قبل القضاء.

стр. 1886

القاعدة الثامنة [الرجوع في غير مجلس الحكم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الرجوع في غير مجلس الحكم لا يتعلق به حكم. (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا رجع الشاهدان أو الشهود عن شهادتهم وكان ذلك في مجلس الحكم قبل القضاء يقبل رجوعهم، وتبطل شهادتهم ولم يقض القاضي في القضية، ويطلب من المدعي شهوداً آخرين. وأما إذا رجع الشهود بعد الحكم فهناك تفصيل فيما يجب عمله. مدذكور مظانه من كتب الفقه العامة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا شهد شاهدان على إنسان بسرقة، وذلك في مجلس الحكم عند القاضي وحكم القاضي بشهادتهم بالحد على السارق وإرجاع المال المسروق لصاحبه، ثم أن الشاهدين لما خرجا من مجلس الحكم رجعا عن شهادتهما وقالا: إن فلاناً لم يسرق بل السارق غيره، لا يعتد برجوعهما هذا ولا يتغير الحكم المبني على شهادتهما في مجلس الحكم. ومنها: إذا ادعى أَولياء المقتص منه على الشاهدين أنهما رجعا عن شهادتهما، وسألوا الحاكم أن يحلفهما على ذلك، فليس عليهما يمين؛ لأنهم لو أقاموا البينة عليهما بالرجوع لم تقبل فكيف يستحلفان عليه. ولأن الرجوع في غير مجلس الحكم لا يتعلق به حكم.

стр. 1887

القاعدة التاسعة [الرخصة - الإكراه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الرخصة في الإِقدام على ما لا يحل بسبب الإِكراه لا تكون إلا عند تحقق خوف الهلاك (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الرخصة: لغة من رخص الشيء أي سهل ولان، ومنه يد رخصة أي لينة ناعمة، وعود رخص، وقوام رخص: أي لين ناعم. ورخص السعر: إذا سهل الشراء. (٢) وأما معناها شرعاً: فهي الأَحكام التي ثبتت مشروعيتها بناء على الأَعذار مع قيام الدليل المحرم توسعاً في الضيق (٣). فمفاد القاعدة: أن الإقدام على الأَمر المحرم في حالة الإكراه والترخص في فعله لا يجوز إلا عند تحقق خوف الهلاك بسبب الإكراه، وهو المسمى بالإكراه الملجئ، كالتهديد بالقتل أو بقطع عضو أو انتهاك عرض ممن يقدر على تنفيذ ما هدد به. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا هدد بالقتل على أن يأكل لحم ميتة أو يشرب خمراً حل له التناول، ورخص له في الإقدام على المحرم؛ لأن الحفاظ على النفس

стр. 1888

مقدم على أكل الميتة أو شرب الخمر. وأما إذا هدد بالحبس أو الضرب إذا لم يتناول الميتة أو يشرب الخمر فلا يحل له ذلك. ومنها: إذا هدد بالقتل أو قطع عضو أو عذاب شديد إذا لم ينطق بكلمة الكفر، جاز له النطق بها ما دام قلبه مطمئناً بالإِيمان، ولو صبر حتى قتل كان مأجوراً.

стр. 1889

القاعدة العاشرة [الرخصة - الضرورة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الرخصة عند تحقق الضرورة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الرخصة باعتبارها فعل الأمر المحرم مع بقاء دليل التحريم لا يجوز الإِقدام عليها إلا عند تحقق الضرورة، والمراد بالضرورة هنا: الاضطرار بحيث أن المضطر إذا لم يقدم على فعل الرخصة هلك أو قارب على الهلاك. وليس كل ضرورة توجب الإقدام على الرخصة أو تجيزه، وليس كل فعل محرم يجوز الإقدام علية مع وجود الضرورة. فمن الأفعال المحرمة ما لا يجوز الإقدام عليه بحال مهما كانت حالة الضرورة كقتل المسلم العصوم، أو الزنا من الرجل، أو ضرب الوالدين أو أحدهما. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أحس الإنسان بالجوع ولم يجد إلا ميتة، فلا يحل له الإقدام على الأكل منها إلا إذا يئس من الحصول على الطعام الطيب، وخشي على نفسه الهلاك لو لم يأكل منها.

стр. 1890

القاعدة الحادية عشرة [الرخصة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الرخصة لمعنى خاص لا تثبت مع عدمه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الرخصة إِنما شرعت لمعنى خاص وسبب نَقَل الحكم من كونه عزيمة إلى كونه رخصة؛ للتخفيف على العباد وعدم المشقة عليهم. فأما إذا زال سبب الترخيص والذي لأَجله شرعت الرخصة فقد زال موجب الترخيص وامتنعت الرخصة. وهذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة: "الضرورة تقدر بقدرها (٢) " كما ستأتي في قواعد حرف الضاد. وبمعنى القاعدة القائلة: (ما ثبت لعذر بطل بزواله)، كما ستأتي بقواعد حرف الميم إن شاء الله تعالى. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: القصر شرع في السفر رخصة من الله ، فإذا لم يوجد السفر امتنع القصر. ومنها: التيمم شرع عند عدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعماله مع وجوده، فإذا وجد الماء ووجدت القدرة على استعماله امتنع

