قيمتها.
ومنها: ضمان نصف قيمة العبد المشترك إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه - وكان موسراً - فيقوَّم عليه نصيب شريكه، كما في الحديث (١)
ومنها: إذا اشترى سيارة وقبل دفع الثمن قبضها بغير إذن البائع فهلكت فعليه ثمنها، لا قيمتها؛ لأنها صارت مضمونة عليه بالثمن المتفق عليه بهذا القبض، وأما إذا اشتراها وقبل نقد الثمن وكل رجلاً بقبضها فقبضها الوكيل بغير إذن البائع فهلكت في يده فعليه قيمتها، ويرجع الوكيل على الأصيل بما دفع إلا إذا كان الهلاك بتعدٍ من الوكيل وتقصير.
стр. 2207
القاعدة العشرون [ضمان المنفعة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ضمان القيمة وضمان المنفعة يجتمعان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
سبق بيان معنى ضمان القيمة، وأما ضمان المنفعة فيتعلق بالتزام غرم المنافع إذا فاتت في يده.
فمفاد القاعدة: أن ضمان القيمة وضمان المنفعة قد يجتمعان على الشخص الواحد لاختلاف جهتيهما، بخلاف ضمان القيمة وضمان الثمن لاتحاد الجهة الموجبة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا غصب داراً معدة للإيجار أو أرضاً مدة من الزمن ثم تلفت الدار أو الأرض فعلى المغتصب ضمان منفعة الدار أو الأرض طيلة مدة الاغتصاب كما عليه قيمتها صالحة.
ومنها: إذا غصب ثوباً فلبسه حتى أبلاه وأتلفه فإنه يضمن القيمة والمنفعة جميعاً.
стр. 2208
القاعدة الحادية والعشرون [حكم ضمان القيمة وضمان الدين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ضمان القيمة يوجب الملك في المضمون للضامن (١)، وضمان الدَّين لا يوجب ذلك.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة ذات شقين: إذ تتضمن حكمين شرعيين: أحدهما: يختص بضمان القيمة - السابق بيانه - فتفيد القاعدة أن من ضمن وغرم قيمة شيء فقد ملكه. وثانيهما: يتعلق بضمان الدين - وهو الكفالة بمعناها الخاص، فتفيد القاعدة: أن من ضمن وكفل من غيره ديناً فضمانه هذا وكفالته لا يوجبان له الملك في المضمون؛ لأن المضمون بالدين ملك المكفول لا الكفيل الضامن.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا غصب عيناً فتبدلت عنده بحيث يتعذر ردها على صاحبها فعليه قيمتها يوم غصبها ويملكها.
وهذا عند الحنفية والمالكية (٢)، وأما عند الشافعية فلا يملكها (٣)، وكذلك الحنابلة (٤).
стр. 2209
ومنها: إذا غصب ثوباً فخاطه، بعد قطعه له لم يكن لصاحب الثوب إلا قيمة الثوب يوم غصبه الغاصب، وبذلك يملك الغاصب الثوب (١).
ومنها: إذا كفل عن شخص بثمن مبيع في الذمة ثم أدَّى ما ضمن فلا يملك المبيع؛ لأن المبيع ملك المشتري المكفول.
стр. 2210
القاعدة الثانية والعشرون [الضمان الأصلي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الضمان الأصلي للبيع - وغيره - ضمان القيمة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة تتعلق ببيان أصل الضمان وما حمل عليه وما يدخله الضمان.
فمفادها: أن الأصل في الضمان هو ضمان القيمة - في البيع وغيره، وفي كل عقد ضمان يخصه - وإنما يكثر ذكر الضمان في البيوع لكونه فيها أظهر وأكثر استعمالاً.
ففي النكاح ضمان وهو مهر المثل، وفي الإجارة ضمان وهو ضمان أجرة المثل، وهكذا.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا استام شيئاً وقبضه قبل تمام العقد ثم استهلكه أو هلك في يده فعليه قيمته.
وكذلك كل شيء فسد فيه البيع فالمشتري إذا استهلكه فهو ضامن لقيمته بالغة ما بلغت.
ومنها: إذا عقد على امرأة عقد نكاح وذكر ما لا يصلح مهراً
стр. 2211
- كخمر أو خنزير - فعليه مهر المثل.
ومنها: إذا استأجر داراً أو أرضاً بما لا يصلح إجارة فالإجارة فاسدة وعليه أجر المثل إذا انتفع بالمؤجَّر.
стр. 2212
القاعدة الثالثة والعشرون [الضمان بالشك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الضمان بالشك لا يجب (١).
