القاعدة الأولى [الظاهران]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظاهران إذا كان أحدهما أظهر من الآخر فإن الأظهر أولى لفضل ظهوره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
سبق ذكر هذه القاعدة وبيان معناها وأمثلة لها ضمن قواعد حرف الهمزة تحت رقم (٣٤٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
أتت بولد يمكن كونه منه, وادعت أنه أصابها، وأنكر بعد الاتفاق على الخلوة، فأظهر القولين تصديقه. والثاني: إنها المصدَّقة.
ومنها: تزوجها بشرط البكارة فوجدت ثيباً. وقالت: افتضني. وقال: بل كنت ثيباً. قال البغوي: القول قولها بيمينها لدفع الفسخ، لا لدفع كمال المهر (٢).
стр. 2242
القاعدة الثانية [الظاهر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الظاهر إنما يكون حجة لدفع الاستحقاق لا لإثبات الاستحقاق (١)
وفي لفظ: "الظاهر يدفع الاستحقاق ولا يوجبه" (٢).
وفي لفظ: "الظاهر يكفي لدفع الاستحقاق لا لإثبات الاستحقاق" (٣).
وفي لفظ: "استصحاب الحال دليل مُبَقًّ لا موجب" (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها .
الظاهر: هو اسم لكلام ظهر المراد منه للسامع بنفس الصيغة ويكون محتملاً للتأويل والتخصيص (٥).
وأما عند الفقهاء: فهو ما يترجح وقوعه وإن كان يحتمل أمراً آخر.
والمراد بالظاهر في هذه القواعد: هو الأمر أو الحال السابقة للحكم، وهو المراد باستصحاب الحال.
فمفاد هذه القواعد: أن ما ثبت وغلب على الظن وجوده يبنى عليه الحكم، والحكم المبني عليه هو دفع الغير عما يخصه - وهو معنى الدفع -
стр. 2243
ولا يعطى للمكلف استحقاقاً جديداً؛ لأن الظاهر بالنسبة للاستحقاق مغلوب والضعيف لا يظهر مع القوي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
المفقود لا يورث؛ لأننا نستصحب حياته - وشرط التوريث التحقق من موت المورث - والمورث هنا خرج حيَّاً ولم يثبت موته. وهذا عند الجميع.
والمفقود في نفس الوقت لا يرث من غيره - عند الحنفية -؛ لأن شرط استحقاق الإرث التحقق من حياة الوارث عند موت المورث، والمفقود هنا نحن في شك من حياته، ولذلك فهو لا يرث من غيره؛ لأن الإرث لا يبنى على الشك. وعند غير الحنفية يورثون المفقود استصحاباً لحياته السابقة.
стр. 2244
القاعدة الثالثة [الظاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظاهر شاهد لمن يوافق العرفُ قوله (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
إن الظاهر وما يغلب على الظن يكون شاهداً - عند الاختلاف - لمن يكون العرف والعادة السائدة في زمنه موافقة لقوله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا سلم أبٌ وَلدَه لمعلم صنعة ليعلمها إياه - ولم يشترط شيئاً - ثم بعد أن علَّمه اختلفا لمن تجب الأجرة - هل هي للمعلم أو هي للمتعلم - وكلٌّ منهما يدعيها.
فينظر إلى العرف السائد في تلك البلدة في ذلك الزمن هل العرف أن يأخذ المعلِّم لهذه الصنعة الأجرة، أو أن العرف يجعلها للمتعلم؟ فمن وافق العرف قوله كانت الأجرة له.
стр. 2245
القاعدة الرابعة [الظاهر- البينة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظاهر لا يعارض البيِّنة (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
البيَّنة: وهي البرهان والشهود - أقوى من الظاهر -، ولذلك إذا وجد ظاهر وقامت البيَّنة على خلافه يحكم بالبينة ولا ينظر إلى الظاهر؛ لأنه أضعف منها، والضعيف لا يعارض القوي. كما سبق قريباً؛ ولأن الظاهر أمر حكَمي والبينة أمر حسي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
معه سلعة وأراد بيعها فهي ملكه بحسب الظاهر؛ لأن الأموال على ملك أربابها؛ ولأنه واضع يده عليها، ولكن أقام آخر البينة أن السلعة له، فيحكم له بها ويمنع الأول من بيعها وإن كان ظاهر الأمر أنها ملكه بوضع اليد.
ومنها: ادعى على لقيط أنه عبده، وأَقام البينة على دعواه فيحكم له به. وإن كان الظاهر أن اللقيط في أرض الإسلام حر.
стр. 2246
القاعدة الخامسة [الظاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظاهر يسقط اعتباره إذا تبين الحال بخلافه (١).
