← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

كالإذن في الابتداء. ومنها: من طلق امرأة ليست زوجة له لا تطلق. ومنها: من باع سلعة لغيره لا ينفذ البيع ما لم يأذن المالك. ومنها: من قال لامرأته: إن كلمت فلاناً فأنت طالق. تم طلقها بسبب آخر قبل أن تكلم فلاناً. وبعد ذلك كلمت من نهيت عن تكليمه. فلا يقع عليها طلاق، لأنها لم تعد زوجة له. إذا كلمت بعد انتهاء عدتها إذا كان الطلاق رجعياً.

стр. 2312

القاعدة الثالثة والثلاثون [عدم بعض الشرط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: عدم بعض الشرط كعدم جميعه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: شرط صحة العبادة أو المعاملة يجب استيفاؤه ووجوده كاملاً لتصح العبادة أو المعاملة، لكن إذا وجد بعض الشرط دون كله. فمفاد هذه القاعدة: أن العبادة أو المعاملة غير صحيحة وتعتبر باطلة؛ لأن فقدان بعض الشرط وعدمه يشبه فقدان الشرط وعدمه كله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا توضأ ولم يغسل إحدى قدميه بدون عذر لم تصح طهارته وبالتالي لا تصح صلاته؛ لأن شرط صحة الصلاة الطهارة الكاملة. ومنها: إذا أخل ببعض السترة في الصلاة - مع القدرة - لم تصح صلاته. ومنها: إذا ترك ملتقط اللقطة تعريفها في بعض الحول الأول - أي في أوله - لم يملكها بالتعريف فيما بعد؛ لأن الشرط لم يكمل - وهو تعريفها حولاً كاملاً -.

стр. 2313

القاعدة الرابعة والثلاثون [عدم ثبوت الشرائط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: عدم ثبوت حكم الشيء لعدم ثبوت شرائطه ليس رفعاً له (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا لم يثبت حكم الشيء لفقد شرائطه أو بعض منها فلا يكون ذلك رفعاً لذلك الشيء وإعداماً له، بل هو رفع للحكم فقط؛ لأن عدم الحكم مرتب على عدم الشرط، فعدم الشرط علة لعدم الحكم، لا لرفع المحكوم به. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من طلق امرأته طلقة رجعية، فقبل انقضاء عدتها لا يثبت حكم الطلاق وهو إزالة لملك؛ لأن شرط إزالة الملك وحل الزوجية هو انقضاء العدة، أو جعل هذا الطلاق بائناً بأن يطلقها طلقتين أخريين. ومنها: إذا نوت المرأة الصوم فجامعها رجل وهي نائمة أو مغمى عليها أو مجنونة، ثم أفاقت وعلمت بما فعل فإنها تقضي الصوم؛ لأن الجنون أو النوم أو الإغماء لا ينافيه، وإنما ينافيه النية. وثبوت القضاء دليل على عدم رفع الصوم عنها. وعند زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لا يجب عليها القضاء؛ لانعدام قصد الإفطار (٢).

стр. 2314

ومنها: إذا طلق امرأته طلقة رجعية ثم راجعها في العدة، تم طلقها بعد ذلك طلقتين فيكون طلاقاً ثلاثاً. ولا يقال: إنه برجوعه ارتفع الأول لكونه معلقاً بشرط انقضاء العدة.

стр. 2315

القاعدة الخامسة والثلاثون [علة الإذن والتحريم - التعليل بالعدم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: عدم علة الإذن التحريم، وعدم علة التحريم الإذن (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الأفعال والتصرفات منها ما هو مأدون فيه، ومنها ما هو غير مأذون فيه. فغير المأذون فيه هو المحرم، وغير المحرم هو المأذون فيه - والمأذون فيه يشمل الواجب والمندوب والمباح. فمفاد القاعدة: أن ما عدم الإذن فيه فهو المحرم - فَعِلَّة التحريم وسببه عدم الإذن، وأن ما كان مأذوناً فيه فهو المباح، وعلة الإباحة عدم التحريم. ومبنى هذه القاعدة على التعليل بالعلم. ولكن هذه القاعدة في الحقيقة غير جامعة لأنواع المأذون فيه والمحرم؛ لأن من المحرمات ما دل الدليل النصي على تحريمه، فيكون تحريمه - لا لعدم وجود الإذن - بل لوجود دليل التحريم، وكذلك من المباحات ما ورد فيه الإذن نصاً، فتكون إباحته أو وجوبه أو ندبه لوجود الدليل على ذلك لا لعدم وجود دليل التحريم. فليس عدم وجود الشيء دليلاً على وجود نقيضه دائماً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . علة النجاسة الاستقذار، فمتى كانت العين غير مستقذرة فحكم الله تعالى في تلك العين عدم النجاسة وأن تكون طاهرة. فعِلَّة الطهارة عدم

стр. 2316

النجاسة، إلا أن يحدث معارض لعلة أخرى غير الاستقذار كما في الخمر. ومنها: تحريم الخمر معلل بالإسكار فمتى زال الإسكار زال التحريم وثبت الإذن. ومنها: علة إباحة العصير سلامته عن المفاسد، فإذا وجدت فيه مفسدة كالسكر حَرُم. فعلة عدم تحريم العصير هي علة الإذن فيه، وعدم علة الإذن علةٌ للتحريم. ومنها: سبب وجوب إراقة دم المرتد ردته، فإذا فقدت الردة كان دمه حراماً، وهكذا.

