القاعدة الثالثة والسبعون [العام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العمل بالعام واجب حتى يقوم دليل الخصوص (١) أصولية فقهية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
سبق معنى العام والخاص والعموم والخصوص.
فمفاد القاعدة: أنه إذا وُجِد نص عام - سواء كان من نصوص الشرع أو المتعاقدين أو الواقفين - وجب علينا العمل بموجب هذا العموم حتى يقوم دليل على التخصيص، ولا يجوز لنا الانتظار والبحث عن المخصص قبل العمل بالعموم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا قال: أكرم علماء المدينة. فيجب على المخاطَب أن يكرم كل عالم في البلدة، ولا ينتظر بدعوى أن الآمر ربما يَخُص بعضاً منهم.
ومنها: إذا قال: هو برئ مما لي قِبَله. برئ من الأمانة والغصوب والحقوق والقروض، وإن ادعى بعد ذلك حقاً لم تقبل بينته، إلا إذا وَقَّت الشهود أو شهدوا أنه حادث بعد الإبراء؛ لأنه لفظ أفاد البراءة على العموم وهو قوله: برئ مما لي قِبَله.
стр. 2382
القاعدة الرابعة والسبعون [العمل المنفي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العمل لا يكون منفياً إلا إذا انتفى شيء من واجباته (١)، فلا ينتفي العمل بانتفاء شيء من مستحباته.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
كل عمل له أركان وواجبات لا يتم إلا بها , وله مستحبات يتم بدونها.
فمفاد القاعدة: أن العمل لا يبطل إلا بنقصان شيء من أركانه أو واجباته وفرائضه؛ لأن بها قوامه ووجوده، وأما إذا نقص شيء من مستحباته أو مندوباته فإنه لا يبطل بنقصان شيء منها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
من صلى ولم يطمئن في صلاته أو لم يقرأ فيها - مع قدرته على القراءة - فصلاته باطلة وعليه إعادتها.
ومنها: من لم يُحَكِّم شرع الله فهو غير مؤمن؛ لأن تحكيم شرع الله من أوجب الواجبات على المسلمين، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).
стр. 2383
ومنها: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (١)، أو "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" فمن لم يقرأ بها - مع القدرة عليها - بطلت صلاته إماماً أو منفرداً.
ومنها: مَن صلى بغير وضوء بطلت صلاته، وأنه "لا صلاة لمن لا وضوء له" (٢).
ومنها: من صلى وأسبل يديه فصلاته صحيحة، لأن القبض ليس عن واجبات الصلاة وفرائضها.
وكذلك إذا لم يجاف عضديه عن جنبيه، فصلاته صحيحه (٣).
стр. 2384
القاعدة الخامسة والسبعون [العموم والخصوص - وازع العدالة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العموم موجب لعدم التهمة في الخصوص مع وازع العدالة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المراد بالعموم في هذه القاعدة: الخبر المتعلق مضمونه بحكم عام لا يختص بفرد أو جماعة مخصوصة.
والمراد بالخصوص هنا: الفرد أو الجماعة ممن روى أو ذكر الخبر.
ووازع العدالة: أي مانع الشخص عن الكذب بتقواه وابتعاده عن ارتكاب الكبائر أو الإصرار على الصغائر.
ومفاد القاعدة: أن من روى خبراً - حديثاً - فيه حكم عام فهو غير مُتَّهم فيما يرويه ولو كان يعود عليه نفع من روايته لذلك الخبر، إذا كان الراوي للخبر عدلاً؛ لأن عدالته تمنعه من الكذب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا روى عبد - وهو عدل رضا - حديثاً يتضمن عَتقه، تقبل روايته منه وإن عاد النفع عليه؛ لأن باب الرواية بعيد عن التهم، وإنه لا يشترط في باب الرواية العدد، بخلاف الشهادة في الأمرين. إذ من شهد شهادة يعود نفعها عليه لا تقبل شهادته، كما أنه يشترط في قبول الشهادة اثنان من الشهود العدول.
стр. 2385
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁: "من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية انتقص أجره كل يوم قيراط" فهذا حديث صحيح رواه الجماعة، ولا يجوز أن يتَّهم راويه لأنه صاحب زرع - فذكر الزرع في الحديث لا يضر في صحة الحديث لأن راويه عدل غير متهم ﵁.
وبخاصة قد رواه غير أبي هريرة وهو سفيان بن أبي زهير ﵁ (١) , وهو متفق عليه.
стр. 2386
القاعدة السادسة والسبعون [اجتماع الحقوق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
عند اجتماع الحقوق أو الواجبات يبدأ بالأهم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الحقوق: جمع حق، والحق هو الثابت الواجب، وهو ضد الباطل.
