القاعدة التاسعة والخمسون [الأيلولة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا آل الفعل إلى غير القصد، ففي المعتبر منهما قولان للمالكية (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قد يتصرف الإنسان تصرفاً مأذوناً به فينتج عن تصرفه هذا أمر آخر غير مقصود له وغير مأذون به فهل يتحمل تبعة ما حصل بفعله غير المقصود؟ خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من أصدق زوجته مَن يعتق عليها, ولم تعلم، فهل ترجع عليه بالمهر أو لا؟ وهل ترجع بنصف قيمته وهو المشهور أولاً؟
ومنها: مَن ضرب خيمته فتعلق بها صيد فمات هل عليه الجزاء؟ الكلام في المحرم، وفي صيد الحرم.
ومنها: نصب شركاً لأسد، أو أرسل عليه جارحاً فأصاب صيداً من الحرم أو وهو محرم، فهل عليه جزاء (٢)؟. قولان في كل هذه المسائل.
стр. 212
القاعدة الستون [الزيادة على الواجب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا أتى بالواجب وزاد عليه هل يقع الكل واجباً أو لا (١)؟ ".
لفظ آخر:
"الواجب المقدر إذا أتي به وزيد عليه هل يتصف الكل بالوجوب؟ أو المقدر الواجب والزائد سنة؟ وجهان (٢) تأتي في حرف الواو إن شاء الله.
أصولية تذكر ملحقة في فصل مقدمة الواجب أو ما لا يتم الواجب إلا به (٣)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الواجبات المقدرة شرعاً أو التي لا حدَّ محدود لها في الصلاة أو الزكاة، أو غيرها كالحدّ الأدنى من القيام والركوع والسجود والتسبيح، ومقادير زكوات الأموال؛ فالواجب المطلوب فيها له حد أدنى فما زاد هل يقع واجباً مع ما سبقه أو يكون الزائد ندباً؟
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قرأ القرآن كله في الصلاة هل يقع الكلّ فرضاً؟، إذا أطال الركوع والسجود في الصلاة هل يقع الكل فرضاً؟ خلاف في المسألة.
مثاله: إذا أخرج بعيراً زكاة عن خَمس من الإبل، هل يقع كله واجباً أو خُمُسُه؟.
стр. 213
القاعدة الحادية والستون [الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا أثبت الشرع حكماً منوطاً بقاعدة فقد نيط بما يقرب منها، وإن لم يكن عينها (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أثبت الشرع أن الإِسلام مقابل للكفر، وهذا حكم منوط بقاعدة " الإيمان موجب للأمان" و"الكفر موجب للقتل". فما قرب من الإيمان أخذ حكمه وإن لم يكن عينه، فالصلاة في غاية القرب من الإِسلام والإيمان فتأخذ حكمهما من حيث إن فعلها موجب للأمان، وتركها في غاية القرب من الكفر الموجب للقتل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
بناء على هذه القاعدة قال مالك والشافعي (٢) رحمهما الله تعالى، الصلاة في غاية القرب من الإِسلام، وتركها في غاية القرب من الكفر الموجب للقتل.
قال ابن حبيب (٣) ﵀: وأخواتها مثلها - أي الزكاة والصوم فحكم أخواتها حكمها.
стр. 214
وخالفه المقري حيث قال: إن أخواتها أقرب العبادات إليها لا إلى الإِسلام وأن القريب إلى الأصل لا يعتبر أصلاً فيلحق به ما قرُبَ منه وإلاَّ أدى إلى الحاق سائر العبادات.
стр. 215
القواعد من الثانية والستين إلى الرابعة والستين [الإشارة والعبارة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" إذا اجتمعت الإشارة والعبارة واختلف موجبهما غلّبت الإشارة (١) ".
أو "الإشارة مغلَّبة على العبارة (٢) ".
ومن ألفاظها: "الإشارة مع التسمية إذا اجتمعا فالعبرة للإشارة (٣) ".
وفي لفظ: "إذا كان المشار إليه من جنس المسمى يتعلق الحكم بالمشار إليه (٤) ".
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
إنه عند اجتماع لفظ مع إشارة إلى المراد فإذا خالفت الإشارة العبارة فالمغلَّب في الاعتبار هو الإشارة لأنها غير محتملة بخلاف اللفظ أو العبارة.
وأما إذا اتفقت العبارة والإشارة فالحكم والاعتبار لكليهما. وهذا كله إذا كان المسمى من جنس المشار إليه، فالمشار إليه ذات والوصف باللفظ
стр. 216
تابع، وإن كان المسمى من خلاف جنس المشار إليه فلا يتم العقد كما إذا سمِّى ياقوتاً وأشار إلى زجاج.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال أُصلِّي خلف هذا زيد فكان عمراً، أو على هذا زيدٍ وكان عمراً -، صَحَّ في الأصح تغليباً للإشارة.
