ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أفضل المواضع للصلاة عند الشافعي ﵀ داخل الكعبة، لكن إذا كانت الجماعة خارجها كانت مع الجماعة أفضل؛ لأن الجماعة فضيلة تتعلق بنفس أو هيئة العبادة وهي الصلاة، وداخل الكعبة فضيلة تتعلق بمكانها وموضعها.
ومنها: صلاة النفل في بيت الإنسان أفضل منها في المسجد - مع شرف المسجد -؛ لأن فعلها في البيت فضيلة تتعلق بها، فإنه سبب لتمام الخشوع والإخلاص وأبعد من الرياء والإعجاب.
ومنها: الصلاة المفروضة جماعة في المساجد أفضل منها في البيوت فلو لم يكن في المساجد جماعة وحصلت له الجماعة في البيوت كانت أفضل منها.
стр. 2487
القاعدة الثامنة والعشرون [الفِطَر السليمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الفِطَر السليمة لا تتفق على الكذب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الفِطَر جمع فِطرة: والفطرة هي الصفة التي يتصف بها كل موجود في أول زمان خِلْقَتِه. ومنه الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة" (٢). والمراد بها في الحديث الإِسلام، وهو صفة الخلق جميعاً عند ولادتهم؛ فإنه فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره.
والفطرة أيضاً الطبيعة السليمة التي لم تُشَب بعيب.
فمفاد القاعدة: أن الجبلة السليمة والفطرة المستقيمة لا يمكنها أن تتفق على الكذب في أمر من الأمور - وبخاصة الديني منها - لأن الكذب مناف لتلك الفطرة، وإنما يكذب مَن كان في فطرته عوج أو انحراف.
стр. 2488
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأخبار المتواترة يحصل بها العلم اليقيني حيث لا تواطؤ على الكذب؛ لاختلاف المخبرين وتباعدهم واختلاف ثقافاتهم واتجاهاتهم.
стр. 2489
القاعدة التاسعة والعشرون [فعل العجماء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
فعل العجماء جبار (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أصل هذه القاعدة حديث "العجماء جرحها جبار" (٢).
العجماء: المراد بها الدابة، وسميت عجماء لأنها لا تفصح.
وجبار: هدر.
ومفاد القاعدة: أن البهيمة تنفلت فتتلف شيئاً، فهو هدر، وكذلك المعدن - أي المنجم - إذا انهار على أحد فدمه جبار، أي هدر.
وقد سبق بيان هذا الحديث وتخريجه في قواعد حرف الجيم تحت رقم ١٠.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل اشترى شاتين فنطحت إحداهما الأخرى - قبل القبض - فهلكت، خير المشتري بين أن يأخذ الباقية بحصتها من
стр. 2490
الثمن أو يترك.
ومنها: لو اشترى حمارا وشعيرا فأكل الحمار الشعير - قبل القبض - فالمشتري كذلك مخير بين أن يأخذ الحمار بحصته من الثمن أو يترك، أما إذا كان الحمار بثمن محدد، والشعير بثمن محدد، فهو يأخذ الحمار بثمنه المتفق عليه قبل أكله الشعير.
ومنها: وإذا باع حمارا بشعير بعينه فلم يتقابضا حتى أكل الحمار الشعير ينفسخ البيع، ولا يكون البائع مستوفيا الثمن لأن فعل الحمار هدر غير مضمون فيصير الشعير هالكا قبل القبض كما لو هلك بآفة سماوية فينفسخ البيع.
стр. 2491
القاعدة الثلاثون [النية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
فعل الغير تمتنع النية فيه (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النية: هي القصد المؤكد لإرادة الفعل، وهي أمر قلبي.
فمفاد القاعدة: إن الإنسان لا يمكنه أن ينوي فعل غيره، ففعل الغير تتعلق نيته بذلك الغير. فكل إنسان لا يمكنه أن ينوي إلا فعل نفسه؛ لأن النية مخصصة للفعل ببعض جهاته، من الفرض والنفل وغير ذلك من رتب العبادات وأنواعها، وذلك متعذر على الإنسان في فعل غيره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يمكن لإنسان أن ينوي صلاة غيره، ولا حجه، ولا صومه.
