القاعدة التاسعة والأربعون [إطلاق الاسم - العرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في إطلاق الاسم اعتبار العرف (١). تحت قاعدة "العادة محكَّمة".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بأثر العرف والعادة في كلام الناس وبناء الأحكام على ما يتعارفونه ويعتادونه بينهم في بلادهم ومواطنهم.
فمفادها: أن العرف له حاكميَّته وأثره في دلالة ألفاظ الناس وما يتكلمون به على معانيها المتعارفة بينهم - لا على معانيها اللغوية - وبخاصة في باب الأَيْمانِ.
وهي بهذا تندرج تحت قاعدة - العادة محكَّمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف ليركبن دابة - والمتعارف بينهم أن لفظ الدابة لا يطلق إلا على الحمار أو الفرس خاصة - فلا يحنث إلا بركوب أحدهما فقط، فلو ركب بقرة أو جملاً فلا يحنث. مع أن دلالة لفظ الدابة في اللغة على كل ما يدبّ على الأرض ويمشي عليها.
стр. 2522
ومنها: إذا حَلَف لينحَرنَّ بَدَنةً - وهو من أهل الإبل - فلا يجزئه إلا ناقة أو جمل. وإذا كان من أهل البقر - ولا يعرف الإبل - فلا يجزئه إلا بقرة.
ومنها: إذا اشترط المسلمون على المشركين أن يعطوهم الكراع مع السلاح - فالكراع اسم الخيل والبغال والحمير - فأما الإبل والبقر والغنم فليس من الكراع بل من الأنعام والماشية. والكراع ما يكون لمنفعة الركوب خاصة.
وإن اشترطوا الماشية لم يدخل في ذلك الخيل والبغال والحمير.
стр. 2523
القاعدة الخمسون [التبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في اعتبار الأصل اعتبار التَّبَع (١). تحت قاعدة "التابع تابع".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة مثيلات.
ومفادها: أننا إذا اعتبرنا الأصل واعتددنا به في شيء ما فيكون في ذلك اعتبار التابع والفرع أيضاً؛ لأن التابع لغيره في الوجود تابع له في الحكم. كما سبق بيانه (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع بقرة أو شاةً أو ناقةً حاملاً، دخل حملها في البيع تبعاً. فإذا كان العقد في الأصل صحيحاً صح في التبع أيضاً، وإذا فسد العقد في الأصل فسد في التبع كذلك.
ومنها: إذا قُتِل العبد خطأ كان على قاتله الدية لحرمة قتل النفس، فنفس العبد كنفس الحر، فإذا كانت نفس الحر أصلاً فنفس
стр. 2524
العبد تبع فيجب فيها ما يجب في نفس الحر من الدية - ولكن تنقص عن دية الحر عشرة دراهم - وذلك قول ابن مسعود ﵁. وعند الفقهاء خلاف في الواجب بقتل العبد: هل هو الدية ناقصة عن دية الحر - كما هو رأي الحنفية. أو هو ضمان قيمته بالغة ما بلغت ولو زادت عن دية الحر؟ وهو رأي الآخرين. إلا رواية عن أحمد ﵀ لا يبلغ به دية الحر (١).
والسبب في الخلاف هو الاختلاف في قياس العبد على الحر أو على الدابة، وهو من القياس المسمى قياس الشّبه عند الأصوليين.
стр. 2525
القاعدة الحادية والخمسون [البدل المفيد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في الأموال، البدل المفيد عامل في الإباحة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالأموال: التصرفات التي يكون ضمان نتائجها المال.
وقد سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الباء
وينظر القاعدتان ١٤، ١٩ منها.
والمراد بالبدل المفيد: هو الإذن في الفعل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال شخص لآخر: حطِّم بابي هذا أو زجاجي وكَسِّره، ففعل، فهو غير ضامن؛ لأن الإذن يعتبر بدلاً مفيداً لإباحة الفعل.
