← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

جحده، - ولا بيَّنة للدائن على حقه ليرفعه للقضاء - فإن الدائن إذا وجد للمدين مالاً من جنس حقه ريالات إذا كان الدين ريالات - أو ذهباً إن كان الدين ذهباً، فللدائن في هذه الحالة أن يأخذ من هذا المال ألفاً لأنها حقه، ولا إثم عليه فى ذلك؛ لأنه يسترد ماله.

стр. 2137

القاعدتان الثانية والثالثة [أحكام الصبي المحجور] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الصبي المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله، فيضمن ما أتلفه من المال، فإذا قَتَل فالدية على العاقلة (١). وقاعدة لها صلة بأحكام الصبي: وهي الثالثة. الصبي لا يقع طلاقه (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما . المراد بالصبي عند الفقهاء: من كان دون البلوغ - ذكراً كان أو أنثى مميزاً أو دون سن التمييز -. والمحجور عليه: الممنوع من التصرف فى أمواله وحقوقه لعدم كمال العقل عنده. فمفاد القاعدة الأولى: أن من كان غير بالغ من بني آدم فهو ممنوع من التصرفات القولية فى أمواله وحقوقه، ولكن الصبي إذا حجر عليه - والأصل فيه الحجر إلا أن يؤذن له - فإنه والمجنون كلاهما يؤاخذان بأفعالهما المترتب عليها ضرر مالي، حيث يجب عليهما ضمان ما أتلفاه فى أموالهما، ويخاطب الولى بذلك أو هما بعد البلوغ والإفاقة. ولكن لا يؤاخذ عليهما فى أبدانهما

стр. 2138

كما سنرى من خلال الأمثلة، هذا فى حق الصبي المحجور عليه، فالصبي المأذون من باب أولى أن يكون مؤاخذاً. والقاعدة الثانية تخص تصرفاً قولياً للصغير وهو ما يتعلق بطلاقه فتفيد أن طلاقه لا يقع - كما أن تصرفاته القولية كلها لاغية وباطلة، ولكن لا يوجد استثناء كما سنرى. والمراد بالأفعال التى يؤاخذ بها الصبي ما يتعلق بحقوق العباد المالية، وأما حقوق الله تعالى فهو لا يؤاخذ بها ولا تجب عليه، ولكن يؤمر بفعل الطاعات للتعود عليها كالصلاة والصيام. والمؤاخذة عليه بأفعاله ليست من باب التكليف - لأنه غير مكلف -؛ لأن مدار التكليف على البلوغ عاقلاً، وإنما هذا من باب ربط الأحكام بأسبابها، فهو من باب الأحكام الشرعية الوضعية لا التكليفية. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما . إذا قتل الصبي شخصاً عمداً، فلا يجب عليه القصاص باتفاق، وإنما تجب الدية على عاقلته باعتبار أن عمد الصبي خطأ، لأنه لا يصح منه قصد. ولكن هل تجب عليه الكفارة؟ خلاف. ومنها: إذا أتلف صبي مالاً أو متاعاً لغيره فيجب عليه ضمانه فى ماله إن كان له مال، ويخاطب الولي أو هو بعد البلوغ. ومنها: إذا تزوج الصبي - أى زوَّجه وليه - ثم طلَّق هذا الصبي زوجته فلا يقع طلاقه، كما لا يقع عتقه (١).

стр. 2139

رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القواعد . إذا زنا الصبي فلا يقام عليه حد الزنا، لأن هذا من حقوق الله تعالى والصبي غير مكلف. ومنها: إذا سرق لا تقطع يده، لكن يؤخذ المسروق ويرد لصاحبه وإن أتلفه الصبي يضمنه. ومنها: لا يجب عليه قضاء ما ترك من الصلوات أو أفطره من أيام رمضان وإن كان يؤمر بالصلاة والصيام تعويداً على العبادة. ومنها: إذا حج وهو صغير لا تغني عن حجة الإسلام، فعليه الحج بعد البلوغ. ومنها: إذا أتلف ما اقترضه أو ما أودع عنده بلا إذن وليه فلا ضمان عليه؛ لأن المقرض والمودع هو الذى سلطه. ومنها: إذا كان الصبي مجبوباً - أى مقطوع الذكر والانثيين - يفرَّق بينه وبين زوجته ويكون طلاقاً على الصحيح. ومنها: إذا أسلمت امرأته وعرض عليه الإِسلام - وكان مميزاً فأبى - فإنه يقع الطلاق، وهو الصحيح (١).

