القاعدة الثانية والخمسون [العقد غير الموجب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العقد لا ينعقد موجباً ما يضاد المقصود به (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
سبق أن كل عقد يوجب مقصوداً خاصاً به، فإذا لم يتحقق المقصود من العقد كان العقد باطلاً غير شرعي, لأنه لم يفد مقصوده.
ومفاد هذه القاعدة: أنه من باب أولى أن لا ينعقد العقد ليوجب ما يضاد المقصود به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا قال شخص لامرأة إذا تزوجتك فأنت طالق. فإن تزوجها بعد ذلك فإن هذا العقد غير منعقد؛ لأن المقصود من الزواج دوام العشرة لا الطلاق، فالطلاق يضاد مقصود عقد النكاح، فكان هذا عقداً باطلاً. وبناء على ذلك فلا يقع على المرأة الطلاق؛ لأن العقد الباطل وجوده كعدمه.
ومنها: إذا وهب هبة على أن يرجع فيها. فهو أيضاً عقد غير صحيح؛ لأن الرجوع في الهبة يضاد المقصود منها.
стр. 2347
القاعدة الثالثة والخمسون [العقد بالدلالة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العقد ينعقد بالدلالة كما ينعقد بالتصريح (١). عند ابن أبي ليلى.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الأصل في انعقاد العقود الإيجاب والقبول. ولكن هل ينعقد العقد بغير إيجاب أو قبول؟ عند معظم الفقهاء - غير الشافعي ﵀ أن العقد ينعقد بدون لفظ وهو عقد التعاطي في البيع، بأن يأخذ السلعة ويدفع ثمنها إلى البائع دون تلفظ.
ولكن مفاد هذه القاعدة: أنه الإمام محمد بن أبي ليلى أن العقد قد ينعقد بدون لفظ وبدون تعاطٍ، وذلك بالدلالة - والمراد بها غير اللفظ - وهي دلالة الحال أو دلالة فعل سابق فيقاس اللاحق على السابق إذا لم يكن هناك نص مخالف.
والحق أن هذا ليس مذهب ابن أبي ليلى فقد قال بذلك شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀ إذ اختار صحة البيع بل كل عقد بكل ما عده الناس بيعاً أو عقداً من متعاقب ومتراخٍ من قول أو فعل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
من استأجر أرضاً سنة فزرعها سنتين فعليه أجر السنة الثانية مثل الأولى؛ لاعتبار الظاهر، فكأنه زرعها في السنة الثانية بناء على العقد في السنة الأولى,
стр. 2348
وإنما لم يتعرض له صاحبها لهذا، فعليه أجر مثل السنة الأولى. وهذا إذا لم يُنَص في العقد أن الإجارة تجدد عند انتهاء السنة إذا لم يطلب أحد المتعاقدين فسخها.
وأما عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فعليه نقصان الأرض بالزراعة في السنة الثانية, لأنه غاصب فيما صنع ويتصدق بالفضل. وأرى أن الأرجح في هذه قول ابن أبي ليلى (١).
ومنها: من اشترى سلعة بثمن محدد ثم أخذ أخرى مثلها، فعليه ثمنها مثل ثمن الأولى، إلا أن ينص البائع على خلاف ذلك.
ومنها: من استأجر محلاً أو داراً سنة بأجرة محدد معلومة فسكنها سنتين أو ثلاث - وصاحبها لم يطلب منه الخروج منها ولا زيادة الأجرة - أن على المستأجر أجر مثل السنة الأولى للسنة الثانية والثالثة. وهذا هو المعمول به في أكثر البلاد.
стр. 2349
القاعدة الرابعة والخمسون [العقوبات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العقوبات لا تناسب إلا من قصد انتهاك المحارم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
العقوبات: جمع عقوبة، وهي عذاب شرع زجراً عن ارتكاب الممنوع.
والعذاب المراد به: الألم الثقيل الذي شرع زجراً عن الوقوع في الشر.
والمحارم: جمع محرم. وهو الممنوع شرعاً، والمحظور ارتكابه شرعاً (٢).
وانتهاك المحارم: تناولها بما لا يحل (٣).
فمفاد القاعدة: أن العذاب والعقوبات المشروعة إنما شرعت زواجر وموانع من الذنوب والوقوع في المحرمات، وهي إنما توقع على من قصد وتعمد الوقوع في الحرام وارتكاب الذنوب باختيار ورضا دون إكراه، وبناء على ذلك اختلفت نتيجة وجزاء العامد عن المخطئ، وكان في ذلك العدل كله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا شرب شخص الخمر عالماً بتحريمه - غير مكروه ولا مضطر ولا مخطيء - استحق العقوبة وعومل معاملة الصاحي في كل ما أقدم عليه وارتكبه حال سكره سداً للذريعة.