وفي لفظ: "لا معتبر بالظاهر إذا تبين الأمر بخلافه (٢)، أو إذا قام الدليل بخلافه" (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الظاهر يأخذ حكمه إذا لم يعارضه ما هو أقوىَ منه، وما هو أقوى من الظاهر البينة، والدليل كما سبق قريباً، والحال ونفس الأمر أي واقع الحال، فإذا عارض الظاهر واقع الأمر أو الدليل والحجة سقط اعتبار الظاهر ولم يعتد به لضعفه أمام ما هو أقوى منه. وهذه القاعدة بمعنى القاعدة الآتية "لا عبرة بالظن البين خطؤه".
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
الصلاة إلى غير جهة القبلة بدون تحرٍ باطلة.
ومنها: إذا أعطى زكاته من ظنه فقيراً ثم تبين أنه غني، تلزمه الإعادة عند أبي يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى.
ومنها: إذا أعطى زكاته من ظنه فقيراً مسلماً فظهر أنه كافر فلا تجزئه
стр. 2247
اتفاقاً.
ومنها: شركة المفاوضة تقتضي أن كل مال بيد أحد الشريكين هو بينهما مناصفة، فإذا ادعى أحد الشريكين أن ما في يده من مال هو ميراث ورثه بعد وجود الشركة وأقام البينة على ذلك فهو مال يخصه ولا حق لشريكه فيه، ولا يدخل في شركة المفاوضة.
стр. 2248
القاعدة السادسة [الظلم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظلم يجب دفعه ويحرم تقريره (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والتصرف في حق الغير بغير إذنه، ومجاوزة حد الشارع (٢).
وشرعاً: التعدي إلى مال الغير أو عرضه أو دمه بغير وجه شرعي (٣). والظلم محرم شرعاً فيجب الابتعاد عنه، كما يجب دفعه لمن يقدر عليه إذا وقع.
فمفاد القاعدة: أن الظلم يجب دفعه وإزالته على من استطاع، وإن لم يدفعه وهو قادر على ذلك فهو ظالم، وواقع في الحرام حيث إن الظلم يحرم تقريره والسكوت عليه.
ومن أدلة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (٤).
وفي الحديث: "لا تظلموا ألا لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه" (٥).
стр. 2249
وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا" (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا شهد شاهدان على رجل أنه قتل رجلاً خطأً، وحكم القاضي بالدية، تم جاء من ادُّعِيَ قتله حياً، فإن القاضي يضمَّن الولي الدية لأنه قبض بغير حق، وهو ظلم والظلم يجب دفعه ويحرم تقريره.
ومنها: إذا علم أن مسؤولاً لا يعمل لأحد عملاً مما هو حق له إلا بأخذ الرشوة - وهي ظلم - وعلم بذلك من فوقه من المسؤولين فيجب عَليهم تأديبه وعزله؛ لأن في إبقائه بدون عقوبة تقرير لظلمه، وتقرير الظلم والسكوت عليه حرام على من يستطيع دفعه فلم يفعل.
ومنها: فرض الجزية على المسلمين في أرض الإسلام ظلم كبير - وإن سميت بغير اسمها -، فالسكَوت عنها والرضا بها ظلم.
ومنها: فرض أنظمة كافرة - أو غير شرعية - على المسلمين ظلم فيجب دفعه لمن يقدر على ذلك ولا يجوز تقريره والسكوت عليه.
стр. 2250
القاعدة السابعة [خطأ الظن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظن غير المطابق هل يؤثر (١)؟
وفي لفظ: "لا عبرة بالظن البيَّن خطؤه" (٢). وتأتي في قواعد حرف - لا - إن شاء الله تعالى.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
إذا ظن أمراً ثم تبين أنه في واقع الأمر خلافه، فلا عبرة بذلك الظن، ويجب الحكم بحسب الواقع، إلا في بعض المسائل اختلف فيها للتعارض.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا صلى على ظن أنه متطهر فظهر أنه صلى مع الحدث. يجب عليه الإعادة.
ومنها: ظن دخول الوقت فصلى ثم ظهر أنه صلى قبل دخول الوقت. يعيد.
ومنها: إذا ظن أن عليه ديناً فأداه ثم ظهر أنه لا دين عليه، استرد ما دفع.
رابعاً: ومن المسائل التي اختلف فيها على قولين أو استثنيت من القاعدة .
إذا باع مال أبيه - بغير إذنه - على ظن أنه حي، فإذا هو ميت، هل
стр. 2251
يصح البيع، قولان: والأظهر الصحة لأنه ظهر أنه باع مال نفسه.
ومنها: إذا رأوا عدواً فخافوه فصلُّو صلاة الخوف ثم ظهر أنه كان بينهم خندق أو نهر أو حاجز حصين. قالوا: الأصح وجوب القضاء.