стр. 2140

القاعدة الرابعة [صحة الأداء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: صحة الأداء باعتبار إمكان الأداء (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . المراد بالأداء: الإتيان بالعبادة في وقتها الذى حدده الشرع لها، ولكن يظهر أن المراد بالأداء في هذه القاعدة أعم من ذلك إذ هو مطلق فعل العبادة على وجه صحيح سواء كان في داخل الوقت أو خارجه لعذر. والمراد بإمكان الأداء: القدرة على فعل العبادة والاستطاعة لها مكاناً أو زماناً أو حالة. فمفاد القاعدة: أنه إنما تعتبر العبادة صحيحة مجزئة إذا وجدت القدرة والاستطاعة على فعلها، فمن لم يتمكن من فعل العبادة في وقتها المحدد أو مكانها على الوجه المطلوب لا يعتبر أداؤه صحيحاً ولا عبادته مجزئة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . من نذر أن يحج ويقف على جبل طارق - مثلاً - فلا يعتبر نذره ولا حجه صحيحاً؛ لأن جبل طارق ليس مكاناً لوقوف الحاج. ومنها: من نذر أن يعتكف في رمضان الماضي وهو في شوال فلا يصح نذره لعدم تمكنه من الأداء في الماضي، لأن الماضي لا يعود؛ ولأن الله

стр. 2141

لم يتعبدنا بشيء من العبادات في الزمن الماضي. ومنها: من نوى من الليل أن يصوم عن اللحم أو الخبز أو الماء، فلا يعتبر صومه صحيحاً شرعاً؛ لأن الصوم الشرعي هو الإمساك عن المفطرات كلها لا بعضها. ومنها: من نذر أن يصلي عارياً - وهو قادر على اللباس - فنذره باطل؛ لأنه نذر معصية، فلو صلى كما نذر فصلاته باطلة لفقد شرط من شروط صحتها وهو ستر العورة. ومنها: من نوى أن يعتكف ليلة دون يومها, لم يلزمه شيء - عند من يشترطون وجوب الصوم لصحة الاعتكاف - لأن الليل ليس محلاً للصوم.

стр. 2142

القاعدة الخامسة [صحة التصرف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: صحة االتصرف باعتبار أهلية التصرف، وكون المحل قابلاً للتصرف (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . التصرف: هو القدرة على الاحتيال والتقلب في الأمور, وأصل المادة تدل على رجع الشيء وتردده، ومنه قولهم لحدث الدهر: صرف، والجمع صروف، وسمي بذلك لأنه يتصرف بالناس، أى يُقَلَّبهم ويردَّدهم (٢). فمفاد القاعدة: أن تصرف الإنسان ليكون صحيحاً معتبراً لا بد له من شرطين: الأول: وجود أهلية التصرف أي القدرة عليه، والمراد بالأهلية هنا: استيفاء المتصرف شروط التصرف، من البلوغ والعقل والحرية - أو الإذن - والملكية لما يتصرف به أو الوكالة، وغير ذلك من الشروط. والشرط الثاني: أن يكون محل التصرف قابلاً له، بأن يكون مالاً متمولاً مملوكاً للمتصرف أو وكيلاً فيه. إلى آخر ما هنالك من شروط المتصرف فيه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . الحكم بصحة شراء الكافر العبد المسلم؛ لأن الكافر عنده أهلية التصرف كالمسلم، والعبد محل قابل للتصرف باعتبار أنه مال متقوم في حق المسلم والكافر جميعاً، وإن كان لا يجوز إبقاء العبد المسلم في يد الكافر، فهو

стр. 2143

وإن حكم بصحة شرائه للعبد المسلم فيؤمر بإخراجه عن ملكه حالاً. وعند الشافعية في بيع العبد المسلم من الكافر خلاف، والأصح عدم الصحة، ولكن يمكن أن يدخل العبد المسلم في ملك الكافر في خمسين صورة تقريباً (١).

стр. 2144

القاعدة السادسة [صحة التعويض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: صحة التعويض تختص بمال مُتَقَوَّم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . التعويض تفعيل من العِوَض، وعِوِض الشيء بدله. فمفاد القاعدة: أنه لكي يكون طلب البدل أو العِوَض للتالف أو المستهلك طلباً صحيحاً مشروعاً يجب أن يكون المعوض عنه مالاً متقوماً - أي ذا قيمة مالية - لا مالاً تافِهاً غير متقوم أو لا قيمة له. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . من أتلف لمسلم خمراً أو قتل خنزيراً فلا يصح المطالبة بتعويض عن الخمر أو عن الخنزير، لأنهما بالنسبة للمسلم ليسا مالاً متقوماً؛ لأن المسلم ممنوع من تملك الخمر أو الخنزير، ولكن لو أتلفهما لذمي نصراني وجب تعويضه عنهما لأنَّهما بالنسبة له مال متقوم. ومنها: من أتلف آلات لهو أو مزامير فإنه لا يطالب بتعويض عنها؛ لأن آلات اللهو لا قيمة لها؛ لأنها ليست مالاً للمسلم، ولكن إذا كان المتلف ليس من رجال الحسبة أو بغير إذن الإمام المسلم الذي يحكم بشرع الله فإنه يعزر لافتياته على ولي الأمر.

стр. 2145

ومنها: من أتلف أو استهلك أو غصب دابة أو طعاماً فتلف فعليه عوضه لأنه مال متقوم. ومنها: لا يجوز المبايعة بالميتة والدم لأنهما ليسا بمال متقوم.