стр. 2350
ولكن إذا شرب الخمر جاهلاً به أو مكرهاً عليه أو مضطراً، فلا عقوبة عليه ولا يقام عليه حد إذا سكر مما تناوله جهلاً أو مخطئاً أو مكرهاً أو مضطراً , ولو ارتكب في حال سكره هذه ما يوجب الحد.
ومنها: من قتل نفساً معصومة متعمداً مختاراً وجب عليه القصاص عقوبة مستحقة رادعة وزاجرة، ولكن إذا كان القتل خطأ، فلا يجب القصاص وتجب الدية على العاقلة.
стр. 2351
القاعدة الخامسة والخمسون [تعليق العقود]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
عقود المعاوضات لا تحتمل التعليق بالشرط (١).
وفي لفظ: "العقود لا تقبل التعليق" (٢).
وفي لفظ: "تعليق التمليكات والتقييدات بالشرط باطل" (٣) وينظر قواعد حرف التاء القاعدة (١٥٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها .
عقود المعاوضات: هي العقود التي تشتمل على بدلين عوض ومعوض كالبيع والأجارة والنكاح والمزارعة وغيرها، وهي عقود التمليكات.
فمفاد هذه القاعدة: أن مثل هذه العقود لا تقبل التعليق بالشرط؛ لأن تعليقها بالشرط يجعلها غير منجزة وغير نافذة، والأصل فيها النفاذ بمجرد الإيجاب والقبول، ولأن مقتضى العقد اللزوم. ولكن صح التعليق بالشرط في بعض الحالات - لحديث حبَّان بن منقذ ﵃ أو منقذ بن عمر - على الخلاف فيه، وهو: "إذا بايعت فقل: لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام" (٤) ولحاجة الناس إلى ذلك.
стр. 2352
وهذه القاعدة ليست على إطلاقها، بل هذه العقود تجوز مع خيار المجلس وشرط الخيار على أن لا يزيد على ثلاثة أيام - عند كثيرين - والبيع لا يبطل بالشرط في اثنين وثلاثين موضعاً ذكرها ابن نجيم ﵀ في الأشباه (١).
والذي يقبل التعليق بالشرط هو الإطلاقات: كالطلاق، والعتاق والحوالة والكفالة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها .
إذا قال: أبيعك هذه الدار إذا هلَّ الهلال. فالعقد باطل.
ومنها: أبيعك إذا رضي شريكي. كذلك.
ومنها: إذا قال: إن كان أبي مات فقد زوجتك هذه المرأة - وكان قد مات فيها وجهان.
وقال النووي رحمه الله تعالى (٢): الأصح البطلان لوجود صريح التعليق.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد .
إذا قال: أبيعك إذا رضي أبي. صح العقد، وتوقف نفاذه على رضاء الأب.
ومنها: إذا اشترط البائع رهناً بالثمن أو كفيلاً، جاز العقد وصح البيع.
стр. 2353
القاعدة السادسة والخمسون [العبرة في العقود للمقصود]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل (١)، وبكل ما عدَّه الناس بيعاً أو إجارة.
وفي لفظ: "الاعتبار للمعنى دون الألفاظ" (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
مفاد هذه القاعدة: إن العقود تصح وتكون نافدة بكل لفظ أو فعل دل على مقصود العاقدين ورضاهما, ولا يجب أن يختص كل عقد بلفظ لا يجوز بغيره.
بدلالة: أن الشرع اكتفى بالتراضي في البيع وبطيب النفس في التبرع، ولم يشترط لفظاً معيناً ولا فعلاً معيناً يدل على التراضي دون غيره. وينظر أيضاً من قواعد حرف الهمزة الأرقام ٩٦ - ٩٨.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا قال لعبده: إن أديت إلي ألفاً فأنت حر، كان إذناً له بالتجارة، لا كتابة فاسدة, لأنه معلوم أن العبد لا يمكنه أن يؤدي الألف إلا إذا أُذن له بالتجارة.
ومنها: ينعقد النكاح بما يدل على ملك العين للحال كلفظ البيع
стр. 2354
والشراء والهبة والتمليك؛ لأن الحال شاهد على إرادة النكاح.
ومنها: إذا قالت: اخلعني بهذه الألف أو بهذه السيارة، فقبض الألف أو السيارة على الوجه المعتاد فيدل ذلك على الرضا منه بالمعاوضة فيقع الخلع
ومنها: وقوع الطلاق بألفاظ العتق.
رابعاً: ومما استثني من مسائل هذه القاعدة .
لا تنعقد الهبة بلفظ البيع بغير ثمن، ولا البيع بلفظ النكاح والتزويج لعدم جريان العادة بذلك (١).
ومنها: عدم وقوع العتق بألفاظ الطلاق وإن نوى، عند الحنفية ورواية عند أحمد، وعند الآخرين يقع إن نوى (٢).