ومما استثني: خاطب امرأته بالطلاق وهو يظنها أجنبية - وقع الطلاق.
ومنها: إذا رأى المتيمم ركباً - أي جماعة مسافرة - فظن أن معهم ماءً توجه عليه طلب الماء منهم - وانتقض تيممه - وإن لم يجد عندهم ماءً. فعليه إعادة التيمم.
стр. 2252
القاعدة الثامنة [الظن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظن هل ينقض بالظن أم لا؟ (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة تتعلق بالمسائل الاجتهادية المبنية على الظن.
ومفادها: أن الاجتهاد الظني إذا تغير عند المجتهد بعد تنفيذ الاجتهاد الأول فهل يعتبر الاجتهاد الثاني ناقضاً ومبطلاً للاجتهاد الأول؟
الأصل: أن ما بني على الاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله وينقض بالنص المخالف. ولكن يظهر أن عند المالكية خلاف حيث يرى بعضهم نقض الظن الأول وإبطاله على وجه الاستحباب لا الوجوب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا اجتهد وتحرى في جهة القبلة فصلى ثم تغير اجتهاده بعد ذلك، فهل يعيد صلاته؟ عند المالكية قولان: والمذهب أنه يعيد استحباباً، وعند غيرهم لا يعيد.
ومنها: إذا حكم القاضي باجتهاده، ثم تغير اجتهاده إلى حكم آخر، أو مفتٍ أفتى في نازلة ثم تغير اجتهاده فيها. الجمهور على أن اجتهاده الثاني لا ينقض اجتهاده الأول، ولكن يأخذ باجتهاده الثاني في مسألة أخرىَ
стр. 2253
مشابهة (١)، إلا إذا تبين أن الاجتهاد الأولى مبني على خطأ فاحش أو مخالف للنص أو الإجماع أو القواعد أو القياس الجلي (٢).
стр. 2254
القاعدة التاسعة [الظهور والانكشاف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الظهور والانكشاف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بهذه القاعدة انكشاف ما كان مستوراً قبل الحكم، وظهوره مخالفاً للحكم السابق، فهل ينقض الحكم بانكشاف خلافه أو يبقى؟
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا قال لزوجته: أنت طالق يوم يقدم فلان، فقدم نصف النهار، فحين قدومه تبين أن الطلاق قد وقع في أول اليوم - وانكشف ما كان مستوراً وعلم ما كان مجهولاً -. فتجري ما أحكام الطلاق من أول اليوم على حقائقها.
ومنها: إذا جرى قسمة مال المفقود في دار الإسلام - وقد أنفق أولاده على أنفسهم من ماله - ثم ظهر أنه حي، فهل ترد النفقة وتبطل القسمة؟ خلاف.
ومنها: إذا ادعت زوجة المتوفى أو المطلق أنها حامل وحصلت على النفقة ثم ظهر أن حملها كاذب، فهل تسترد النفقة منها؟ والمختار رد النفقة.
ومنها: قد ضمن - أي كفل - عن رجل ديناً فأدى المدين - الأصيل - إلى الدائن عرضاً - أي سلعة عوضاً عن دينه - فيسقط ضمان الضامن بهذا الأداء، ثم ظهر أن السلعة المؤداة مستحقة لغير المدين، فهل يرجع الدائن على الكفيل - إذ ظهر أن الدين لم لم يؤدى - خلاف.
стр. 2255
القسم السابع
قواعد
حرف العين وحرف الغين
أولاً: حرف العين
عدد قواعد حرف العين (٩٠) تسعون قاعدة.
стр. 2256
القاعدة الأولى [العادات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العادات الأصل فيها العفو وعدم الحظر. أو الإباحة (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
العادات: جمع عادة، والعادة فَعْلة من العَوْد، أي التكرار، والمراد بها: كل أمر يتكرر ويعاد إليه. أو هي ما استمر الناس عليه على حكم المعقول وعادوا له مرة بعد مرة.
فمفاد القاعدة: أن ما اعتاده الناس وعرفوه وعلموا بموجبه فالأصل فيه الإباحة وعدم المنع، إلا إذا قام الدليل الشرعي على منعه لفساده أو ضرره أو مخالفته لأحكام الشرع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
اعتياد المسلمين تعطيل الأعمال يوم الخميس والجمعة أو يوم الجمعة فقط.
ومنها: جريان عادة الناس على التعامل في العقود بكل ما دل على مقصود المتعاقدين وتراضيهما.
ومنها: الأسماء التي جاءت في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ معلقاً بها أحكاماً شرعية فما كان عِلْمُ حدِّه ومعناه باللغة أو الشرع فالمرجع فيه
стр. 2257
الشرع.