فمفاد القاعدة: أنه إذا اجتمعت حقوق متعددة وواجبات ولا يسعها المال كلها، أو أن الوقت لا يتسع لأدائها كلها فإنه يقدم الأهم منها على المهم، والمهم على غيره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا اجتمع في تركة: ورثة، وتجهيز ميت، ووصية ودين، فإنه يقدم تجهيز الميت فيبدأ به؛ لأنه الأهم وهو من حقوقه، ثم بالدين، ثم بالوصية, ثم بحقوق الورثة حيث يقدم أصحاب الفرائض فما بقي بعد ذلك فللعصبات الذكور.
ومنها: إذا ضاق وقت على إنسان وعليه صلاة الوقت، وفعل خير, أو إغاثة ملهوف، أو إنقاذ غريق، فيقدم الأهم الذي يخشى فواته قبل غيره, فإنقاذ الغريق يقدم على غيره؛ لأنه إذا فات لا يمكن تداركه.
ومنها: إذا أراد الخروج للحج ولم يدع لعياله ما يكفيهم, فحاجة
стр. 2387
عياله أولى.
ومنها: من أراد أن يغزو وعليه دين، فأداء الدين أولى وأهم، إلا إذا كان النفير عاماً، لأن الخروج في هذه الحالة فرض عين.
ومنها: إذا أراد أن يغزو وله والدان حيان أو أحدهما فنهياه عن الغزو فالمستحب له ألاّ يغزو إلا بإذنهما، لكن إذا كان النفير عاماً أو أمره الإمام بالخروج فلا بأس له أن يخرج وإن كره أبواه (١).
ومنها: مسلم استدان في دار الإسلام، ثم دخل الحرب واستدان، ثم مات. وجاء الدائنون فإن ما هو مطلوب به في دار الإسلام أقوى فيقدم، وما استدانه في دار الحرب أضعف فيؤخر (٢).
стр. 2388
القاعدة السابعة والسبعون [الاحتمال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
عند الاحتمال لا يثبت إلا المقدار المتيقن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الاحتمال: افتعال من الحمل: ومعناه اقتضاء الفعل أو القول أو الدليل حكمين مختلفين.
والاحتمال نوعان:
١ - احتمال بدليل. وهذا احتمال مقبول، إذ ينظر في دليله فإن ثبت أُخِذ به وإلا كان مرجوحاً لا يعمل به، ويكون: معنى الاحتمال هنا: الجواز.
٢ - احتمال بغير دليل: هذا غير مقبول ولا ينظر فيه؛ إذ كل قول أو فعل أو دليل أو حكم يمكن أن يطرأ عليه احتمال. فما كان بغير دليل فهو مرفوض، ويكون. بمعنى الوهم.
فمفاد القاعدة: أن الفعل أو القول المصادر عن المكلف إذا طرأ عليه احتمال نقيضه - أي جواز الفعل أو الترك أو الأكثر أو الأقل - فلا يثبت منه إلا المقدار المتيقن به، وبخاصة عند الاختلاف في المقادير.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا قال لزوجته: أنت علي حرام - وليس له نية، فيحمل على اليمين؛
стр. 2389
لأن الحرمة الثابتة باليمين دون الحرمة الثابتة بالطلاق.
ومنها: إذا قال: أمرك بيدك. وقال: إنه لم ينو الثلاث. أو نوى الطلاق فقط. فلا يقع إلا واحدة, لأنه المتيقن.
стр. 2390
القاعدة الثامنة والسبعون [ضابط في الوصية - اختلاف الحقوق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
عند اختلاف الحقوق تجرى المزاحمة في الثلث (١). أو المال المعين (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذا الضابط يختص بالوصايا المتعددة، ولكن يمكن أن ينطبق على بعض شروط توزيع مال الوقف، أو توزيع صدقات مخصوصة على قوم مخصوصين.
فمفاد القاعدة: أنه إذا وجد اختلاف في الحقوق المتعلقة بالمال، وكان المال لا يسعها فإنه تجرى المزاحمة فيها. والمراد بالمزاحمة قسمة المال بالحصص.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أوصى بأن يُحج عنه، ويعتق رقبة، ويطعم عنه، وكان الثلث لا يسعها، فإن الثلث يقسم بين الوصايا بالحصص. فما خرج للحج يحج عنه من حيث يبلغ لأنه هو الممكن من تحصيل مقصود الموصي، ويعتق عنه جزء رقبة.
ومنها: إذا شرط الواقف أن يقسم ربع مال الوقف بين أناس بأعيانهم وحدد لكل جماعة مبلغاً محدداً، ثم تبين أن الربع لا يفي بالمطلوب فإنه يقسم بينهم بالحصص.
