قال: المسيح ابن الله، وادعى أنه أخفى قوله: النصارى يقولون ذلك. أو هذا قول النصاري.
رابعاً: مما استثنى من مسائل هذه القاعدة .
إذا شهدا على أن المدعى عليه لا مال له. وهي شهادة على إعساره.
ومنها: إذا شهدا على أن هذا الميت لا وارث له غيره. شهادة على إثبات الإرث له وحده.
ومنها: أن يضيف النفي إلى وقت مخصوص، كأن يدعى عليه بقتل أو قذف أو سرقة في وقت معين، فيشهدا له بأنه ما فعل في ذلك الوقت. شهادة على إثبات براءته (١).
стр. 2102
القاعدة الحادية والسبعون [الشهادة الملزمة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الشهادة غير ملزمة - أو لا تكون ملزمة - بدون القضاء (١).
وفي لفظ: "الشهادة لا توجب الحق ما لم يتصل به قضاء القاضي (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الشهادة حجة تامة، ولكن اعتبارها وإلزامها لا يكون إلا في المحكمة أمام القاضي، فبدون القضاء لا تكون الشهادة حجة ملزمة ينبني عليها حكم، ولا يعتد بها؛ لأنها شرعت لإثبات الحقوق، وإثبات الحقوق على طريق الإلزاء لا يكون إلا بالقضاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا شهد اثنان أن هذا سرق مال هذا، فليس للمسروق منه أن يقطع يد السارق، بل لا بد من دعوىَ أمام القاضي ليحكم فيها.
ومنها: إذا شهد شاهدان أن هذا قتل أباه، فليس له أن يقتله بدون قضاء القاضي.
ومنها: إذا شهد اثنان أن لهذا الرجل على هذا الرجل مالاً وقدره كذا بسبب كذا في مجلس خارج المحكمة، لا تعتبر هذه الشهادة وإلا يثبت بها حق.
стр. 2103
القاعدة الثانية والسبعون [الشهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشهر طويل آجل وما دونه قليل عاجل (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
تختلف الأحكَام بين ما هو آجل، وما هو عاجل، فكيف يفرَّق بين العاجل والآجل؟
فمفاد هذه القاعدة: بيان ما هو آجل وما هو عاجل، إذ أفادت أن مدة الشهر هي الطويل الآجل - وهو أقل الآجل. وما دون الشهر فهو القليل العاجل، وبخاصة في باب المداينات. وهذا عند الحنفية، وأما عند المالكية فقد اختلفوا: إذ جعل بعضهم البعيد خمسة أيام فما فوقها، وبعضهم جعل البعيد عشرين يوماً (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
رجل له ابن جنَّ فأراد الأب أن يتصرف في ماله، فمتى يجوز له ذلك؟ قالوا: إن طال جنون الابن وتجاوز الشهر جاز تصرف الأب، وهو قول أبي حنيفة، وعليه العمل عند الحنفية.
وقيل: إذا مضت السنة وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
ومنها: إذا أغمي عليه مدة شهر فما فوقه لا يقضي الصلوات. ولا
стр. 2104
يقضي صوم رمضان إذا أغمي عليه طيلة شهر رمضان؛ لأنه لم يشهد الشهر، ولكنه إذا أغمي عليه أقل من ذلك وجب القضاء.
стр. 2105
القاعدة الثالثة والسبعون [الشهرة في النفي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشُهْرة في النفي حجة كما في الإثبات (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الشهرة: معناها الاشتهار والشيوع بين الناس.
فمفاد القاعدة: أنه إذا اشتهر أمر وشاع وذاع بين الناس فإنه يمكن بناء الأحكام عليه إثباتاً ونفياً. ويكون ذلك الاشتهار حجة ودليلاً على ذلك الحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
من أمثلة إثبات الأحكام بالشهرة:
إثبات نسبة الأولاد من أبيهم بالاشتهار بين الناس أنهم ولدوا في بيته وعلى فراشه، ومن زوجته فلانة، وأنه كان يكون في بيتهم ويذهب ويجيء ويحمل حوائجهم، وغير ذلك من الأمور الدالة على صحة النسب.
ومن أمثلة نفي الأحكام بالشهرة:
نفي شهادة الشهود وإسقاطها بتكذيبهم بأمر مشهور يمنع قبول شهادتهم، مثل أن يقيم المدَّعى عليه البينة على أن أحد الشهود الذين شهدوا عليه قاذف، وقد أقيم عليه الحد - أو هو عبد عند من لا يقبلون شهادة العبد
стр. 2106
على الحر -، ثم ينكر الشاهد ذلك ويأتي بأمر مشهور ينفي به التهمة التي اتهمه بها شهود المدعى عليه، مثل أن يشتهر أن هذا الشاهد في الوقت أو المكان الذي ادعى شهود المدعى عليه أنه أقيم عليه الحد فيه كان في الحج أو مسافراً إلى مكان بعيد معروف، أو يشتهر بين الناس عتقه قبل أدائه الشهادة، فبهذا يظهر كذب المدعى عليه، فلا يقضي القاضي بشهادتهم.