стр. 2146

القاعدة السابعة [صحة الحلف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: صحة الحلف غير مفارقة عن صحة الإقرار وعدمها عن عدمها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . أن من صح إقراره صح استحلافه ومن لم يصح إقراره لم يصح استحلافه لأن من صح استحلافه حكم عليه بالنكول إذا امتنع عن أداء اليمين وألزم بالدعوى، وأما من لا يصح استحلافه، فلأنه لا يحكم عليه بالنكول، ويكون ذلك غالباً في الحقوق التي تتعلق بغير المدعى عليه، كالنكاح والخلع والصلح عن إنكار ودم العمد التي تتعلق بالموكل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . الوكيل بالبيع والخصومة بالرد بالعيب من جهة المالك، يصح إقراره على المالك الموكّل، ولذلك جاز استحلافه عند الإنكار. فإن نكل عن اليمين ألزم بالدعوى. وأما الوصي على اليتيم أو ناظر الوقف فإذا خوصم في عيب عين باعها للصغير أو للوقف لا يصح استحلافه؛ لأنه لو أقر صريحاً لا يصح منه، فكذا لا يستحلف.

стр. 2147

القاعدة الثامنة [الصحة مقصودة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الصحة مقصود كل متكلم، فمهما أمكن حمل كلامه على وجه صحيح يجب حمله عليه (١). وفي لفظ: "مطلق كلام العاقل محمول على الصحة ما أمكن" (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله تعالى. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الصحة معناها: السلامة من الداء، وهي ضد السقم. وصحة الكلام: حمله على مقصود شرعي. فمفاد القاعدة: أن كل متكلم إنما يقصد من كلامه معنى صحيحاً شرعاً أو عرفاً، فإذا كان كلام المتكلم يحتمل وجوهاً فمهما أمكن حمله على وجه يصح شرعاً وجب حمله عليه، ولا يجوز حمله على غير وجه شرعي ما لم تدل على ذلك قرائن قوية، وهذا من باب حسن الظن بالمسلمين - وهو مطلوب شرعاً -؛ لأن المسلم مأمور بحسن الظن بأخيه المسلم وبكل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال حتى يقوم الدليل على غير ذلك. ومن أدلة هذه القاعدة: قوله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ

стр. 2148

فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ (٢). وفي الأثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً" (٣). وفي لفظ: "لا تظنن بكلمة خرجت من امريء مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً" (٤). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . كفل رجل رجلاً وقال: إن لم أُوافِك به غداً فعليَّ ألف درهم، صحت الكفالة لحملها على ألف درهم لك عليه، لا على ألف مطلقة، لأن سياق الكلام يفيد ذلك المعنى الصحيح.

стр. 2149

القاعدة التاسعة [الصحة مقصودة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصحة مقصود المتعاقدين، ومتى أمكن تحصيل مقصودهما بطريق جائز شرعاً يحمل مُطلق كلامهما عليه، ويجعل كأنهما صرَّحا بذلك (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . هذه القاعدة لها ارتباط بسابقتها، وإن كانت هذه أخص موضوعاً من تلك؛ لأن الأولى عامة في كل متكلم وفى كل كلام، وهذه خاصة في مقصود المتعاقدين. فمفادها: إن المتعاقدين إنما يقصدان من تعاقدهما قصداً صحيحاً وهو تبادل المنافع على وجه شرعي، فإذا أمكن تحصيل ما يقصدانِه بطريق جائز شرعاً وجب حمل مطلق كلامهما عليه ولا يجوز حمله على غير ذلك، ويجعل كأنهما صرَّحا بالمقصود الشرعي، وهذا من باب حسن الظن بالمسلمين. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا باع نصف عبد مشترك أو دار أو أرض بينه وبين غيره، يجوز البيع وينصرف تسمية النصف إلى نصيبه خاصة، ولا يجوز حمله على بيع نصيب شريكه.

стр. 2150

القاعدة العاشرة [الصداق المعين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصداق المعين في يد الزوج قبل القبض، مضمون ضمان عقد أو ضمان يد؟ قولان (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الصَّداق: هو مهر المرأة، ويسمى أيضاً: الصَّدُقة والصُّدْقة، وأصدق المرأة سمّى لها صِدَاقاً (٢). فمفاد القاعدة: أن الزوج إذا عيَّن وسمى للزوجة صداقاً معيناً - كدار أو أرض أو عبد - وقبل أن يعطيها إياه هلك في يده، فهو مضمون عليه، ولكن ما نوع ضمانه، هل هو ضمان عقد أم ضمان يد؟ قولان عند الشافعية. لكن ما المراد بضمان العقد وضمان اليد، وما الفرق بينهما؟ ضمان العقد: أي هو المضمون على الزوج بسبب العقد فأحكامه تبع أحكام العقود، ولذلك لا يصح للزوجة بيعه قبل قبضه كالمبيع قبل القبض، ولا حق للزوج في التصرف فيه كالمبيع قبل قبض المشتري، وعند التلف يجب الرجوع إلى مهر المثل. وأما ضمان اليد: فيكون مضموناً على الزوج باعتبار أن يده عليه،

стр. 2151

فله التصرف فيه قبل أن تقبضه الزوجة، فإن باعه قبل أن تقبضه الزوجة فعليه مثله إن كان مثلياً أو قيمته إن كان قيمياً، وقيمته يوم تلفه كالمستام والمستعير. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا أصدقها - طُنَّ تمر - معين، ثم تلف بعضه، انفسخ العقد في التالف - لا في الباقي - ولها الخيار، فإن فسخت رجعت إلى مهر المثل - على قول ضمان العقد -، وإلا عليه مثله أو قيمته على قول ضمان اليد، وأما إن قبلت أن تأخذ الباقي فترجع إلى حصة التالف عن مهر المثل أو قيمته. ومنها: إذا أصدقها منافع دار ثابتة في يده، فهل يضمنها؟ إذا قلنا بضمان العقد لا يضمنها على الأصح، وأَما بناء على ضمان اليد فيضمنها. ومنها: لو زاد الصداق المعيّن في يده زيادة منفصلة - كبقرة ولدت - فالزيادة للمرأة قطعاً بناء على ضمان اليد، وأما على ضمان العقد فوجهان، كالمبيع لو زاد في يد البائع زيادة منفصلة.