وما لم يكن له حد أو معنى في اللغة أو في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس، وعاداتهم، كالحرز في السرقة، وفي قدر الحيض والنفاس أَقلُّه وأكثره وأغلبه، وفي التأخير المانع من الرد بالعيب.
стр. 2258
القاعدة الثانية والثالثة والرابعة [العادة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة .
العادة تجعل حَكَماً إذا لم يوجد التصريح بخلافها (١).
وفي لفظ: "العادة تنزل منزلة اللفظ" (٢).
وفي لفظ: "العادة مُحَكَّمَة (٣)، إذا اطردت وإن اختلفت فلا" (٤).
وفي لفظ: "العادة المطردة تنزل منزلة الشرط" (٥).
وفي لفظ: "العادة معتبرة في تقييد مطلق الكلام" (٦).
وفي لفظ: "المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً" وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القواعد تتعلق بحكم العادة أو العرف وشروط اعتبارها عملها
стр. 2259
فمفادها على وجه العموم: أن العادة تجعل حَكَماً لإثبات حكم شرعي. سواء كانت عادة عامة أو خاصة إذا اطردت ولم يوجد التصريح بخلافها. ولم تخالف نصاً شرعياً أو شرطاً لأحد المتعاقدين.
شروط اعتبار العادة حَكَماً:
١ - أن لا يوجد تصريح بخلافها؛ لأن التصريح أقوى من الدلالة؛ لأن العمل بالعادة دلالة لا تصريحاً، فإذا وجد التصريح بخلافها بطل العمل بها.
٢ - أن تكون العادة مطردة، أي أن العمل بموجبها مستمر بين الناس أو معظمهم في شؤون حياتهم، لأن العادة إذا كان يعمل بها في وقت دون وقت لا تصلح أن تكون حكماً.
٣ - وكذلك يشترط أن تكون العادة غالبة شائعة بين الناس فلا اعتبار لعادة يعمل بها فئة من الناس ولا يعمل بها آخرون.
كما أنه لا اعتبار لعادة غير شائعة لا يعلمها أكثر الناس ولا يعملون بموجبها، هذا إذا كانت العادة عامة بين الناس.
وأما العادة الخاصة بشخص أو أشخاص معينين أو طائفة من الناس فتكون حكماً لمن يعمل بها إذا عُرِف عنه ذلك.
كما أن العادة تقيد مطلق الكلام دلالة كما لو صرح بالقيد أو الشرط.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
اعتياد الناس تعطل بعض أيام الأسبوع. وكاعتيادهم أكل نوع خاص من المآكل أو استعمال نوع خاص من الملابس أو الأدوات.
ومنها: تعارف الناس تقديم الأجرة قبل استيفاء المنفعة في إجارة
стр. 2260
الأماكن سنوياً أو شهرياً. إلا إذا اشترط المستأجر التأخير.
ومنها: اعتياد بعض الناس عند بيع الأشياء الثقيلة أن تكون حمولتها وإيصالها إلى محل المشتري على البائع.
وغير ذلك كثير.
стр. 2261
القاعدة الخامسة [الإجماع السكوتي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العادة فيما بين أهل الاجتهاد إظهارُ الخلاف من غير توقف، فإذا سكتوا دل ذلك على رضاهم بالقول أو الحكم الذي قاله بعض المجتهدين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه قاعدة أصولية فقهية.
ومفادها: أن مما جرت العادة فيه بين المجتهدين من الأمة أنه إذا اجتهد أحدهم في مسألة وأفتى فيها برأي أو حكم فيها بحكم فإن المجتهدين الآخرين إذا لم يوافقوا على تلك الفتوى أو ذلك الحكم أنهم يظهرون الخلاف ولا يسكتون عن نقد ذلك الحكم وتلك الفتوى، واعتراضهم عليها إبراء لذممهم إذا وجدوا أن تلك الفتوى أو ذلك الحكم فيه مخالفة شرعية أو مبناها على رأي ضعيف أو شاذ.
ولكن إذا ظهرت تلك الفتوى أو ذلك الحكم وذاع وانتشر عمن قال به وسمع بها أو به المجتهدون الآخرون وسكتوا عن نقده واعتراضه أو مخالفته، فيكون ذلك السكوت منهم - مع القدرة على الاعتراض - دليلاً على رضاهم بذلك القول الذي قاله المجتهد. وهذا المسمى في عرف الأصوليين" الإجماع السكوتي" ولكن ذلك مشروط بأن لا يكون سكوتهم عن الاعتراض لأنهم
стр. 2262
ممنوعون من الكلام والانتقاد - أي يعتبر السكوت رضا عند وجود حرية للعالم أن يتكلم بدون ضرر يعود عليه، وإلا لا يعتبر سكوته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا أفتى عالم أو مجتهد أو مفت بفتوى تخالف ما عُلِم من الدين بالضرورة، أو أجمع عليه المجتهدون كمن أفتى بحل فوائد البنوك أو أحل الربا بأي وجه كان فإن المجتهدين الأخرين من شتى البقاع الإسلامية لم يسكتوا عنه وأظهروا الخلاف وسفهوا رأي القائل واستنكروه.