ومنها: إذا أمر بتوزيع صدقات - زكاة أو غيرها - بين الأصناف
стр. 2391
وحدد لكل صنف مبلغاً، ثم إن المال لا يسعهم فإنما يعطى كل صنف ما يخصه بالحصص، وهو معنى المزاحمة.
стр. 2392
القاعدة التاسعة والسبعون [اختلاف المستحق - اختلاف السبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
عند اختلاف المستحق لا بد من أن يعتبر اختلاف السبب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
إذا وقع اختلاف في المستحق للمال، فلا بد من اعتبار اختلاف سبب الاستحقاق؛ ليأخذ كل مستحق حقه بدون ظلم، وهذا عند تعدد المستحقين، ولكن إذا كان المستحق واحداً فلا يعتبر الاختلاف في السبب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا ضارب رجل رجلاً وأعطاء عشرة آلاف ليضارب بها، فربحت ألفاً، ثم ضاربه رجل آخر بألف أخرى فخلط منها خمسمائة بالألف الأولى، ثم خسرت ثلاثمئة، فهنا تكون الخسارة من المالين بالحصص: فمن صاحب الألف مئتان، ومن صاحب الخمسمائة مائة. فالهالك اعتبر من المالين، بخلاف ما لو كان رب المال واحداً.
ومنها: إذا كان عبد مأذون وتنازع مع المولى وأجنبي لا شيء في أيديهم، فإن ثم يكن على العبد دين، فالمتنازع فيه بين المولى والأجنبي نصفين لاتحاد المستحق فيما في يد المولى والعبد.
أما إذا كان على العبد دين فالمستحق لكسب العبد غرماؤه، فلا بد من اعتبار يد كل واحد منهم على حدة.
стр. 2393
ومنها: إذا كان على شخص دين لأشخاص عدة وطالبوه بديونهم أمام القضاء فعلى كل واحد منهم أن يذكر سبب الدين ويقيم البينة على ذلك, وأما إذا كان الدائن واحداً فلا يشترط بيان سبب كل دين بل يكتفي من البينة بإثبات الدين على المدين.
стр. 2394
القاعدة الثمانون [تحقق المعارضة - انعدام الترجيح - الاحتياط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
عند تحقق المعارضة وانعدام الترجيح يجب الأخذ بالاحتياط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
إذا وجد تعارض متحقق وثابت بين أمرين ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر فيجب الأخذ بالاحتياط للدين، وبخاصة فيما إذا اجتمع حلال وحرام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا اشتبهت ميتة بمذكاة - ولم يمكن التفريق بينهما - وجب الابتعاد عنهما كليهما؛ احتياطاً للدين: إحداهما للحرمة المؤكدة، والثانية للاشتباه.
ومنها: إذا وجدت معاملة وشككنا في أن فيها ربا أو لا ربا فيها، ولم نجد مرجحاً يرجح أحد الاحتمالين, وجب الأخذ بالاحتياط وترك هذه المعاملة؛ لأن الشك في الزيادة كتحققها.
ومنها: من أشكل حاله من الحربيين وليس فيه دليل يدل على أنه مستأمن أو غير مستأمن, ولم يقع في القلوب ترجيح أحد الجانبين، فإنه ينبغي للأمير أن يأخذه فيخرجه إلى دار الإِسلام ويجعله ذمة.
стр. 2395
القاعدة الحادية والثمانون [رد القيمة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
عند تعذر ردِّ العين ردُّ القيمة كردِّ العين (١).
وفي لفظ: "ردُّ القيمة عند تعذر رد العين كرد العين" (٢). وقد سبقت في قواعد حرف الراء تحت رقم (١٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها .
عند استحالة رد العين لهلاكها أو استهلاكها فعلى مُتْلفها أو مستهلكها رد قيمتها بدلاً عنها. فإذا رد قيمتها يوم هلكت أو استهلكت فذلك كرد العين نفسها في براءة الذمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها .
إذا اغتصب شخص من آخر سيارة أو حيواناً أو طعاماً أو لباساً فاستهلكه أو هلك عنده فعليه رد قيمته - أو مثله إن كان مثلياً - فإذا فعل ذلك فكأنما رد عين المغصوب وبرئت ذمته.
ومنها: إذا قال المشركون للمسلمين: إنا أَسأْنا في قتل رُهُنِكم فنحن نغرم لكم دياتهم، فلا بأس بأن يقبل الإِمام ذلك؛ لأنه وقع اليأس عن رد الرُهُن.