стр. 2152

القاعدة الحادية عشرة [الصدقة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الصدقة لا تتم إلا بالقبض. خلافاً لمالك ﵀ (١). وفى لفظ: "الصَّلات لا تملك قبل القبض" (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . سبق مثل هذه القاعدة وبيان معناها ومدلولها ضمن قواعد حرف التاء تحت رقم (٢٦) ص ١٧٩ جـ ٣. وقواعد حرف الشين تحت رقم (٨).

стр. 2153

القاعدة الثانية عشرة [الدلالة والصريح] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الصريح أقوى من الدلالة (١). وفي لفظ: "لا قوام للدلالة مع النص" (٢). وتأتي في قواعد حرف - لا - إن شاء الله تعالى. وفي لفظ: "لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح" (٣). وتأتي في قواعد حرف - لا - إن شاء الله تعالى. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الصريح: الواضح، كما ظهر المراد منه، وهو الأصل في المعاملات. والمراد به هنا: اللفظ المنطوق الدال على المراد، والكتابة من الصريح. والدلالة: غير النطق والكتابة، من إشارة أو عرف أو حال أو غير ذلك من الدلالات. ومفاد القاعدة: أن اللفظ الصريح أقوى في الاعتبار من الدلالة؛ لأن الصريح هو الأصل، والدلالة إنما تعتبر عند فقد الصريح وبدلاً منه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا دخل إنسان بيت آخر بإذنه فله الجلوس في أي مكان من غرفة

стр. 2154

الجلوس دلالة، ولكن إذا قال له صاحب المنزل: اجلس هنا. فليس له أن يجلس في غير المكان المشار إليه؛ لأن الصريح هنا أقوى في الاعتبار من الدلالة؛ ولا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح. ومنها: إذا حبَّس إنسان فرساً للجهاد في سبيل الله تعالى, فيجوز للوكيل أن يؤاجرها لينفق عليها - إذا احتاجت إلى النفقة - وهذا جائز بدلالة الحال للضرورة، وأما إن كان الذى حبَّسها شرط له حين وكَّله بها ودفعها إليه أن يؤاجرها بنفقتها فذلك جائز؛ لأنه وُجد منه صريح الأمر بالإجارة، والصريح أقوى من الدلالة. ومنها: إذا جعل الرجل خاناً وقفاً لمارة الطريق فاحتاج إلى المرمَّة فلا بأس للمقيم أن يؤاجر غرف الخان بمقدار ما يحتاج للمرمة للضرورة. ومنها: أن قائد الجند له أن يقسم الغنائم على جنده بعد المعركة وبعد إخراج الخمس ولا ينظر في ذلك إذن الإمام، ولكن إن نهاه الإمام عن القسمة فليس له أن يقسم؛ لأن الإذن ثبت له دلالة، وقد جاء النهي عنها إفصاحاً.

стр. 2155

القاعدتان الثالثة عشرة والرابعة عشرة [الصريح والكناية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصريح لا يحتاج إلى نيَّة، والكناية لا تلزم إلا بالنية (١). وفي لفظ: "الصريح لا يحتاج إلى النيَّة قضاءً لا ديانة، بخلاف الكناية" (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما . سبق معنى التصريح: وهو الواضح الظاهر المراد منه، والمراد به هنا: ما كان لفظه دالاً على معناه. والكناية: ما خفي استعماله، أو هو استعمال اللفظ في غير معناه الذي وضع له لغة. فمفاد القاعدة: أن ما كان من اللفظ صريحاً في بابه - بدلالة لفظه على معناه الموضوع له لغة - فحكمه ثبوت مدلوله مطلقاً ولا يحتاج إلى نيَّة، وما كان كناية عن غيره فهو يحتاج في استعماله وبناء الحكم عليه وثبوته إلى النيَّة (٣)؛ لأن في الكناية اشتباه مراد المتكلم واحتماله فيشترط فيها النية إزالة للاشتباه والاحتمال بخلاف الصريح. ولكن القاعدة الثانية تفيد أن الصريح لا يحتاج إلى نية في القضاء - أي أمام القاضي -؛ لأن القاضي إنما يحكم بحسب ظواهر الألفاظ ولا ينظر إلى

стр. 2156

النيات - أي أن القاضي لا ينظر إلى نية اللافظ ولا يعتد بها، وأما في الديانة - أى بين العبد وربه فإن النية معتبرة في ترتيب الثواب أو عدم العقاب أو الحل أو الحرمة -. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما . إذا قال شخص لزوجته: أنت طالق. فتقع طلقة في الحال، وإذا قال: إنما أردت أنها طالق من وثاق، فلا تعتبر نيته أمام القضاء. ولكن إذا قال لها: اذهبي لأهلك. فلا يكون ذلك طلاقاً إلا إذا قصده ونواه بهذا اللفظ؛ لأن قوله: اذهبي لأهلك. لم يوضع في اللغة ليدل على الطلاق. ومنها: إذا طلق غافلاً أو ساهياً أو مخطئاً، وقع طلاقه أمام القضاء.