стр. 2263
القاعدة السادسة [العارض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العارض إذا ارتفع مع بقاء حكم الأصل جُعِل كأن لم يكن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
العارض: هو الأمر الطارئ الذي يقع فجأة تم يزول.
فمفاد القاعدة: أن الحكم الأصلي إذا طرأ عليه ما يمكن أن يزيله ثم ارتفع هذا الطارئ وزال، فإن الحكم الأصلي يبقى على ما كان عليه، ولا يعتبر العارض الطارئ مؤثراً فيه؛ لأنه زال وبزواله عاد الحكم إلى ما كان عليه، إلا في الحدود قبل الاستيفاء.
ينظر قواعد حرف الهمزة القاعدة ٣٤٤.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إنَّ مال الزكاة إذا كمل نصابه في طرفي الحول ثم نقص النصاب خلال الحول أنه لا يمنع وجوب الزكاة فيه - خلافاً للشافعي ﵀ ومعنى هذا أنه إذا وجد عند إنسان في أول الحول نصاب كامل - فهذا النصاب تجب فيه الزكاة ويطالب بها عند تمام الحول - ولكن في منتصف الحول نقص النصاب بطارئ طرأ - ولم ينعدم المال كلياً - ثم قبل نهاية الحول عاد النصاب إلى ما كان عليه في أول الحول فعند الحنفية يجب في هذا المال الزكاة، وأما عند الشافعي ﵀ فلا تجب الزكاة فيه بل يجب استئناف الحول؛ لأن بنقصان
стр. 2264
المال عن النصاب سقط وجوب الزكاة، فإذا عاد النصاب استأنف حولاً جديداً منذ اكتمال النصاب الجديد.
ومنها: إذا قطع رجل يد رجل مسلم عمداً أو خطأ - ثم ارتد المقطوعة يده - والعياذ بالله تعالى - ثم أسلم، ثم سرى ذلك القطع إلى النفس فمات، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، يجب على القاطع دية كاملة، خلافاً لمحمد ﵀ الذي يرى أنه يجب عليه أرش اليد لا الدية كاملة.
стр. 2265
القاعدة السابعة [العارض الطارئ في الحدود]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
العارض في الحدود قبل الإقامة كالمقترن بأصل السبب (١).
وفي لفظ: "العارض قبل إقامة الحد كالمقترن بالسبب" (٢).
وفي لفظ: "العارض في الحدود بعد القضاء قبل الاستيفاء كالعارض قبل القضاء" (٣).
سبق مثلها في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ١٠٦
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعارض هنا: الطارئ المانع الذي لو وجد قبل القضاء - أي الحكم - منع منه، فهو كذلك يمنع الحكم إذا طرأ قبل التنفيذ والاستيفاء.
فمفاد القاعدة: أن ما يمنع من إقامة الحد - كالجنون - قبل الحكم بالحد إذا طرأ بعد الحكم وقبل التنفيذ يمنع أيضاً من إقامة الحدود.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قذف الرجل امرأته - ووجب اللعان بينهما - ثم وُطِئت المرأة وطئاً حراماً - قبل إقامة اللعان - سقط اللعان بينهما؛ لأنها خرجت أن تكون محصنة.
стр. 2266
ومنها: إذا شهد أربعة من النصارى على نصراني بالزنا فقضي عليه الحد، - ثم أسلم قبل إقامة الحد - درئ عنه الحد؛ لأن القاضي لا يتمكن من إقامة الحد إلا بحجة، وشهادة النصراني ليست بحجة على المسلم، وكذلك باقي الحدود، إلا الأموال فتستوفى منه بعد إسلامه.
ومنها: إذا انفلت السارق بعد القضاء عليه بالقطع بالبينة، ثم قبض عليه بعد زمن، لم يقم عليه الحد للتقادم، كما لو سرق ثم شُهِد عليه بعد زمن لا يقام عليه الحد.
ومنها: من قذف محصناً فزال إحصانه قبل إقامة الحد لا يسقط الحد عن القاذف عند أحمد بن حنبل ﵀. خلافاً لباقي الأئمة (١).