стр. 2355
القاعدة السابعة والخمسون [العقود الشرعية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العقود الشرعية لا تنعقد خالية عن فائدة (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
العقود الشرعية والصحيحة عن بيع وشراء ونكاح وإجارة وغيرها إذا صحت لا تنعقد إلا بحصول فائدة من انعقادها، وإلا لم تشرع؛ لأن الشرع إنما جاء بخير البشر، وما لا فائدة فيه فليس فيه خير فهو عبث، والعبث في الشرع ممنوع ومدفوع، وكل عقد لا يحقق الفائدة من انعقاده يكون عقداً باطلاً يأْباه الشرع. كما سبق بيانه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
عقد البيع مشروع وفائدته حل البدلين للمتعاقدين، ضرورة حاجة الناس إلى تبادل السلع والمنافع والأموال، فعقد البيع إذا لم يحقق الفائدة المقصودة فيه فهو عقد باطل.
ومنها: عقد النكاح مشروع وفائدته حفظ النسل وإعفاف الرجل والمرأة وطهارة المجتمع من الفسق والفجور، وغير ذلك الفوائد التي لا تعد ولا تحصى.
стр. 2356
القاعدة الثامنة والخمسون [صحة العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العقود في الظاهر - محمولة على الصحة (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
العقود التي يتعاقدها المسلمون يجب حملها على الصحة ما أمكن؛ وذلك من باب حسن الظن بالمسلمين، وأن المسلم لا يقدم على عقد إلا ويريده عقداً شرعياً صحيحاً خالياً عما يفسده أو يبطله، وأنه لا يقدم متعمداً على عقد يعلم فساده أو بطلانه، وأنه عند الاختلاف في صحة العقد وفساده فإن القول قول من يدعي الصحة، والبينة على من يدعي الفساد أو البطلان؛ لأن القول قول من يشهد له الظاهر، والبينة على من يدعي خلاف الظاهر. وينظر قواعد حرف الهمزة القاعدتين ٤٦٠، ٦١٨.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا تعاقد شخصان عقد بيع ثم ادعى أحدهما أن هذا العقد كان فاسداً أو باطلاً، وأنكر الآخر وادعى صحة العقد، فإن البينة على مدعي البطالان أو الفساد، والقول قول مدعي الصحة مع يمينه؛ لأن الأصل في العقود الصحة.
ومنها: إذا تم عقد نكاح ثم ادعى أحدهم أن العقد غير صحيح لأن الشاهدين كانا فاسقين فعلى مدعي الفساد البينة وإثبات فسق الشاهدين، وإلا فالعقد صحيح.
стр. 2357
ومنها: إذا قيل: إن فلان قد عقد نكاحه على فلانة، فنفهم من ذلك ونعتقد صحة العقد وما يترتب عليه من أحكام.
стр. 2358
القاعدة التاسعة والخمسون [العقود الموقوفة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العقود لا تتوقف على الإجازة - عند الشافعي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة تمثل مسألة من مسائل الخلاف بين من يرون أن العقود يجوز أن يعقدها غير أصحابها وأنها تتوقف صحتها على إجازة من له الحق في إجازتها، وبين من يقولون إن العقود لا تتوقف على الإجازة, بمعنى أن العقد إذا لم يعقده من له الحق في عقده فهو عقد باطل، والباطل لا تتوقف صحته على الإجازة، وعلى رأس أولئك الإِمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى، فهو يرى أن عقد الفضولي باطل، لا موقوف على إجازة صاحب الحق أو الولي، وهذا أحد قولين عند الشافعية، وهو أصحهما، وهو المنصوص في الجديد من مذهب الشافعي، والقول الثاني: الوقف على إجازة المالك فإن أجازه نفذ وإلا بطل (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا باع فضولي سيارة لآخر، فإن هذا العقد باطل، حتى لو أجاز صاحبها، بل يجب أن يستأنف العقد، وهذا الجديد مذهب الشافعي ﵀.
стр. 2359
ومنها: من زوج امرأة من رجل بغير علمه فهو عقد باطل، ولو علم به الرجل فأجازه لم يصح ويجب عقد جديد، وأما عند غير الشافعي ﵀ فإن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة فيصح العقد بالإجازة ولا يحتاج إلى تجديد.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة .
على مذهب الشافعي في الجديد.
أن من اغتصب شيئاً أو أشياء فباعها، ثم تناقلتها الأيدي بالبيع فإن هذه العقود صحيحة ضرورة استحالة رد العقود كلها بعد تعددها (١).
стр. 2360
القاعدة الستون [ألفاظ العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العقود وما تصح به من الألفاظ (١) عند الشافعية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
عند الشافعية: أن العقود على ثلاثة أقسام: القسم الأول ما لا ينعقد إلا بلفظه الصريح فلا ينعقد بالكناية اتفاقاً - عندهم - وهو النكاح، فالنكاح عند الشافعية لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج.
والقسم الثاني: ما يستقل الشخص بمقصوده - وهو الخلع والكتابة والصلح عن دم العمد - فإن مقصودها الطلاق والعتق والعفو، فتنعقد بالكناية قولاً واحداً كذلك.