стр. 2317

القاعدة السادسة والثلاثون [التعليل بالعدم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: عدم العلة علة لعدم المعلول (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . هذه القاعدة لها ارتباط بسابقتها. العلة: هي سبب وجود الحكم المبني عليها، فإذا وجدت العلة وجد الحكم - إلا إذا وجد مانع - وإذا انتفت العلة انتفى الحكم. فمفاد القاعدة: أن وجود المعلول - وهو الحكم - مترتب على وجود علته، فإذا عدمت العلة عدم الحكم. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . العقل علة لترتب الأحكام والتكاليف على الإنسان. لكن إذا جُنَّ هذا الإنسان وفقد عقله - أو بلغ مجنوناً - فلا يجب عليه شيء من الأحكام والتكاليف الشرعية؛ لأن العقل علةٌ لترتبها، فإذا عُدِم عدمت. ومنها: غروب الشمس ودلوكها ووجود الشهر علة لوجوب الصلاة والصوم، فإذا لم تغرب الشمس أو لم تزل ولم يدخل الشهر، فلا تجب الصلاة ولا الصوم. ومنها: النصاب علة لوجود الزكاة، فإذا عدم النصاب لم تجب. فوجود النصاب علة ووجود الزكاة معلول، وعدم النصاب علة لعدم وجوب الزكاة.

стр. 2318

القاعدة السابعة والثلاثون [العرف واعتباره] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: العرف إنما يعتبر عند عدم التصريح بخلافه (١). وفي لفظ: "العرف إنما يعتبر فيما لا نص بخلافه" (٢). وفي لفظ: "العرف غير معتبر في المنصوص عليه" (٣). وفي لفظ: "العرف يسقط اعتباره عند وجود التسمية بخلافه" (٤). وفي لفظ: "العرف لا يعارض النص" (٥). وفي لفظ: "العرف يكون حجة إذا لم يخالف نص الفقهاء" (٦). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها . العُرْف: هو ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول (٧)، وهو العادة. هذه القواعد كلها تفيد أن العرف والعادة مقيد اعتبارهما حجة من الأحكام والتصرفات بشرط وهو: عدم وجود نص مخالف لذلك العرف،

стр. 2319

سواء أكان ذلك نص الشارع أم نص المتعاقدين أم نص الفقهاء. ولكن بالنسبة لنص الفقهاء فالأمر غير مسلَّم تماماً؛ لأن نص الفقهاء قد يكون مبنياً على عرف زمانهم أو على مصلحة كانت في زمنهم، فهل إذا تغير العرف أو تبدلت المصلحة لا يجوز الخروج على نص الفقهاء؟ أرى أن الأمر بخلاف ذلك؛ لأنه لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها . إذا جرى العرف بخروج المرأة من بيتها سافرة واختلاطها بالرجال - كما هو واقع الآن مع الأسف - فليس وجود هذا العرف وشيوعه بين المسلمين يجعله حجة وحكماً للإباحة؛ لأنه يعارضه نصوص كثيرة توجب على المرأة التستُّر وعدم الاختلاط بالرجال. ومنها: إذا تعاقد شخصان عقد إجارة - وكانت العادة أن يدفع المستأجر نصف الأجرة السنوية مقدماً - ولكن اشترط المستأجر في العقد تأخيره، أو اشترط المؤجر في العقد تقديمه كاملاً، فليس لأحدهما بعد ذلك أن يتمسك بأن العرف يقتضي نصف الأجر, لأن التسمية والنص في العقد بخلاف ذلك العرف. فلا اعتبار للعرف هنا, ولا يعارض المنصوص عليه. ومنها: إذا قال: عليَّ الطلاق، لا يقع عليه الطلاق عند جمهور الحنفية - ولو نوى الطلاق؛ ولأن العبرة للألفاظ لا للمعاني هنا، وهذا اللفظ يفيد أن الطلاق في الذمة لا غير - كما لو قال: لفلان عليَّ مئة دينار - أي في ذمتي، والذي في الذمة لا يلزم وجوده في الخارج. ومع ذلك اختار كثير من الفقهاء

стр. 2320

وقوع الطلاق بهذه اللفظة اتباعاً لعرف الناس، ولكن عند الحنفية الفتوى على الأول وهو قول الإِمام، وإن خالفه في ذلك الصاحبان (١).

стр. 2321

القاعدة الثامنة والثلاثون [العرف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العرف الظاهر بين الناس حجة (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة: "العادة محكمة". ولكن في هذه القاعدة زيادة شرط وهو الظهور. فشرط اعتبار العرف حجة وحَكَماً أن يكون ظاهراً بين الناس معروفاً عندهم بحيث لا يخفى على جمهورهم؛ لأنه سبق القول بأن العبرة للغالب الشائع لا للنادر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا كان من عادة إنسان أن لا يأكل لحم البقر، ووكَّل آخر في شراء لحم مطلقاً فاشترى له لحم بقر - وهو لا يعلم عادة الموكِّل - فيلزم الموكِّل ما اشتراه له الوكيل؛ لأنه ذكر مطلقاً. والوكيل لا يعلم بعادة موكّله هذه. بخلاف ما لو قال له: اشتر لي لحم غنم فاشترى له غيره، فلا يلزمه للنص على المقصود. ومنها: إذا كان من عادة قوم لبس عمامة (٢) مخصوصة - وهي معروفة بينهم لا يلبسون غيرها إلا نادراً - مثل الشماغ الأحمر في السعودية - فوكّل أحدهم آخر في شراء عمامة له، فاشترى له عمامة غير ما تعارفوا لبسه - كما لو اشترى له شماغاً أخضر أو أسود - فلا يلزم الموكل للعادة الظاهرة المعروفة بينهم.