стр. 2107
القاعدة الرابعة والسبعون [حكم المبدأ والمحاذاة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشيء إذا اتصل بغيره هل يعطى له حكم مباديه أو مُحاذيه؟ (١).
وفي لفظ: "الشيء إذا اتصل بغيره هل يعطى حكم مبدئه أو يعطى حكم ما حاذاه؟ (٢).
وفي لفظ: "إذا اختلف الحكم بالمنبت والمحاذاة بماذا يعتبر؟ خلاف عند المالكية (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
مبدأ الشيء: أوَّله، وبدايته من منبته.
والمحاذي: هو المجاور من حاذاه يحاذيه أي جاوره.
فمفاد القاعدة: إذا كان لشيء مبدأ أو بداية في موضع، ثم طال واتصل بغيره وحاذاه وجاوزه، فهل حكمه بالنظر إلى مبدئه ومنبته أو بالنظر إلى نهايته ومحاذاته. خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا طالت اللحية إلى الصدر فهل يجب غسل ما خرج عن الوجه منها تبعاً للمبدأ، أو لا يجب تبعاً للمنتهى؟
ومنها: شجرة في الحل لها غصن في الحرم فهل ذلك الغصن يأخذ حكم
стр. 2108
منبت الشجرة فيقطع أو يأخذ حكم الحرم فيمنع؟
ومنها: شجرة في الحرم أصلها وفرعها خارج الحرم، هل يصاد ما على غصنها الذي في الحل؟
стр. 2109
القاعدة الخامسة والسبعون [الشيء المقام مقام غيره]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الشيء إذا أقيم مقام غيره في حكم، فهل يقوم مقامه في جميع الأحكام؟ (١). خلاف بين الأئمة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه قاعدة مثار خلاف بين فقهاء الحنفية الثلاثة وبين زفر بن الحارث رحمهم الله تعالى، فعند جمهور الحنفية إنه لا يقوم مقامه إلا في ذلك الحكم ولا يتعدى إلى الأحكام الأخرى، وأما عند زفر فإنه يقوم مقامه في جميع أحكامه؛ لأنه بدل والبدل يأخذ حكم مبدله. وفيها خلاف بين الأئمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
المستحاضة التي تتوضأ أو تغتسل لكل صلاة، لا يجوز إمامتها للطاهرات؛ لأن طهارتها قامت مقام طهارة الطاهرات في حق جواز صلاتها فقط، فلا تقوم مقام طهارة الطاهرات في حق الإمامة.
ومنها: إن الرجل إذا كان صحيحاً قادراً على الركوع والسجود فلا يجوز له أن يقتدي بالمومئ برأسه؛ لأن الإيماء له حكم القيام في حق جواز صلاة المومئ فقط، فلا يقوم مقامه في حكم آخر. وعند زفر يجوز في المسألتين.
стр. 2110
ومنها: التيمم، مثلاً يقوم مقام الماء في الطهارة؛ لأنه بدل. ولكن لا ينوب عنه في كل أحكامه عند مالك والشافعي ورواية عن أحمد - رحمهم الله تعالى - إذا لم يجوزوا التيمم لفرض قبل دخول وقته، وعند أبي حنيفة وأصحابه يجوز، وهي رواية عن أحمد اختارها الشيخ تقي الدين رحم الله الجميع.
وأيضاً: إذا كان التطهر بالماء يجوز قبل الوقت ويصلى به المتطهر ما شاء من الفرائض والنوافل فعند كثيرين لا يجوز أن يصلي المتيمم بتيممه إلا صلاة الوقت والنوافل، وعليه التيمم لكل وقت.
стр. 2111
القاعدة السادسة والسبعون [الشيء المقدر في الشرع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشيء إذا ثبت مقدراً في الشرع فلا يعتبر أي تقدير آخر. أو لا يغير إلى تقدير آخر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة سبق لها مثيل في قواعد حرف الهمزة تحت رقم (٣٣٦)، ومفادها: أن الشيء إذا وجد له تقدير شرعي فلا يجوز تغيير هذا التقدير، أو اعتبار أي تقدير آخر مغاير للتقدير الشرعي. وهذا عند جمهور الأئمة، وعند أبي يوسف وآخرين يجوز إذا كان مبناه على عُرف في زمن النص، أو مصلحة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
خراج الأرض وجزية الرؤوس التي قدِّرت في عهد أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، وفي رواية عند الإمام أحمد وآخرين لا يجوز تغييرها لا بالزيادة، ولا بالنقص. وفي رواية تجوز الزيادة دون النقص، ولكن المذهب على أن المرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان، وعلى هذا كثير من الأئمة؛ لأن فرضها في زمن أمير المؤمنين كان بحسب حاجة الناس وقدرتهم فإذا تغيرت الحاجة أو القدرة لزم التغيير بالزيادة أو النقص (٢).