وإذا قال زوَّجتك هذه فلانة وأشار إلى ابنته وسماها بغير اسمها، فحُكي عن الشافعية الصحة تعويلاً على الإشارة.
стр. 217
القاعدة الخامسة والستون [التداخل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالباً (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تشير هذه القاعدة إلى اجتماع أمور من جنس واحد مع اتحاد المقصود من كل منها، فهل يأخذ كل أمر منها حكماً مستقلاً أو يكون الحكم واحداً لمجموعهما كأنه ما فُعل إلا أمر واحد؟ خلاف.
والراجح في المسألة دخول أحدهما في الآخر، فتأخذ كلها حكماً واحداً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تعدد السهو في الصلاة لم يتعدد السجود، بل يكفي سجود واحد، وإذا زنى بكر أو شرب خمراً أو سرق مراراً ولم يعاقب بعد كل فعل كفى في كل منها حد واحد.
стр. 218
القاعدة السادسة والستون [اجتماع الحقوق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اجتمع الحقان - حق الله وحق العبد - قدم حق العبد (١) ".
وعُلِّل ذلك:
لأن العبد محتاج والله سبحانه الغني وقد أذن بإسقاط حقه (٢).
واستثني من ذلك إذا أحرم وفي ملكه صيد وجب إرساله حقاً لله تعالى.
أصل مذهب مالك أن المطالبة بحق العبد تقدم على المطالبة بحق الله .
والتعليل: لافتقار العبد إلى حقه واستغناء الحق على كل شيء، والدين حق للعبد خاصة والزكاة حق الله فيها أظهر (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن لله حقوقاً على العباد لا يشاركه فيها أحد، كما أن للعباد حقوقاً على بعضهم، وإن هناك حقوقاً مشتركة بين الله سبحانه وبين عباده، فإذا اجتمع على العبد حقان حق خالص لله سبحانه وحق خالص للعبد ولم يمكن الجمع بينهما؛ قُدَّم في الاستيفاء حق العبد على حق الله سبحانه.
والعلة في ذلك كما سبق أن الله لا يلحقه ضرر في
стр. 219
شيء وهو سبحانه الغني عن عباده، وحقوقه سبحانه مبنية على المسامحة، فمن أقر بالزنا على نفسه قُبل رجوعه عن إقراره ويسقط الحدُّ عنه.
وأما الآدميون فهم يتضررون ومحتاجون إلى حقوقهم، ولذلك فحقوق العباد مبنية على المشاحة.
وخرج عن ذلك مسائل ينظر في تفصيل ذلك المنثور للزركشي ج ٢ صـ ٥٤ فما بعدها.
стр. 220
القاعدة السابعة والستون [اجتماع سببين - الضمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اجتمع سببان حالٌ قيدٍ وفاتحٌ بابٍ فالضمان على فاتح الباب (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة بقاعدة اجتماع السبب والمباشرة، أو المباشرة والغرور، ولكنها أخص منها حيث تبين حكم اجتماع سببين لكل منهما أثر في الفعل الذي باشره من لا يكلف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من حلَّ قيد فرس ومن فتح له الباب فخرج، فالضمان على فاتح الباب. وهكذا في سائر الحيوانات سوى الآدمي العاقل فإنه لا ضمان على أحد، ولأن الآدمي له عزم بخلاف الحيوان.
وقيد الآدمي بالعاقل لأن المجنون حكمه حكم الحيوان، فيضمن فاتح الباب إذا حلَّ رجلٌ قيد عبد مجنون وآخر فتح الباب فذهب العبد أو أتلف نفسه.
стр. 221
القاعدة الثامنة والستون [تعارض الموجب والمسقط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اجتمع سببان موجب ومسقط ففي المقدم منهما خلاف بين المالكية (١) ".
؛ لأن الأصل البراءة وتأثير الموجب (١).