стр. 2322

القاعدة التاسعة والثلاثون [العرف المقارن] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق لا اللاحق (١). وفي لفظ: "لا عبرة بالعرف الطارئ" (٢)، وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله تعالى. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . هذه القاعدة تمثل جانباً من جوانب العرف الذي يعتبر حجة وحكماً. فمفادها: أن العرف الذي يوجب العمل يجب أن يكون مقارناً للعمل مصاحباً له، وسابقاً له في الوجود؛ لأن العرف لا يشتهر إلا بعد مضي أزمان على وجوده، وأما العرف اللاحق للعمل الحادث بعده فلا اعتداد به ولا اعتبار له، فلا يجوز أن يحمل حكم حدث قبلاً على عرف حدث متأخراً؛ لأن النصوص التشريعية يجب أن تفهم مدلولاتها اللغوية والعرفية في عصر صدور النص؛ لأنها هي مراد الشارع أو العاقد. ولا اعتبار بتبدل مفاهيم الألفاظ في الأعراف المتأخرة، كما أنه لا اعتبار لقبول الأعراف في الحوادث المتقدمة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا أوقف إنسان عقاراً في سبيل الله أو ابن السبيل، فسبيل الله هو مصالح الجهاد الشرعي أو سبل الخيرات، فلا يجوز أن يعتبر معناه طلب العلم

стр. 2323

خاصة، وابن السبيل هو من ينقطع من الناس في السفر وإن كان غنياً في بلده , فلا يجوز أن يحمل على اللقيط الذي قد يطلق عليه ابن السبيل. ومنها: إذا أقرَّ إنسان لآخر بألف ريال اقترضها أو سرقها، أو أقام دعوى على آخر بأنه اقترض منه ألف ريال منذ خمسين عاماً، فيجب عليه أن يحمل ذلك على الريالات التي كانت سائدة، لا الريالات الحادثة التي يتعارفها الناس الآن. ومنها: إذا علق إنسان طلاق امرأته على أكل رأس مشوي - وكان المعروف في ذلك رأس الغنم المشوي - ثم تبدل عرف الناس فصاروا يشوون رأس البقر أو الإبل، فأكلت رأس البقر أو الإبل، فلا يقع عليها طلاق؛ لأن المحلوف عليه هو رأس الغنم المشوي - وإن لم يُسَمِّه - للعرف الجاري عندهم حين الحلف والتعليق (١).

стр. 2324

القاعدة الأربعون [العرف المقيِّد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العرف يقيد مطلق اللفظ (١). وفي لفظ: "العرف قاض على الوضع" (٢)، أي راجح عليه ومقيد له. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . هذه القاعدة سبق لها مثيلات، ينظر القاعدة رقم (١٩٢) من قواعد حرف التاء. ومفادها: أن العرف بشروطه يقيد اللفظ المطلق ويخصص عمومه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا كان من عادة أهل بلدة أن المهر منه معجل ومنه مؤجل، فحين الإطلاق يكن نصف المهر معجلاً ونصفه مؤجلاً لأقرب الأجلين الطلاق أو الموت - وإن لم يذكر في العقد - ولكن إذا نصَّ في العقد على تعجيل المهر كله فلا يجوز للزوج أن يحتج بأن العرف يوجب تأجيل جزء منه؛ لأن العرف لا يعارض النص. ومنها: إذا تأَجر شخص داراً أو دكاناً - وكان من عادة الناس دفع نصف الإجرة مقدماً - ولم ينص في العقد على خلاف ذلك - فيجب على المستأجر دفع نصف الأجر مقدماً، وعلى المؤجر قبول ذلك. وليس لأحدهما

стр. 2325

المطالبة بخلاف المعروف، ما لم يُنَص في العقد على خلافه. ومنها: إذا وُكِّل رجل بالتقاضي لدين فلا يملك هذا الوكيل قبض الدين بل له الخصومة أمام القاضي فقط - مع أن لفظ التقاضي يدل على القبض بالوضع اللغوي - يقال: اقتضيت حقي: أي قبضته، فإنه مطاوع قضى. لكن جرى العُرف بخلافه فيرجح وعليه الفتوى (١). إلا أن ينص على القبض.