وفي لفظ: "مع اشتباه السبب لا يجب الضمان" (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
وفي لفظ: "الضمان الواجب لحق العباد غير مبني على الاحتياط فلا يجب في موضع الشك" (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
إذا وقع الشك في حصول الإتلاف أو الاستهلاك أو وقع الشك في المتلف أو المستهلك فلا يجب الضمان ولا الغرامة على من شك في إتلافه؛ لأن الضمان يستلزم يقين الفعل من الفاعل والشك ينافيه، سواء كان شكاً في الفاعل أو شكاً في سبب الهلاك.
وذلك في حقوق العباد حيث إن الواجب لحق العباد غير مبني على الاحتياط بخلاف الواجب لحق الله .
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا ادعى الأمين أن الوديعة سرقت أو تلفت بآفة سماوية بغير تعدٍ أو
стр. 2213
تقصير منه، وادعى صاحبها مسؤولية الأمين في إتلافها، فإن القول قول الأمين مع يمينه، ولا ضمان عليه، إلا إذا أقام صاحبها البينة على أن الأمين قصَّر في حفظها أو تعدى.
ومنها: إذا صدمت سيارة شخصاً فأصيب بجروح ثم عولج وشفي، ثم مات بعد ما ظهر شفاؤه، فهل يجب على سائق السيارة الضمان؟ بحسب هذه القواعد لا يجب؛ لأنه وقع الشك في سبب موته هل هو الصدمة أو سبب آخر.
ومنها: إذا ضرب محرم بطن ظبية فطرحت جنيناً ميتاً ثم ماتت فعليه جزاؤهما جميعاً، أخذاً بالاحتياط؛ لأن هذا من حق الله تعالى؛ لأن الضرب سبب صالح لموتهما وقد ظهر الموت عقيبه.
ولكن من ضرب بطن امرأة حامل فألقت جنيناً ميتاً وماتت فيجب هنا دية الأم، كما يجب في الجنين غرة عبد أو أمة قيمته خمسمائة بالحديث، وإلا فالقياس إما أن لا يجب فيه شيء؛ لأنه لم تعرف حياته، وفعل القتل لا يتحقق إلا في محل هو حي، والضمان بالشك لا يجب، وإما أن يجب فيه كمال الدية؛ لأن الضارب منع حدوث منفعة الحياة فيه، فيجعل كالحي في إيجاب الضمان بإتلافه. ولكن ترك القياس بالسنة، وهو حديث حمل بن مالك (١).
وهذا إذا ألقته قبل موتها، وأما إذا ماتت الأم أولاً ثم انفصل الجنين بعد موتها فلا ضمان فيه عند الحنفية؛ لأنه مع اشتباه السبب لا يوجب الضمان، وذلك لاحتمال أن الجنين لم يمت من الضربة وإنما مات لانحباس نفسه
стр. 2214
بهلاك أمه.
وعند غير الحنفية يجب دية المرأة ودية الجنين على أي وجه سواء انفصل قبل موتها أم بعد موتها لأن موته يحال على الضربة على كل حال.
стр. 2215
القاعدة الرابعة والعشرون [ضمان العقد الفاسد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الضمان بالعقد الفاسد يتقدر بالمثل شرعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
العقد الفاسد: هو العقد الذي فقد أحد شروط صحته، كما لو جعل الثمن أو المهر خمراً أو خنزيراً، وهذا عند الحنفية حيث يفرقون بين الباطل والفاسد، فالباطل عندهم ما لم يشرع بأصله ووصفه، والفاسد ما كان مشروعاً بأصله دن وصفه.
فمفاد القاعدة: أن الضمان والالتزام بالعقد الفاسد إنما يتقدر شرعاً بالمثل - إن كان له مثل - وإلا فبالقيمة، ولا يتقدر بالمسمى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا تزوج امرأة وجعل مهرها خمراً أو خنزيراً، جاز العقد وفسد المهر المسمى -؛ لأن الخمر والخنزير ليست مالاً عند المسلمين - ووجب مهر المثل.
ومنها: إذا جعل ثمن السلعة ميتة بطل العقد, لأن الميتة ليست مالاً عند الجميع.
ومنها: إذا جعل أجرة دار خمراً أو آلة لهو، فيجب أجر المثل.
ومنها: إذا استسخر حُراً واستعمله عنده يضمن أجر مثله، عند الشافعي ﵀, لأن المنافع عنده متقومة كالأعيان تتضمن بالإتلاف (٢).