ومنها: من أراد أن يقتل، فلا يمكن لغيره أن ينوي عنه نية القتل.
стр. 2492
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
مَن وُكّل في إخراج زكاة فله أن ينوي بها عن الموكل.
ومنها: مَن وُكِّل في ذبح أضحية فهو ينويها عن موكله.
والأصل جواز التوكيل في النية إذا اقترنت بفعل.
ولذلك جازت النيابة في الحج للمعضوب. أي غير القادر على الحج لمرض مزمن.
стр. 2493
القاعدتان الحادية والثانية والثلاثون [فعل القاضي، وأمره]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
فعل القاضي حكم كأمره (١).
وفي لفظ: أمر القاضي حكم (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
القاضي يحكم فيما يعرض عليه من دعاوى، وحكمه أن يظهر حكم الشرع فيما يعرض عليه، ثم يأمر بإحقاق الحق وإعطائه لصاحبه.
فمفاد هاتين القاعدتين: أن الأولى تفيد أن حكم القاضي لا يقتصر على النطق بل إن فعله وتصرفه لصالح أحد المدعيين يعتبر حكماً منه.
وأن الثانية تفيد أن أمر القاضي لغيره بتصرف ما يعتبر أيضاً حكماً منه.
стр. 2494
فإذاً أنواع الأحكام التي تصدر عن القضاء ثلاثة: نطق بالحكم، فعل وتصرف، أمر.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا سلم القاضي العقار المحدود إلى المدعي - أو المدعى عليه - كان ذلك حكماً منه بإثبات الحق فيه لمن سلَّمه إليه.
ومنها: إذا باع القاضي ما وقفه المريض في مرض موته - بعد موته - باعه لغرمائه وليس له مال غيره فيعتبر ذلك حكماً منه بإبطال الوقف.
ومنها: أن يأمر الغاصب برد المغصوب على صاحبه. فيعتبر أمره حكم.
ومنها: إذا أوقع الطلاق أو الفرقة كان ذلك حكماً منه.
стр. 2495
القاعدة الثالثة والثلاثون [فعل المأمور]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
فعل المأمور بأمره كفعل الآمر بنفسه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل أن كل إنسان يحاسب على فعل نفسه لا على فعل غيره، فمن أمر غيره بإتلاف مال آخر كان الضمان على المتلف لا على الآمر، لأن القاعدة تقول "الآمر لا يضمن بالأمر" (٢). ولكن قاعدتنا هذه تعتبر بيانا لأمر آخر.
فمفادها: أن فعل المأمور بأمر الآمر كفعل الآمر بنفسه، فيكون الضمان في هذه الصورة على الآمر، فهذه القاعدة تعتبر استثناء من القاعدة السالفة الذكر. لأن الضمان على الآمر لا على الفاعل المأمور في صور يكون المأمور فيها مجبرا أو مكرها من الآمر.
стр. 2496
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان الآمر سلطاناً، أو له سلطة قوية على المأمور فيكون فعل المأمور كفعل الآمر بنفسه فيكون الضمان على الآمر.
ومنها: إذا كان الآمر أباً للمأمور أو سيداً له فالضمان عليه.
ومنها: أن يكون المأمور صغيراً لا يعقل فالضمان على الآمر.
ومنها: إذا أُسِرَ الحر من المسلمين أو من أهل الذمة فقال لمسلم أو ذمي مستأمن فيهم: افتدني من أهل الحرب، أو اشترني منهم، ففعل ذلك وأخرجه إلى دار الإسلام فهو حر، والمال الذي فداه به دين له على الآمر، فكأنه استقرضه منه فيجب عليه أداؤه؛ لأنه أحياه بما أدى من المال حكماً، فهو كما لو أن الآمر فدى نفسه بنفسه.
стр. 2497
القاعدتان الرابعة والخامسة والثلاثون [فعل المسلم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
فعل المسلم محمول على الصحة والحل ما أمكن (١).
وفي لفظ: فعل المسلم محمول على الصحة ما أمكن على ما هو الأفضل (٢).