ومن ألفاظها: تعارض الموجب والمسقط يغلَّب المسقط (٢)، وتأتي في حرف التاء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما يجب فعله على المكلف مبني على أصل يوجب أو سبب ينبنى عليه المسبب، وكذلك ما يسقط التبعة عن المكلف مبني على أصل أو سبب مسقط مبريء لذمة المكلف، فإذا تعارض أمران: أحدهما يوجب الفعل وتشغل به الذمة، والآخر يسقط الفعل وتبرأ به الذمة، فما المقدم المعتبر والمغلَّب منهما، خلاف بين الفقهاء بناءً على ترجيح الراجح منهما بحسب المسائل المطروحة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى إنسان عَرَضاً - كأرض أو فرسٍ أو ثياب - ونوى بما اشتراه الانتفاع به بالبناء في الأرض أو ركوب الفرس أو لُبس الثياب، ونوى مع ذلك إذا وجد ربحاً باعه، فقد وجد سبب يوجب الزكاة وهو قصد الربح، وسبب
стр. 222
يسقطها وهو الانتفاع المباح، فهل تجب الزكاة بناءً على قصد الربح أو لا تجب بناءً على قصد الانتفاع؟. خلاف في المغلب منهما, ولكن الراجح والله أعلم أنه لا زكاة فيها, لأن الزكاة لا تجب إلا في عُروض خالص للتجارة، وحال عليه الحول، وهنا تردد في نية التجارة فألغاها (١).
ومنها: إذا جرح رجل آخر جرحين عمداً وخطأ ثم مات المجروح فلا قصاص (٢) على الجارح تغليباً لجانب الخطأ فأورث في الحد شبهة منعت من استيفائه.
стр. 223
القواعد التاسعة والستون والسبعون والحادية والسبعون [اجتماع المباشر - والمتسبب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" إذا اجتمع السبب أو الغرور والمباشرة قدمت المباشرة (١) ".
وفي لفظ آخر: "إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر، أو قَدّم السفر في الضمان (٢) ".
لفظ ابن رجب: إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرة وسبب، تعلق الضمان بالمباشرة دون السبب، إلا إذا كانت المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه سواء كانت ملجئة - أم لا - ثم إن كنت المباشرة هذه لا عدوان فيها بالكلية استقل السبب وحده بالضمان وإن كان فيها عدوان شاركت السبب في الضمان. فالأقسام ثلاثة:-
- من مسائل القسم الأوّل: إذا حفر بئراً فردّاه فيها آخر فالقصاص على المردِّي لأنه مباشر، وإذا أمسكه فقتله آخر فالقصاص على القاتل، وكذلك لو ألقاه من شاهق فتلقاه آخر فقدَّهُ بالسيف فالقصاص على المتلقي القادّ فقط.
- ومن صور القسم الثاني: إذا قَدَّم إليه طعاماً مسموماً عالماً به
стр. 224
فأكله وهو لا يعلم بالحال فالقاتل هو المقَدّم وعليه القصاص أو الدية.
- ومن صور القسم الثالث: المكره على القتل، فالمذهب اشتراك المكرَه والمكرِه في القود والضمان، والممسك مع القاتل (١).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
السبب في اللغة: اسم لما يتوصل به إلى المقصود (٢) كالطريق والحبل، والمراد به هنا ما توقف عليه وجود المسبَّب.
والمباشر: هو فاعل الفعل بدون واسطة والغرور هو الخداع.
فإذا اجتمع في حادثة مباشر ومتسبب كان الضمان على المباشر لأنه الفاعل الحقيقي، وإذا اجتمع مباشر وغرور كذلك يكون الضمان على المباشر لا الغارّ إلا في مسائل مذكورة.
والقاعدة التي أوردها ابن رجب تعتبر أوضح صيغة لدلالة هذه القاعدة وبيان أحكامها. وقد سبق ذكر أمثلتها.
стр. 225
القاعدة الثانية والسبعون [اجتماع الحضر والسفر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اجتمع في العبادة جانب الحضر والسفر غلبنا جانب
الحضر لأنه الأصل (١) ".
خلافًا للحنفية (٢) -
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من العبادات ما يختلف بين الحضر والسفر كالصلاة مثلًا تقصر سفرًا
وتؤدى تامة حضرًا، فإذا اجتمع في العبادة جانبا الحضر والسفر فعند الشافعية
يغلب جانب الحضر لأنه الأصل، وعند الحنفية خلافه في بعض المسائل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لو مسح حضرًا ثم سافر أو عكس أتم مسح مقيم. خلافًا للحنفية.
إذا بلغت سفينته دار إقامته وهو في الصلاة وحب الإتمام. وهو كذلك
عند الحنفية.
وإذا أصبح صائمًا مقيمًا ثم سافر لم يجز له الفطر ذلك اليوم وهو
كذلك عند الحنفية.
стр. 226
القاعدة الثالثة والسبعون والقاعدة الرابعة والسبعون [التداخل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد في وقت واحد ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت تداخلت أفعالهما واكتفي فيهما بفعل واحد".
وهو على ضربين:
أحدهما: أن يحصل له بالفعل الواحد العبادتان بشرط أن ينويهما معاً على المشهور.