стр. 2326

القاعدة الحادية والأربعون [العصمة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العصمة بسبب الدين إنما تثبت في حق من يعتقد لا في حق من لا يعتقد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . العصمة: معناها: المنعة والحفظ. فمفاد القاعدة: أن حفظ الإنسان ومنعته بسبب يتعلق بالدين إنما يثبت ذلك له إذا كان يعتقد بهذا الدين. وأما مَن لا يعتقد بالدين العاصم فلا عصمة له ولا منعة ولا حفظ. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا وُجِد مسلمان في دار الحرب بأمان فعامل أحدهما صاحبه فيجب أن تكون المعاملة بينهما خالية مما يفسدها كما لو كانا في دار الإسلام؛ لأن المسلم ملتزم بحكم الإِسلام حيثما يكون، ومال كل واحد منهما مال معصوم متقوم في حق صاحبه، ولو استهلك أحدهما مال صاحبه فعليه ضمان ما استهلك. ومنها: إذا غصب أحدهما مال صاحبه وهما في دار الحرب وقد دخلاها مستأمنين ورجعا إلى دار الإِسلام فإن كان عين المال قائماً وترافعا إلى القاضي فإن القاضي يقضي برد المغصوب لصاحبه , وإن كان مستهلكاً فعلى

стр. 2327

الغاصب ضمان ما استهلك. رابعاً: ما استثنى من مسائل هذه القاعدة: إذا قتل أحد المسلمين المستأمَنِيْن في دار الحرب صاحبه - فإن كان القتل عمداً - لم يجب القصاص على القاتل لقيام الشبهة بكونهما في دار الإباحة, ولأن المقتول يتمكن من استيفاء القصاص بقوة نفسه عادة - والقاتل ليس في يد الإِمام ليعينه على استيفاء القصاص، فلا يجب القصاص، ولكن تجب الديه في مال القاتل، وكذلك إذا قتله خطأ فلا يكون علي العاقلة شيء، بل الدية في مال القاتل خاصة؛ لأن التعاقل باعتبار التناصر، ولا تناصر بين مَن في دار الحرب وبين مَن في دار الإِسلام. ومنها: لا يجب الحد إذا فعل المسلم في دار الحرب شيئاً موجباً للحد كالزنا أو شرب الخمر، خلافاً للأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد ﵏ , فهم يقولون بثبوت الحدود على المسلم في دار الحرب، ولكن اختلفوا في استيفائها: هل يجوز استيفاؤها في دار الحرب، أو لا تستوفى حتى يرجع إلى دار الإِسلام (١)؟؟

стр. 2328

القاعدة الثانية والأربعون [العصمة وانعدامها] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العصمة الثابتة بالإحراز بدار الإِسلام تنعدم عند تمام إحراز المشركين إياها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . هذه القاعدة تتعلق بالأموال والغنائم، وكيف أن الأموال إنما تعصم بإحرازها في دار الإِسلام، ولكن هذه العصمة تنعدم إذا أحرزها المشركون. فمفاد القاعدة: أن أموال المسلمين يملكها المشركون إذا غنموها وأحرزوها بإدخالهم إياها إلى دار الحرب. وهي مسألة خلافية بين العلماء (٢). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا غنم المشركون من المسلمين غنائم وحازوها وأدخلوها دار الحرب، ثم غلب عليهم المسلمون فاستردوها فإنها تكون غنيمة لجميع المقاتلين، ولكن إن وجد شيء بعينه لمسلم - فإن وجده قبل القسمة أخذه بغير شيء - وأما إن وجده بعد القسمة بين الغانمين فإنه يأخذه بقيمته إن شاء. ومنها: إذا أخذ المشركون ناقة أو دابة لمسلم ثم اشتراها منهم مسلم

стр. 2329

آخر، فلصاحبها الأول أن يأخذها بالثمن وإلا فيتركها كما ورد في الحديث (١). ومنها: إذا دخل أهل الحرب دار الإسلام للإغارة فأخذوا أموالاً وسبايا، ثم دخلوا دارهم فقد أحرزوها وملكوها، ثم إذا أسلموا بعد ذلك صار ذلك لهم؛ لأنهم بالإحراز قد ملكوها لتمام السبب وهو القهر، ثم يتقرر ملكهم بالإسلام، لقوله ﵊: "من أسلم على مال فهو له" (٢). وكذلك إن صاروا ذمة، وكذلك لو استأمنوا للمسلمين.

стр. 2330

القاعدة الثالثة والأربعون [العفو] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العفو إنما يُسْقِط ما كان مستحقاً للعافي خاصة (١). إلا إذا كان المعفو عنه لا يقبل التجزؤ. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . العفو: معناه هنا: كَفُّ ضرر وإسقاطه مع القدرة (٢). فمفاد القاعدة: أن العفو مخصوص بما كان للعافي خاصة دون غيره بشرط استحقاقه إياه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا أساء شخص لآخر فعفا المُسَاءُ إليه عنه، فهو إنما يعفو عن إساءته له خاصة دون غيره ممن أساء إليهم. ومنها: إذا قتل قطاع طرق أو محاربون أشخاصاً من المسلمين، ثم إن ورثة المقتولين عفو عن القاتلين، فإن الإِمام له أن يقتل المقاتلين؛ لأنهم محاربون أو قطاع طرق، أو رأى المصلحة العامة في قتلهم، فعفو الورثة عنهم غير مؤثر، فإنهم إنما أسقطوا حقهم خاصة لاحق العامة. ومنها: إذا قتل رجل شخصين أو أكثر واستحق القصاص فعفا أحد

стр. 2331

أولياء المقتولين عن حقه في القصاص، فهو إنما عفا عن حقه خاصة دون الآخرين، فإن لكل واحد من أولياء المقتولين الآخرين أن يطالب بالقصاص ويستحقه ولا يؤثر فيه عفو أحدهم. رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة: إذا عفا أحد أولياء الدم سقط القصاص؛ لأن القصاص لا يقبل التجزؤ وانتقل حق الأولياء إلى الدية.