والقسم الثالث: ما سوى هذين القسمين ففيه وجهان: الأصح منهما أنها تنعقد بالكناية مع النيَّة.
وقد سبق قريباً قول ابن تيمية ﵀ ومذهب الحنفية والمالكية، وعند الحنابلة اختلاف (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا قال: ملكني ابنتك. فقال الولي: قد ملكتكها. بمهر قدره كذا. لم يصح عند الشافعية وجمهور الحنابلة وصح عند غيرهم؛ لأن النكاح بني على التعبد عند الشافعية.
стр. 2361
القاعدة الحادية والستون [علة العلة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
علة العلة تقوم مقام العلة في الحكم (١). أصولية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
العلة: هي السبب الظاهر الذي يبنى عليه الحكم.
وعلة العلة: لها معنيان: الأول: بمعنى الحكمة من تشريع الحكم؛ لأن المراد بالحكمة المصلحة المناسبة لتشريع الحكم كالمشقة في السفر والمرض. فالسفر والمرض علة والمشقة فيهما هي علة العلة، وهي لما كانت غير منضبطة لم يبن الحكم عليها.
والمعنى الثاني لعلة العلة: هو سبب السبب المباشر لوقوع الحكم، فمن رمى سهماً أو أطلق رصاصة فأصاب شخصاً فقتله، فإن علة القتل هي الإصابة، ولكن علة الإصابة الرمي، فلولا الرمي لم يُصب السهم ولا الطلقة.
فمفاد القاعدة: أن علة العلة بنوعيها يمكن أن تقوم مقام العلة في بناء الحكم عليها، والنوع الثاني: واضح في قيامه مقام العلة لظهوره وانضباطه، وأما النوع الأول ففيه خلاف بين الأصوليين، والراجح عندهم أنه لا يبنى حكم على الحكمة لعدم انضباطها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
من اشترى عبداً - قد حل دمه بالقصاص - فقُتِل عند المشتري قصاصاً -
стр. 2362
فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن كله؛ لأن قتل العبد مُتلف لماليته، فالقتل قصاصاً علة علة والعلة هي استحقاق النفس بسبب القتل، وبسبب استحقاق النفس يرجع المشتري على البائع بالثمن؛ لأنه لو قتل عند المشتري بغير استحقاق أو قصاص لما حق له الرجوع على البائع.
ومنها: أن الغضب علة لعدم جواز قضاء القاضي، والحكمة هي اندهاش العقل والمنع عن استيفاء الفكر، فيعلل بهما في الجوع الشديد والبرد الشديد والخوف والألم وغير ذلك من مسببات القلق وعدم اطمئنان الفكر وسكون العقل إلى الحكم الصائب.
ومنها: إن الصبي يولى عليه لحكمة، وهي عجزه عن النظر لنفسه، فالصبا علة، فكل من عجز عن النظر لنفسه يولى عليه، وإن لم يكن صبياً كالمجنون والمعتوه والمغمى عليه طويلاً والمريض مرضاً مؤثراً في عقله.
стр. 2363
القاعدة الثانية والستون [زوال الحكم بزوال علته]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العلة إذا زالت هل يزول الحكم بزوالها أم لا؟ (١).
وفي لفظ: "هل بنفي علة يزول حكم" (٢). وتأتي في قواعد حرف الهاء إن شاء الله تعالى.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
سبق أن المراد بالعلة سبب الحكم.
ومفاد القاعدة: ما دام أن الحكم مترتب على علته وسببه فوجوده متعلق بوجود علته وسببه - وهذا أمر متفق عليه - ولكن إذا زالت العلة وعُدِم السبب فهل يبقى الحكم أو يزول بزوال العلة والسبب؟ خلاف، وهذا ما يسمى عند الأصوليين بمسلك الدوران - ومفاده عند القائلين به - إن الحكم يدور مع علته يوجد بوجودها وينتفي بانتفائها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا تزوج وهو مريض مرض موت - وهذا الزواج حقه الفسخ - ثم شفي هذا من مرضه، فهل يبقى النكاح أو ينفسخ؟
ومنها: إذا وجد ماء نجس ثم تغير بتراب - مثلاً - وليس بماء مطلق فهل يطهر أو لا يطهر؟ خلاف. فمن رأى أن الحكم بالنجاسة إنما هو لأجل
стр. 2364
التغير وقد زال، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً - حكم بطهوريته، ومن رأى أن الأصل في زوال النجاسة إنما يكون بالماء وليس هو حاصلاً حكم ببقاء النجاسة.
ومنها: إذا اضطر لتعب فركب الهدي ثم وجد الراحة فهل يجب النزول عنه أو لا؟
ومنها: إذا خشى الهلاك على نفسه فأكل من الميتة، فهل يجب عليه الاقتصار على سد الرمق، أو يجوز له التناول حتى الشبع؟ خلاف.