والضرب الثاني: أن يحصل له إحدى العبادتين بنيتها وتسقط عنه الأخرى (١).
وفي لفظ: "إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالباً (٢) ".
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
стр. 227
تشير هاتان القاعدتان وما اشبههما إلى حكم اجتماع أمرين أو عبادتين من جنس واحد في وقت واحد، ولم يختلف مقصودهما - أي أن القصد منهما متحد - فهل يأخذ كل أمر منهما حكماً مستقلاً أو يكون الحكم واحداً لمجموعهما كأنه ما فعل إلا أمراً واحداً، ولكن له ثواب الفعلين بنيتهما، أو يحصل له ثواب إحدى العبادتين وتسقط الأخرى؟ خلاف في هذه المسائل، ولكن الراجح دخول إحدى العبادتين في الأخرى ودخول أحد الأمرين في الآخر فتأخذ كلها حكماً واحداً.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا تعدد السهو في الصلاة لم يتعدد السجود بل يكفي سجود واحد، وإذا زنى بكرٌ أو شرب خمراً أو سرق مراراً ولم يقم عليه الحد بعد كل فعل كفى حد واحد في كل منها.
ومنها: من عليه حدثان أصغر وأكبر فعند الحنابلة أنه يكفيه أفعال الطهارة الكبرى إذا نوى الطهارتين بها. وفي رواية عن أحمد: لا يجزئه عن الأصغر حتى يأتي بالوضوء.
ومنها: القارن إذا نوى الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد على المذهب الصحيح، وعن أحمد: لا بد من طوافين وسعيين كالمفرد بهما.
ومن الضرب الثاني: إذا دخل المسجد وأقيمت الصلاة فصلى معهم سقطت التحية عنه.
стр. 228
القواعد الخامسة والسبعون إلى الحادية والثمانين [اختيار أهون الضررين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
تحت قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار". أو قاعدة: "الضرر يزال"
"إذا اجتمع للمضطَّر مُحرَّمَان كل منهما لا يُباح بدون الضرورة، وجب تقديم أخفهما مفسدة وأقلهما ضرراً؛ لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا تباح (١) ".
وفي لفظ: "الأصل أن من ابتلي ببليتين - وهما متساويتان - يأخذ بأيتهما شاء، وإذا اختلفتا يختار أهونهما لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا لضرورة ولا ضرورة في حق الزيادة (٢) ".
وفي لفظ: "إذا تعارض مفسدتان رُوعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما (٣)
وفي لفظ: "إذا تقابل مكروهان أو محظوران أو ضرران
стр. 229
ولم يمكن الخروج عنهما وجب ارتكاب أخفهما (١).
وفي لفظ: "احتمال أخف المفسدتين لأجل أعظمهما هو المعتبر في قياس الشرع (٢) ".
وفي لفظ: "إذا اجتمع ضرران أسقط الأصغر للأكبر (٣) ".
وفي لفظ: "الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف (٤) ". وتأتي في حرف الضاد إن شاء الله.
وفي لفظ: "يختار أهون الشرين أو أخف الضررين (٥) ". وتأتي في حرف الياء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد مهما اختلفت ألفاظها وصيغها فهي متحدة المعنى، ومتفق على مضمونها بين الفقهاء. وذلك دليل على عظم مكانتها وأهميتها، وأثرها، وهي مندرجة تحت قاعدة - لا ضرر ولا ضرار - أو الضرر يزال. وتدل على أنه إذا ابتلي إنسان ببليتين ولا بد من ارتكاب إحداهما فللضرورة جاز ذلك، فإذا
стр. 230
كانت البليتان أو الضرران أو المحرَّمان متساويين فهو بالخيار في ارتكاب أيهما شاء.
وأما إن كانا مختلفين وأحدهما أخف مفسدة أو أقل ضرراً أو أهون شراً من الآخر فيرتكب الأخف ويدفع الأعظم والأشد, لأن ارتكاب المحرم والإقدام على المفاسد لا يجوز إلا لضرورة شديدة، وإذا أمكن دفع الضرورة بالأخف فلا يجوز الإقدام على الأشد, لأنه لا ضرورة في حق الزيادة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد: ومسائلها:
إذا صلى قائماً ينكشف من عورته ما يمنع صحة صلاته، وإذا صلى قاعداً لا ينكشف منه شيء، فإنه يصلي قاعداً, لأن ترك القيام أهون وأخف.
ومنها: إذا كان برجل جرح لو سجد سال دمه، يوميء ويصلي قاعداً، لأن ترك السجود أهون من الصلاة على النجاسة، ولأن ترك السجود - والحالة هذه - يدفع عن الجريح ضرر نزف الدم وزيادة ضرره أو تأخر برئه.