стр. 2157

القاعدة الخامسة عشرة [الصغائر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصغائر لا تمنع قبول الشهادة، ولو مع الإصرار (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الصغائر: جمع صغيرة، وهى صفة لموصوف مقدر، تقديره: الجرائم أو الذنوب الصغائر. فمفاد القاعدة: أن صغائر الذنوب لا تمنع من قبول شهادة الشاهد المتصف بها، لا يشترط لقبول شهادته توبته منها، بل تقبل توبته ولو مع الإصرار والاستمرار عليها، وليس من الصغائر حلق اللحية ولا شرب الدخان، بل هى من الكبائر لثبوت تحريمها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . رجل أراد أن يبيع شيئاً وفيه عيب - وهو يعلم بذلك - ينبغي له أن يبين العيب ولا يدلس - أى يستر ولا يبين -، فإن باع ولم يبين لا يصير فاسقاً مردود الشهادة؛ لأن السكوت عن بيان العيب صغيرة من الصغائر لا تمنع قبول الشهادة. ومنها: من قصَّر من لحيته فشهادته مقبولة، ولكن من حلقها فلا؛ لأن تقصيرها صغيرة وحلقها كبيرة.

стр. 2158

القاعدة السادسة عشرة [الصغير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصغير الذي يعبِّر عن نفسه مقبول القول فيما ينفعه لا فيما يضره (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . المراد بالصغير المعبَّر عن نفسه: هو الطفل المميز الذى بلغ سبع سنين فما فوقها، وكان دون البلوغ. فمفاد القاعدة: أن هذا الصغير يقبل قوله فيما يعود عليه بالنفع، ولكن فيما يضره فلا يقبل قوله فيه؛ لأن الصغير في الأصل محجور عن التصرف مطلقاً، ولكن القاعدة أفادت استثناء بشرطين: أن يكون الصغير قد بلغ سن التمييز، وأن يكون التصرف القولي فيما ينفعه لا فيما يضره. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا قال صغير مميز: إن هذا الشيء أهداه أو تبرع به لي فلان، فيجوز له أخذه والانتفاع به، إذ يقبل قوله فيه. ولكن إذا قال الصغير: إنني بعت داري هذه أو دابتي، فلا يقبل قوله ولا يتم البيع - ما لم يكن مأذوناً -؛ لأن الصغير - كما سبق - محجور عن التصرف القولي فيما يضره. ومنها: إذا أقر صبي حر الأصل أو معروف النسب. بالرق على نفسه فإنه لا يقبل قوله، لأن هذا إقرار على نفسه فيما يضره.

стр. 2159

القاعدة السابعة عشرة [صفة الشيء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: صفة الشيء تملك بملك أصله (١). وفى لفظ: "الصفة تتبع الأصل فتبنى عليه" (٢). وقد سبق مثلها في قواعد حرف التاء تحت رقم (٢٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الصفة لا تثبت إلا بالموصوف؛ لأنها عَرَض، والعرض لا يقوم بنفسه. فمفاد القاعدة: أن صفة الشيء إنما يملكها مالك ذلك الشيء الذي هو أصلها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا تعاقد شخصان عقد صرف - ويشترط في عقد الصرف التساوي والتقابض قبل التفرق - فإذا تم ذلك فقد لزم العقد. فإذا تم العقد ثم شرطا بعد العقد لأحدهما خياراً أو أجلاً، فالعقد فاسد - عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن المتعاقدين قَصَدا تغيير وصف العقد، بجعل الخاسر رابحاً، واللازم غير لازم؛ لأن العقد بغير شرط الخيار - لازم -، فوصف العقد كان الجواز، فغيراه إلى الفساد فبطل؛ لأن ما وقع عليه الاتفاق بعد العقد يجعل كالمذكور في أصل

стр. 2160

العقد وذلك مبطل لعقد الصرف. ومنها: إذا اشترى بقرة أو شاة محفّلة - أى مملوء ضرعها لبناً - ثم بعد تمام العقد اشترط البائع حلبها لنفسه فهذا شرط باطل لأن كون البقرة أو الشاة محفلة صفة فيها يملكها المشتري، فإذا تم العقد على ذلك فاشتراط البائع الحلب بعد ذلك غير صحيح. ومنها: إذا اشترى سيفاً محلى بحلية من الذهب بمائة درهم، وحليته خمسون درهماً وتقابضا. فقد تم العقد صحيحاً لأنه يكون خمسون درهماً ثمن السيف وخمسون درهماً صرف الحلية. ثم اشترط أحدهما خياراً أو أجلاً، فهذا الشرط - وإن كان بعد تمام العقد يفسد العقد فكأنه مذكور في أصل العقد - وكذلك لو شرط تابعاً للعقد بعد تمامه.