стр. 2365
القاعدة الثالثة والستون [ترجيح العلة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العلة ترجح بزيادة من جنسها (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
إذا وجدت علل متعارضة، وأريد إحداها لبناء الحكم فمن أسباب الترجيح بينها أن تكون إحدى العلل مؤيدة بزيادة من جنسها إذا كانت هذه العلة غير مستقلة، وأما إذا كانت مستقلة فلا ترجيح بالزيادة.
والمراد باستقلال العلة انفرادها بالحكم عند وجودها، وإذا لم تكن منفردة ببناء الحكم عليها فليست علة مستقلة، فالشاهدان - مثلاً - علة مستقلة لبناء الحكم عند أداء شهادتهما، فإذا جاء المدعى عليه بثلاثة شهود أو أربعة فلا ترجيح لصاحب الأكثر؛ لأن الشاهدين العدلين عدة مستقلة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
الأخ لأب وأم يترجح على الأخ لأب فقط، ويقدم عليه في استحقاق الميراث والولاية وإن كانت العلة في كليهما هي الأخوة، ولكن وجود جانب الأم يرجح علة الأخ لأب وأم.
ومنها: إذا كان لأحد شخصين ثلاثة جذوع على حائط مشترك وللآخر جذعان أو جذع واحد وتنازعا في ملكية الحائط، فإنه يحكم بالحائط لصاحب الأكثر، ولصاحب الأقل موضع خشبته؛ لأن الظاهر شاهد لصاحب الكثير.
стр. 2366
القاعدة الرابعة والستون [العلل الشرعية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العلل الشرعية أمارات لا موجبات (١). أصولية فقهية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة تعبر عن مذهب جمهور الأصوليين والفقهاء من أهل السنة وهو أن العلل الشرعية وأسباب الأحكام هي أمارات وعلامات ومعرِّفات للأحكام، وليست موجبات لها بنفسها؛ لأن الموجب هو الله ، وأقام هذه العلل علامات على الأحكام، خلافاً لما يقوله المعتزلة إن العلل موجبات بنفسها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
غروب الشمس أو زوالها أو طلوع الفجر أو دخول الشهر علل وأسباب ظاهرة وعلامات لتعلق وجوب صلاة المغرب أو الظهر أو الفجر أو صيام رمضان بذمة المكلف والموجب لهذه الصلوات والصيام هو الله .
ومنها: بلوغ المال النصاب أمارة وعلامة على وجوب الزكاة وتعلقها بذمة المكلف إذا حال الحول مع بقاء النصاب. والموجب للزكاة هو الله .
ومنها: البلوغ مع العقل علة للتكليف والمكلِّف هو الله عند وجود هذه العلاقة.
ومنها: الإتلاف والقتل للضمان والقصاص، وهما علامة على وجوبهما، والموجب في الحقيقة هو الله .
стр. 2367
القاعدة الخامسة والستون [العلم بالرضا]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العلم بالرضا يقوم مقام إظهار الرضا (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الرضا أمر قلبي يدل عليه لفظ القبول والموافقة، هذا هو الأصل في إظهار الرضا بين المتعاملين، ولكن ذلك غير محصور فيه.
فمفاد هذه القاعدة: أن الرضا وإن كان الدال عليه هو لفظ القبول لكن ذلك لا ينحصر فيه بل إن العلم بالرضا بوجود علامات تدل عليه، يقوم مقام إظهار الرضا بالألفاظ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
مبايعة رسول الله ﷺ عن عثمان بن عفان ﵁ بيعة الرضوان وكان غائباً لعلمه برضاه (٢).
ومنها: إدخاله ﷺ أهل الخندق منزل جابر بن عبد الله ﵄ بدون استئذانه (٣).
ومنها: تناول الطعام في بيت الصديق والقريب، ولو لم يأذن لفظاً لعلمه برضاهما.
стр. 2368
ومنها: بيع المعاطاة، وهو أن يرى السلعة وثمنها مكتوباً عليها فيأخذها ويعطي البائع أو العامل الثمن بدون تلفظ من أحدهما.
стр. 2369
القاعدة السادسة والستون [العلم بالرضا]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العلم بالرضا ينفي الحرمة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة لها ارتباط وثيق بالقاعدة السابقة وتعتبر نتيجة لها.
فمفادها: أن العلم بالرضا - من حيث كونه قائماً مقام إظهار الرضا - فهل يحل تناول ما عُلِم الرضا بتناوله, وإذا كان يُحله فهو بالتالي ينفي التحريم ويعدمه؛ لأن وجود الإذن والرضا علة وعلامة ودليل على نفي التحريم - كما سبق -.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا دخل رجل بستان صديق له وتناول من ثماره بغير أمره؛ فإن كان يعلم أن صاحب البستان لو علم بذلك لا يبالي ولا يمنعه حَلَّ له ولم يحرم عليه ما تناوله.