стр. 2332

القاعدة الرابعة والأربعون [العفو] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العفو في الانتهاء كالإذن في الابتداء (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . سبق معنى العفو. فمفاد القاعدة: أن من عفا عمَّن أتلف له من ماله شيئاً فكأنما أذن له في الفعل ابتداء. وكذلك لو عفا المجروح عن جارحه فكأنه أذن له في جرحه ابتداء؛ لأن النتيجة سقوط الضمان عن الفاعل. والإذن ينافي الضمان. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا قتل شخص حيواناً لشخص آخر ثم عفا صاحب الحيوان عن قاتله سقط الضمان، فكأن الفاعل مأذون له في قتل ذلك الحيوان. ومنها: من قطع يد إنسان أو فقأ عينه، أو جرحه، ثم عفا المصاب عن خصمه فقد سقطت الجناية وضمانها. فكأن الجارح مأذون له فيما فعل. ومنها: أن من قطع يد إنسان أو شجه موضحه فقال المجني عليه عفوت عن الجناية أو الشجة وما يحدث منها، أو عن القطع وما يحدث منه صح العفو ويسقط ضمان السراية لو سرى الجرح فمات المجروح. ومنها: إذا قال المغصوب منه للغاصب: أبرأتك عن الغصب. يكون ذلك إبراءً عن الضمان الواجب بالغصب.

стр. 2333

القاعدة الخامسة والأربعون [عقد الذمة - عقد الأمان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: عقد الذمة أقوى من عقد الأمان (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . عقد الذمة: العقد: إلزام على سبيل الأحكام (٢). والذمة: العهد؛ لأن نقضه يوجب الذم (٣). فمفاد القاعدة: أن الكفار المعاهدين الذين أومنوا على دمائهم وأديانهم وأعراضهم وأموالهم بأداء الجزية، فإن عهدهم هذا أقوى وأوثق من عقد الأمان للكافر الذي يدخل دار الإِسلام دخولاً مؤقتاً غير دائم. والفرق بين الذمي والمستأمن: أن الذمي مقيم في دار الإِسلام بعهد مؤبد. تجرى عليه بموجبه أحكام الإسلام مقابل أداء الجزية، فهو مستسلم وخاضع لأحكام الإسلام. وأما المستأمن فهو حربي دخل دار الإسلام بأمان مؤقت لتجارة أو عمل لوقت محدد ثم يعود إلى بلاده. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إن الذمي إذا قُتِل فإن ديته مثل دية المسلم، أو نصف دية المسلم، أو

стр. 2334

أربعة آلاف درهم، على الخلاف في ذلك. وأما دية المستأمن فهي ثمانمائة درهم (١) ومنها: لو أن ذمياً تزوج امرأة في دار الحرب وأخرجها مع نفسه فهي حرة ذمية، أما لو خرج مستأمناً مع زوجته فهي حرة آمنة، والفرق أن الذمية لا تعود إلى دار الكفر أو دار الحرب لأنها أصبحت متابعة لزوجها الذمي. وأما المستأمنة فتعود إلى دار الحرب إذا عاد زوجها إليها.

стр. 2335

القاعدة السادسة والأربعون [العقد الخالي عن مقصوده] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العقد إذا خلا عن مقصوده لا يكون منعقداً أصلاً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . كل عقد من العقود له مقصود وغرض يقصده العاقدان من عقده. فمفاد القاعدة: أن العقد - أي عقد - إذا خلا عن مقصوده الذي شرع له فإنه لا يكون منعقداً أصلاً، إذ يكون باطلاً لا يترتب عليه شيء من آثاره وأحكامه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . عقد الزواج المقصود منه حل الاستمتاع بين الزوجين، فإذا شرط في العقد أن لا يطأ الزوج زوجته أو لا يستمتع بها، فإن هذا العقد باطل لا يترتب عليه أثر من آثاره. وقيل: يصح العقد ويبطل الشرط (٢). ومنها: إذا استأجر داراً على أن لا يسكنها ولا ينتفع بها فالعقد باطل كذلك؛ لأن مقصود عقد الإجارة الانتفاع بالعين المؤجرة. ومنها: إذا ابتاع دابة أو سيارة على أن لا يركبها ولا يتصرف بها , فالعقد باطل كذلك؛ لانعدام المقصود من عقد البيع وهو حل التصرف في المبيع.

стр. 2336

القاعدة السابعة والأربعون [العقد غير المفيد] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: العقد إذا لم يكن مفيداً كان باطلاً (١). وفي لفظ: "ما ليس بمفيد لا يعتبر شرعاً" (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . هذه القاعدة قريبة المعنى من سابقتها. ومفادها: أن العقد أو التصرف إذا خلا عن الفائدة فهو باطل لا يعتد به شرعاً؛ لأن المقصود من شرع العقود وجواز التصرفات حصول الفائدة المترتبة على العقد أو التصرف، فأما إذا خلا العقد أو التصرف عن الفائدة التي شرع لأجلها، فإن هذا التصرف يعتبر باطلاً وغير مشروع فلا تبنى على الأحكام؛ لأن العقد الباطل وجوده كعدمه (٣). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا اشترى أحد شريكي المفاوضة من صاحبه شيئاً للتجارة فالعقد باطل؛ لأن ما اشتراه هو من شركتهما قبل الشراء وبعده، فلا يكون العقد مفيداً فهو باطل؛ ولأنه تحصيل حاصل.