стр. 2216
القاعدة الخامسة والعشرون [الضمانات في الذمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الضمانات في الذمة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما بأخذ وإما بشرط، فإذا عدما لم تجب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الالتزام بالغرامات لا يجب في ذمة الشخص إلا بأحد سببين:
الأول: أن يأخذ المضمون، إما بالأخذ الشرعي - أي بالتعاقد - كالرهن، وإما بالأخذ غير الشرعي، كالغصب والإتلاف.
والسبب الثاني: أن يكون الضمان مشروطاً على الضامن كالكفالة والحوالة والشراء واشباههما.
وما لم يوجد أحد هذين السببين فلا يجب الضمان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
اشترى سلعة بثمن لأجل، فإن الثمن مضمون في ذمة المشتري، ولا حق للبائع في المطالبة به إلا عند حلول الأجل.
ومنها: إذا استهلك طعام غيره فعليه ضمان مثله، إن كان مثلياً أو قيمته إن كان قيمياً أو تعذر المثل.
ومنها: التقط لقطة ولم يشهد على التقاطها وتلفت، فعليه ضمانها إذا جاء صاحبها.
стр. 2217
القاعدة السادسة والعشرون [ضم المجهول للمعلوم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ضمُّ المجهول إلى المعلوم يوجب جهالة الكل (١).
وفي لفظ: "المجهول إذا ضُمَّ إلى معلوم يصير الكل مجهولاً" (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
وجود المجهول في العقد يبطله ولو كان ما عداه معلوماً؛ لأن وجود المجهول يوجب وجود النزاع والمخاصمة في العقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
باع ما في هذا الكيس بثمن معلوم، فالبيع باطل لجهالة المبيع.
ومنها: إذا كان المبيع معلوماً والثمن مجهولاً بطل البيع.
ومنها: باع بثمن آجل أجلاً مجهولاً فسد البيع لجهالة الأجل.
ومنها: إذا أجره بيتاً أو دكاناً، أو أرضاً بأجرة معلومة وسلعة مجهولة فسدت الإجارة لجهالة السلعة.
стр. 2218
القاعدة السابعة والعشرون [ضمني الإقرار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ضمني كل إقرار معتبر مثل صريحة (١) أو صحيحه.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الإقرار حجة على المقر فيلزم بما أقر به. والإقرار يكون صريحاً فيعمل بموجبه، وقد يكون الإقرار ضمنياً أو ضمن كلام آخر يفيد معنى مقصوداً غير الإقرار، ولكن يدخل الإقرار ضمن الكلام، ولعل هذا يدخل في مصطلح الأصوليين المسمى بدلالة الإشارة.
فمفاد القاعدة: أن الإقرار الضمني يعتبر ويعتد به كالإقرار الصحيح والصريح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا قال الزوج: عقدنا عقد النكاح بشهادة فاسقين: فأنكرت المرأة. فلا يقبل قوله بالنسبة إلى إسقاط المهر، ولا خلاف أنه لا يرثها إذا ماتت؛ لأن قوله: عقدنا بفاسقين، يتضمن إقرار بفساد النكاح، والنكاح الفاسد لا يوجب التوارث بين الزوجين.
ومنها: مسلم تحته مسلمة وكتابية بالنكاح ولم يدخل بهما بعد، فقال للمسلمة: ارتددتِ، وللكتابية أسلمت، فأنكرتا، بطل نكاحهما، فكأنه زعم أن الكتابية ارتدت بإنكارها، والمسلمة بطل نكاحها بدعواه ردتها.
стр. 2219
ثالثاً: قواعد حرف الطاء
عدد قواعد حرف الطاء (١٤) أربع عشرة قاعدة.
стр. 2220
القاعدة الأولى والثانية والثالثة [الطارئ بعد العقد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الطارئ بعد العقد - قبل حصول المقصود به - كالمقارن للعقد (١). أو كالمقترن بالسبب (٢)(٣).
وفي لفظ: "الطارئ هل ينزل منزلة المقارن؟ " (٤).
وفي لفظ: "الفساد الطارئ بعد العقد - قبل حصول المقصود به - كالمقترن بالعقد" (٥)، وتأتي في حرف الفاء إن شاء الله.
وفي لفظ - مقابل -: "ما يعرض بعد حصول المقصود لا يجعل كالمقترن بالسبب" (٦)، وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
المراد بالطارئ: الوصف الطارئ، مِن طَرَأ: بمعنى نزل فجأة وحصل. وصيغ هذه القواعد منها ما صيغ بالصيغة الخبرية، فدل على الاتفاق على أن الطارئ ينزل منزلة المقارن فيفسد العقد، إن كان وصفاً مفسداً.