стр. 2526
القاعدة الثانية والخمسون [تحريم مال الغير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في تحريم المأخوذ من الغير في معاوضة أو ضمان ما أتلفه أو اغتصبه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بتعويض أو ضمان ما أتلفه المتلف أو غصبه الغاصب. فهل يجوز له أخذ هذا التعويض أو الضمان ممن عَلِم أن ما يعطيه له هو مال حرام؟
فمفاد القاعدة: أن المضمون له يحرم عليه أخذ مال الضمان أو التعويض من مال علم عَدَم حِلِّه من معطيه. وضابط الباب: أنه متى كان المأخوذ معلوم التحريم عند الآخذ باكتسابه إياه من جهة محرمة في اعتقادهما فإنه لا يحل له أخذه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أتلف إنسان مال آخر - كسيارة مثلاً - ثم جاء المُتلِف بمال يريد أن يعطيه صاحب المال المتلَف، وقال له: خذ هذا مال حرام أو من حرام. كسرقة أو ربا مثلاً - فإن صدقه المضمون له
стр. 2527
فلا يجوز أخذه منه. وإن لم يصدقه المضمون له جاز له أخذه، ولا يحرم عليه لعدم علمه بتحريمه.
ومنها: إذا قال الغاصب خذ ضمان ما غصبته منك وهو حلال، وقال المضمون له: بل هو حرام، ولم يبيِّن وجه التحريم بطريق، فإن المضمون له يجبر على القبض أو الإبراء.
ومنها: إذا علم المضمون له أن هذا المال من حرام كثمن خمر أو مسروق فلا يحل له أخذه، لكن إذا كان الضمامن ذمياً - والخمر غير محرمة عليه - فيحل للمضمون له أخذ هذا المال؛ لأن شرط التحريم أن يكون المأخوذ محرماً في اعتقادهما.
стр. 2528
القاعدة الثالثة والخمسون [الجناية على الأموال - الخيار]
اولاً: لفظ ورود القاعدة:
في الجناية على الأموال يثبت الخيار للمالك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجناية على الأموال تكون بإتلافها أو استهلاكها أو اغتصابها.
فمفاد القاعدة: أنه إذا وقعت جناية على مال شخص من شخص آخر، فإن المجني على ماله - وهو المالك - يثبت له الخيار في تضمين الغاصب أو المتلِف قيمة المتلف أو ضمان نقصانه إذا كانت الجناية قد أنقصته، أو مثله إن كان مثلياً، فإذا ضمَّنه قيمة المجني عليه مَلَكَهُ الجاني، وأمّا إذا ضمَّنه النقصان لم يخرج عن ملك المالك، وعلى الجاني رده لمالكه مع أرش نقصانه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن خَرَق ثوب إنسان خرقاً فاحشاً، فإن مالك الثوب مخيَّر بين أن يضمِّن الفاعل قيمة الثوب صحيحاً ويملكه، أو يضمنه ما نقص من قيمته ويرده إلى صاحبه.
стр. 2529
ومنها: مَن قطع قائمة أو قوائم دابّةٍ لغيره، فإن مالك الدابة بالخيار بين أن يضمنه قيمة الدابة صحيحة ويملكها، أو يضمنه ما نقص من قيمتها، ويردها.
стр. 2530
القاعدة الرابعة والخمسون [دعوى الملك - بيِّنة الخارج وذي اليد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في دعوى الملك تترجح بَيِّنة الخارج على بينة ذي اليد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دعوى الملك: هي الدعوى التي تتعلق بالأملاك كالدور والأراضي والعقار والحيوانات وغيرها من الأموال.
والمراد بالخارج: هو المدعي الذي لا يد له على المِلك المدّعى.
والمراد بذي اليد: الساكن في العقار إن كان داراً أو مَن يتصرف في الأرض بالزراعة والعناية إن كان العقار أرضاً أو بستاناً، أو راكب الدابة أو من بيده المال المتنازع عليه.
فمفاد القاعدة: أنه إذا تعارضت بيِّنة الخارج مع بيِّنة ذي اليد فإن بيِّنة الخارج هي الراجحة في القبول عند القضاء، والسبب في ذلك أن الخارج هو المحتاج إلى إثبات ما يدعيه على صاحبه والبيِّنة بيِّنة المثبت - والأصل أن البيِّنات للإثبات لا للنفي - وذو اليد منكر
стр. 2531
دعوى الخارج والمنكر يلزمه اليمين لأنه نافٍ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تخاصم اثنان في دابة، وأحدهما راكبها وكلاهما يدعيها، فإن البيِّنة المقبولة الراجحة هي بيِّنة الخارج؛ لأنه هو المحتاج لإثبات ما يدعيه على خصمه، فإن لم يكن للخارج المدعي بيِّنة كان له أن يستحلف الذي في يده الدابة؛ لأن ذا اليد مستحق لها باعتبار يده ظاهراً وهو منكر دعوى خصمه. فأما إذا أقر بما ادُّعيَ عليه أُمِر بِتسليمه إليه، فإذا أنكر استحلف على ذلك.