стр. 2396
القاعدة الثانية والثمانون [التعريف بالإشارة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
عند التعريف بالإشارة يسقط اعتبار النسبة؛ لأن الإشارة أبلغ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
التعريف بالإشارة باليد، أو الرأس أو غيرهما إلى الشيء الحاضر وتغني عن وصفه بصفة؛ لأن التعريف بالإشارة أبلغ وأقوى من الوصف لحضور الشيء المشار إليه ومعاينته من قِبَل المشتري، وأما الوصف فهو للغائب، وقد يحتمل الاختلاف، بخلاف المشار إليه الحاضر.
وينظر في قواعد حرف الهمزة القواعد: (٦٢ - ٦٤، ٢٣٤).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا قال: أبيعك هذه السيارة الحمراء - وهي بيضاء - فقبل المشتريَ جاز. وليس له الرجوع بعد ذلك. لكن إذا قال: أبيعك سيارتي الحمراء - وهي غير حاضرة - وهي بيضاء - فإن المشتري بالخيار إذا رآها؛ لاختلاف الصفة.
ومنها: إذا قال الأمير: مَن أصاب - أي غَنِم - هذه الجُبَّة الخَز (٢) - لِجُبَّة على رجل بعينه - فهي له. فأصابها - أي غنمها - إنسان فإذا هي
стр. 2397
مُنْطَقَة بفَنَك أو سمور (١)، فالكل للمصيب؛ لأنه - أي الأمير - بنى الاستحقاق على التعيين بالإشارة دون الاسم والنسبة.
стр. 2398
القاعدة الثالثة والثمانون [شهادة الظاهر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
عند الخصومة القول قول من يشهد له الظاهر (١).
وفي لفظ: "عند المنازعة القول قول من يشهد له الظاهر" (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
إذا اختصم اثنان في شيء وكل منهما يدَّعيه - ولا بيِّنة لواحد منهما - فإن من يشهد له الظاهر - أي دلالة الحال- يكون القول قوله مع يمينه، فإذا حلف يستحق الشيء المتنازع عليه.
وينظر القاعدة رقم (٧٢)، والقاعدة (١٠٧)، من قواعد حرف الحاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها .
اختصم اثنان في دابة أو ثوب وأحدهما راكب الدابة أو لابس الثوب - ولا بيَّنة لواحد منهما، فإن القول للراكب واللابس مع يمينه؛ لأن الظاهر شاهد له.
ومنها: من أعطى غزلاً لحائك لينسجه له ثوباً، فيقول الحائك له: هذا لا يكفي لما تطلبه، فيأمره أن يزيد من عنده بقدر ما يحتاج إليه ليعطيه ثمن ذلك.
فإن اختلفا في الزيادة - وكان وزن غزله - مناً واحداً، أو كيلو غراماً واحداً - فلما وزن النسج كان وزنه منوين أو كيلين، فالقول في الزيادة قول
стр. 2399
الحائك؛ لأن الظاهر شاهد له، وهو هنا زيادة وزن النسج على وزن الغزل الذي سلمه للحائك.
ومنها: من اشترك في حملة للحج بمبلغ خمسة آلاف ريال، ثم أراد صاحب الحملة أن يحمله في الحافلة - وقال مريد الحج: بل بالطائرة، واختلفا، فتحكم الأجرة في هذه الحال فإذا كانت الأجرة عالية فيكون القول قول مريد الحج، مع يمينه لأن الظاهر شاهد له؛ فإنه ما رضي بدفع هذه الأجرة العالية إلا ليسافر على الطائرة، والعكس فيكون القول لصاحب الحملة.
ومنها: إذا اختلفا في أدوات أو آلات نجارة أو حدادة - وكان أحدهما نجاراً أو حداداً - فالقول قوله في ملكية هذه الأدوات أو الآلات مع يمينه.
стр. 2400
القاعدة الرابعة والثمانون [ترجيح الوارد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
عند المعارضة يترجح الوارد على المورود عليه (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة تمثل مرجحاً من المرجحات عند تعارض أمرين مختلفين، ومفادها: أنه إذا تعارض أمران مختلفان - ولم يمكن الترجيح بينهما - وكان أحدهما وارداً على الآخر، فإن الوارد يترجح جانبه على المورود عليه؛ لقوة الوارد وضعف المورود عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
اشترى ابن سيارة واشترط الخيار لأبيه ثلاثة أيام، فهذا الاشتراط يكون للأب وللابن، فإن نقض الأب البيع في خلال مدة الخيار انتقض، وإن أجاز أحدهما العقد فهو جائز. فإن نقض الأب وأجاز الأبن. بمحضر من البائع فالسابق منهما أولى وإن كان منهما معاً - أحدهما أجاز والآخر نقض - فالنقض أولى من الإجازة؛ لأن النقض يرد على الإجازة، وأما الإجازة فلا ترد على النقض؛ لأن البيع المنقوض لا تمكن إجازته.