стр. 2112
ومنها: ما ورد كونه مكيلاً أو موزوناً في زمن رسول الله ﷺ يبقى مكَيلاً أو موزوناً ولا يجوز تغييره، وأما عند أبي يوسف وابن تيمية وغيرهما يجوز ويعتبر على الناس عادتهم في ذلك.
стр. 2113
القاعدة السابعة والسبعون [الشيء المعظَّم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشيء إذا عظم قدره شُدِّد فيه وكثرت شروطه، وبولغَ في إبعاده إلا بسبب قوي؛ تعظيماً لشأنة ورفعاً لقدره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بعِظَم القدر: ارتفاع المكانة وسمو المنزلة، والشرع لا يرفع قدر شيء إلا لما فيه عن عظيم المصلحة وعموم الفائدة.
فمفاد القاعدة: أن الشيء - الحكم أو التصرف أو المعاملة والمعاقدة - إذا شدَّد الشرع فيه وأكثر شروطه فيكون ذلك دليلاً على ارتفاع مكانة هذا الشيء وعظيم قدره في الشرع، ولذلك لا يوصل إليه إلا بسبب قوي، وبالمقابل فإن الشيء إذا لم يشدد فيه الشرع ولم يكثر شروطه فيكون ذلك دليلاً على انخفاض منزلته ودنو مكانته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
النكاح أمر خطير وشأن عظيم؛ لأنه سبب بقاء النوع الإنساني المكرَّم, وسبب العفاف الحاسم لمادة الفساد واختلاط الأنساب، وسبب المودة والسكون، وغير ذلك من المصالح، فلذلك شدد الشرع فيه - ولأن أصله التحريم - فاشترط الشرع في عقده شروطاً في العاقدين والعقد، والصداق والشهادة والولي وخصوص الألفاظ عند كثيرين.
стр. 2114
ومنها: المناصب الجليلة والرتب العالية في العادة لا يوصل إليها إلا بعد تعب ومشقة وجهد.
ومنها: الذهب والفضة لما كانا رؤوس الأموال وقيم المتلفات وأساس الأثمان شدَّد الشرع التعامل فيها، فاشترط المساواة والتناجز، وغير ذلك من الشروط.
стр. 2115
القاعدة الثامنة والسبعون [الشيء المقدر حكماً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشيء إنما يقدَّر حكماً إذا كان يتصور حقيقة، فأما إذا كان لا يتصور حقيقة فلا يجوز إثباته حكماً (١).
ثانياً. معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الحقيقة: من حق الشيء إذا ثبت فهي فعيلة، والمراد بالحقيقة في القاعدة الوجود العيني الثابت في الخارج.
والحكمي: يراد به هنا المعنى الدال على الشيء تقديراً ذهنياً لا وجوداً خارجياً.
فمفاد القاعدة: أن الأشياء قد توجد وتتصور حقيقة، وقد لا يكون لها وجود حقيقي، فما يوجد ويتحقق في الخارج يجوز تقديره حكماً. وما لا يتصور له وجود خارجي فلا يجوز تقديره أو إثباته ذهناً أي معنى وحكماً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
الطهارة الحكمية يجوز تقديرها لأن الطهارة يجوز تصورها حقيقة وخارجاً.
ومنها: إذا أسلم حربي مستأمن في دارنا - وله أولاد صغار في دار الحرب - ثم مات وجاء الأولاد الصغار مع عمَّهم لزيارة قبر أبيهم فللعمِّ أن يردهم إلى دار الحرب؛ لأنهم خرجوا إلى دار الإسلام مستأمنين بعد موت
стр. 2116
أبيهم، فلا يكونون مسلمين تبعاً له, لأنه لا يقدَّر تبعيتهم له بعد موته. بخلاف ما لو دخلوا دار الإسلام وأبوهم حي فلا يمكَّن العم من ردهم إلى دار الحرب؛ لأنهم صاروا تبعاً لأبيهم مسلمين.
والأولاد الصغار في دار الحرب هو تابعون لأبيهم المسلم المقيم في دار الإسلام حكماً ما دام حياً. فلو دخلوا دار الإسلام في حياة أبيهم فلا يمكنون من العودة إلى دار الحرب لتبعيتهم لأبيهم. أما لو مات قبل دخولهم فلا يتصور تبعيتهم له بعد موته.
стр. 2117
القاعدة التاسعة والسبعون [الشيء الملحق بغيره]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشيء إنما يلحق بغيره إذا تساويا من جميع الوجوه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه قاعدة أصولية فقهية تتعلق بالإلحاق القياسي.