وفي لفظ: فعل المسلم محمول على ما يحل شرعاً (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
من باب حسن الظن بالمسلم، وأنه لا يفعل فعلاً إلا ويراقب الله ويراعي أحكام شرعه، فإن فعل المسلم أو قوله أو تصرفه يجب أن يحمل على الصحيح من العقود، وعلى ما يحل من الأقوال والأفعال، ما أمكن ذلك.
стр. 2498
ولا يجوز أن يحمل على غير الصّحّة وغير الحل إلا إذا وجدت قرائن قوية تؤيد ذلك الظن. وينظر القاعدة ٢٨٧ من قواعد حرف الهمزة. وقواعد حرف التاء رقم ١٠٤.
وقواعد حرف الحاء رقم ١٢١.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا عقد مسلم عقد بيع أو عقد نكاح فإن هذا العقد يحمل على الصحة ما أمكن، فإذا ادعى أحد فساد العقد فعليه البينة؛ لأن الأصل في العقود الصحة.
ومنها: إذا رأينا إنساناً يبيع متاعاً أو سلعة فيجب أن نحمل ذلك على أن ما يبيعه هو ملكه أو وكيل في بيعه، وليس لنا أن نتهمه بأنه سارق وأن المتاع مسروق، إلا إذا قامت بيِّنة أو شبهة قوية على ذلك.
стр. 2499
القاعدة السادسة والثلاثون [فعل المضمون]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
فعل المضمون كفعل الضمان في استحقاق موجَبِه عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الضامن: اسم فاعل مِن ضَمِن يَضمن، وهو مَن يجب عليه أداء قيمة المتلَف إذا أتلفه. والضامن: هو الغارم والكفيل.
والمضمون: اسم مفعول مِن ضُمِن يُضْمَن، وهو ما وقع عليه ضمان الضامن كالمال المتلَف، فهو مضمون على الضامن. وقد يكون المضمون إنساناً أو حيواناً.
فمفاد القاعدة: أن المضمون - إذا كان إنساناً كعبد رقيق، أو حيواناً - فَعَيَّب نفسه بفِعله - فعند أبي حنيفة ﵀ أن الضمان - ضمان النقصان أو ضمان القيمة - يقع على الضامن، صاحب العبد أو الدابة، فكأن التلف حصل من فعل الضامن فيجب عليه قيمة المتلَف أو أرش النقصان.
стр. 2500
وعند غير أبي حنيفة يعتبر كأنما أُتلِف أو تعيب بآفة سماوية، فلا ضمان على الضامن.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أصدق رجل امرأة صداقاً - أي مهراً - عبداً أو ثوراً أو جملاً، ثم قبل أن تقبضه حدث عيب فيه، وكان حدوث العيب من فعل الصداق نفسه - وهو قبل القبض مضمون على الزوج بقيمته - كأن قطع العبد يد نفسه أو فقأ عين نفسه، أو تردى الثور أو الجمل في حفرة فكسرت ساقه، فهل هذا الصداق مضمون على الزوج؟ عند أبي حنيفة ﵀ نعم. فكأن الزوج هو الذي أوقع فيه العيب، فللزوجة الخيار إما أن تطلب قيمة الصداق - العبد أو الثور أو الجمل - صحيحاً، أو تأخذه وتُضَمِّن الزوج النقصان. وعند غير أبي حنيفة لا شيء على الزوج، فالزوجة إما أن ترجع على الزوج بقيمة الصداق يوم تزوجها، وإن شاءَت أخذت المعيب ولا شيء لها من ضمان النقصان.
стр. 2501
القاعدتان السابعة والثامنة والثلاثون [الفعل - القول]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الفعل أقوى من القول (١).
وفي لفظ: الفعل هل يقوم مقام القول (٢)؟.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان تتعلقان بالأسباب الموجبة لأحكامها، من حيث إنها تنقسم إلى قسمين: أسباب قولية، وأسباب فعلية.
فالأسباب القولية كالإيجاب والقبول في العقود، والإباحة القولية والإذن اللفظي وغير ذلك.
وأما الأسباب الفعلية فمنها ما يقوم مقام القول، بل إن القاعدة الأولى صريحة في أن السبب الفعلي أقوى من السبب القولي.
والقاعدة الثانية: تشير إلى أن قيام الفعل مقام القول محل خلاف.