стр. 2401
القاعدة الخامسة والثمانون [رد المختلف فيه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
عند المنازعة يُرَدُّ المختلف فيه إلى المتفق عليه (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
عند الاختلاف والتنازع في أمر من الأمور فإن إزالة هذا الخلاف وقطعه إنما يكون برد هذا المختلف فيه إلى مثيله من المتفق عليه عادة وعرفا بين الناس.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا اتفق شخص مع سائق على أن ينقله بسيارة من مكان كذا إلى مكان كذا، ثم اختلفا في تحديد الأجرة، فإن قطع المنازعة يكون بتحكيم مثل تلك الأجرة، لتلك المسافة عند أهل الخبرة أو عادة السائقين، أو وجود تسعيرة من الجهة المختصة لكل مسافة محددة.
ومنها: إذا اشترى أرضاً، واشترط لها طريقاً من أرض البائع، فإن عرض الطريق إذا اختلف في تحديده يُرَد إلى مقدار حاجة السائر فيه بسيارته، وبمقدار ما تستطيع سيارتان متقابلتان أن تعبرا بدون أن تصطدم إحداهما بالأخرى، وهذا أمر متفق عليه في هذا العصر - وهو أن لا يقل عرض الطريق عن إمكان عبور سيارتين، متقابلتين بدون اصطدام إحداهما بالأخرى.
стр. 2402
القاعدة السادسة والثمانون [العوائد المشتركة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العوائد لا يجب الاشتراك فيها بين البلاد - خصوصاً البعيدة الأقطار (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
العوائد: جمع عادة: والمراد بها: كل أمر متكرر من غير علاقة عقلية - كما يقول الأصوليون - أو هي: كل أمر متكرر تقبله العقول السليمة والفِطرَ المستقيمة.
والمراد بالعوائد: الأعراف السائدة.
ومفاد القاعدة: أن الأعراف والعادات التي تنتشر وتشيع بين الناس وبها يتعاملون وبها تُخَصُّ نصوصهم وأقوالهم - عند عدم التصريح بخلافها - لا يشترط في اعتبارها أن تَعُمَّ العادة منها جميع البلاد الإسلامية، بل إن لكل بلاد عاداتها وأعرافها, ولذلك يجب على المفتي والحاكم والقاضي والفقيه قبل أن يجيب على حكم مسألة اجتهادية لها تعلق بالأعراف أن يعرف عادات بلد السائل وأعرافها ليكون جوابه وفتواه وحكمه عادلاً موافقاً لأعراف الناس وعاداتهم، وإلا كان حكمه باطلاً جائراً، وفتواه غير صحيحة.
وقد قال القرافي في هذا الموضع: إن المفتي لا يحل له أن يفتي أحداً
стр. 2403
بالطلاق حتى يعلم أنه من أهل بلد ذلك العرف الذي رُتَّبت الفتيا عليه. إلى أن قال: ويكون المفتي في كل زمان يتباعد عما قبله يتفقد العرف هل هو باق أم لا. فإن وجده باقياً أفتى به، وإلا توقف عن الفتيا. وهذا هو القاعدة في جميع الأحكام المبنية على العوائد كالنقود والسكك في المعاملات والمنافع في الإجارات والأيمان والوصايا والنذور في الطلاق. فقد غفل عنه كثير من الفقهاء، ووجد الأئمة الأول قد أفتوا بفتاوى بناء على عوائد لهم وسطَّروها في كتبهم بناء على عوائدهم. ثم جاء المتأخرون ووجدوا تلك الفتاوى فأفتوا بها - وقد زالت تلك العوائد، فكانوا مخطئين خارقين للإجماع؛ لأن الحكم المبني على مَدْرك بعد زوال مدركه خلاف الإجماع (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
النقود تختلف اليوم في جميع الأقطار فكل قطر من البلاد العربية والإِسلامية له نقد خاص يختلف مسماه وقيمته عن نقد القطر الآخر - ولو كانا متجاورين - ولذلك لا بد من معرفة عملة كل بلد منها ونقده عند إرادة الفتيا والحكم.
ومنها: ألفاظ خلية وبرية والحرام، وحبلك على غاربك ووهبتك لأهلك في الطلاق، هذه كانت في زمن مالك ﵀ مثلاً - يلزم به الطلاق الثلاث بناء على عادة كانت في زمانه، ولكن تغيرت العادات فأصبحت هذه الألفاظ لا تستعمل في تلك المعاني، فلا يجوز لنا الفتيا فيها
стр. 2404
بفتوى مالك أو غيره إلا بعد معرفة نيِّة المتكلم بها، وهل أراد بها الطلاق أو لا؟
ومنها: إذا ادعى عليه مالاً من زمن بعيد - وقد تغير النقد. فإنما يحكم بقيمة النقد القديم لا بالنقد الحادث.