مفادها: أنه إذا أريد قياس فرع على أصل فيجب أن يتساوى الفرع مع أصله في جميع الوجوه التي يثبت معها القياس - أيَ المماثلة - حتى لا يكون القياس قياساً مع الفارق - ويسمى هذا القياس قياساً في معنى الأصل. وليس المراد بجميع الوجوه جميع الصفات وإلا كان هو هو.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
قياس العبد الزاني على الأمة في تنصيف الحد، قياس مساوٍ من جميع الوجوه؛ لأن الذكورية والأنوثية صفتان طرديتان ثم يعتبرهما الشرع في الحدود والعقوبات.
стр. 2118
القاعدة الثمانون [الشيء في معدنه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشيء في معدنه لا يعطى له حكم الظهور ما لم يظهر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
معدن الشيء: أصله الذي منه يخرج، من عَدَن بالمكان: إذا توطن وأقام، وهو منبت الجواهر من ذهب وفضة وغيرهما. والمعدن: مكان كل شيء منه أصله (٢).
مفاد القاعدة: أن الشيء ما دام موجوداً في أصله مغروساً فيه، لم يخرج منه, لا يعطى له حكم الظهور، ولا تبنى عليه الأحكام ما لم يظهر، كالذهب في ترابه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
التراب الذي يستخلص منه الذهب أو الفضة يجوز مبادلته متفاوتاً، ولا يقال: إنه ذهب أو فضة إلا إذا استخلص منه وانفرد عن ترابه، ولا زكاة فيه حتى يبلغ المستخلص نصاباً. وقيل: فيه الخمس (٣).
ومنها: أن المرأة إذا أحست بقرب الحيض لا تسمى حائضاً، ولا تأخذ حكَم الحائضات إلا بخروج الدم وظهوره خارج الفرج، وما لم يظهر فهو في معدنه ومستقره فلا يثبت حكمه، بالظهور.
стр. 2119
القاعدة الحادية والثمانون [غاية الشيء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشيء لا يكون غاية لنفسه (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
غاية الشيء: حدُّه ومنتهاه.
فمفاد القاعدة: أن الغاية غير المغيا، فالمغيا له غاية هي غيره، وحكمها غير حكمه، ولا يمكن أن يكون الشيء غاية لنفسه, لأن المغيا لا يكون هو الغاية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
في قوله تعالى ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٢). فليلة القدر مغياة وغايتها طلوع الفجر، فطلوع الفجر غير الليلة، وحكمه غير حكمها.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣). فالأكل والشرب مغيا والفجر غاية، وهما مختلفان.
ومنها: إذا قال لزوجه: أنت طالق ما لم تلدي أو تحملي أو تحيضي، وقع الطلاق. بمجرد سكوته؛ لأنه جعلها طالقاً في وقت لا تلد فيه أو تحيض بعد
стр. 2120
اليمين، وكما سكت فقد وجد ذلك الوقت؛ لأنه جعلها طالقاً إلى غاية وهي أن تلد أو تحمل أو تحيض، فإذا وجدت الغاية متصلة بسكَوته فقد وُجِد الزمان الذي أوقع الطلاق فيه - إذا لم يحدد للغاية وقتاً مقدراً -.
ولكنه إذا قال: أنت طالق ما لم تحيضي وحاضت مع سكوته، لا تطلق؛ لأنه وجدت الغاية التي جعلها طالقاً إليها، وبسكوته فقد انعدم الزمان الذي أوقع فيه الطلاق فلا تطلق, لأن الشيء لا يكون غاية لنفسه.
ومنها: إذا قال: أنت طالق من واحدة إلى واحدة. تطلق واحدة عند الجميع.
стр. 2121
القاعدة الثانية والثمانون [ناسخ الشيء وناقضه]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الشيء لا ينقضه ما هو مثله أو دونه وينقضه ما هو فوقه (١).
وفي لفظ: "الشيء لا ينسخه ما هو دونه" (٢).
وفي لفظ: "الشيء ينفسخ بما هو مثله" (٣).
وفي لفظ: "الشيء ينقضه ما هو مثله أو أقوى منه".
وفي لفظ: "الشيء يرفعه ما هو مثله" (٤).
وفي لفظ: "ولا ينقضه ما هو دونه" (٥). "أصولية فقهية".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بالنقض: الهدم
وبالنسخ: الرفع والإبطال.
فمفاد القواعد: أن الشيء أو الحكم لا يهدمه ولا يرفعه ولا يبطله ما هو دونه أو أقل منه؛ لأن ما دونه ضعيف، والضعيف لا يعارض القوي. وهذا متفق عليه، وإنما يهدمه ويرفعه ما هو فوقه أو أقوى منه. وهذا متفق عليه أيضاً.