رابعاً: مما يستثنى من مسائل هذه القاعدة:
إذا أقام الخارج البينة على النتاج في ملكه وذو اليد كذلك قدِّمت بينة ذي اليد.
ومنها: إذا برهن الخارج وذو اليد على نسب صغير قدِّم ذو اليد (١).
стр. 2532
القاعدة الخامسة والخمسون [الذَّمَّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في الذِّمَّة سَعَة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الذمة: هي الوعاء الاعتباري لتحمل التصرفات والتبعات وتحمل المسؤوليات.
وهي لغة: العهد؛ لأن نقضه يوجب الذم.
وقالوا: كل حركة يلزمك من تضييعها الذم يقال لها ذمة. ومنه يقال: أهل الذمة للمعاهَدين من الكفار (٢).
ومفاد القاعدة: أنّ الذّمة تسع كل ما يتحمله الإنسان من التبعات وبخاصة المالية منها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقر إنسان مختاراً بديون عليه لغيره. لزمته الديون كلها بالغة ما بلغت؛ لأن هذا إقرار منه بالتزام في ذمته، فهو يطالب بها كلها ويؤاخذ بها، ولأن إقراره كان خالص حقه.
ومنها: كل إنسان يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه.
стр. 2533
القاعدة السادسة والخمسون [المقصود في العقود]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
في العقود يعتبر المقصود وعليه ينبني الحكم (١).
وفي لفظ: العبرة في العقود للمعنى دون الألفاظ (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة مثيلات.
ومفادها: أن العقود إنما يعتبر فيها مقصود العاقدين، وعلى مقصودهما المدلول عليه تنبني أحكام العقد، هذا إذا ظهر المقصود وقام عليه الدليل، وإلا فالعمل بما دل عليه اللفظ.
وينظر القواعد ذوات الأرقام ٩٦ - ٩٧ - ٩٨ من قواعد حرف الهمزة، والقاعدة رقم ٢٦ من قواعد حرف العين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الهبة بشرط العوض بيع.
ومنها: الإعارة تمليك المنفعة بغير عوض فإذا اشترط فيها العوض كانت إجارة.
стр. 2534
القاعدة السابعة والخمسون [المتعة ومهر المثل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في كل موضع وإن الواجب مهر المثل قبل الطلاق، فالواجب المتعة بعد الطلاق؛ لأن مهر المثل لا يتنصف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تختص بباب النكاح.
ومفادها: أنه في كل موضع يجب مهر المثل قبل الطلاق، فإنه يجب المتعة للمرأة بعد الطلاق؛ لأن مهر المثل لا يتنصف.
والمراد بالمتعة: كل ما حصل الانتفاع به انتفاعا قليلاً غير باق بل ينقضي عن قريب كالثياب والفراش والستور والبسط والمرافق (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
стр. 2535
إذا تزوج مسلم امرأة وجعل مهرها خنزيراً أو خمراً أو شيئاً مما لا يحل، فقد فسد المهر ولها مهر مثلها، فإذا طلقها قبل المسيس وجب لها المتعة. وأدنى ما تكون المتعة ثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة. وفي حكم المتعة ووقتها ومقدارها خلاف بين الأئمة.
стр. 2536
القاعدة الثامنة والخمسون [التهمة - الشهادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في كل موضع لا تتحقق التهمة تكون الشهادة مقبولة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تختص بباب الشهادة، ومتى تكون مقبولة ومتى تكون مردودة.
ومفادها: أن الشهادة تكون مقبولة في كل موضع لا يتهم فيه الشاهد. فأما إذا وجدت التهمة فلا تقبل الشهادة.
والمراد بالتهمة هنا: اعتبار أن هذه الشهادة تجر للشاهد بها منفعة أو مغنما يعود عليه، ففي كل موضع توجد فيه هذه التهمة وتتحقق فالشهادة مردودة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شهادة الابن لأبيه غير مقبولة لوجود التهمة بالمنفعة التي تعود على الابن في شهادته لأبيه، أو كان الأب مدعيا بشهادته.