стр. 2161

القاعدة الثامنة عشرة [صفة الفرضية - اشتباه الأدلة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: صفة الفرضية مع اشتباه الأدلة لا تثبت (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الفرض: هو الحكم الشرعي الثابت بدليل مقطوع به. أو هو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً، واشتباه الأدلة منافٍ للجزم والقطع. فمفاد القاعدة: أن الحكم الشرعي الموجب وهو ما يترتب على فعله الثواب وعلى تركه العقاب لا يثبت في حقنا مع وجود الاشتباه في أدلته؛ لأن الأصل في الفرضية القطع لا الظن، واشتباه الأدلة يورث ظناً لا قطعاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . الصلاة فرض لثبوتها بأدلة قطعية لا اشتباه فيها، من الكتاب والسنة والإجماع، ومثلها الزكاة والصيام ... الخ. ومنها: وجوب القراءة في الصلاة، والتوجه إلى القبلة، وغير ذلك من شروط صحة الصلاة وواجباتها وأركانها. ومنها: وجوب الصدق والأمانة والعدل وغير ذلك من الصفات المحمودة، فهي فرض على المسلم وعلى غيره، وإن كانت على المسلم أشد وأعظم وأحق.

стр. 2162

ومنها: أن العمرة عند الحنفية والمالكية - ليست فريضة -، بل هي سنة لاشتباه الأدلة، خلافاً للشافعية والحنابلة الذين يرون وجوبها في العمر مرة كالحج. وينبني على هذا الخلاف أن من جامع في إحرام العمرة قبل تمام طوافه - فهل تفسد عمرته ويجب عليه بَدَنة - كما يفسد حج المجامع في عرفة ويجب عليه بَدَنة؟ فعند الحنفية أن من جامع قبل أن يطوف أكثر الأشواط فقد أفسد عمرته وعليه أن يتمها ثم يبدلها وعليه هدي وهو شاة. وأما إن جامع بعد طوافه أكثر الأشواط لم تفسد عمرته، وعليه دم. وأما عند المالكية والحنابلة فإن جامع المعتمر قبل تمام الطواف والسعي فقد أفسد عمرته وعليه أن يتمها ثم يبدلها وعليه هدي (١)، وهو شاة. وهو وجه مرجوح عند الشافعية، والصحيح عندهم أن مَن أفسد عمرته بالوطء فحكمه حكم الحاج إذ تفسد عمرته وعليه بَدَنة (٢).

стр. 2163

القاعدة التاسعة عشرة [صفة المعاوضة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: صفة المعاوضة لا تمنع الفسخ عند الحاجة للضرر (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . المعاوضة: مفاعلة من (عوض) وهى تقتضي المشاركة بين اثنين فأكثر؛ لأن كل واحد يعطي شيئاً ويأخذ عِوَضه. أى بدلاً منه. فالمعاوضة مبادلة. فمفاد القاعدة: أن وجود المعاوضة في العقد لا تمنع فسخ العقد عند الحاجة للفسخ دفعاً للضرر عن أحد المتعاقدين، فوجود المعاوضة لا يكفي لمنع الفسخ. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا انقطع شِرب المؤجَّر - أرضاً كان أو داراً - جاز فسخ الإجارة دفعاً للضرر عن المستأجر، وعقد الإجارة عقد معاوضة. ومنها: إذا وجد المشتري بالمبيع عيباً جاز له رد المبيع بخيار العيب وفسخ العقد دفعاً للضرر عنه، وعقد البيع عقد معاوضة. ومنها: امرأة العَّنين جاز لها طلب فسخ النكاح بسبب العَّنة دفعاً للضرر عنها، وعقد النكاح عقد معاوضة كذلك.

стр. 2164

القاعدة العشرون [تفريق الصفقة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصفقة الواحدة إذا فسد بعضها فسد كلها (١). وفي لفظ: "العقد إذا فسد بعضه فسد كله" (٢). وتأتي في قواعد حرف العين إن شاء الله تعالى، من أصول أبي حنيفة ﵀. وعند صاحبيه قاعدة مقابلة: الفساد يقتصر على ما وجدت فيه العلة المفسدة (٣). وتأتي في حرف الفاء إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . إن العقد أو الصفقة الواحدة - التى تشتمل على أشياء متعددة - إذا فسد بعضها تطرق الفساد إلى باقي العقد وباقي الصفقة؛ وذلك دفعاً للضرر المترتب على تفرق الصفقة، وهذا عند أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وعند مالك إذا دخل الفساد جُلَّ الصفقة أو خيرها أو كان بعضها يكمل بعضاً (٤). وعند الصاحبين والرواية الأخرى عند أحمد وعند مالك إذا كان على غير ما تقدم: أن الفساد إذا طرأ على بعض المعقود عليه اقتصر عليه، ولا يتطرق الفساد إلى الباقي، وهذا كله فيما لا يكون كشيء واحد كمصراعي