ومنها: إذا خشي من في السفينة غرقها فإنه يرمي منها ما ثقل من المتاع، ويغرم أهل السفينة ما رموا به على قيمة ما معهم من المتاع.
ومما تساوى فيه البليتان: مَن كان في سفينة في البحر فاشتعلت فيها النار فهو بالخيار بين أن يلقي بنفسه في الماء - وإن كان لا يحسن السباحة ويخشى الغرق - أو يبقى في السفينة فيحترق. وفي المسألة خلاف.
стр. 231
القاعدتان الثانية والثمانون والثالثة والثمانون [تعارض الأصلين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اختص الفرع بأصل أُجري عليه اجماعاً، فإن دار بين أصلين فأكثر حُمِلَ على الأولى منهما.
وقد يختلف فيه (١) ".
وفي لفظ الفروق وهو أصلها: متى كان الفرع مختصاً بأصل واحد أُجري على ذلك الأصل من غير خلاف، ومتى دار بين أصلين أو أصول يقع الخلاف فيه (٢) ".
وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. [أصولية]
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
تشير هذه القاعدة الأصولية إلى بعض مسائل القياس، فإذا أشبه الفرع أصلاً واحداً كقياس النبيذ على الخمر مثلاً في التحريم أجري عليه وأُلحق به بدون خلاف.
ولكن إذا تردد الفرع بين أصلين أو أكثر لوجود شبه له بكل منها وقع فيه الخلاف تبعاً للوصف أو الأوصاف المُغلّبة عند المجتهدين.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
стр. 232
العبد إذا قُتل هل يعامل معاملة الحر فتجب فيه الدية باعتباره إنساناً مكلفاً عاقلاً .. إلخ.
أو يعامل معاملة البهيمة فتجب قيمته مهما بلغت باعتباره يباع ويشترى ويوهب .. إلخ.
خلاف بين العلماء في هذه المسألة. وهذا ما يسمى قياس الشبه عند الأصوليين.
стр. 233
القاعدة الرابعة والثمانون [تعارض الصحة والفساد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اختلفا في الصحة والفساد فالقول قول مدعي الصحة بيمينه في الأظهر عملاً بالظاهر (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقود بين صحيح وفاسد أو باطل - على القول بتساويهما - فإذا اختلف شخصان في حقيقة عقد، هل تم في حال الصحة أو في حال الفساد فالقول لمدعي الصحة مع يمينه؛ لأنه متمسك بالأصل لأن الأصل في العقود الصحة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادعى أحدهما أن العبد المبيع حرّ أو أنها أم ولد أو أنها ملك الغير. القول قول مدعي الصحة قطعاً وعلى الآخر البينة.
وكذلك إذا زوج ابنته ثم قال: كنت محجوراً أو مجنوناً يوم زوجتها. وأنكر الزوج. فالقول قول الزوج مع يمينه لأن الغالب في العقود أنها على الصحة.
وفي بعض مسائلها خلاف.
стр. 234
القاعدة الخامسة والثمانون [اختلاف اللغويين - الاحتياط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اختلف أهل اللغة في مسمى بلفظ ولا رادّ ولا مرجح تعين الاحتياط، ولا يكون كتعارض الخبرين لامتناع النسخ والتخصيص (١). فيجب الأقصى لتحصل البراءة. "أصولية"
هذه القاعدة تتعلق بمسميات بعض ألفاظ اللغة التي تحتمل معنيين ولا مرجح لأحدهما، وفي أحدهما أخذ بالأحوط، فيجب الاحتياط لتحصل البراءة بالأداء الكامل.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اختلف المالكية في حدَّ الوجه هل هو ما بين الأذنين - وهو المشهور في مذهب مالك والمذاهب الأخرى - أو هل هو ما بين العذارين؟.
فالأحوط الغسل لما بين الأذنين وذلك بغسل العذارين وما وراءهما.
стр. 235
القاعدة السادسة والثمانون [الجناية والسراية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اختلف حال المضمون في حالي الجناية والسراية فهل المعتبر حال الجناية أو حال السراية؟ روايتان (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة وأمثلتها:
المضمونات نوعان: نوع مضمون بالجناية كمن قطع يد إنسان خطأ أو عمداً فيجب الضمان أرشاً أو قصاصاً، ونوع مضمون بالسراية كمن قطع يد إنسان فنزف فمات، فهو مضمون بنتيجة القطع، وهو الموت لا بالقطع وهو الجناية.