стр. 2405
القاعدة السابعة والثمانون [العوض والمعوض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العوض حكمه حكم المُعَوَّض (١). وقد سبقت في قواعد حرف الحاء تحت رقم ٦٥.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
العوض هو البدل، والمعوض هو المبدل منه.
فمفاد القاعدة: أن حكم البدل هو حكم المبدل منه؛ لأنه قائم مقامه في الاستيفاء.
وينظر من قواعد حرف الباء القاعدة رقم (١٤) وما بعدها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا تعذر رد العين قام رد القيمة مقامها؛ لأن القيمة عوض العين وبدل منها.
وينظر القاعدة رقم (٨١).
стр. 2406
القاعدة الثامنة والثمانون [العوض عما ليس بمال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العوض عما ليس بمال ليس بواجب أن يُعلَم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الأشياء التي يكون لها عوض نوعان:
١ - نوع هو مال كالمبيع والأجرة، فهذا يجب أن يُعلم ليصح العقد؛ لأنه بدون معرفته يكون العقد باطلاً؛ لأن معرفته ركن من أركان العقد.
٢ - ونوع ليس بمال كالصداق والكتابة. فهذا ليس بواجب أن يعلم، لأن عند الاختلاف يُحَكَّم المثل، بخلاف الأول؛ لأنه عند الاختلاف تحكم القيمة ويقع في تحكيمها التنازع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
تزوج امرأة ولم يفرض لها مهراً، فالعقد صحيح، ويجب لها مهر المثل إن دخل بها.
ومنها: افتدت نفسها بمال، فيصح الخلع.
ومنها: الصلح عن القصاص، لا يجب فيه تعيين المال.
стр. 2407
القاعدة التاسعة والثمانون [العيب الحادث]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العيب الحادث قبل القبض يجعل كالمقترن بالعقد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
إذا حدث عيب في السلعة - وهي عند البائع - قبل قبض المشتري لها، وقبل تسليمها له، يجعل المشتريَ بالخيار بين أن يأخذ السلعة بجميع الثمن أو بتركها؛ لأن العيب حصل في ضمان البائع، وكأن هذا العيب اقترن بالعقد ووجد معه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
اشترى سيارة من أحد المعارض، أو من أحد الأشخاص، وبعد تمام العقد وقبل أن يتسلمها المشتري ويقبضها من البائع وقع عليها حادث فعيَّبها، فالمشتري في هذه الحال بالخيار بين أن يأخذ السيارة بعيبها الحادث بجميع الثمن أو يتركها؛ لأن العيب حدث وحصل والسيارة لا زالت في ضمان البائع. ويجوز أن يضمن البائع النقصان إذا رضي المشتري.
ومنها: إذا هُدِم جانب من الدار أو تعطلت بعض مرافقها الضرورية بعد تمام العقد وقبل أن يتسلمها المشتري فكذلك. فالمشتري بالخيار، بين أن يأخذها بجميع الثمن وبين أن يتركها.
стр. 2408
القاعدة التسعون [العين - الأجل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
العين لا تقبل الأجل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الأجل: معناه اشتراط مهلة زمنية قبل تسليم العين المبيعة.
فمفاد القاعدة: أن الأعيان لا تقبل التأجيل - كما سبق بيانه، وإنما الذي يقبل التأجيل هو الأثمان. والعلة في ذلك أن الأعيان لا تتعلق بالذمة، وإنما الذي يجوز أن يكون ديناً في الذمة هو الأثمان؛ لأنها لا تتعين بالتعيين. إلا أن يكون ذلك في السلم فتكون العين مؤجلة تبعاً لطبيعة ذلك العقد.
وينظر القاعدة رقم (٥٢٠) من قواعد حرف الهمزة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا باعه سلعة حاضرة واشترط تسليمها له بعد مدة من الزمن، فالعقد باطل؛ لأن العين لا تقبل الأجل.
رابعاً: ما استثنى من مسائل هذه القاعدة .
المسلم فيه في عقد السلم يجب تأجيله لطبيعة هذا العقد فمن أسلم في مقدار محدد من التمر مبين النوع والأجل فالعقد جائز.
ومنها: من استصنع ثوباً أو بيتاً أو آلة، واشترط الصانع مدة زمنية لتسليم المصنوع فالعقد جائز كذلك.
стр. 2409
ثانياً: حرف الغين
عدد قواعد حرف الغين (١٤) أربع عشرة قاعدة.
стр. 2410
القاعدة الأولى [غالب الرأي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
غالب الرأي يجوز تحكيمه فيما لا يمكن معرفة حقيقته (١).