ومنها: إذا دخل دار صديقه أو قريبه فوجد فيها كتباً فأخذ أحدها ليقرأ فيه فلا بأس، وكذلك لو وجد فيه خطأً فأصلحه.
стр. 2370
القاعدة السابعة والستون [العلم بالأصل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العلم في حق الأصل يغني عنه في حق التبع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة فرع لقاعدة "التابع تابع". "فالتابع لغيره في الوجود تابع له في الحكم".
ومفاد هذه القاعدة: أنه إذا علم حكم الأصل ففي العلم به علم بحكم التبع ضرورة؛ لأن التابع لا ينفصل عن متبوعه ولا ينفرد عنه بأحكامه، إلا استثناءً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
من اقتدى بإمام ينوي صلاته - ولم يدر أنها الظهر أو الجمعة - أجزأه أيهما كان -؛ لأنه بنى صلاته على صلاة الإِمام وذلك معلوم عند الإمام.
ومنها: من اقتدى بإمام ولم يدر أصلاته قصر أو إتمام فنوى أنه إن كان الإمام متمّاً أتم أو قاصراً قصر فصلاته صحيحة.
ومنها: إذا علم براءة الأصيل عن دينه - أو علم أداءه ما عليه - أغني ذلك عن العلم ببراءة الكفيل عن الكفالة؛ لأن الكفيل تابع للأصيل المكفول.
стр. 2371
القاعدة الثامنة والستون [اليد المحقة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
على الإِمام تقرير اليد المحقة (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بالإمام هنا: كل من تولى أمراً وهو مسؤول عنه.
وتقرير اليد المحقة: أي إثبات اليد صاحبة الحق.
فمفاد القاعدة: أنه يجب على من تولى أمراً إماماً عاماً كان كالملك أو الرئيس، أو حاكماً أو قاضياً أو مسؤولاً أنه يجب عليه إثبات اليد صاحبة الحق على الحق المدَّعى ودحر اليد المبطلة وإزالتها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا تنازع اثنان في دار أو أرض أو دابة أو أي شيء كان وترافعاً إلى قاض أو حاكم أو أمير أو مسؤول فيجب على هذا الحكم بالحق والعدل وإعطاء الحق لصاحبه - ولو كان من أعدائه - ورفع اليد المبطلة ولو كان صاحبها من أقربائه أو خلصائه أو أصدقائه.
ومنها: إذا أخذ أحد المجاهدين من الغنيمة طعاماً لنفسه أو علفاً لدابته قبل القسمة وقبل إحراز الغنيمة بالدار - وهو محتاج إليه ثم إن شخصاً آخر من المجاهدين أخذ بعض ذلك منه - وهو غير محتاج إليه - فخاصمه إلى الإمام قبل أن يستهلك فيجب على الإِمام رده للأول؛ لأن الآخذ الثاني متعدٍ، وعلى
стр. 2372
الإمام إزالة اليد المتعدية وإثبات اليد المحقة.
ومنها: إذا غَصَب شخص من آخر أرضاً أو داراً أو حيواناً أو متاعاً فيجب على الإمام الأخذ على يد الغاصب - لأن يده متعدية - ورد المغصوب لمن غُصِبَ منه؛ لأنه صاحب اليد المحقة.
стр. 2373
القاعدة التاسعة والستون [رد ما أخذت اليد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
على اليد ما أخذت حتى ترد (١). حديث.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة نص حديث شريف كريم - وهذه رواية له - إذ ورد بألفاظ متقاربة، فقد أخرجه ابن ماجه ﵀ في كتاب "الصدقات بلفظ "حتى تؤديه" الحديث رقم ٢٤٠٠. وأخرجه أبو داود والترمذي رحمهما الله في كتاب البيوع باب تضمين العارية بلفظ: "حتى تؤدي" الحديث رقم ٣٥٦١ عند أبي داود، كما أخرجه أحمد ﵀ في مسنده ٥/ ٨، ١٢، ١٣ بلفظيه. وأخرجه الدارمي ٢/ ٢٦٢، والبيهقي ٦/ ٩٠، ٩٥، ٨/ ٢٧٦. وأخرجه في فتح الباري ٥/ ٢٤١، ومشكاة المصابيح ٢/ ١٢١ حديث ٢٩٥٠.
ولم أجده باللفظ الذي ساقه به السرخسي إلا في نصب الراية ٤/ ١٦٧ , وهو عن سمرة بن جندب ﵁.
ومفاد الحديث: أن من أخذ شيئاً بغير حق كان ضامناً له، ولا تبرأ ذمته منه حتى يرده ويؤديه بعينه أو بضمانه إلى صاحبه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
وجوب ضمان المسروق على السارق سواء بقي المسروق أو تلف، فعلى السارق ضمان قيمته إن كان تالفاً.
стр. 2374
ومنها: من غصب شيئاً فيجب عليه رد العين المغصوبة على المالك أو ضمانها.