ثانياً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
стр. 2502
تقديم الطعام للضيف ووضعه بين يديه يقوم مقام الإذن القولي في إباحة التناول.
ومنها: إرسال الهدية إلى المُهدى إليه إذا قبلها ملكها بمجرد ذلك في الصحيح.
ومنها: إعطاء الفقير صدقة تطوعاً، لا يشترط القبول القولي.
ومنها: بيع المعاطاة. وإن كان عند الشافعية لا يجوز إلا في الأشياء الدنيئة.
ومنها: إن المجنون والسفيه إذا أعتقا جارية لهما لا ينفذ عتقهما - لأنهما محجوران عن التصرفات القولية - ولكن إذا أحبل أحدهما جاريته واستولدها ثبت الولد، وأصبحت الجارية أم ولد له تعتق بموته.
ومنها: المريض في مرض الموت إذا كان ماله مستغرقاً بالديون وله جارية لا يصح عتقه لها - لحق الغرماء - لكن إذا استولدها في هذه الحالة صح الاستيلاد. فكان الفعل أقوى من القول.
стр. 2503
القاعدة التاسعة والثلاثون [الفعل القلبي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الفعل القلبي لا يحكم بوجوده إلا إذا ظهر على الجوارح (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الفعل القلبي - من نيَّة أو اعتقاد أو هم - غيْبٌ عن غير صاحبه، فلا يمكن لغيره الحكم بوجوده إلا إذا ظهر وبان على جوارح وأعضاء ذلك الإنسان بفعل خارجي دال على ما في القلب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الإيمان بالله أمر قلبي، لا يمكن الاطلاع عليه، لكن إذا وجدنا الرجل يصلي أو يذكر الله بلسانه حكمنا بإسلامه، ما لم يظهر منه خلاف ذلك.
ومنها: نية الفعل - أي فعل - لا يمكننا الاطلاع عليها ولا معرفتها، ولكن إذا رأينا ذلك الإنسان عمل عملاً بجوارحه متعمداً حكمنا عليه أنه كان قد نواه قبل الفعل.
ومنها: مَن حلف بالطلاق أن لا يعادي فلاناً من الناس،
стр. 2504
فعاداه وأصر على ذلك في قلبه ولم يظهر على لسانه منه شيء ولا على شيء من جوارحه - بل كان كل منها محفوظاً - فإنه لا يحنث في يمينه ولا يقع طلاقه.
ومنها: إذا تزوج امرأة أخرى وكان قال لزوجته الأولى: إن دخلت عليك من ذلك غَيرَة فأنت طالق، فدخل عليها غيرة في قلبها ولم تتكلم ولم تَلِجَّ ولم تخبر بأنها حصل لها غَيْرة، فإنها لا تطلق؛ لأن ما في القلب لا يمكن التحرز عنه.
стр. 2505
القاعدة الأربعون [الفعل العدوان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الفعل الذي هو عدوان واجب الفسخ شرعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العدوان: هو الاعتداء، وفعل ما لا يحل شرعاً، وهو تجاوز المقدار المأمور بالانتهاء إليه والوقوف عنده.
ومفاد القاعدة: أن الفعل المخالف للشرع بتجاوزه لما لا يحل يجب فسخه وإبطاله شرعاً؛ لأنه ظلم والظلم يجب إزالته وإزالة آثاره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أخذ مال غيره من غير حق ظاهر يكون عدواناً فيجب إزالته ورد المال لصاحبه، إلا أن يقيم الآخذ البينة على أنه أخذ حقه.
стр. 2506
القاعدة الحادية والأربعون [الفعل المباح]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الفعل متى كان مباحاً لا يصير ذلك سبباً موجباً للدية ولا الكفارة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة وإن كانت خاصة بالأفعال التي توجب الدية أو الكفارة - كالقتل الخطأ مثلاً - لكنها ذات مدلول عام.
فمفادها: أن الفعل الذي يقوم به المكلف إذا كان مباحاً ومأذوناً به شرعاً - وإن تسبب عنه ضرر أو موت - فإن ذلك الفعل لا يصير سبباً موجباً للدية ولا للكفارة ولا التعويض عموماً - والمراد أن فاعل ذلك الفعل لا يترتب على فعله حق للعباد ولا حق لله تعالى -؛ لأن الإذن الشرعي ينافي الضمان للبشر كما أنه ينفي الإثم عن الفاعل.