стр. 2337

ومنها: التعيين في الصيد عند إرسال الكلب المعلم لا يشترط - خلافاً لمالك وابن أبي ليلى رحمهما الله تعالى، ولأن المرسل ليس في وسعه تعليم الكلب أو الصقر على وجه لا يأخذ إلا ما يعينه له، ولأن التعيين غير مفيد في حقه ولا في حق الكلب؛ لأن قصد المرسل أخذ كل صيد يتمكن الكلب من أخذه، وعلامة علمه إمساكه على صاحبه بترك الأكل، فسواء أخذ ذلك الصيد أو غيره حلَّ؛ ولأن الشرط في الإرسال التسمية على الكلب أو الصقر لا على الصيد حتى يشترط التعيين. ومنها: إذا كفل شخصاً بمبلغ من المال على أن لا يؤديه عنه، فهذا عقد باطل غير مفيد, لأن مقصود الكفالة وفائدتها أداء الكفيل عن المكفول إذا لم يؤد المال في وقته المحدد، أو أعسر فلم يستطع الأداء. ومنها: إذا شرط في عقد النكاح أن لا تُسلَّم المرأة نفسها للزوج ولو أدى المهر كاملاً، فهذا عقد باطل - في الأصح - لأنه عقد غير مفيد وينافي مقصود النكاح.

стр. 2338

القاعدة الثامنة والأربعون [فساد بعض العقد] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: العقد إذا فسد بعضه فسد كله (١). من أصول أبي حنيفة ﵀. وفي لفظ: "العقد واحد فإذا بطل بعضه بطل كله" (٢). من أصول ابن أبي ليلى ﵀. أو: "الصفقة الواحدة إذا فسد بعضها فسد كلها" (٣). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . من أصول أبي حنيفة وابن أبي ليلى رحمهما الله تعالي ورواية عن أحمد وقول للشافعي رحمهما الله تعالى، أن العقد صفقة واحدة إذا فسد بعضها أو دخله البطلان بطلت كلها، وتطرق الفساد إلى باقي العقد والصفقة؛ وذلك دفعاً للضرر المترتب على تفرق الصفقة. والحقيقة أن الصور ثلاث: الصورة الأولى: أن يكون العقد أو الصفقة متعددة لكن يعتبر كشيء واحد كمصراعي باب أو نعلين فعند الجميع لا يجوز رد أحدهما دون الآخر عند وجود عيب بأحدهما (٤). والصورة الثانية: أن تكون الصفقة لمتعدد ولكن جعل لكل واحد منها

стр. 2339

ثمناً محدداً، فعند وجود أحدهما معيباً له رده بثمنه، وهذا أيضاً عند الجميع , غير أبي حنيفة. والصورة الثالثة: وهي مثار الخلاف ومحل النزاع، أن تكون الصفقة لمتعدد بثمن واحد عام للكل فيظهر عيب في بعضها، فهل يبطل العقد كله؟ هذا مفاد هذه القاعدة بناء على هذه الأصول، أو لا يبطل العقد إلا فيما دخله الفساد؟ وهذا رأي مالك وصاحبي أبي حنيفة وقول للشافعي والرواية الأخرى عند أحمد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا اشترى قطيعاً من الغنم جملة واحدة بثمن واحد، ثم وجد في بعضها جرباً أو عيباً، فهل له رد المعيب بقيمته أو جزئه من الثمن، أو له رد الجميع؟ بحسب هذه القاعدة له رد الجميع؛ حيث إن العقد إذا فسد في بعضها فسد في كلها، وهذا عند أبي حنيفة وابن أبي ليلى. وأما عند مالك وصاحبي أبي حنيفة، والرواية عن أحمد وقول للشافعي: أن له رد المعيب خاصة بجزئه من الثمن حيث لم يفسد العقد في الباقي، حيث إن الفساد يقتصر على ما وجدت فيه العلة المفسدة (١). ومنها: إذا اشترى عبدين صفقة واحدة بألف درهم، فإذا أحدهما حر فالبيع فاسد فيهما جميعاً، حيث لم يسم لكل واحد منهما ثمناً. ولكن إذا سمى لكل واحد منهما ثمناً فالبيع فاسد عند أبي حنيفة رحمه

стр. 2340

الله، أجازه صاحباه في العبد بما سمى بمقابلة من الثمن (١). ومنها: إذا اشترى شاتين مسلوختين، فإذا أحدهما ميتة، أو ذبيحة مجوسي، والأخرى مذكاة، فإذا كانا بثمن واحد فالبيع فاسد عند الجميع، وإن جعل لكل واحدة منهما ثمناً، فالبيع فاسد عند أبي حنيفة في الجميع، وعندهما في الميتة خاصة وصح في المذكاة بجزئها من الثمن. ومنها: إذا باع مشاعاً أو مشتركاً بينه وبين غيره أو ما يقسم عليه الثمن بالأجزاء فعند الجمهور يصح في نصيبه بقسطه من الثمن والمشتري بالخيار إذا لم يكن عالماً. وعند ابن أبي ليلى وأبي حنيفة يبطل العقد كله، مع وجود الخلاف في بعض الصور. ومنها: باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو باع خلاً وخمراً فعند أبي حنيفة وابن أبي ليلى ورواية أحمد وقول للشافعي يبطل العقد ولا يصح البيع. ومنها: إذا تزوج حرة وأمة في عقدة واحدة فعند جمهور الحنفية يصح نكاح الحرة ويبطل نكاح الأمة (٢). وأما عند ابن أبي ليلى ﵀ فلا يجوز كلاهما؛ لأن العقد واحد فإذا بطل بعضه بطل كله كما لو جمع بين اختين.