وفي لفظ: "غالب الرأي يقام مقام الحقيقة فيما لا طريق إلى معرفة حقيقته" (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
غالب الرأي: هو غلبة الظن، وأكبر الرأَي. وهو دون اليقين.
وقد سبق مثل هذه القاعدة في قواعد حرف العين تحت رقم ٧١.
стр. 2411
القاعدة الثانية [غالب الرأي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
غالب الرأي بمنزلة اليقين فيما بنى أمره على الاحتياط (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه القاعدة لها ارتباط وثيق بسابقتها.
ومفادها: أن غالب الرأي وأكبره هو في رتبة اليقين والحقيقة في وجوب العمل به فيما بني أمره على الاحتياط للدين، وذلك عند عدم إدراك الحقيقة حفظاً لسلامة الدين والبعد عن المحرمات والمشبوهات، ودفعاً ورفعاً للحرج؛ لأنه ليس كل أمر يمكن أن تدرك حقيقة أو أن يوقف على اليقين منه.
وينظر من قواعد حرف الهمزة القواعد (٥٧٢ - ٥٧٤).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا أراد تزوج امرأة وغلب على ظنه أنها محرمة عليه بوجه من وجوه التحريم وجب عليه تركها وعدم الزواج منها احتياطاً لدينه.
ومنها: إذا اشتبه عليه معاملة أو عقد فيه ربا أو يدخله الربا فيجب عليه الابتعاد عن هذا المعاملة تخلصاً من الوقوع في الربا.
ومنها: لو أن راهباً نزل من صومعته إلى بعض مدائنهم فأصابه المسلمون في الطريق أو في المدينة فقال: إنما خرجت هارباً منكم خوفاً على
стр. 2412
نفسي. فلهم ألا يصدقوه ويقتلوه؛ لأنهم وجدوه في موضع الاختلاط بالمقاتلة منهم. وإن وقع في قلوب المسلمين أنه صادق فالمستحب لهم ألا يقتلوه، ولكن يأخذونه أسيراً؛ لأن غالب الرأي بمنزلة اليقين فيما بني أمره على الاحتياط.
والقتل مبني على ذلك، فإنه إذا وقع فيه الغلط لم يمكن تداركه (١).
стр. 2413
القاعدة الثالثة [الغالب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الغالب مساوٍ للمتحقق (١).
وفي لفظ: "الغالب هل هو مساوٍ للمتحقق". (٢)
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما .
هاتان القاعدتان ذكرهما المالكية، وإيرادهما يدل على الاختلاف في المضمون بين علماء المالكية، حيث يرى المَقَّري أن الغالب مساوٍ للمتحقق، ويرى الونشريسي أنه يجري فيه الخلاف.
وينظر القاعدة الثامنة والتسعون من قواعد حرف الحاء.
المراد بالغالب: ما كان احتمال حصوله أقوى من عدمه.
والمحقق: ما كان حصوله ثابت الوقوع بدون احتمال.
فمفاد القاعدة الأولى: أن ما كان احتمال حصوله أقوى هو في حكم الثابت الوقوع قطعاً.
ومفاد القاعدة الثانية: أن ما كان احتمال حصوله أقوى أنه قد يساوى المتحقق، وقد لا يساويه. فبينهما فرق يؤخذ من أسلوب إيرادهما.
стр. 2414
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما .
سؤر الحيوان الذي من عادته استعمال النجاسة - الهرة مثلاً - فهل يكره شرب سؤره أو الوضوء منه أو لا يكره؟ خلاف عند المالكية، وهذا يرجح النص الثاني للقاعدة.
ومنها: ملابس الكفار هل هي طاهرة فيجوز للمسلم أن يصلي فيها أو هي نجسة؛ لأن الكافر لا يتوقى النجاسات. خلاف والمشهور عدم جواز الصلاة فيها.
ومنها: أرسل صقراً على صيد - والصقر ليس في يده - فهل يأكل ما صاده؟ خلاف.
ومن خلال الأمثلة التي ذكرها الونشريسي نرى أن في القاعدة خلافاً عند المالكية، ولذلك فإيرادها بصيغة الإنشاء هو الصحيح.
стр. 2415
القاعدتان الرابعة والخامسة [الغاية]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الغاية حد، والحد لا يدخل في المحدود (١).
وفي لفظ: "الغاية لا تدخل تحت المضروب له الغاية، إلا أن تكون غاية إخراج" (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما .
الغاية من معانيها: النهاية، والمسافة، والفائدة المقصودة.
ومفاد هاتين القاعدتين: أن النهاية حد - أي مانع عن التجاوز، والحد لا يدخل في المحدود، أي أن نهاية الشيء لا تدخل فيه - إذا كان بعضه متصلاً ببعض - وهو المراد بقولهم: المضروب له الغاية.