ولكن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يشترط مع الإذن الشرعي السلامة.
стр. 2507
وهذه القاعدة بمعنى القاعدة السابقة في قواعد حرف الهمزة ذات الرقم ٤٤٧ القائلة: "الإذن الشرعي ينافي الضمان" أو "الجواز الشرعي ينافي الضمان" (١).
ومفادها: أن الإنسان لا يؤاخذ بفعل ما يملك أن يفعله شرعاً؛ لأن إذن الشارع يمنع المؤاخذة ويدفع الضمان إذا وقع بسبب الفعل المباح ضرر للآخرين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا عالج طبيب مختص مريضاً وقام بعمل جراحة له ليزيل وَرَماً أو غيره، ثم مات المريض، فإن الطبيب لا يتحمل الدية ولا كفارة عليه؛ لأنه فعل أمراً مباحاً مأذوناً فيه.
ومنها: مَن قتل امرأة أو شيخاً فانياً أو صبياً أو مجنوناً من أهل الحرب قبل وجود القتال منهم، فلا كفارة على المسلم القاتل ولا دية - وإن كان مسيئاً -؛ لأن المقتول لا عصمة لدمه، ولا تَقَوُّم له؛ لأن العصمة والتقوم إنما تكون بالدين أو بالدار ولم يوجد واحد منهما.
ومنها: إذا وجد المسلمون في صف المشركين قوماً من المسلمين معهم الأسلحة، ولا يدرون أمكرَهون هم على ذلك أم غير
стр. 2508
مكرهين، ثم رأوهم قد سلُّوا السيوف أو أطلقوا النار فقتل رجل من المسلمين رجلاً منهم، ثم قامت البينة من المسلمين أن أهل الحرب أخرجوه مكرهاً، فلا دية على عاقلة القاتل ولا كفارة؛ لأنه قتل شخصاً كان قتله حلالاً لوجوده في صف المشركين المقاتلين. وإراقة الدم المباح لا توجب دية ولا كفارة.
ومنها: إذا أحرق المسلمون سفينة من سفائن المشركين أو أغرقوها وفيها ناس من المسلمين فليس على المسلمين في ذلك دية ولا كفارة؛ لأنهم باشروا فعلاً هو حلال لهم.
ومنها: إذا نسف المسلمون بسيارة ملغّمة أو بتفجير أحدهم سوقاً أو حيّاً للكفار من يهود أو غيرهم، وفيه مسلمون فقتل بعضهم، فكذلك لا دية ولا كفارة على القاتلين، كما لو تترس الكفار بأطفال المسلمين.
стр. 2509
القاعدة الثانية والأربعون [الفعل الجمعي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الفعل المضاف إلى جماعة بعبارة الجمع يقتضي الانقسام على الأفراد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالفعل المضاف إلى جماعة بعبارة الجمع: أن يسند الفعل إلى ضمير الجماعة المخاطبين أو الغائبين أو المتكلمين، فحينئذ يجب انقسام الناتج على الأفراد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا برز عشرة من المشركين لقتال المسلمين، فقال الأمير لعشرة من المسلمين: إن قتلتموهم فلكم أسلابهم. فقتل كل رجل رجلاً منهم، استحق كل قاتل سلب قتيله خاصة. وكأنه قال: مَن قتل قتيلاً فله سلبه.
ومنها: إذا قال: أعط هذه العشرة الدراهم لهؤلاء العشرة المساكين. فإنه يعطي كل مسكين درهماً.
стр. 2510
ومنها: إذا قيل: ركب القوم دوابهم. فيفهم منه أنّ كلّ واحد منهم ركب دابته.
ومنها: إذا قلنا: قمنا فلبسنا ثيابنا. فالمراد أنه لبس كل واحد منا ثوبه.
стр. 2511
القاعدة الثالثة والأربعون [فعل المنهي عنه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
فعل المنهي عنه ناسياً لا يفسد العبادة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بشيء من أحكام النسيان، فالأصل في الناسي أنه مرفوع عنه الإثم فيما فعله حال نسيانه، لكن لا يرفع عنه ضمان المتلف من حقوق العباد.