ومنها ما ورد بصيغة الإنشاء، فدل على الاختلاف في مضمونها، وهي
стр. 2221
القاعدة الثانية.
وأيضاً ينقسم مدلول هذه القواعد إلى قسمين: الأول: وجود الطارئ قبل حصول المقصود بالعقد - فهذا حكمه حكَم المقترن بأصل العقد، فيفسده إن كان مفسداً.
والثاني: وهو لفظ القاعدة الأخيرة: وجود الطارئ بعد حصول المقصود بالعقد، فهذا لا يجعل كالمقترن ولا أثر له في العقد.
فمفاد هذه القواعد: أن ما ينزل بالعقد بعد عقده وقبل حصول المقصود به يفسد العقد وكأنه مقترن بأصله، وأما إذا نزل بعد حصول المقصود بالعقد فلا أثر له فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا عقد على صغيره ثم أرضعتها زوجة كبيرة له بطل زواجه من الصغيرة، لأنها صارت بنت زوجته من الرضاع وبنته هو من الرضاع، وعلى زوجته الكبيرة ضمان مهر الصغيرة، لإفسادها عقد نكاحها بإرضاعها.
ومنها: إذا اشترى عصيراً فتخمر قبل القبض يفسد العقد ويبطل؛ لأن الخمر ليست مالاً في حق المسلم.
ومنها: إذا تزوج أمة ثم ملكها أو ملك بعضها انفسخ النكاح لطروء الملك عليها.
ومن أمثلة الطارئ المفسد في الدوام:
إذا نكح امرأة فوطئها أبوه أو ابنه بشبهة، أو وطئ هو أمها أو ابنتها بشبهة انفسخ النكاح.
стр. 2222
ومن أمثلة ما بعد حصول المقصود:
الإحرام يمنع صح النكاح ابتداءً ولكن لو طرأ الإحرام على النكاح لم يقطعه بالإجماع.
ومنها: إذا طرأت عدة شبهة عدى منكوحة لم يبطل نكاحها، كما لو اغتصبت أو أكرهت على الزنا لم يبطل نكاحها من زوجها، ولكن عليها عدة من الوطء الفاسد.
ومنها: الإسلام يمنع ابتداء السبي دون دوامه (١).
стр. 2223
القاعدة الرابعة [الطاعة سبب المعصية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الطاعة إذا صارت سبباً للمعصية ترتفع الطاعة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ترتبت على إرادة فعل الطاعة معصية كبيرة ارتفعت الطاعة - أي لا يجب على المكلف فعلها؛ لأنها تصبح وسيلة للمعصية، فالامتناع عن فعل الطاعة في هذه الحالة حتى لا يكون فعلها سبباً في وجود المعصية ووقوعها.
فإذا أصبحت الطاعة سبباً ووسيلة للمعصية أخذت حكمها؛ لأن للوسائل أحكام المقاصد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان لا يصل إلى الحج إلا بدفع رشوة - حيث كما يحدث ويحدث في بعض البلاد والأزمنة - فلا يجب الحج على من أراده، إذ ترتفع الطاعة لوجود المعصية وهي الرشوة.
ومنها: إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وهي طاعة - يترتب عليها معصية أشد فلا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 2224
القاعدة الخامسة [الطاعة حسب الطاقة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الطاعة بحسب - أو على حسب - الطاقة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى قاعدة سبقت في حرف التاء - وهي: التكليف بحسب الوسع - ودليل هذه القاعدة قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" متفق عليه.
وفي رواية: "ما أمرتكم به".
فمفاد القاعدة: أن طاعة الله فيما أوجبه علينا إنما تكون بحسب الوسع والطاعة ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). وإذا عجز الإنسان عن الواجب سقط، ولذلك قالوا: "لا واجب مع عجز" (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد الصلاة فلم يستطع القيام فيها - وهي فريضة - فليصل قاعداً أو مضطجعاً أو على جنب أو يومئ إيماءً.
ومنها: من لم يستطع الحج لعدم قدرته على الزاد أو الراحلة أو أمن الطريق فلا يجب عليه.
стр. 2225
ومنها: من لم يستطع الصوم لهرم أو مرض فليفطر وليفد - أي يطعم عن كل يوم مسكيناً -.
ومنها: من لم يستطع استعمال الماء لمرض أو شدة برد يتيمم.