وينظر القاعدة الثانية والثمانون من قواعد حرف الحاء.
ولكن خرج عن ذلك ما كان غاية للإخراج فإنه تدخل الغاية فيه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما .
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣)، فالليل غاية وهو غير داخل في الصوم، ومنها قوله تعالى كذلك: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
стр. 2416
الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١)، ومنها قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٢)، فما بعد حتى غاية؛ لأن حتى حرف غاية وجر.
ومنها: إذا قال: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، لم يدخل الحائطان في البيع (٣).
ومنها: إذا قال لدائنه، لأقضيَّن دَينَك إلى يوم الخميس، فلم يقض حتى طلع الفجر من يوم الخميس، حنث في يمينه؛ لأنه جعل يوم الخميس غايه، والغاية لا تدخل.
رابعاً: ما استثنى من مسائل هاتين القاعدتين:
دخول المرافق والكعاب في وجوب الغسل في الوضوء مع أنهما غاية، ولكن لما كانت الغاية هنا غاية إخراج دخل المرافق والكعاب؛ لأن المقصود إخراج ما بعدهما من وجوب الغسل، وقد ثبت دخول المرافق والكعاب في الغسل بالفعل والإجماع.
ومنها: إذا قال: أنت طالق من واحدة إلى ثنتين يقع الطلاق واحدة في الأصح (٣).
стр. 2417
القاعدة السادسة [الغبن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الغبن المثبت للخيار ما يخرج عن العادة (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الغبن: الخداع والنقص، ومنه: غبنه في البيع: خَدعه، وغَبِنَ رأيه: نقصه (٢).
وفي الاصطلاح: هو بيع الشيء بأقل أو شراؤه بأكثر، جهلاً أو تفريطاً (٣).
وهو نوعان: غبن يسير، وغبن فاحش.
ومفاد القاعدة: أن الغبن يثبت الخيار للمشتري أو البائع المغبون، وذلك إذا كان الغبن فاحشاً، وطريق معرفة الفاحش من اليسير هو عادة الناس في تعاملهم فما رأوه فاحشاً أثبت الخيار، وما لا فلا. وعند الحنفية: إن الفاحش ما لا يدخل تحت تقويم المقومين. أي يختلفون في تقويمه - أي بيان قيمته - اختلافاً كبيراً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
باع سلعة بألف، وهي تساوي عند التقويم ألفاً وخمسمائة، فهذا غبن
стр. 2418
فاحش، يثبت للبائع خيار الغبن.
ومنها: إذا دخل السوق واشترى سلعة بألف، تم تبين أنها لا تساوي إلا ثمانمائة، فهذا غبن فاحش يثبت له الخيار، ولكن إذا تبين أنها تساوي تسعمائة وخمسين مثلاً أو تسعمائة وسبعين، فهذا غبن يسير يتغابن به الناس، فلا يثبت له فيها خيار الغبن.
ومنها: وكَّل رجلاً في بيع سيارة - مثلاً - ولم يحدد لها ثمناً، فباعها الوكيل بأقل من ثمن المثل مما يتغابن الناس به صح البيع ولا ضمان على الوكيل؛ لأن ذلك لا يضبط غالباً.
стр. 2419
القاعدة السابعة [الغرر اليسير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الغرر اليسير إذا احتمل في العقد لا يلزم منه احتمال الكثير (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
الغرر: هو الخَطَر. والغرر اليسير: هو ما شأن الناس التسامح فيه.
وبيع الغرر: هو بيع ما لم يعلم وجوده وعدمه، أو لا يعلم قلته أو كثرته، أو لا يقدر على تسليمه (٢).
فمفاد القاعدة: أن القليل أو اليسير من الغرر محتمل في العقد، ولكن لا يلزم من احتمال القليل احتمال الكثير، فالكثير من الغرر يفسد العقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا باع أو اشترى بشرط أن يحمله البائع إلى محل المشتري، أو أن يأتي المشتري بكفيل، فالبيع جائز والشرط صحيح. أما لو شرط أكثر فالعقد باطل إذا كانت هذه الشروط ليست من مقتضى العقد (٣).
ومنها: إذا باعه سمكاً في ماء. فإن كان السمك في بركة يصعب فيها اصطياده على المشتري فالعقد باطل؛ لأن هذا غرر كثير. ولكن إن كان السمك في ماء في طست أو في جَرَّة. فالعقد صحيح؛ لأن السمك يسهل
стр. 2420
اصطياده فيها، وهو مرئي واضح.
ومنها: إذا باعه طيراً، فإذا كان الطائر فوق الشجرة، وإذا دعاه لا يجيبه فالعقد فاسد، ولكن إذا كان مما لو دعي أجاب أو كان في قفص فالبيع صحيح.