стр. 2267
القاعدة الثامنة [العارض قبل حصول المقصود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العارض قبل حصول المقصود بالشيء كالمقترن بأصل السبب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أنه إذا تم العقد أو التصرف ولكن قبل حصول المقصود بالعقد أو التصرف - اعترض عارض أو وجد طارئ - لو وجد قبل العقد أو التصرف لأبطله - فإن هذا العارض الطارئ كذلك يبطل العقد أو التصرف إذا وجد قبل حصول المقصود بالعقد أو التصرف.
وسبق مثل هذه القاعدة في قواعد حرف الهمزة تحت رقم ١٠٥. وقواعد حرف الطاء تحت رقم (١, ٢, ٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى عصيراً، فقبل أن يقبضه من بائعه تخمر - أي أصبح خمراً - بطل العقد كأن التخمر حصل قبله. وإذا كان المشتري قد دفع الثمن فيجب على البائع رده.
ومنها: إذا اشترى حماماً أو طيراً في قفص وقبل قبضه وتسلمه عن البائع طار الحمام بحيث لا يستطيع رده بطل العقد كأن الحمام طار قبل وقوع العقد.
ومنها: إذا أرسل هدية لشخص آخر وقبل وصول الهدية مات المهدى إليه، رجعت الهدية إلى المهدي كأن المهدى إليه مات قبل إرسال الهدية.
стр. 2268
القاعدة التاسعة [العارض بعد الاستيفاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العارض من السبب لا يؤثر فيما انتهى حكمه بالاستيفاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تقابل القاعدة السابقة؛ لأن مفادها: أن الطارئ على العقد أو التصرف إذا وُجد بعد التنفيذ والاستيفاء أنه لا أثر له على الحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى شخص عصيراً ثم قبضه من البائع وتسلمه وبعد ذلك تخمر عنده، فلا حق له في الرجوع على البائع؛ لأن العقد قد انتهى حكمه بالاستيفاء.
ومنها: إذا اشترى طيوراً في قفص وتسلمها من البائع ثم طارت من يده، فإنه لا حق له في الرجوع كذلك.
ومنها: إذا قطع يد آخر واستحق القصاص، وبعد التنفيذ جنَّ. فلا أثر لذلك على الحكم، إذ أن الحكم قد نُفِّذ واستوفى القصاص.
стр. 2269
القاعدة العاشرة [العاريَّة، المنيحة، الزعيم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العاريَّة مؤداة، والمنيحة مردودة، والزعيم غارم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم سبق تخريجه ضمن قواعد حرف الزاي تحت رقم ٥.
العاريَّة: إما بمعنى العطية، وإما من التعاور - وهو التداول للشيء، وحقيقة العاريَّة الشرعية إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينَه، كالأواني والدواب - وهذه هي العاريَّة الحقيقية. وإذا كانت لا تبقى عين المنتفع به فيكون قرضاً يجب مثله أو قيمته.
مؤداة: أي مردودة على صاحبها بعد استيفاء المنفعة عن المستعير.
والمنيحة: فعيلة من المنح وهي الناقة أو البقرة أو الشاة الممنوحة للظهر أو اللبن - أي عطية معارة - أي مردودة على صاحبها المانح بعد استيفاء المنفعة منها.
والزعيم غارم: أي الكفيل والضمين متحمل للغرم.
فمفاد الحديث: أن من استعار شيئاً يجب عليه أن يؤديه أو بدله إلى المعير بعد انتهاء الاستيفاء، وكذلك من مُنِح شيئاً فعليه رده على صاحبه المانح
стр. 2270
بعد استيفاء المنفعة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استعار إنسان من آخر سيارة ليسافر بها أو يصل بها إلى مكان ما فيجب عليه ردها لصاحبها بعد قضاء مصلحته منها ولا يجوز له حبسها عنده.
ومنها: إذا منح المسلم الغني أخاه المسلم الفقير ناقة أو بقرة أو شاة ينتفع بلبنها فعليه إذا استوفى ما فيها أو انتهى الوقت المحدد لمنحها فيجب ردها على صاحبها.
ومنها: إذا كفل دين إنسان ولم يؤد المدين الدين عند حلول الأجل فعلى الكفيل الأداء.
стр. 2271
القاعدة الحادية عشرة [العاقد لغيره]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
العاقد لغيره في أحكام الشراء بمنزلة العاقد لنفسه في أحكام العقد فيما هو من حقوق العقد (١).