стр. 2122
ولكن هل يهدمه ويبطله ما هو مثله؟
منطوق القاعدة الأولى: أنه لا يهدمه ما هو مثله. ولكن المعروف عند الأصوليين أن الناسخ يشترط أن يكون في قوة المنسوح أو أقوى منه. ولا ينسخه ما هو دونه، ولكن المراد من القاعدة أنه إذا كان الناقض مثله سواء والمراد نقضه تأيد بمرجح كالسبق واتصال القضاء فإنه لا ينقضه، وبهذا تكون المثلية اعتبارية لا حقيقية لأن كون الأول أسبق وتأيد بالقضاء يعطيه قوة على نقيضه فلا يكون مثله حقيقة. وبهذا تكون القواعد متفقة فى مدلولها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا شهد شاهدان فى قضية ثم بعد تمام القضاء رجعاً عن شهادتهما فلا يبطل القضاء الأول برجوعهما، ولكن يضمنا المال الذى أتلف على المشهود عليه بشهادتهما بغير حق.
ومنها: إذا شهد رجلان عند القاضي على رجل بالسرقة فاعتبر شهادتهما وقطع يد السارق ثم جاء الشاهدان بعد ذلك برجل آخر وقالا: أوهمنا أولاً، إنما السارق هذا، فهل يبطل القاضي حكمه الأول بناء على شهادتهما هذه، أو لا يقبل رجوعهما؟ خلاف، والراجح عند الحنفية أن القاضي لا يبطل قضاءه بقولهما الآخر، ولكن يضمنهما المال الذى شهدا به؛ لأن القول الأول تأيد بالقضاء فلا ينقضه القول الثاني الذى هو مثله - من حيث كونه شهادة - ولكن الحقيقة أن الثاني أضعف من الأول؛ لأن الأول تأيد بالسبق وبالقضاء فقوي بهما.
ومنها: إذا أذن لولده فى التجارة، ولم يعلم بذلك أحد سوى الولد ثم
стр. 2123
حجر عليه بعلم منه، بغير محضر من أهل سوقه، فهو محجور عليه، لوصول الحجر إلى من وصل إليه الإذن، لأن الحجر مثل الإذن حيث لم يعلم بالإذن أهل السوق، ولذلك جاز الحجر بغير علمهم. وهذا مثال لما نقضه ونسخه وأبطله ما هو مثله.
ومنها: إذا قالت امرأة للقاضي: إني سمعت زوجي يقول: المسيح ابن الله. وقال الزوج: إنما قلت ذلك حكاية عمَّن يقول هذا. فإن أقر أنه لم يتكلم إلا بهذه الكلمة بانت منه امرأته - لاعتبار ذلك ردة منه -؛ ولأن ما في الضمير لا يصلح أن يكون ناسخاً لحكم ما تكلم به؛ فإن ما في ضميره دون ما تكلم به. والشيء لا ينسخه إلا ما هو مثله أو فوقه.
ومنها: إذا شهد مسلمان على أسير فى دار الحرب أنه ارتد وقضى القاضى بوقوع الفرقة بينه وبين امرأته وقسم ماله بين ورثته، ثم جاء الرجل مسلماً فأنكر ما شهد به عليه الشاهدان من الردة لم يبطل القاضي قضاءه بإنكاره ولكنه يجعل إنكاره هذا اسلاماً مستقبلاً منه، فلا يرد عليه امرأته ولا ماله إلا ما كان قائماً بعينه، ولكن يجوز أن يعقد على امرأته المبانة عقداً جديداً.
стр. 2124
القاعدة الثالثة والثمانون [الشيء المتضمَّن]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الشيء لا يتضمن ما فوقه (١).
وفي لفظ: "الشيء لا يتضمن مثله لتساويهما في القوة" (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
التضمن: معناه الالتزام، والاحتواء والاشتمال والدلالة يقال: تضمن الكتاب كذا - أى حواه ودلَّ عليه - وقال هذا فى ضمن كلامه: أى مطاويه ودلالته (٣).
فمفاد القاعدة: أن الشيء - أي القول أو التصرف لا يدل على ما فوقه وهذا مدلول القاعدة الأولى، كما أنه لا يحتوي ولا يشتمل على مثله، وهو مضمون القاعدة الثانية، وإذا كان لا يتضمن مثله فبالأولى أن لا يضمن ما فوقه، ولكن إذا لم يتضمن ما فوقه، لا ينفي أن يضمن مثله وما دونه. فكأن بين القاعدتين نوع تعارض، ولكن عند التحقيق لا نرى تعارضاً بينهما، فالأولى لا تنفي عدم تضمن الشيء مثله نصاً، وإنما نصت على عدم تضمنه ما فوقه وسكتت عن مثله ومساويه، والثانية نصت على المماثل المساوي.
стр. 2125
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما .
إذا برئ الأصيل برئ الكفيل لأنه دونه، ولكن إذا أبرأ الدائن الكفيل لم يبرأ الأصيل؛ لأنه فوقه في القوة.
ومنها: إذا رأى إنساناً يبيع متاعه وهو ساكت لا يعتبر رضاً، ولا يتضمن القبول؛ لأن السكوت أضعف من القول الصريح، ولذلك قال الشافعي ﵀: "لا ينسب إلى ساكت قول".