стр. 2165

باب أو نعلين، فلا يجوز رد أحدهما دون الآخر عند وجود عيب بأحدهما، وهذا عند الجميع (١). ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها . إذا اشترى قطيعاً من الغنم جملة واحدة - ولم يحدد لكل شاة ثمناً - ثم وجد في بعضها جرباً أو عيباً، فهل له رد المعيب بقيمته أو يجب رد الجميع؟ عند أبي حنيفة ﵀ له رد الجميع حيث إن العقد إذا فسد في بعضها فسد في كلها، وعند الآخرين له رد المعيب خاصة بقيمته من الثمن حيث لم يفسد العقد في الباقي. ومنها: إذا اشترى عبدين صفقة واحدة بألف درهم، فإذا أحدهما حر، فالبيع فيهما جميعاً إذا لم يسم لكل واحد منهما ثمناً عند أبي حنيفة ﵀. وإذا سمَّى لكل واحد منهما ثمناً فالبيع جائز عند غير أبي حنيفة في غير المعيب بما سمى بمقابله من الثمن، وعند أبي حنيفة العقد فاسد. ومنها: إذا اشترى شاتين مسلوختين فإذا إحداهما ميتة أو ذبيحة مجوسي، والأخرى مذكاة، فإذا كانا بثمن واحد فالبيع فاسد عند الجميع. وإن جعل لكل واحدة منهما ثمناً فالبيع فاسد عند أبي حنيفة في الجميع، وعند غير أبي حنيفة فاسد في الميتة خاصة وصح في المذكاة بثمنها.

стр. 2166

القاعدة الحادية والعشرون [الصلح] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصلح عن إقرار بيع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الصلح خير. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرَّم حلالاً (٢). والصلح قد يكون عن إقرار وقد يكون عن إنكار. فمفاد القاعدة: أنه إذا صالح شخص آخر بحق له مقر به كان ذلك بيعاً لذلك الحق على صاحبه، أو كالبيع؛ لأن الصلح عن إقرار تمليك بمال فيكون بيعاً، ومعنى كونه - أى هذا الصلح - بيعاً أنه يأخذ أحكام البيع فيما يترتب عليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . رجل ادعى على آخر سرقة متاع أو إتلافه، ثم صالحه على مائة درهم يعطيها المدعي للسارق على أن يقر السارق بالسرقة ويرد المسروق على المدعي - ففعل السارق ذلك وأقر جاز. فإذا كانت السرقة عروضاً قائمة بعينها تصير ملكاً للمدعي بالمئة التي دفعها إلى السارق؛ لأن الإقرار المقرون بالعوض يكون عبارة عن ابتداء تمليك.

стр. 2167

ومنها: إذا ادعى شخص على آخر ملكية عقار فأقر المدعى عليه بالدعوى وصالحه على مال دفعه إلى المدعي فالصلح جائز، ويكون ذلك بيعاً للعقار محل الدعوى ويكون المال المأخوذ ثمناً له. وإذا كان الصلح عن منافع كان المأخوذ إجارة. رابعاً: ومما استثني من مسائل هذه القاعدة . إذا صالح من الدين على عبد وقبضه، وليس له أن يبيعه مرابحة بلا بيان؛ لأن المرابحة تستلزم تحديد رأس المال، وفي الصلح نوع محاباة وإسقاط. ومنها: لو صالحه عن شاة اغتصبها أو ذبحها على صوف غيرها لا يجوز هذا الصلح؛ لأن بيع الصوف على ظهر الغنم لا يجوز (١).

стр. 2168

القاعدة الثانية والعشرون [الصلح عن الحدود] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصلح عن الحدود باطل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الحدود: جمع حد، وهى العقوبات المقدرة شرعاً، كحد الزنا والسرقة والسكر. فمفاد القاعدة: أن الصلح عن عقوبة مقدرة شرعاً يعتبر صلحاً باطلاً ولا يسقط الحد. وفي المسألة تفصيل لا بد منه: إن الحدود منها ما هو حق خالص لله تعالى كحد الزنا والسكر، فهذا لا يجوز الصلح فيه عنه بحال، لا قبل أن يرفع إلي الحاكم ولا بعد أن يرفع. ومنها ما فيه حق العباد كالسرقة والقذف، فهذه يجوز الصلح فيها والعفو عنه قبل رفعه إلى الحاكم، وأما بعد الرفع فلا يجوز. ودليل هذه القاعدة وأصلها حديث العسيف (٢) - هو الأجير الذي زنا بامرأة مخدومه -. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . صالح عن جريمة سرقة بعد رفعها إلي الحاكم، فالصلح باطل ويجب الحد

стр. 2169

على السارق بشروطه كما في حديث عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب" (١). وحديث المرأة المخزومية (٢). ومنها: إذا صالح القاضي أو الحاكم شارب الخمر على أن يأخذ منه مالاً ويعفو عنه، لا يصح الصلح, ويُرد المال على شارب الخمر سواء قبل الرفع أو بعده، والحد يجب ولا يسقط لأنه حق الله تعالى. ومنها: إذا صالح السارق صاحب المال حتى لا يرفعه إلى الحاكم - على مال يدفعه - فالصلح باطل؛ لأنه يعتبر رشوة، ويجب رد المال إلى السارق. ولكن لصاحب المال أخذ المسروق أو تركه للسارق والعفو عنه بدون شيء وذلك قبل الرفع للحاكم. وأما بعد الرفع فلا يجوز عفوه. وأما إذا صالح السارق صاحب المال على المال المسروق لاستهلاكه أو تلفه فذلك جائز. ومنها: إذا صالح عن حق القصاص، جاز وسقط القصاص، فهو هنا صلح صحيح؛ حيث انتقل الحق من القصاص إلى الدية، ويعتبر ما صالح عليه بدلاً من الدية، والصلح عن الجنايات التي يجب فيها المال صلح صحيح. ومنها: إذا عفا المقذوف قبل أن يرفع إلى الحاكم سقط الحد، وأما بعد الرفع فلا يسقط، وذلك بدون مال، وإلا هو رشوة لا صلحاً، فلا يجب المال ولكن يسقط الحد إن كان قبل الرفع للحاكم، إلا عند من يعتبرون إن القذف