ومنها: من استعار شيئا - سيارة أو دابة أو كتاباً أو غير ذلك - فعليه رده إلى صاحبه الذي استعاره منه ولا تبرأ ذمته إلا برده.
ومنها: من وجد لقطه فأخذها لنفسه - لا ليعرفها - فهو ضامن لها؛ لأنه ممنوع من أخذها - لغير تعريفها - فهو متعد في هذا الأخذ كالغاصب، فيكون ضامناً وعليه ردها لصاحبها أو ضمان قيمتها.
стр. 2375
القاعدة السبعون [عمد الصبي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
عمد الصبي وخطؤه سواء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة لا تختص بالصبي بل يدخل في حكمها كل من كان قاصر العقل أو فاقده أصلاً أو طروءاً، فالصبي قاصر العقل وناقصه، والمجنون فاقد العقل - إذا كان جنونه مطبقاً - وإذا كان يُجن ويفيق فهو في حال جنونه فاقد العقل، ويدخل في حكمها السكران من مباح أو بإكراه أو بخطأ -
فمفاد القاعدة: أن الصبي ومن في حكمه غير مكلف لعدم القصد لضعف العقل أو فقده، فلذلك فإن ما يجنيه - وإن كان في الظاهر عمداً - فهو يعتبر خطأ ويعامل معاملة المخطيء لا العامد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
الصبي - وكذلك المجنون - إذا قتلا إنساناً عمداً، فلا قصاص عليهما باتفاق؛ إذ يعتبر عمدهما خطأ والدية على العاقلة في أصح الأقوال.
فلا خلاف بين الفقهاء في عدم القصاص من الصبي والمجنون وأشباههما، ولكن اختلفوا في أمرين: الأول: هل تجب دية الخطأ أو دية العمد؟ فالأكثرون على أن الواجب دية الخطأ، وهي دية مخففة وعلى العاقلة، وأما دية العمد فهي مغلظة ومن مال القاتل.
стр. 2376
والأمر الثاني: هل على الصبي والمجنون إذا قتلا كفارة؟ الأكثرون لا كفارة عليهما.
وقال آخرون تجب الكفارة عليهما في مالهما إذا كانا غنيين (١).
стр. 2377
القاعدة الحادية والسبعون [أكبر الرأي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العمل بأكبر الرأي جائز (١).
وفي لفظ: "غالب الرأي يجوز تحكيمه فيما لا يمكن معرفة حقيقته" (٢) وتأتي في حرف الغين إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بأكبر الرأي: غلبة الظن، والإدراك للجانب الراجح.
فمفاد القاعدة: أن عند عدم اليقين يكفي غلبة الظن في بناء الأحكام عليها؛ لأن القطع في أكثر الأحكام متعذر. وينظر من قواعد حرف الهمزة القواعد من (٥٧٢ - ٥٧٤).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
رجل دخل على غيره ليلاً وهو شاهر سيفه أو مادَّاً رمحه يسدده نحوه وهو لا يدري أنه لص أو هارب من اللصوص، فإنه يحكم رأيه فإن كان في أكبر رأيه أنه لص دخل عليه ليسلبه ماله أو يقتله أو يعتدي على عرضه كان لصاحب المنزل أن يقتله - إن لم يمكن دفعه بغير القتل -.
ومنها: إذا أتى صبي أو عبد لرجل بشيء، وقال: هو لك هدية من فلان، فإن كان أكبر رأيه أنه صادق وسعه أن يأخذ ذلك الشيء.
стр. 2378
ومنها: إذا وجد ماء ليتوضأ به وخشي أن يكون مملوكاً أو نجساً فإن كان أكبر رأيه أنه مباح أو طاهر وسعه الوضوء منه.
стр. 2379
القاعدة الثانية والسبعون [العمل بالظاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العمل بالظاهر أصل لدفع الضرر عن الناس (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بالظاهر: هو ما انكشف واتضح معناه للسامع من غير تأمل وتفكر كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢)(٣).
أو هو: اسم لكلام ظهر المراد منه للسامع بنفس الصيغة، وإن كان محتملاً للتأويل والتخصيص (٤)، هذا في الألفاظ.
ولكن المراد بالظاهر في القاعدة: هو دلالة الحال والأمارات.
فمفاد القاعدة: أن العمل بدلالة الحال والأمارات الظاهرة أصل شرعي لدفع الضرر عن الناس في معاملاتهم ودفع ورفع الحرج عنهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا باع العبد واشترى أمام المولى - والمولى ساكت - فذلك يوجب أن يكون العبد مأذوناً؛ لأن كل من رآه يبيع ويشتري وسيده يراه وهو ساكت يظنه بل يغلب على ظنه أنه مأذون فيعامله؛ لأنه لو لم يكن مأذوناً، ولو لم
стр. 2380
يكن المولى راضياً به لمنعه دفعاً للضرر عن الناس.