ومنها: المضارب لا يضارب غيره بمال المضاربة، والوكيل لا يوكل غيره فيما وكل فيه إلا أن يأذن لهما رب المال أو الموكل، أو يقول: اعمل برأيك، لأن الشيء لا يتضمن مثله.
стр. 2126
القاعدة الرابعة والثمانون [الشيء المتردد بين أصلين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الشيء يتردد بين أصلين فيختلف الحكم فيه (١).
وفي لفظ: "قد يتردد الشيء بين أصلين فيختلف الحكم فيه بحسب ذينك الأصلين (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
سبق أمثال لهذه القاعدة في قواعد حرف الهمزة تحت رقم (١٢٤)، وفي قواعد حرف الثاء تحت رقم (١١٧).
стр. 2127
القاعدة الخامسة والثمانون [الشيء المعتبر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشيء يعتبر ما لم يعد على موضوعه بالنقض والإبطال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بالشيء: الأمر ويشمل التصرف الفعلي والقولي.
فمفاد القاعدة: أن كل تصرف يعتبر ويعتد به ما لم يترتب عليه إبطال الفائدة منه ووقوع الضرر بسببه.
قد سبقت مثلها في قواعد حرف الهمزة تحت رقم (٣٤١).
стр. 2128
القاعدة السادسة والثمانون [الشيء وعمومه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة .
الشيء يَعُمُّ كل موجود (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
لفظ "الشيء" لفظ عام يدل على كل موجود؛ لأن كل موجود في الوجود يسمى شيئاً، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا قال طالبو الأمان: أمنونا على ما لَنا من شيء، دخل فى الأمان كل شيء لهم من الأولاد والأمتعة والعقارات والعبيد الخ؛ لأن اسم الشيء يعم كل موجود.
стр. 2129
القاعدة السابعة والثمانون [الشيء الواحد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشيء الواحد لا يكون مقصوداً وتبعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بالمقصود: الأصل الواحد المتبوع.
فمفاد القاعدة: أن ما كان أصلاً متبوعاً لا يكون تبعاً فى شيء واحد وحالة واحدة، لأن كونه أصلاً ينفي أن يكون تبعاً. وكونه تبعاً ينفي أن يكون أصلاً.
لكن لا يجوز أن يكون الشيء الواحد أصلاً فى حالة وتبعاً فى حالة أخرى كالأب والابن يجتمعان في شخص واحد حيث يكون الشخص أباً لأولاده فهو أصل لهم، وابن لأبيه فهو فرع له وتبعاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
طواف الصَدَر - أي الوداع - في العمرة غير لازم عند كثيرين حيث قالوا: ليس فى العمرة طواف صَدَر ولا طواف قدوم؛ لأن معظم ركن العمرة الطواف، وهو مقصود - حيث إن للعمرة ركنين الطواف والسعي - والشيء الواحد لا يكون مقصوداً وتبعاً في آن (٢). وطواف الصدر تبع لتوديع البيت.
ومنها: من أراد أن يشتري بقرة أو سيارة فهي مقصودة بالشراء،
стр. 2130
ولا يمكن أن تكون مع ذلك تبعاً لنفسها.
ومنها: من تزوج امرأة، فهي مقصودة بالنكاح، ولا يمكن أن تكون تبعاً في نفس الوقت لنفسها.
стр. 2131
القاعدة الثامنة والثمانون [الشيء يتبع غيره]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الشيء يجوز أن يصير تابعاً لغيره وإن كان له حكم نفسه بانفراده (١). وينظر قواعد حرف الهمزة، القاعدة (٣٤).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة لا تخالف القاعدة السابقة؛ لأن موضوعها يختلف، وهي أصل عند أبي يوسف ﵀.
فمفادها: أن الشيء يكون له حكم نفسه إذا انفرد، ولكنه لا يجوز أن يصير تابعاً لغيره فى حالة أخرى، كما مثلنا في الأب والابن، ولا يخالف فى مدلولها أحد كما أرى وإن اختلفوا في بعض الفروع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا ذبح شاة فقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين - أي الشريانين في الرقبة - جاز أكلها؛ لأن أحد الودجين صار تابعاً للآخر لأنهما جنس واحد. وعند محمَّد يجب قطع من كُلَّ عرق أكثره.
ومنها: إذا ملك شخص ثمانين شاة ثم بعد الحول هلك منها أربعون فالواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى شاة؛ لأن الزكاة فى النصاب دون العفو عندهما. وعند محمَّد وزفر الواجب نصف شاة؛ لأن الواجب قبل الهلاك كان شاة واحدة فلما هلك النصف تنصفت.
стр. 2132
القاعدة التاسعة والثمانون [الشيوع الطاريء]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الشيوع الطاريء كالشيوع المقارن (١).
وفى لفظ: "الشيوع الطاريء ليس نظير المقارن" (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما .
هاتان القاعدتان في بدء النظر متعارضتان، فإحداهما تجعل الشيوع الطاريء كالشيوع المقارن والأخرى تنفي ذلك. ولكن عند النظر للأمثلة التي ذكرها السرخسي ﵀ تبين أن التعارض مبني على المسائل التي يحصل فيها الشيوع، فمنها ما يعتبر الشيوع الطاريء فيها كالمقارن المصاحب الذي يبطل التصرف والمعاملة، ومنها ما لا يعتبر فيها الشيوع الطاريء كالمقارن فلا يبطل المعاملة، فلكل قاعدة منهما مجال عملها.
والمراد بالشيوع: من شاع الأمر إذا انتشر، فكأن حق كل واحد من الشريكين منتشر في كل أجزاء الشيء المشترك، بحيث لا يمكن الفصل بينهما إلا بالتهايؤ أو القسمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
مثال القاعدة الأولى: إذا ارتهن اثنان شيئاً، ثم أراد أحدهما رد الرهن، لم يكن له ذلك حتى يجتمعا على الرد؛ لأن حق الحبس لكل واحد منهما ثابت
стр. 2133
في جميع المرهون، ولا ولاية لأحدهما على الآخر في إسقاط حقه؛ ولأنه لو تمكن من رد نصيبه بطل به الرهن في نصيب الآخر - والرهن بينهما على الشيوع - والشيوع الطاريء كالشيوع المقارن فى ظاهر الرواية.
ومثال القاعدة الثانية: إذا أجَّر داراً من رجلين، ثم إن الرجلين تهايئا بأن يسكن أحدهما شهراً - مثلاً - والآخر شهراً آخر، وهكذا. فإن مات أحد المستأجرين يبقى العقد فى حق الآخر - في ظاهر الرواية عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن الشيوع هنا طاريء وهو ليس في نظير المقارن.
والمراد بالشيوع فى هذا المثال أن كل واحد من المستأجرين استأجر نصف الدار على الشيوع فجاز العقد لإمكان الانتفاع بينهما بالتهايؤ.
ومنها: إذا وهب له جميع الدار، وسلمها للموهوب له، تم رجع في نصفها، جازت الهبة فى النصف الباقي، وإن كان شائعاً؛ لأنه طاريء، والشيوع الطاريء ليس كالمقارن. أما لو وهب له نصفها ابتداءً على الشيوع، فلا تجوز الهبة عند الحنفية.
стр. 2134
القسم السادس
قواعد
حرف الصاد ، وحرف الضاد، وحرف الطاء، وحرف الظاء
أولاً: حرف الصاد
عدد قواعد حرف الصاد (٢٦) ست وعشرون قاعدة.
стр. 2135
القاعدة الأولى [مسألة الظفر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
صاحب الحق إذا ظفر بجنس حقه كان له أن يأخذه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة تمثل المسألة المسماة عند الفقهاء بمسألة الظفر.
ومفادها: أن من له حق مالي على غيره، ومَطَلَه المدين أو جحده حقه، ثم وجد صاحب الحق مالاً من جنس حقه يخص المدين أو الجاحد فللدائن أن يأخذ منه مقدار حقه، ولو خُفْيَةً وبغير إذن المدين، ولا إثم عليه فى ذلك، ولو اتّهم بسرقته فله أن يحلف على أنه ما سرق؛ لأنه مظلوم، واليمين نَّية الحالف إن كان مظلوماً.
ودليل هذه القاعدة وأصلها: قول الرسول ﷺ فى الحديث االمتفق عليه لهند زوجة أبي سفيان ﵄: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". وهذا إذا منع النفقة أو بخل بها أو ببعضها مع اليسارة - وقَدِرت له الزوجة على مال - أخذت منه ما يكفيها واولادها بالمعروف.
وهكذا كل من له حق على غيره ومنعه، فله الأخذ إذا ظفر بجنس حقه، ولكن إذا ظفر بغير جنس حقه فهل له أن يأخذ منه بمقدار حقه؟ خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا كان لشخص على آخر دين مقداره ألف - مثلاً - ومطله المدين أو
стр. 2136
جحده، - ولا بيَّنة للدائن على حقه ليرفعه للقضاء - فإن الدائن إذا وجد للمدين مالاً من جنس حقه ريالات إذا كان الدين ريالات - أو ذهباً إن كان الدين ذهباً، فللدائن في هذه الحالة أن يأخذ من هذا المال ألفاً لأنها حقه، ولا إثم عليه فى ذلك؛ لأنه يسترد ماله.
стр. 2137
القاعدتان الثانية والثالثة [أحكام الصبي المحجور]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الصبي المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله، فيضمن ما أتلفه من المال، فإذا قَتَل فالدية على العاقلة (١).
وقاعدة لها صلة بأحكام الصبي: وهي الثالثة.
الصبي لا يقع طلاقه (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما .
المراد بالصبي عند الفقهاء: من كان دون البلوغ - ذكراً كان أو أنثى مميزاً أو دون سن التمييز -.