فمفاد القاعدة: أن مَن فعل فعلاً منهياً عنه - من حقوق الله تعالى - في صلاته أو صيامه أو حجه ناسياً أنه في صلاة أو صوم أو حج، فإن الحكم الشرعي الذي تفيده هذه القاعدة هو عدم فساد تلك العبادة؛ لأن العبادة لا يفسدها إلا فعل منهي عنه عمداً. والفروع وقع في بعضها الخلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن تكلم في صلاته ناسياً أنه في صلاة فصلاته صحيحة. لكن عند الحنفية بطلت صلاته.
стр. 2512
ومنها: مَن أكل أو شرب أو جامع حال صيامه ناسياً صومه فإن صومه صحيح عند الجمهور في الأكل والشرب ولا إثم عليه، غير أن مالكاً ﵀ يوجب عليه القضاء. واختلفوا في جماع الصائم الناسي (١).
ومنها: لو غطى رأسه أو مس طيباً حال إحرامه ناسياً فلا شيء عليه إذا أزال الغطاء وأثر الطيب عند تذكره.
стр. 2513
القاعدة الرابعة والأربعون [الفقر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الفقر في الناس أصل (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن الله خلق الناس وأخرجهم من بطون أمهاتهم لا يملكون شيئاً، فهم في الأصل فقراء، ثم يغني الله مَن شاء منهم. فالفقر أصل، والغِنى عرض طارئ. ولذلك قلّ الأغنياء وكثر الفقراء للابتلاء. الأغنياء بالشكر والفقراء بالصبر. ودليل هذه القاعدة قوله ﷺ : "يولد كل مولود أحمر ليس عليه غبرة - أي سترة - ثم يرزقه الله من فضله" (٢).
стр. 2514
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يولد الإنسان لا يملك شيئاً من الدنيا - إلا إذا مات مورثه قبل ولادته، فهو غني بالميراث المتروك -؛ لأن المال والغنى إنما يصير للإنسان بجهده وعمله واكتسابه في هذه الحياة الدنيا - بعد تقدير الله له الغنى - فمن الناس مَن يبقى على الأصل فقيراً مهما جهد في حياته وهو الذي قُدِر عليه رزقه. ومنهم مَن يغتني ولو لم يجهد وهو الذي بسط الله له في رزقه.
ومنها: إذا اختلف الزوج والمرأة في مقدار النفقة، فقال الزوج: أنا فقير، وقالت الزوجة: بل هو غني. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأنه متمسك بالأصل، وعلى الزوجة البينة والإشهاد علىٍ غناه؛ لأنها متمسكة بأمر عارض.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
من التزم دَيناً بعقد اختياراً كالمهر ودَين الكفالة ثم ادعى الفقر لا يقبل منه، أو كان وجوب الدين عليه لبيع أو قرض لم يقبل قوله إنه فقير؛ لأنه صار غنياً بما دخل في ملكه من المال وبما التزمه. فدعوى الفقر لا تقبل منه في هذه الحال.
стр. 2515
القاعدة الخامسة والأربعون [فوات الجزء]
اولاً: لفظ ورود القاعدة:
فوات الجزء معتبر بفوات الكل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
فوات الشيء: زواله. من فات يفوت إذا زال وعدم.
فمفاد القاعدة: أن زوال جزء من الشيء عند الحكم معتبر ومقيس على زوال كله في الضمان وعدمه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع رجل من آخر ثوبين على أن البائع بالخيار يلزمُه أيهما شاء بعشرة، ويرد الآخر، فتعيب أحد الثوبين عند المشتري - بغير فعله - فإن البائع على خياره، ولكنه لا يأخذ من قيمة المعيب شيئاً؛ لأنه لو هلك أحدهما فليس للبائع أن يلزم المشتري بالهالك، فهو يهلك على ضمان البائع - لأن الثوب أمانة عند المشتري - ما دام الخيار للبائع - فكذلك لو تعيَّب في يد المشتري بغير فعله. فإن نقض البائع البيع أخذ الثوب الصحيح والمعيب، ولم يُضَمِّن المشتري شيئاً من نقصان العيب الحادث قياساً على هلاك الثوب كله
стр. 2516
إذا هلك؛ لأن فوات الجزء معتبر بفوات الكل.