ومنها: إذا وُجد إنسان بيده سكين ملوث بالدم وبجواره قتيل ملطخ بدمه، فإننا بحسب الظاهر نأخذ ذلك الإنسان بتهمة القتل، إلا أن تقوم بيَّنة على خلاف الظاهر.
ومنها: إذا وجدنا جماعة تصلي مستقبلي جهة ما فالظاهر أن هذه جهة القبلة فيجب أن ندخل معهم في الصلاة، أو نتوجه إلى الجهة التي كانوا متجهين إليها، إلا أن تقوم بينة أو علامة ظاهرة على خطئهم في التوجه.
стр. 2381
القاعدة الثالثة والسبعون [العام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العمل بالعام واجب حتى يقوم دليل الخصوص (١) أصولية فقهية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
سبق معنى العام والخاص والعموم والخصوص.
فمفاد القاعدة: أنه إذا وُجِد نص عام - سواء كان من نصوص الشرع أو المتعاقدين أو الواقفين - وجب علينا العمل بموجب هذا العموم حتى يقوم دليل على التخصيص، ولا يجوز لنا الانتظار والبحث عن المخصص قبل العمل بالعموم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا قال: أكرم علماء المدينة. فيجب على المخاطَب أن يكرم كل عالم في البلدة، ولا ينتظر بدعوى أن الآمر ربما يَخُص بعضاً منهم.
ومنها: إذا قال: هو برئ مما لي قِبَله. برئ من الأمانة والغصوب والحقوق والقروض، وإن ادعى بعد ذلك حقاً لم تقبل بينته، إلا إذا وَقَّت الشهود أو شهدوا أنه حادث بعد الإبراء؛ لأنه لفظ أفاد البراءة على العموم وهو قوله: برئ مما لي قِبَله.
стр. 2382
القاعدة الرابعة والسبعون [العمل المنفي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العمل لا يكون منفياً إلا إذا انتفى شيء من واجباته (١)، فلا ينتفي العمل بانتفاء شيء من مستحباته.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
كل عمل له أركان وواجبات لا يتم إلا بها , وله مستحبات يتم بدونها.
فمفاد القاعدة: أن العمل لا يبطل إلا بنقصان شيء من أركانه أو واجباته وفرائضه؛ لأن بها قوامه ووجوده، وأما إذا نقص شيء من مستحباته أو مندوباته فإنه لا يبطل بنقصان شيء منها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
من صلى ولم يطمئن في صلاته أو لم يقرأ فيها - مع قدرته على القراءة - فصلاته باطلة وعليه إعادتها.
ومنها: من لم يُحَكِّم شرع الله فهو غير مؤمن؛ لأن تحكيم شرع الله من أوجب الواجبات على المسلمين، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).
стр. 2383
ومنها: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (١)، أو "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" فمن لم يقرأ بها - مع القدرة عليها - بطلت صلاته إماماً أو منفرداً.
ومنها: مَن صلى بغير وضوء بطلت صلاته، وأنه "لا صلاة لمن لا وضوء له" (٢).
ومنها: من صلى وأسبل يديه فصلاته صحيحة، لأن القبض ليس عن واجبات الصلاة وفرائضها.
وكذلك إذا لم يجاف عضديه عن جنبيه، فصلاته صحيحه (٣).
стр. 2384
القاعدة الخامسة والسبعون [العموم والخصوص - وازع العدالة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العموم موجب لعدم التهمة في الخصوص مع وازع العدالة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بالعموم في هذه القاعدة: الخبر المتعلق مضمونه بحكم عام لا يختص بفرد أو جماعة مخصوصة.
والمراد بالخصوص هنا: الفرد أو الجماعة ممن روى أو ذكر الخبر.
ووازع العدالة: أي مانع الشخص عن الكذب بتقواه وابتعاده عن ارتكاب الكبائر أو الإصرار على الصغائر.
ومفاد القاعدة: أن من روى خبراً - حديثاً - فيه حكم عام فهو غير مُتَّهم فيما يرويه ولو كان يعود عليه نفع من روايته لذلك الخبر، إذا كان الراوي للخبر عدلاً؛ لأن عدالته تمنعه من الكذب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا روى عبد - وهو عدل رضا - حديثاً يتضمن عَتقه، تقبل روايته منه وإن عاد النفع عليه؛ لأن باب الرواية بعيد عن التهم، وإنه لا يشترط في باب الرواية العدد، بخلاف الشهادة في الأمرين. إذ من شهد شهادة يعود نفعها عليه لا تقبل شهادته، كما أنه يشترط في قبول الشهادة اثنان من الشهود العدول.
стр. 2385
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁: "من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية انتقص أجره كل يوم قيراط" فهذا حديث صحيح رواه الجماعة، ولا يجوز أن يتَّهم راويه لأنه صاحب زرع - فذكر الزرع في الحديث لا يضر في صحة الحديث لأن راويه عدل غير متهم ﵁.
وبخاصة قد رواه غير أبي هريرة وهو سفيان بن أبي زهير ﵁ (١) , وهو متفق عليه.