стр. 2226
القاعدة السادسة [الطاعات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الطاعات التي لا يجوز أَداؤها من الكافر لا يجوز الاستئجار عليها (١) عند الحنفية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحج والأذان وأمثالها طاعات لا يجوز للكافر أن يؤديها ولا تقبل منه، ولذلك لا يجوز الاستئجار عليها؛ لأن المباشر لعمل الطاعة عمله لله تعالى، فلا يصير مسلَّماً إلى المستأجر فلا يجب الأجرة عليه.
وعند أحمد رحمه الله تعالى: "تصح الإجارة على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة - أي مسلماً - كالحج والأذان وتعليم القرآن والإقامة والإمامة والقضاء، وتعليم الفقه والحديث، فلا يصح الإجارة عليها، فهو كأبي حنيفة ﵀ في ذلك.
وعنه رواية: أنه يجوز أخذ الأجرة على التعليم، ويجوز أخذ رزق على ذلك من بيت المال؛ لأنه ليس بعوض بل القصد به الإعانة على الطاعة (٢).
وعند مالك ﵀: الإجارة على الحج جائزة الميت إذا أوصى بها - أي حجة الفرض فقط.
وعنده لا يجوز الحج عن الغير إلا في حج الفرض عن الميت إذا لم يحج
стр. 2227
عن نفسه أو العمرة فقط (١).
وأما عند الشافعي ﵀: فيجوز؛ لأن عنده: "أن كل ما لا يتعين على الأجير أداؤه يجوز الاستئجار عليه إذا كان تجزئ فيه النيابة" (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استأجر رجلاً ليحج عنه لم تجز الإجارة ويكون حجة عمَّن أمره بالحج ولكن له نفقة مثله في ماله - وليست أجرة - ولكن نفقة؛ لأنه فرَّغ نفسه لعمل ينتفع به المستأجر فيستحق الكفاية في ماله كالقاضي كفايته في بيت المال.
ومنها: إذا استأجر رجلاً ليؤذن فلا تجوز الإجارة، للحديث: "إذا اتخذت مؤذناً فلا يأخذ على الأذان أجراً" (٣).
стр. 2228
القاعدة السابعة [طالب التولية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
طالب التولية لا يُوَلّى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
طالب التولية: من طلب أن يكون والياً - المراد الولاية الدنيوية - إما لبلدة أو قضاء أو وقف أو غير ذلك من الولايات والوظائف العامة الدنيوية؛ لأن أصل التولية شرع تكليفاً لإقامة فرائض الله في الأرض، أو للإشراف على أعمال وأموال، ففي وظائف - وإن كانت على أعمال دنيوية - لكن أمر بها الشرع لخدمة من هم تحت ولايته، فمن طلب ولاية فهو يرى نفسه أكفأ من غيره، وقد يكون له في ذلك غرض دنيوي، وليس مقصوده إقامة شرع الله، أو أداء حقوق العباد.
والأصل لما ذلك حديث رسول الله ﷺ : عن أبي موسى ﵁ قال: "دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله أمِّرنا على بعض ما ولاك الله ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال ﵇: إنا والله لا نُولّي هذا العمل أحداً سأله أو أحداً حرص عليه" (٢). وفيه عن عبد الرحمن بن سمرة عن أنس وعن أبي هريرة ﵃.
стр. 2229
ولكن الوظائف الدينية يجوز أن يطلبها من هو كفء كما ثبت أنَّ عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ طلب من رسول الله ﷺ أن يجعله إمام قومه - ولعله كان أكثرهم حملاً لكتاب الله - فأجابه الرسول ﷺ إلى ذلك (١).
ولكن في عصرنا الحاضر أصبحت تولية الوظائف والأعمال يتقدم إليها طلابها بمؤهلاتهم، وقد يكون تعيينهم باختيار جمهور الناس بعد ترشيح أنفسهم كما يحدث بالنسبة لرؤساء بعض الدول وأعضاء المجالس النيابية، فمن وجد كفؤاً أو أن مؤهلاتهم، تؤهلهم للمناصب المطلوبة عُيِّنوا فيها. وقد يعيَّن من لا يكون كفؤاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل طلب التولية على الوقف، لا يعطى ولا يجاب إلى طلبه، وهو كمن طلب القضاء لا يقلد.
стр. 2230
القاعدة الثامنة [الرجحان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
طرفي الترجيح إذا تعارضا كان الرجحان في الذات أحق منه في الحال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
طرفي الترجيح: هما المسألتان المتعارضتان.
الرجحان في الذات: أي في العين.
الحال: المراد به نفس الأمر الواقع.