ومنها: إذا أودع شخص آخر وديعة ذات أجزاء - مثل كتاب له أجزاء عدة - فتلف بعض الأجزاء عند المودَع بغير تعَدٍّ منه أو تقصير، فلا ضمان عليه؛ لأن الوديعة أمانة غير مضمونة سواء هلكت كلها أو جزؤها.
ومنها: إذا اغتصب شيئاً فعيَّبه، فعليه ضمان نقصانه, لأنه لو أتلفه كله أو استهلكه فعليه ضمانه كله فكذلك جزؤه وبعضه.
стр. 2517
القاعدتان السادسة والسابعة والأربعون [فوات الشرط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
فوات شرط الشيء كفوات ركنه في امتناع العمل به (١).
وفي لفظ: فوات الشرط يقتضي عدم المشروط (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان متفقتان في دلالتهما، وإن اختلف لفظاهما.
ومفادهما: أن فقدان شرط صحة من شروط الشيء ينتج عنه عدم المشروط؛ لأن المشروط يترتب وجوده على وجود شرطه، وكما سبق "إن الشك في الشرط مانع من ترتب المشروط" (٣) فبالأولى أن ينعدم المشروط إذا عدم شرط من شروطه، ففوات شرط الشيء في امتناع وجود مشروطه مثل
стр. 2518
فوات ركن الشيء في عدم وجوده وامتناع العمل به.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
الدعوى شرط للعمل بالبينة، والإنكار شرط آخر، ولا يتم القضاء إلا بهما، فإذا لم توجد الدعوى لم تقبل البينة، وكذلك إذا كان المدعى عليه مقرا غير منكر فلا تقبل الدعوى ولا البينة ولا يقضي القاضي بها - أي بالبينة.
ومنها: إذا انتقضت طهارة المصلي بطلت صلاته، كما لو ترك منها ركنا كالركوع أو السجود عمدا، أو ترك القراءة أو القيلم مع القدرة.
وكذلك لو ترك الاستقبال أو ستر العورة مع القدرة.
ومنها: إذا حلف ليقتلن فلانا، فوجده ميتا - وهو لا يعلم - فلا يحنث في يمينه؛ لأن شرط الحنث إمكان فعل المحلوف عليه عادة أو عرفا، وما حلف عليه متعذر ومستحيل عقلا وعادة فلا يحنث. لكن عند أبي يوسف ﵀ يحنث؛ لأن عنده اليمين تنعقد على محلوف عليه مستقبلا أمكن أو لم يمكن.
ومنها: إن حلف ليضربن زوجته إلى سنة فماتت قبل السنة. لا يحنث في يمينه وهو على بر، فالمتعذر عقلا أو عادة لا يوجب حنثا.
стр. 2519
القاعدة الثامنة والأربعون [فوات القبض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
فوات القبض إذا طرأ بهلاك المعقود عليه قبل التسليم كان مبطلاً للعقد، فكذلك إذا اقترن بالعقد منع انعقاده (١).
ثانياً: معنى هده القاعدة ومدلولها:
من شروط صحة العقد قبض المعقود عليه - سواء في ذلك المبيع أو الثمن - إلا في عقد السلم. فإن المسلم فيه لا يشترط تسليمه أو قبضه عند العقد، وإنما شرطه التأجيل.
ومفاد هذه القاعدة: أنه إذا تعذر تسليم المعقود عليه بطل العقد، وذلك يحصل بهلاك المعقود عليه سواء كان هلاكه مقترناً بالعقد أو قبل التسليم، فيبطل العقد ولا يترتب عليه أثر من آثاره.
ثالثاً: من أمثلة هده القاعدة ومسائلها:
العبد الآبق لا يجوز شراؤه ولا بيعه لتعذر تسليمه.
ومنها: إذا باع سيارة وقبل أن يتسلمها المشتري وقع لها حادث فهلكت، فقد بطل العقد ويسترد المشتري الثمن.