وتحت هذه القاعدة أربعة أقسام:
القسم الأول: أن يكون المجني عليه مضموناً في الحالين لكن يتفاوت قدر الضمان فيهما.
من أمثلته: لو جرح ذمياً فأسلم ثم مات. فلا قود. ولكن هل يجب فيه دية ذمي اعتباراً بحال الجناية؟ أو دية مسلم اعتباراً بحال السراية؟ وجهان.
القسم الثاني: أن يكون الضمان مهدراً في الحالين فلا ضمان.
من أمثلته: إذا جرح عبداً حربياً ثم عُتق ثم مات، أو جرح عبداً مرتداً ثم مات فلا ضمان, لأن الحربي والمرتد لا يضمن حراً كان أم عبداً.
القسم الثالث: أن تكون الجناية مهدرة والسراية في حال الضمان
стр. 236
فتهدر تبعاً للجناية باتفاق.
من أمثلته: لو جرح حربياً ثم أسلم ثم مات فلا ضمان، ولو جرح صيداً في الحل ثم دخل الصيد الحرم فمات فيه فلا ضمان ويحل أكله.
القسم الرابع: أن تكون الجناية في حال الضمان والسراية في حال الإهدار فهل يسقط الضمان أولا؟.
من أمثلته: لو جرح مسلماً أو قطع يده عمداً فارتد ثم مات، فهل يجب القود في طرفه أولا؟ على وجهين: المرجح عدمه.
ومنها: لو جرح صيداً في الحرم فخرج إلى الحل فمات لزمه كمال ضمانه، ويتوجه أن يضمن أرش جرحه خاصة.
стр. 237
القاعدة السابعة والثمانون [اختلاف الفعل والمحل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اختلف الحكم بالنظر إلى الفعل أو المحل فأيُّهما يُقدم؟ (١) " خلاف، فمالك يقدم الفعل، والشافعي المحل.
والمثال: مسح الرأس.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تشير إلى اختلاف مأخذ الأئمة في بعض المسائل، ففي بعض المسائل حكم يتعلق بالنظر إلى الفعل ذاته إن كان غُسلاً أو مسحاً أو غير ذلك، وفي بعضها حكم يتعلق بالنظر إلى محل الفعل إن كان أصلاً أو فرعاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ما ذكر من مسح الرأس: فمن نظر إليه من حيث كونه فعلاً وهو المسح رأى أنه لا يجب تكرار مسحه؛ لأنه إذا تكرر المسح صار غسلاً، والرأس ممسوح لا مغسول، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة (٢) وأحمد (٣) ﵃. ولكن الشافعي ﵀ خالفهم في ذلك حيث نظر إلى المحل وهو الرأس - من حيث كونه محلاً لفرض في الوضوء فاعتبره بأعضاء الوضوء الأخرى التي يُسن فيها التكرار فاستحب تكرار المسح (٤).
стр. 238
القاعدتان الثامنة والثمانون والتاسعة والثمانون [الحال والمآل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" إذا اختلف حكم الشيء بالنظر إلى حاله ومآله فما المعتبر منهما (١). ومثلها: هل العبرة بالحال أو بالمآل" (٢). وتأتي في حرف الهاء إن شاء الله.
وفي لفظ: "إذا كان للشيء مآلان مختلفا الحكم فهل يعتبر بأولهما أو بآخرهما (١).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
قد يختلف حكم الشيء بين الحال التي هو عليها وبين ما يؤول إليه مستقبلاً، وقد يختلف أيضاً إذا كان للشيء مآلان مختلفا الحكم.
فهل ينظر في الحكم للحال الحاضر أو لمآله الآخر؟ خلاف.
والأرجح النظر إلى الحال لا المآل.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا كسر بيض حمام أو نعام في الحرم فما جزاؤه؟ هل ينظر إلى كونه ما زال بيضاً فيجزيه على هذه الحال، أو يعتبر بأنه لو لم يكسر لأصبح فرخاً فيجزيه باعتبار ما يؤول إليه؟
стр. 239
قالوا: فيه حكومة، وقيل: عشر الجزاء، وقيل فيه ما في الفرخ.
ملحوظة: لهذه القواعد تعلق بالقاعدة رقم ٣٢٠ صـ ٥٤٩ عند المقري التي تقول:
قاعدة: المآل إذا خالف حكمه حكم الحال: قال مالك: يعتبر الحال. وقال الشافعي: يعتبر كل بحكمه. فيما يختص برؤية هلال رمضان بخبر الواحد. وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
стр. 240
القاعدة التسعون [اختلاف المنبت والمحاذاة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اختلف الحكم بالمنبت والمحاذاة فقد اختلف المالكية بماذا يعتبر (١) ".