стр. 2341

القاعدة التاسعة والأربعون [تصحيح العقد الفاسد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العقد إذا فسد لا طريق لتصحيحه إلا الاستقبال - أي بعقد جديد (١). عند زفر ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الفساد والبطلان عند الحنفية غيران، فالعقد إذا دخله فساد ثم أزيل فساده صح ولا حاجة إلى عقد جديد. ومفاد القاعدة: أن العقد إذا دخله فساد ثم أزيل فلا بد من عقد جديد - وهذا عند زفر بن الهذيل - وهو من الحنفية ولا يرى فرقاً بين الباطل والفاسد، وهذا رأي جمهور الفقهاء - غير الحنفية - أن الباطل والفاسد مترادفان، فالباطل فاسد والفاسد باطل، ولذلك فرأي الجمهور أن الفاسد ولو أزيل سبب فساده فلا بد من عقد جديد؛ لأن العقد الأول لا اعتبار له. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا زوجت امرأة نفسها بغير ولي فهو عند الحنفية عقد جائز وإن دخله فساد، فإذا جاء الولي بعد تمام العقد ووافق على الزواج فقد تم العقد ولا حاجة إلى تجديده. وأما عند الإمام زفر والجمهور فهو عقد باطل لا اعتبار به ولا يعتد به ولا بد من عقد جديد يعقده الولي. وهذا في الحقيقة الأصح والأرجح. ومنها: إذا تبايع شخصان سلعة واشترط أحدهما الخيار - دون تحديد وقت - فعند زفر هذا عقد فاسد؛ لأن شرط الخيار أن يوقت في حدود ثلاث

стр. 2342

أيام، ولا يجوز الزيادة عليها عند أبي حنيفة وزفر، ولا بد من تحديد وقت الخيار في العقد فما لم يحدد وقت الخيار فهو فاسد عند زفر، وعليهما تجديد العقد ولكن عند أبي حنيفة إذا حددا بعد ذلك قبل نهاية الثلاثة الأيام صح العقد ولا يحتاج إلى تجديد.

стр. 2343

القاعدة الخمسون [شرعية العقد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العقد سبب شرعي للملك (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . العقود إنما شرعت لكي يستطيع الإنسان أن يملك ما عند غيره، أو ينتفع به، أو يتصرف بما يملكه الآخرون، سواء كان ما يملك عيناً أم منفعة. فمفاد القاعدة: أن العقود أسباب وضعها الشرع الحكيم لانتقال الأملاك وتبادل المنافع، ولولاها لتغالب الناس وعمت الفوضى وأكل القوي الضعيف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . عقد البيع إنما كان سبباً شرعياً لحل البدلين، حيث يملك المشتري السلعة ويملك البائع الثمن. ومنها: عقد الإجارة إنما كان سبباً شرعياً لأن يملك المستأجر المنفعة ويملك المؤجر الأجرة. ومنها: عقد النكاح إنما كان سبباً شرعياً لملك منفعة البضع وحل الاستمتاع.

стр. 2344

القاعدة الحادية والخمسون [العقد الفاسد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العقد الفاسد لا يكون بنفسه سبباً للاستحقاق، وإنما يستوجب أجر المثل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . العقد الفاسد عند الحنفية هو العاقد الذي دخله فساد في وصف من أوصافه وكان أصله مشروعاً فمفاد القاعدة: أن العقد الفاسد لا يكون سبباً لاستحقاق الثمن المسمى أو المهر المسمى أو الأجرة المسماة، بل إذا فسد العقد وجب ثمن المثل أو أجرة المثل أو مهر المثل، فليست القاعدة خاصة بعقد الإجارة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا تزوج امرأة وأمهرها خمراً أو خنزيراً - والخمر والخنزير ليسا مالين عند المسلم - فإن هذا العقد يدخله فساد، ويجب لها مهر مثلها - لا قيمة الخمر والخنزير -؛ لأنهما غير متقومين عند المسلمين. ومنها: إذا عقد عقد مضاربة وقال رب المال للمضارب: خذ ما شئت من أي أصناف مالي - وله مال دراهم ودنانير وحنطة وتمر ودقيق - فأخذ المضارب التمر أو الدقيق، فهذه مضاربة فاسدة (٢)، فإذا اشترى وباع فهو

стр. 2345

لرب المال وللمضارب أجر مثله - بخلاف ما لو قال له: خذ هذه الحنطة فبعها ثم اعمل بثمنها مضاربة، فهذه مضاربة صحيحة. ومنها: إذا دفع رجل إلى آخر دكاناً على أن يبيع فيه البر أو التمر أو تجارة على أن ما رزق الله في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان، فقبض الدكان فباع فيه وأصاب مالاً، فالمال كله لصاحب البر أو التمر أو التجارة، ولصاحب الدكان مثل أجر دكانه؛ لأنه أجَّر الدكان بأجرة مجهولة، فكان إجارة فاسدة.