فمفاد القاعدة: أنه إذا وقع تعارض بين مسألتين إحداهما تتعلق بالذات والآخرى تتعلق بالواقع ونفس الأمر كان الرجحان لما يتعلق بالذات أحق منه لما يتعلق بالواقع؛ لأن الأمر المتعلق بالذات قائم وموجود حسّاً بخلاف الحال فإنه أمر حكمي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا غصب مالاً - شاة أو حنطة - فغيره تغييراً يزيل اسمه فإن الغاصب يضمن المغصوب بقيمته ويملكه، أما الضمان فلكونه متعدياً، والمتعدي ضامن، وأما كونه يملكه فلأنه أحدث في المغصوب صنعة متقومة، كما لو ذبح الشاة وشواها أو طبخها، أو جعل الحنطة دقيقاً، فالتغيير في المغصوب غير اسمه وجعل حق المالك هالكاً من وجه؛ لتبدل الاسم وتفويت عُظم المنافع، وحق الغاصب في الصنعة قائم من كل وجه فيكون راجحاً.
стр. 2231
القاعدة التاسعة [طلب الكسب الحلال]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
طلب الكسب الحلال فريضة بعد الفريضة (١).
وفي لفظ: "طلب كسب الحلال فريضة".
وفي لفظ: "طلب الكسب بعد الصلاة المكتوبة الفريضة بعد الفريضة" (٢).
وفي لفظ: "طلب الكسب فريضة على كل مسلم"
وفي لفظ: "طلب الحلال فريضة على كل مسلم".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة حديث منسوب للرسول ﷺ روي في عدة طرق وبألفاظ مختلفة (٢).
ومفاده: أن الإسلام يبغض الإنسان القادر الذي لا عمل له، ويحث على العمل وطلب الكسب الحلال، وجعل الإسلام طلب الكسب الحلال فريضة واجبة على كل مسلم قادر بعد الفرائض المكتوبات؛ لما فيه من إقامة
стр. 2232
الحياة وعيش الإنسان عيشة شريفة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أن يمتهن الإنسان مهنة شريفة أو يتعلم صنعة تغنيه عن مد يده للناس وتكفيه قوام حياته، وتعينه على نفقات بيته وأسرته واجب مفروض.
فلا يجوز لمسلم قادر أن لا يعمل عملاً حلالاً شريفاً يكسب من ورائه عيشه وقوته، وإن لم يفعل وهو قادر فهو آثم.
стр. 2233
القاعدة العاشرة [طمأنينة القلب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
طمأنينة القلب إلى ما اجتمع عليه فريقان أظهر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند الاختلاف في أمر ما فمن قواعد الترجيح أن ما اتفق عليه فريقان أو جمعان يكون أقوى وأرجح مما انفرد به واحد. ويكون ذلك أكثر طمأنينة لقلب المكلف؛ لأن نظر اثنين أقوى وأقرب للصواب من نظر واحد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إعطاء الفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، أو إعطاؤه سهمين له وسهم لفرسه، مسألة اختلفت فيها أنظار الفقهاء، فعند أبي حنيفة ﵀ لا يعطى الفارس إلا سهمين: سهم له وسهم لفرسه، وعند تلميذيه أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يعطى ثلاثة أسهم، وقولهما راجح لاجتماعهما، وانفراده، بل إن رأيهما هو رأي جمهور الفقهاء غير الحنفية لقوة أدلته.
ومنها: إذا أخبر أحد بنجاسة الماء، وأخبر اثنان بطهارته، فإنه يؤخذ بقول الاثنين؛ لأن طمأنينة القلب في خبر الاثنين أظهر.
стр. 2234
القاعدة الحادية عشرة [الطهارة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الطهارة أصل في الأشياء (١).
وفي لفظ: "الأصل طهارة الأعيان" (٢)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالأصل في الأشياء: أن مبتدأ خلقها، فالله خلق الأشياء كلها طاهرة ثم طرأت عليها النجاسة، غير الأشياء التي هي نجسة العين كما خلقها الله تعالى وبين حكمها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
آنية أهل الكتاب وأطعمتهم طاهرة بدليل أن الرسول ﷺ أكل من ضيافة اليهودي واليهودية فدل ذلك على طهارتها ولو كانت نجسة ما أكل منها رسول الله ﷺ (٣).
ومنها: أن الصحابة رضوان الله عليهم، قالوا: كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم ونستمتع بها فلا يعيب ذلك عليهم (٤).
стр. 2235
ومنها: إذا شك أو ظن أو ظن في طهارة ماء أو أرض أو طين أو بساط أو لباس أو طعام أو إناء أو غير ذلك مما ليس هو نجس العين فذلك الشيء طاهر في حق الوضوء والصلاة وحل الأكل وسائر التصرفات، ما لم يتيقن أو يغلب على ظنه نجاسته.
رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة:
إذا غلب على ظنه نجاسة شيء كسراويل الكفرة وسؤر الدجاجة المخلاة والماء الذي أدخل الصبي يده فيه يكره استعماله تنزهاً ويستحب الاحتراز عنه.
стр. 2236
القاعدة الثانية عشرة [الطهارة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الطهارة شرط بقاء الصلاة كما هي شرط ابتدائها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الطهارة في الجسم والمكان واللباس شرط من شروط صحة الصلاة، فلا تصح صلاة بغير طهارة - عند القدرة عليها - وشروط صحة العبادة - عموماً - يجب استمرارها وبقاؤها مع العبادة منذ بدئها حتى نهايتها، فالطهارة في الصلاة كما يشترط وجودها عند ابتداء الصلاة يشترط استمرارها وبقاؤها حتى نهايتها. وهكذا كل عبادة من العبادات يشترط استصحاب شروط صحتها حتى نهايتها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
دخل الصلاة طاهراً ففي أثناء صلاته أحدث بطلت صلاته؛ لأن الشرط استمرار الطهارة حتى تمام الصلاة.
ومنها: دخل الصلاة مستقبلاً فإذا انحرف أثناء صلاته متعمداً مختاراً بطلت صلاته.
ومنها: الصائم يشترط لصحة صومه إمساكه عن كل المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا أمسك أول النهار ثم تناول مفطراً متعمداً ظهراً أو عصراً أو قبل الغروب فسد صومه.
стр. 2237
ومنها: المحرم بالحج أو العمرة يشترط لصحة حجه أو عمرته استمرار إحرامه حتى نهاية أعمال الحج أو العمرة، فإذا تحلل قبل تمام الأفعال لا يصح تحلله ويبقى على إحرامه لكن عليه دم لتحلله قبل تمام الأفعال. ولا يخرج ولا يبطل حجه ولا عمرته خلافاً لمفسد صالاته أو صومه.
стр. 2238
القاعدة الثالثة عشرة [الطهارة نعمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الطهارة نعمة فلا تثبت النعمة بالفعل المحرم (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
طهارة الأشياء من نعم الله على عباده؛ حتى يستعملوا طاهراً نقياً، سواء أكان طعاماً أم شراباً أم ما يستعمل استعمالاً.
فإذا كانت طهارة الأشياء نعمة فلا يجوز إثباتها بفعل محرم، لأن المحرم لا يكون طريقاً للنعم وللحلال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الخمر نجسة والخل طاهر، فلا يجوز تخليل الخمر ونقلها من حالة النجاسة إلى حالة الطهارة، ولو بنقلها من الظل إلى الشمس أو العكس أو وضع ملح فيها أو غير ذلك، ولكن إن تخللت بنفسها طهرت، ولأنه ثبت أن النبي ﷺ : "نهى عن تخليلها" (٢). ولأن حبسها وإبقائها في ملك المسلم معصية، والطهارة نعمة، والمعصية لا تكون سبباً للنعمة.
ومنها: إذا صارت النجاسة ملحاً في الملاحة، أو أحرقت فصارت رماداً أو تراباً، فهل ذلك يصبح طاهراً؟ قولان، والأرجح أن كل ذلك طاهر إذا لم يبق شيء عن أثر النجاسة (٣).
стр. 2239
القاعدة الرابعة عشرة [الطوارئ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الطوارئ هل تراعى أو لا؟ (١). أو: المتوقع هل يجعل كالواقع (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالطوارئ: جمع طارئ وهو الأمر الحادث، من طرأ عليه بمعنى ورد وحدث وحصل بغتة.
فمفاد القاعدة: أن تقدير حدوث أمر بغتة هل يعتبر ويراعى فيمنع تقدير وقوعه من التصرف، أو لا يراعى ذلك؟ خلاف عند المالكية.
وقد يُعَبَّر عن هذه القاعدة بقاعدة: اعتبار الحال أو المآل؟ (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
امرأة تزوجها عبد أبيها، قالوا: كره مالك ﵀ ذلك مراعاة للطوارئ خشية أن يموت أبوها فترث زوجها العبد فيئول ذلك إلى فسخ النكاح.
ومنها: إذا استأجر امرأة أشرفت على الحيض لكنس المسجد، فهل يجوز مع ظن طروء الحيض؟ يجوز مع احتمال بالمنع (٣).
стр. 2240
رابعاً: قواعد حرف الظاء
عدد قواعد حرف الظاء (٩) تسع قواعد.