وفي لفظ: "العاقد لغيره في حقوق العقد بمنزلة العاقد لنفسه" (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن حقوق العقد تعود للعاقد إذا كان العقد لنفسه وتترتب عليه أحكام العقد وتباعته وأحكامه، ولكن إن عقد لغيره - كالوكيل - فهل تعود أحكام العقد للعاقد - أي الوكيل - أو للمعقود له - أي للموكل؟
فمفاد القاعدة: أن عند الحنفية - أن حقوق العقد تعود إلى العاقد - ولو لغيره - فهو بمنزلة العاقد لنفسه، ولذلك يترتب على هذا العقد من الحقوق ما يترتب على العاقد لنفسه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إن اشترى اثنان داراً لواحد كان للشفيع أن يأخذ بالشفعة النصف؛ لأن المشتري اثنان، وإن كانا وكيلين عن واحد - ولأن كل واحد منهما يعتبر مشترياً للنصف، فيحق للشفيع أن يطالب بنصف الدار، بخلاف ما لو كان العاقد واحداً أو كانت حقوق العقد تعود للموكل فلا يجوز للشفيع أن يطالب
стр. 2272
بالنصف فقط بل يجب عليه المطالبة بالكل وإلا سقطت شفعته.
ومنها: إذا ظهر في المبيع عيب، فإن الوكيل العاقد هو الذي له حق رد المبيع على البائع بخيار العيب، أو لو ظهر المبيع مستحقاً فله مطالبة البائع بالثمن، لأن حقوق العقد تتعلق بالوكيل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأما عند الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى فهي متعلقة بالموكل على الإطلاق (١).
ومنها: إذا اشترى وكيل داراً لرجل غائب فللشفيع أن يأخذها منه؛ لأنها في يده وهو نائب عن الموكل.
стр. 2273
القاعدة الثانية عشرة [العامل الشريك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العامل فيما هو شريك فيه لا يستوجب الأجر على غيره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تبين حكماً من أحكام المعاملة - وهي المساقاة، والمزارعة والإجارة -.
فمفادهما: أن الشريك إذا عمل فيما هو شريك فيه لا يستوجب على عمله ذلك أجراً من شريكه؛ لأنه عامل لنفسه في جزء من ذلك العمل. ومن كان عاملاً لنفسه ولا يستحق أجر عمله على غيره. وأما عند الحنابلة فيجوز أن يكون لأحدهما من الربح أكثر من ربح ماله إذا عمل في الشركة وحده وذلك مقابل عمله في مال شريكه (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كانت الأرض بين رجلين فاشترطا على أن يعملا فيها جميعاً سنتهما هذه ببذرهما وبقرهما فما خرج فهو بينهما أثلاثاً - أي لأحدهما الثلثان والآخر الثلث - فالعقد فاسد؛ لأن شرط الزيادة على النصف لصاحب الثلثين يكون له أجرة على عمله، ولما كان يعمل فيما هو شريك فيه فلا يستوجب الأجر فيما هو شريك فيه على غيره.
стр. 2274
أما لو اشترطا أن ما خرج من الأرض فهو بينهما نصفان فهو جائز؛ لأن العمل من كليهما بالتساوي، فيكون الخارج بينهما بالتساوي أيضاً.
ومنها: إذا كان النخيل بين رجلين فدفعه أحدهما إلى صاحبه سنته هذه على أن يقوم عليه ويسقيه ويلقحه فما خرج من ذلك فهو بينهما للعامل ثلثاه وللآخر ثلثه، فهذا فاسد أيضاً - عند السرخسي -؛ لأن الذي شرط الثلث لنفسه استأجر صاحبه للعمل لا نصيبه بثلث الخارج من نصيبه، والعمل إنما يعمل فيما هو شريك لنفسه فيه، واستئجار أحد الشريكين صاحبه للعمل فيما هو شريك فيه باطل، والخارج بينهما نصفان ولا أجر للعامل على شريكه. هذا رأي السرخسي، ولكن الصحيح جواز هذه المعاملة إذ أن عند الحنفية جميعاً تجوز الشركة على ما اشترطا.
قال في بدائع الصنائع: الربح تارة يستحق بالمال، وتارة بالعمل، وتارة بالضمان وسواء عملا جميعاً أو عمل أحدهما دون الآخر فالربح بينهما يكون على الشرط؛ لأن الربح في الشركة بالأعمال بشرط العمل.
وإن اشترطا العمل على أحدهما فالربح بينهما على الشرط إذا كان فضل الربح للعامل؛ لأنه يستحق ربح رأس ماله والفضل بعمله (١). وهذا هو العدل.
стр. 2275
القاعدة الثالثة عشرة [العام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العام في الأشخاص مطلق في الأحوال (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العام: لغة هو الشامل.
وفي اصطلاح الفقهاء والأصوليين: هو كل ما يتناول أفراداً متفقة الحدود على سبيل الشمول. أو هو كل لفظ وضع لمتعدد (٢). أو هو كل لفظ ينتظم جمعاً من الأسماء لفظاً كالرجال، أو معنى كَمَنْ وما.
والمطلق: هو ما يتناول الأفراد على سبيل البدل كرجل.