стр. 2346

القاعدة الثانية والخمسون [العقد غير الموجب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العقد لا ينعقد موجباً ما يضاد المقصود به (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . سبق أن كل عقد يوجب مقصوداً خاصاً به، فإذا لم يتحقق المقصود من العقد كان العقد باطلاً غير شرعي, لأنه لم يفد مقصوده. ومفاد هذه القاعدة: أنه من باب أولى أن لا ينعقد العقد ليوجب ما يضاد المقصود به. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا قال شخص لامرأة إذا تزوجتك فأنت طالق. فإن تزوجها بعد ذلك فإن هذا العقد غير منعقد؛ لأن المقصود من الزواج دوام العشرة لا الطلاق، فالطلاق يضاد مقصود عقد النكاح، فكان هذا عقداً باطلاً. وبناء على ذلك فلا يقع على المرأة الطلاق؛ لأن العقد الباطل وجوده كعدمه. ومنها: إذا وهب هبة على أن يرجع فيها. فهو أيضاً عقد غير صحيح؛ لأن الرجوع في الهبة يضاد المقصود منها.

стр. 2347

القاعدة الثالثة والخمسون [العقد بالدلالة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العقد ينعقد بالدلالة كما ينعقد بالتصريح (١). عند ابن أبي ليلى. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . الأصل في انعقاد العقود الإيجاب والقبول. ولكن هل ينعقد العقد بغير إيجاب أو قبول؟ عند معظم الفقهاء - غير الشافعي ﵀ أن العقد ينعقد بدون لفظ وهو عقد التعاطي في البيع، بأن يأخذ السلعة ويدفع ثمنها إلى البائع دون تلفظ. ولكن مفاد هذه القاعدة: أنه الإمام محمد بن أبي ليلى أن العقد قد ينعقد بدون لفظ وبدون تعاطٍ، وذلك بالدلالة - والمراد بها غير اللفظ - وهي دلالة الحال أو دلالة فعل سابق فيقاس اللاحق على السابق إذا لم يكن هناك نص مخالف. والحق أن هذا ليس مذهب ابن أبي ليلى فقد قال بذلك شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀ إذ اختار صحة البيع بل كل عقد بكل ما عده الناس بيعاً أو عقداً من متعاقب ومتراخٍ من قول أو فعل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . من استأجر أرضاً سنة فزرعها سنتين فعليه أجر السنة الثانية مثل الأولى؛ لاعتبار الظاهر، فكأنه زرعها في السنة الثانية بناء على العقد في السنة الأولى,

стр. 2348

وإنما لم يتعرض له صاحبها لهذا، فعليه أجر مثل السنة الأولى. وهذا إذا لم يُنَص في العقد أن الإجارة تجدد عند انتهاء السنة إذا لم يطلب أحد المتعاقدين فسخها. وأما عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فعليه نقصان الأرض بالزراعة في السنة الثانية, لأنه غاصب فيما صنع ويتصدق بالفضل. وأرى أن الأرجح في هذه قول ابن أبي ليلى (١). ومنها: من اشترى سلعة بثمن محدد ثم أخذ أخرى مثلها، فعليه ثمنها مثل ثمن الأولى، إلا أن ينص البائع على خلاف ذلك. ومنها: من استأجر محلاً أو داراً سنة بأجرة محدد معلومة فسكنها سنتين أو ثلاث - وصاحبها لم يطلب منه الخروج منها ولا زيادة الأجرة - أن على المستأجر أجر مثل السنة الأولى للسنة الثانية والثالثة. وهذا هو المعمول به في أكثر البلاد.

стр. 2349

القاعدة الرابعة والخمسون [العقوبات] أولاً: لفظ ورود القاعدة: العقوبات لا تناسب إلا من قصد انتهاك المحارم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . العقوبات: جمع عقوبة، وهي عذاب شرع زجراً عن ارتكاب الممنوع. والعذاب المراد به: الألم الثقيل الذي شرع زجراً عن الوقوع في الشر. والمحارم: جمع محرم. وهو الممنوع شرعاً، والمحظور ارتكابه شرعاً (٢). وانتهاك المحارم: تناولها بما لا يحل (٣). فمفاد القاعدة: أن العذاب والعقوبات المشروعة إنما شرعت زواجر وموانع من الذنوب والوقوع في المحرمات، وهي إنما توقع على من قصد وتعمد الوقوع في الحرام وارتكاب الذنوب باختيار ورضا دون إكراه، وبناء على ذلك اختلفت نتيجة وجزاء العامد عن المخطئ، وكان في ذلك العدل كله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . إذا شرب شخص الخمر عالماً بتحريمه - غير مكروه ولا مضطر ولا مخطيء - استحق العقوبة وعومل معاملة الصاحي في كل ما أقدم عليه وارتكبه حال سكره سداً للذريعة.

стр. 2350

ولكن إذا شرب الخمر جاهلاً به أو مكرهاً عليه أو مضطراً، فلا عقوبة عليه ولا يقام عليه حد إذا سكر مما تناوله جهلاً أو مخطئاً أو مكرهاً أو مضطراً , ولو ارتكب في حال سكره هذه ما يوجب الحد. ومنها: من قتل نفساً معصومة متعمداً مختاراً وجب عليه القصاص عقوبة مستحقة رادعة وزاجرة، ولكن إذا كان القتل خطأ، فلا يجب القصاص وتجب الدية على العاقلة.
следующие страницы →