стр. 2241
القاعدة الأولى [الظاهران]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظاهران إذا كان أحدهما أظهر من الآخر فإن الأظهر أولى لفضل ظهوره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
سبق ذكر هذه القاعدة وبيان معناها وأمثلة لها ضمن قواعد حرف الهمزة تحت رقم (٣٤٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
أتت بولد يمكن كونه منه, وادعت أنه أصابها، وأنكر بعد الاتفاق على الخلوة، فأظهر القولين تصديقه. والثاني: إنها المصدَّقة.
ومنها: تزوجها بشرط البكارة فوجدت ثيباً. وقالت: افتضني. وقال: بل كنت ثيباً. قال البغوي: القول قولها بيمينها لدفع الفسخ، لا لدفع كمال المهر (٢).
стр. 2242
القاعدة الثانية [الظاهر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الظاهر إنما يكون حجة لدفع الاستحقاق لا لإثبات الاستحقاق (١)
وفي لفظ: "الظاهر يدفع الاستحقاق ولا يوجبه" (٢).
وفي لفظ: "الظاهر يكفي لدفع الاستحقاق لا لإثبات الاستحقاق" (٣).
وفي لفظ: "استصحاب الحال دليل مُبَقًّ لا موجب" (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها .
الظاهر: هو اسم لكلام ظهر المراد منه للسامع بنفس الصيغة ويكون محتملاً للتأويل والتخصيص (٥).
وأما عند الفقهاء: فهو ما يترجح وقوعه وإن كان يحتمل أمراً آخر.
والمراد بالظاهر في هذه القواعد: هو الأمر أو الحال السابقة للحكم، وهو المراد باستصحاب الحال.
فمفاد هذه القواعد: أن ما ثبت وغلب على الظن وجوده يبنى عليه الحكم، والحكم المبني عليه هو دفع الغير عما يخصه - وهو معنى الدفع -
стр. 2243
ولا يعطى للمكلف استحقاقاً جديداً؛ لأن الظاهر بالنسبة للاستحقاق مغلوب والضعيف لا يظهر مع القوي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
المفقود لا يورث؛ لأننا نستصحب حياته - وشرط التوريث التحقق من موت المورث - والمورث هنا خرج حيَّاً ولم يثبت موته. وهذا عند الجميع.
والمفقود في نفس الوقت لا يرث من غيره - عند الحنفية -؛ لأن شرط استحقاق الإرث التحقق من حياة الوارث عند موت المورث، والمفقود هنا نحن في شك من حياته، ولذلك فهو لا يرث من غيره؛ لأن الإرث لا يبنى على الشك. وعند غير الحنفية يورثون المفقود استصحاباً لحياته السابقة.
стр. 2244
القاعدة الثالثة [الظاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظاهر شاهد لمن يوافق العرفُ قوله (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
إن الظاهر وما يغلب على الظن يكون شاهداً - عند الاختلاف - لمن يكون العرف والعادة السائدة في زمنه موافقة لقوله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا سلم أبٌ وَلدَه لمعلم صنعة ليعلمها إياه - ولم يشترط شيئاً - ثم بعد أن علَّمه اختلفا لمن تجب الأجرة - هل هي للمعلم أو هي للمتعلم - وكلٌّ منهما يدعيها.
فينظر إلى العرف السائد في تلك البلدة في ذلك الزمن هل العرف أن يأخذ المعلِّم لهذه الصنعة الأجرة، أو أن العرف يجعلها للمتعلم؟ فمن وافق العرف قوله كانت الأجرة له.
стр. 2245
القاعدة الرابعة [الظاهر- البينة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظاهر لا يعارض البيِّنة (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
البيَّنة: وهي البرهان والشهود - أقوى من الظاهر -، ولذلك إذا وجد ظاهر وقامت البيَّنة على خلافه يحكم بالبينة ولا ينظر إلى الظاهر؛ لأنه أضعف منها، والضعيف لا يعارض القوي. كما سبق قريباً؛ ولأن الظاهر أمر حكَمي والبينة أمر حسي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
معه سلعة وأراد بيعها فهي ملكه بحسب الظاهر؛ لأن الأموال على ملك أربابها؛ ولأنه واضع يده عليها، ولكن أقام آخر البينة أن السلعة له، فيحكم له بها ويمنع الأول من بيعها وإن كان ظاهر الأمر أنها ملكه بوضع اليد.
ومنها: ادعى على لقيط أنه عبده، وأَقام البينة على دعواه فيحكم له به. وإن كان الظاهر أن اللقيط في أرض الإسلام حر.