أو هو الدال على الماهية من غير دلالة على الوحدة أو الكثرة.
فمفاد القاعدة: أن اللفظ إذا ورد عاماً في الأشخاص فهو مطلق في الأحوال حيث لا يجوز تقييده بحال دون أخرى إلا بدليل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: أكرم العلماء. فله إكرام كل عالم مهما كان عربياً أو أعجمياً صغيراً أو كبيراً، أو فقيراً أو غنياً، أبيض أو أسود، وليس له تخصيص أو تقييد فئة دون أخرى.
стр. 2276
ومنها: قوله ﵊: "لا تُوَلَّه والدة على ولدها" (١)، عام في الوالدات والمولودين؛ من جهة أن لفظ "والدة" نكرة في سياق النفي فتعم، و"ولدها" اسم جنس أضيف فيعم. وعام في الزمان أيضاً من جهة أن "لا" لنفي الاستقبال على جهة العموم في الأزمنة المستقبلة، إلا أنه مطلق في أحوال الولد: إذ له مرتبة دنيا وهي الإثغار - أي خروج الأسنان - ورتبة عليها - وهي البلوغ - ومن هنا وقع الخلاف في الوقت الذي يجوز فيه التفريق بين الوالدة وولدها.
стр. 2277
القاعدة الرابعة عشرة [العام قطعي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العام قطعي كالخاص يوجب الحكم فيما يتناوله قطعاً (١). أصولية فقهية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعام: أي اللفظ العام في دلالته.
فمفاد القاعدة: أن اللفظ العام - غير المخصوص - قطعي الدلالة على ما يتناوله كاللفظ الخاص، فيوجب الحكم في كل ما يقع تحته. وهذا عند الحنفية، خلافاً لجمهور الأصوليين الذين يرون أن دلالة العام على ما تحته ظنية.
وثمرة الخلاف تظهر عند إرادة تخصيص العموم، فمن قال: إن دلالة العام قطعية على ما تحته لا يجيز تخصيصه إلا بمقطوع به.
ومن قال: إن دلالة العام ظنية أجاز تخصيصه بكل ظني مثله.
ومن قال: إنه قطعي أجاز نسخة للخاص المقطوع به.
ومن قال: إنه ظنّي لم يُجِز ذلك؛ لأن الظني لا ينسخ القطعي لوجوب التماثل والتجانس بين الناسخ والمنسوخ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢). عام في تحريم
стр. 2278
أكل ما لم يذكر اسم الله عليه - ولا يجوز عند الحنفية تخصيصه بخبر الواحد في قوله ﵊: "المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يُسَمَّ" (١)، فلا يجوز أكل ذبيحة من ترك التسمية عامداً، كما هو عند الشافعي رحمه الله تعالى.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٢)، فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد أو القياس، ولذلك فلا يجوز فيه قتلُ مباح الدم بردة أو بزنى أو قصاص أو قطع طريق إذا التجأ للحرم بناء على الحديث: "إن الحرم لا يعيذ عاصياً" (٣).
ولكن مَن التجأ للحرم مِمَّن يستحق القتل فلا يطعم ولا يسقى ولا يجالس حتى يضطر للخروج فيقتل خارجه (٤).
стр. 2279
القاعدة الخامسة عشرة [العام كالنص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العام كالنص في إثبات الحكم في كل ما يتناوله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالنص هنا: عبارة الشارع التي تدل على المراد دلالة قطعية، ولا تحتمل معنى غير ما سيقت لأجله. أي أن النص هو اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً (٢).
فتكون هذه القاعدة بمعنى سابقتها وهي:
أن العام قطعي في دلالته على إثبات حكمه في كل ما يتناوله دون احتمال كالنص من الكتاب أو السنة في دلالته.
فمفادها: أن اللفظ العام في دلالته القطعية على ما تحته يشبه نص الشارع الذي لا يحتمل إلا معنى واحد حيث يثبت به الحكم قطعاً. فالعام كذلك يثبت به الحكم في كل ما يتناوله قطعاً إلا أن يخص بمماثل لا بظني - كما سبق - وهذا عند الحنفية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال الأمير: مَنْ قَتَل قتيلاً فله سلبه. فقتل ذميٌّ أو ذميّةٌ أو امرأة مسلمة أو عبد ممن كان يقاتل مع المسلمين أحداً من المشركين استحق القاتل
стр. 2280
سلبه, لأن الإمام أوجب السلب للقاتل بلفظ عام يتناول المسلم والذمي والرجل والمرأة، والحر والعبد - وهو لفظ "مَنْ"؛ ولأن من استحق الرضخ - أي الإعطاء من الغنيمة دون السهم - فهو شريك فيها.