والمحجور عليه: الممنوع من التصرف فى أمواله وحقوقه لعدم كمال العقل عنده.
فمفاد القاعدة الأولى: أن من كان غير بالغ من بني آدم فهو ممنوع من التصرفات القولية فى أمواله وحقوقه، ولكن الصبي إذا حجر عليه - والأصل فيه الحجر إلا أن يؤذن له - فإنه والمجنون كلاهما يؤاخذان بأفعالهما المترتب عليها ضرر مالي، حيث يجب عليهما ضمان ما أتلفاه فى أموالهما، ويخاطب الولى بذلك أو هما بعد البلوغ والإفاقة. ولكن لا يؤاخذ عليهما فى أبدانهما
стр. 2138
كما سنرى من خلال الأمثلة، هذا فى حق الصبي المحجور عليه، فالصبي المأذون من باب أولى أن يكون مؤاخذاً.
والقاعدة الثانية تخص تصرفاً قولياً للصغير وهو ما يتعلق بطلاقه فتفيد أن طلاقه لا يقع - كما أن تصرفاته القولية كلها لاغية وباطلة، ولكن لا يوجد استثناء كما سنرى.
والمراد بالأفعال التى يؤاخذ بها الصبي ما يتعلق بحقوق العباد المالية، وأما حقوق الله تعالى فهو لا يؤاخذ بها ولا تجب عليه، ولكن يؤمر بفعل الطاعات للتعود عليها كالصلاة والصيام.
والمؤاخذة عليه بأفعاله ليست من باب التكليف - لأنه غير مكلف -؛ لأن مدار التكليف على البلوغ عاقلاً، وإنما هذا من باب ربط الأحكام بأسبابها، فهو من باب الأحكام الشرعية الوضعية لا التكليفية.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما .
إذا قتل الصبي شخصاً عمداً، فلا يجب عليه القصاص باتفاق، وإنما تجب الدية على عاقلته باعتبار أن عمد الصبي خطأ، لأنه لا يصح منه قصد. ولكن هل تجب عليه الكفارة؟ خلاف.
ومنها: إذا أتلف صبي مالاً أو متاعاً لغيره فيجب عليه ضمانه فى ماله إن كان له مال، ويخاطب الولي أو هو بعد البلوغ.
ومنها: إذا تزوج الصبي - أى زوَّجه وليه - ثم طلَّق هذا الصبي زوجته فلا يقع طلاقه، كما لا يقع عتقه (١).
стр. 2139
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القواعد .
إذا زنا الصبي فلا يقام عليه حد الزنا، لأن هذا من حقوق الله تعالى والصبي غير مكلف.
ومنها: إذا سرق لا تقطع يده، لكن يؤخذ المسروق ويرد لصاحبه وإن أتلفه الصبي يضمنه.
ومنها: لا يجب عليه قضاء ما ترك من الصلوات أو أفطره من أيام رمضان وإن كان يؤمر بالصلاة والصيام تعويداً على العبادة.
ومنها: إذا حج وهو صغير لا تغني عن حجة الإسلام، فعليه الحج بعد البلوغ.
ومنها: إذا أتلف ما اقترضه أو ما أودع عنده بلا إذن وليه فلا ضمان عليه؛ لأن المقرض والمودع هو الذى سلطه.
ومنها: إذا كان الصبي مجبوباً - أى مقطوع الذكر والانثيين - يفرَّق بينه وبين زوجته ويكون طلاقاً على الصحيح.
ومنها: إذا أسلمت امرأته وعرض عليه الإِسلام - وكان مميزاً فأبى - فإنه يقع الطلاق، وهو الصحيح (١).
стр. 2140
القاعدة الرابعة [صحة الأداء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
صحة الأداء باعتبار إمكان الأداء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بالأداء: الإتيان بالعبادة في وقتها الذى حدده الشرع لها، ولكن يظهر أن المراد بالأداء في هذه القاعدة أعم من ذلك إذ هو مطلق فعل العبادة على وجه صحيح سواء كان في داخل الوقت أو خارجه لعذر.
والمراد بإمكان الأداء: القدرة على فعل العبادة والاستطاعة لها مكاناً أو زماناً أو حالة.
فمفاد القاعدة: أنه إنما تعتبر العبادة صحيحة مجزئة إذا وجدت القدرة والاستطاعة على فعلها، فمن لم يتمكن من فعل العبادة في وقتها المحدد أو مكانها على الوجه المطلوب لا يعتبر أداؤه صحيحاً ولا عبادته مجزئة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
من نذر أن يحج ويقف على جبل طارق - مثلاً - فلا يعتبر نذره ولا حجه صحيحاً؛ لأن جبل طارق ليس مكاناً لوقوف الحاج.
ومنها: من نذر أن يعتكف في رمضان الماضي وهو في شوال فلا يصح نذره لعدم تمكنه من الأداء في الماضي، لأن الماضي لا يعود؛ ولأن الله