ويمكن أن تدخل تحت قاعدة اجتماع الحلال والحرام في بعض أمثلتها -
وردت هذه القاعدة عند القرافي بلفظ: "ويجب غسل ما طال من اللحية، وقيل لا يجب، ومنشأ الخلاف هل ينظر إلى مباديها فيجب أو محاذيها فلا يجب (٢) ".
وقال الونشريسي: الشيء إذا اتصل بغيره هل يعطي له حكم مباديه أو حكم محاذيه (٣)، وتأتي في حرف الشين إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لمبدأ الشيء حكم قد يختلف عمَّا يحاذي نهايته، فعند الاختلاف بالمنبت والمحاذاة فهل يعطي الحكم للمنبت أو للمحاذاة؟ خلاف في هذه القاعدة عند المالكية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
стр. 241
غسل ما طال من شعر اللحية (١)، ومسح ما طال من شعر الرأس (٢)، وشجرة في الحرم أصلها، وفرعها خارج الحرم هل يصاد ما على غصنها الذي في الحل؟.
أما على العكس فبالإتفاق لا يحل؛ كفرع شجرة في الحرم لا يجوز صيد ما عليه، ونجاسة أعلى القرن وناب الفيل.
стр. 242
القاعدة الحادية والتسعون [اختلاف القابض والدافع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اختلف القابض والدافع في الجهة، فالقول قول الدافع (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تدخل ضمن قاعدة: "الأصل براءة الذمة" حيث إن الاختلاف بين القابض والدافع يؤول - عند عدم البينة - إلى يمين المنكر، ومَن عليه اليمين هو المدعى عليه وهو المتمسك بالأصل، والظاهر، والمدعي متمسك بخلاف الأصل والظاهر فعليه البينة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان عليه دَينان بأحدهما رهن ثم دفع إلى الدائن دراهم ثم قال: أقبضتها عن الدين الذي به الرهن، وأنكره القابض، فالقول قول الدافع مع يمينه. وكذلك إذا دفع إلى زوجته مالاً وقال: دفعته عن الصداق. وقالت هي: بل هي هدية. فالقول قول الدافع مع يمينه.
стр. 243
القاعدة الثانية والتسعون [اختلاف الغارم والمغروم له]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اختلف الغارم والمغروم له في القيمة فالقول قول الغارم (١) ".
لأن الأصل براءة ذمته من الزيادة ما لم يعارضه دليل آخر.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة كسابقتها تحت قاعدة: "الأصل براءة الذمة". والتعليل لها كالتعليل لما سبقها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اختلف الغاصب والمالك في قيمة المغصوب بعد تلفه صدق الغاصب بيمينه. إذا اختلف المتبايعان وانفسخ البيع والمبيع تالف واختلفا في قيمته فالقول قول المشتري جزماً.
стр. 244
القاعدة الثالثة والتسعون [تعارض الخيار والبتات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا اختلف المتبايعان في الخيار والبتات فالقول لمن يدعي البتات والبينة بينة مدعي الخيار (١) ". - في ظاهر الرواية -
وكان ذلك كذلك لأن الأصل في البيع البتات، فالمتمسك بالأصل عليه اليمين والقول قوله، والمتمسك بخلاف الأصل عليه البينة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالبتات: القطع، أي خلو العقد عن الخيار لأحد المتبايعين.
فتدل القاعدة على أنه إذا اختلف البائع والمشتري فادعى أحدهما خياراً وأنكر الآخر، ولا بينة لأحدهما على دعواه، فالقول لمن يدعي البتات مع يمينه، والبينة بينة مدعي الخيار.
وعلة ذلك - مع أن كلاً منهما مدعٍ ومدعىً عليه أن الأصل في البيع البتات والخيار خلاف الأصل، والقول قول المتمسك بالأصل مع يمينه، وعلى المتمسك بخلاف الأصل البينة.
стр. 245
القاعدة الرابعة والتسعون [ارتفاع العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا ارتفع العقد قد يرتفع من أصله وقد يرتفع من حينه (١) ".
وفي لفظ: "الفسخ بالعيب ونحوه هل يرفع العقد من أصله أو من حينه؟ (٢) خلاف. وتأتي إن شاء الله في حرف الفاء.
وفي لفظ: "هل يرفع العقد من أصله أو من حينه؟ (٣) وتأتي إن شاء الله في حرف الهاء.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بارتفاع العقد بطلانه وانفساخه.