стр. 2520
ومنها: إذا عقدا بينهما عقد شركة على مال لكل منهما، وقبل خلط المالَين هلك مال أحدهما، فيبطل العقد بينهما لتعذر قيام الشركة بمال أحدهما دون الآخر.
ومنها: إذا عقد على امرأة عقد نكاح وقبل تمام العقد هربت الزوجة فيمتنع العقد.
стр. 2521
القاعدة التاسعة والأربعون [إطلاق الاسم - العرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في إطلاق الاسم اعتبار العرف (١). تحت قاعدة "العادة محكَّمة".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بأثر العرف والعادة في كلام الناس وبناء الأحكام على ما يتعارفونه ويعتادونه بينهم في بلادهم ومواطنهم.
فمفادها: أن العرف له حاكميَّته وأثره في دلالة ألفاظ الناس وما يتكلمون به على معانيها المتعارفة بينهم - لا على معانيها اللغوية - وبخاصة في باب الأَيْمانِ.
وهي بهذا تندرج تحت قاعدة - العادة محكَّمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف ليركبن دابة - والمتعارف بينهم أن لفظ الدابة لا يطلق إلا على الحمار أو الفرس خاصة - فلا يحنث إلا بركوب أحدهما فقط، فلو ركب بقرة أو جملاً فلا يحنث. مع أن دلالة لفظ الدابة في اللغة على كل ما يدبّ على الأرض ويمشي عليها.
стр. 2522
ومنها: إذا حَلَف لينحَرنَّ بَدَنةً - وهو من أهل الإبل - فلا يجزئه إلا ناقة أو جمل. وإذا كان من أهل البقر - ولا يعرف الإبل - فلا يجزئه إلا بقرة.
ومنها: إذا اشترط المسلمون على المشركين أن يعطوهم الكراع مع السلاح - فالكراع اسم الخيل والبغال والحمير - فأما الإبل والبقر والغنم فليس من الكراع بل من الأنعام والماشية. والكراع ما يكون لمنفعة الركوب خاصة.
وإن اشترطوا الماشية لم يدخل في ذلك الخيل والبغال والحمير.
стр. 2523
القاعدة الخمسون [التبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في اعتبار الأصل اعتبار التَّبَع (١). تحت قاعدة "التابع تابع".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة مثيلات.
ومفادها: أننا إذا اعتبرنا الأصل واعتددنا به في شيء ما فيكون في ذلك اعتبار التابع والفرع أيضاً؛ لأن التابع لغيره في الوجود تابع له في الحكم. كما سبق بيانه (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع بقرة أو شاةً أو ناقةً حاملاً، دخل حملها في البيع تبعاً. فإذا كان العقد في الأصل صحيحاً صح في التبع أيضاً، وإذا فسد العقد في الأصل فسد في التبع كذلك.
ومنها: إذا قُتِل العبد خطأ كان على قاتله الدية لحرمة قتل النفس، فنفس العبد كنفس الحر، فإذا كانت نفس الحر أصلاً فنفس
стр. 2524
العبد تبع فيجب فيها ما يجب في نفس الحر من الدية - ولكن تنقص عن دية الحر عشرة دراهم - وذلك قول ابن مسعود ﵁. وعند الفقهاء خلاف في الواجب بقتل العبد: هل هو الدية ناقصة عن دية الحر - كما هو رأي الحنفية. أو هو ضمان قيمته بالغة ما بلغت ولو زادت عن دية الحر؟ وهو رأي الآخرين. إلا رواية عن أحمد ﵀ لا يبلغ به دية الحر (١).
والسبب في الخلاف هو الاختلاف في قياس العبد على الحر أو على الدابة، وهو من القياس المسمى قياس الشّبه عند الأصوليين.
стр. 2525
القاعدة الحادية والخمسون [البدل المفيد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في الأموال، البدل المفيد عامل في الإباحة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالأموال: التصرفات التي يكون ضمان نتائجها المال.
وقد سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الباء
وينظر القاعدتان ١٤، ١٩ منها.
والمراد بالبدل المفيد: هو الإذن في الفعل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال شخص لآخر: حطِّم بابي هذا أو زجاجي وكَسِّره، ففعل، فهو غير ضامن؛ لأن الإذن يعتبر بدلاً مفيداً لإباحة الفعل.