стр. 2170

من حقوق العباد فيسقط الحد. ومنها: إذا قذف رجل امرأته المحصنة، حتى وجب اللعان بينهما، ثم أراد مصالحتها على مال حتى لا تطلب اللعان، كان الصلح باطلاً ولا يجب المال. وأما إذا عفت قبل الرفع للحاكم فالعفو جائز.

стр. 2171

القاعدة الثالثة والعشرون [الصلح عن دين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصلح عن دين بدين لا يجوز (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . أصل هذه القاعدة ودليلها حديث رسول الله ﷺ أنه: "نهى عن بيع الكاليء بالكاليء" (٢). والمراد بالكاليء: الدين المؤجل. من كلأ يكلأ إذا تأخر، وهو بيع النسيئة بالنسيئة. فمفاد القاعدة: أن الصلح إذا تم عن دين في الذمة بدين في الذمة فهو صلح باطل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا كان لرجل على آخر طن تمر، فصالحه عنه بعشرة آلاف مؤجلة، فلا يصح هذا الصلح؛ لأنهما افترقا عن دين بدين، لأن التمر في ذمة المدين وهو دين، فلما صالحه على مبلغ مؤجل افترقا عن دين بدين وذلك لا يجوز. رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة . إذا كان لرجل على رجل ألف دينار فصالحه على خمسمائة مؤجلة، فالصلح جائز، لأن صاحب المال حط من الألف خمسمائة والمبلغ واحد. وليس هو من بيع الكاليء بالكاليء.

стр. 2172

القاعدة الرابعة والعشرون [الصلح] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصلح على رأس المال إقالة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الإقالة: هي رفع العقد وإسقاطه وفسخه. فمفاد القاعدة: أن المتبايعين إذا اصطلحا على رأس مال العقد دون زيادة أو نقصان كان ذلك رفعاً للعقد وإسقاطاً وفسخاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . اشترى سيارة بعشرين ألفاً، ثم اصطلح البائع والمشتري على أن يسترد البائع السيارة ويرد على المشتري عشرين الفاً، فيكون ذلك الصلح إقالة للبيع وفسخاً له.

стр. 2173

القاعدة الخامسة والعشرون [الصور الخالية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الصُّوَر الخالية من المعنى هل تعتبر أم لا؟ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . المراد بالصور الخالية من المعنى: وجود آثار لمحرم في مباح. فمفاد هذه القاعدة: إذا وجدت هذه الآثار والمظاهر التي لا حقيقة لها - أى لا جرم معتبر - فهل تعتبر الصورة فيحرم استعمال ما هى فيه، أو لا تعتبر فلا يحرم؟ خلاف في المسألة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إناء مطلي بالذهب أو بالفضة، وإذا أُدخل النار لا يخلص من طلائه شيء، هل يجوز استعماله؟ خلاف (٢). ومنها: ثوب منسوج بخيوط من ذهب أو فضة إذا أحرق إما أن يخرج منه شيء من الذهب أو االفضة أو لا يخرج؟ فهل يجوز استعماله.؟ وهل يجوز بيعه بذهب أو فضة؟ خلاف.

стр. 2174

القاعدة السادسة والعشرون [صورة المبيح] أولاً: لفظ ورود القاعدة: صورة المبيح إذا وُجِدت منعت وجود ما يندريء بالشبهات (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: للإباحة في الشرع أسباب، منها: العقود المشروعة, والهبات، والهدايا، والعارية إذ تبيح الانتفاع بالمعرَّى، والإرث. وغير ذلك من الأسباب المشروعة وما يندريء بالشبهات الحدود والقصاص. فمفاد القاعدة: أنه إذا وجدت صورة من صور الإباحة فيما هو من موجبات الحدود فإن وجود صورة ذلك المبيح يعتبر شبهة تمنع إقامة الحد، وإن لم يبح في واقع الأمر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا وطئ امرأة بعقد زواج فاسد لا يجب الحد لوجود صورة المبيح. ومنها: إذا ادعى السارق أن المسروق ملكه، أو له فيه حق، كانت دعواه تلك شبهة تمنع إقامة الحد عليه. ومنها: إذا اصبح صائماً في بلده ثم سافر فأفطر متعمداً، لا كفارة عليه عند الحنفية؛ لأن صورة المبيح وهو السفر قد وجدت, وإن كان الفطر في هذه الصورة لا يجوز عند كثيرين، وتحتها صور كثيرة خالف فيها أبو حنيفة ﵀ الجمهور.

стр. 2175

ثانياً: قواعد حرف الضاد عدد قواعد حرف الضاد (٢٧) سبع وعشرون قاعدة.
следующие страницы →