فإذا ظهر سبب موجب لبطلان العقد وانفساخه، فهل يعتبر هذا البطلان والانفساخ من أصل العقد أي من وقت انعقاده - أو من حين ظهور بطلانه؟ خلاف يترتب عليه ثمرة فقهية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى عبداً وفَسخ البيع قبل القبض. فهل كسب العبد الذي كسبه ما بين انعقاد العقد وفسخه للبائع أو للمشتري؟ إن قلنا إن العقد ارتفع من أصله
стр. 246
فالكسب للبائع، وإن قلنا إن العقد ارتفع من حين ظهور سبب الفساد فالكسب للمشتري.
ومن ناحية ثانية يمكن أن يقال: إذا كان ضمان البيع في هذه المدة على البائع فالكسب له لأن الخراج بالضمان. وإن كان العبد ملكاً للمشتري بالعقد لكنه قبل التسليم لا زال في ضمان البائع.
стр. 247
القاعدة الخامسة والتسعون [الاستصحاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إذا استصحبنا أصلاً وأعملنا ظاهراً في طهارة شيء أو حله أو حرمته وكان لازم ذلك تغير أصل آخر يجب استصحابه أو ترك العمل بظاهر آخر يجب إعماله. لم يلتفت إلى ذلك اللازم على الصحيح (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل معناه: القاعدة المستمرة أو المستصحب كاستصحاب الطهارة.
والظاهر: معناه ما يترجح وقوعه.
فتفيد القاعدة بيان أنه إذا استصحبنا قاعدة مقررة وعملنا بما يترجح لدينا من طهارة أو نجاسة أو حل أو حرمة بناء على ذلك الظاهر، ولكن يلزم على ذلك وينتج عنه تغير أصل آخر أو ترك العمل بظاهر آخر، فهل يترك العمل بناءً على ذلك اللازم أو لا يلتفت إلى النتائج! خلاف وقد صحح ابن رجب ﵀ عدم الالتفات إلى ذلك اللازم وتلك النتائج.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استيقظ من نومه فوجد في ثوبه بللاً، فإذا قلنا لا يلزمه الغسل بناءً على ما إذا تقدم منه سبب المذي, فلا يلزمه أيضاً غسل ثوبه, لأن الأصل طهارة ثوبه فلا ينجس بالشك، والأصل طهارة بدنه فلا يلزمه الغسل بالشك.
стр. 248
والوجه الآخر يجب عليه الغسل وغسل ثوبه فلا تجوز له الصلاة قبل ذلك لأنا نتيقن وجود المفسد للصلاة لا محالة.
ومنها: إذا رمي حيواناً مأكولاً بسهم ولم يمته ثم وقع الحيوان في ماء يسير (١) فوجده ميتاً، فإن الحيوان لا يباح خشية أن يكون الماء أعان على قتله، والأصل تحريمه حتى يتيقن وجود السبب المبيح له، ولا يلزم من ذلك نجاسة الماء بل يستصحب في الماء أصل الطهارة، فلا ينجس بالشك.
стр. 249
القواعد: السادسة والتسعون إلى الثامنة والتسعين [العقود]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" إذا استعمل لفظ موضوع لعقد في عقد آخر هل العبرة باللفظ أم بالمعنى (١) ".
وفي لفظ: "إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن موضوعها، فهل يفسد العقد بذلك أو يجعل كناية عما يمكن صحته على ذلك الوجه؟ فيه خلاف يلتفت إلى أن المغلب هل هو اللفظ أو المعنى؟ (٢)
وفي لفظ: "العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني (٣) تأتي في حرف العين إن شاء الله.
وفي لفظ: "الاعتبار في العقود بظواهرها أم بمعانيها (٤) ".
وفي لفظ: "كل لفظة كانت خالصة لعقد حمل إطلاقها عليه, فإن
стр. 250
وصل بها ما ينافي مقتضاهُ بطل (١) ". يأتي في حرف الكاف إن شاء الله.
وفي لفظ: "هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها (٢). وتأتي في حرف الهاء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القواعد مع اختلاف ألفاظها على معنى متحد وهو أن الشرع وضع لكل عقد لفظاً يدل على موضوعه وأحكامه، فهل يمكن استعمال لفظ عقد في عقد آخر؟ وإذا استعمل فهل يعتد باللفظ المنطوق أو بالمعنى المقصود؟.
فعند الحنفية والمالكية الاعتداد بالمعنى المقصود قولاً واحداً، وأما عند الشافعية والحنابلة فخلاف في المعتبر والمغلب هل هو اللفظ أو المعنى؟.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: وهبتك هذا الكتاب بعشرين ديناراً. فهل يعتبر هبة نظراً إلى اللفظ أو بيعاً نظراً إلى المعنى والقصد الذي دل عليه قوله: بعشرين ديناراً؟.