стр. 1891

التيمم. ومنها: أكل الميتة وجب عند المخمصة عند خشية الهلاك فإذا لم توجد المخمصة ولا يخشى الهلاك لا يجوز أكل الميتة أو تناولها. ومنها: إذا لم توجد طبيبة جاز أن يعالج المرأة المسلمة الطبيب، ولكن إذا وجدت الطبيبة فلا يجوز أن يعالج المرأة المسلمة طبيب رجل وهكذا. ومنها: المرأة إذا فَصَدها أَجنبي - عند فقد المرأة أو المحرم - لم يجز لها أن تكشف جميع ساعدها، بل عليها أن تلف على يدها ثوباً ولا تكشف إلا القدر الذي لا بد من كشفه للفصد، فلو زادت عصت الله تعالى.

стр. 1892

القاعدة الثانية عشرة [الرخص - الشك] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الرخص لا تناط بالشك (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة توضح شيئاً من مدلول سابقاتها ومفادها أن الإِقدام على الرخص لا يجوز في حالة الشك في وجود الضرورة أو حصولها. أو عند عدم اليقين من وجود السبب المرخص. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من شك بالهلاك إذا لم يأكل من الميتة فلا يحل له الإقدام عليها. ومنها: إذا شك بأن المُكْرِه لا يستطيع أن يفعل ما هدد به فلا يجوز للمكرَه في هذه الحالة أن يقدم على فعل المحرم المطلوب منه فعله. ومنها: إذا شك في جواز المسح وجب عليه الغسل لأَن المسح رخصة. ومنها: إذا شك في جواز القصر في الصلاة وجب عليه الإتمام.

стр. 1893

القاعدة الثالثة عشرة [الرخص - المعصية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الرخص لا تناط بالمعاصي (١). وفي لفظ: لا تباح الرخص في سفر المعصية (٢) وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله تعالى. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة مما وقع الخلاف بين الفقهاء في مضمونها؛ حيث إن الأئمة مالكاً (٣) والشافعي وأحمد ﵏ جميعاً يرون أن العاصي بسفره لا يستحق الترخص، وليس له الإقدام على الرخص؛ لأَن الترخيص إنما شرع رحمة من الله بعباده، والعاصي لا يستحق ذلك بل هو مستحق للعقوبة لا للرحمة. ولكن الحنفية يرون أن الله حينما شرع الرخص لم يفرق بين المطيع والعاصي، بل شرعها شرعاً عاما فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٤) ولم يشترط سبحانه بالسفر أن لا يكون سفر معصية أو أن يكون سفر طاعة أو مباحا.

стр. 1894

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا سافر إنسان سفرا يريد به المعصية كالزنا أو قطع الطريق أو بيع الخمر أو المخدرات أو غير ذلك من المحرمات فليس له أن يقصر الصلاة أو يجمع أو يفطر في رمضان أو يمسح ثلاثاً أو يتنفل على الدابة أو يترك الجمعة أو يأكل الميتة عند مالك والشافعي وأحمد رحمهما الله جميعاً؛ لأَن الرخص لا تناط بالمعاصي. واختلفوا في جواز التيمم عند فقده الماء وصححوا جوازه لحرمة الوقت مع لزوم إِعادة الصلاة التي صلاها بذلك التيمم؛ لتركه التوبة من عصيانه (١). وأما عند الحنفية فيجوز له ذلك. ومنها: إذا سكر بمحرم وطال زوال عقله لم تسقط عنه الصلاة بل عليه قضاء ما فاته جميعا من صلاته باتفاق.

стр. 1895

القاعدة الرابعة عشرة [رد البدل والقيمة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: رد البدل عند تعذر رد العين بمنزلة رد العين (١). وفي لفظ: رد القيمة كرد العين (٢). وفي لفظ: رد القيمة عند تعذر رد العين كرد العين (٣). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة معقولة المعنى والمدلول؛ حيث إنه عند تعذر رد العين لصاحبها لهلاكها فإن بدلها - وهو إما القيمة وإما المثل - يقوم مقام رد العين في براءة الذمة وأداء الواجب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا استهلك إنسان طعام آخر وجب عليه رد بدله - مثله أو قيمته - إن لم يكن له مثل. وإذا رد المستهلك المثل أو القيمة فقد أدَّى الواجب وبرئت ذمته. ومنها: إذا غصب إنسان حيوانا من آخر ثم هلك عنده وجب عليه رد بدله وهو قيمته يوم غصبه أو يوم هلاكه، فإذا أدّاها برئت ذمته؛ لأَن رد البدل بمنزلة رد العين فكأنه لما دفع القيمة أدَّى العين ذاتها. ومنها: إذا غصب مسلم خمر ذمي وخللها يضمن قيمتها - لأَن
следующие страницы →