ومنها: إذا قال الأب لعبده: إن كلمك فلان فأنت حر. وشهد
стр. 2537
ابنان له أن فلانا كلم العبد وجحد الأب الكلام، فإن شهادة الابنين مقبولة لانتفاء التهمة.
ومنها: إذا شهد شاهد على فعل تولاه لنفسه أو غيره مما يكون فيه خصما ومما لا يكون خصما فشهادته ساقطة بالاتفاق، كما لو زوج الأب ابنته فأنكرت الرضا، فشهد عليها أبوها وأخوها بالرضا، لم تقبل الشهادة؛ لأن الأب يريد تتميم ما باشره.
ومنها: إذا تزوج امرأة بغير شهود أو بشاهد واحد، ثم أشهد بعد ذلك لم يجز النكاح؛ لأن الشرط هو الإشهاد على العقد ولم يوجد، وإنما وجد الإشهاد على الإقرار بالعقد الفاسد، والإقرار بالعقد الفاسد ليس بعقد، وبالإشهاد عليه لا ينقلب الفاسد صحيحا.
стр. 2538
القاعدة التاسعة والخمسون [وجوب الأصل - التقدير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في كل موضع لم يجب الأصل بالعقد لا تثبت المطالبة بالتقدير (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق أصلاً بما يجب للمرأة من المهر، ولكنها عامة في كل عقد لم يجب فيه أصل الثمن أو البدل.
فمفادها: أنه إذا لم يجب الأصل بالعقد فإنه لا تثبت المطالبة بتقدير قيمة الأصل؛ لأن الأصل غير موجود حيث لم ينص عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المفوضة - وهي المرأة التي تزوجت بدون مهر - لها مهر مثلها. وتقدير مهر المثل هنا لأن المهر فرض وجب بأصل العقد شرعاً.
وفي هذه المسألة خلاف الشافعي ﵀ حيث لا يرى للمفوضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول مهرا، على فرض عدم
стр. 2539
صحة حديث المفوضة (١)، وقد صح الحديث فيجب المهر عند الجميع (٢).
ومنها: إذا وهب جارية لغيره، فلا يجوز أن يقدر لها ثمنا بعد ذلك؛ لأن الثمن إنما يجب بأصل العقد، والهبة لا مقابل لها بأصل العقد.
стр. 2540
القاعدة الستون [الاستدامة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
فيما يستدام الاستدامة كالإنشاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة مثيلات ينظر قواعد حرف الهمزة تحت الرقم ٢١٦.
ومفادها: أن الفعل الذي يدوم ويستمر ويمتد فاستدامته وامتداده واستمراره يعتبر كابتدائه وإنشائه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يسكن هذه الدار - وهو ساكن فيها - وبقي فيها بدون أن يعمل ما يدل على عزمه الخروج من إخراج متاعه وأهله، فإنه يحنث في يمينه، وإن كان طلاقا وقع طلاقه. وأما إن أخذ في إخراج متاعه وأهله - ولو طال وقته لكثرة المتاع - فلا يحنث.
стр. 2541
القاعدة الحادية والستون [المنصوص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
في المنصوص عليه يعتبر عين النص (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المنصوص عليه: هو ما ورد في حكمه نص عن الله أو عن رسوله ﷺ .
فالمراد بالنص: لفظ القرآن الكريم أو الحديث الشريف.
فمفاد القاعدة: أنه عند إرادة الحكم يعتبر لفظ النص ودلالته، ولا تعتبر عِلَّته؛ لأن العلة والسبب إنما يعتبران في غير المنصِوص عند إرادة قياسه على المنصوص.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قتل شخص آخر بعمود حديد أو طبق من حديد، فيجب القصاص من القاتل؛ لأن الحديد في كونه آلة القتل منصوصٌ عليه.
ومنها: إذا نصّ رسول الله ﷺ على حرمة الربا في الأصناف الستة، فإن الحكم فيها إنما ينبني على النص
стр. 2542
عليها، ولا ينظر للعلة فيها، فنقول: إنما حُرِّم الربا في الذهب والفضة وباقي الأصناف الستة لنص الرسول ﷺ عليه. ولكن إذا أردنا بيان حكم غيرها فهنا ينظر للمعني المبني عليه تحريم الربا، فإذا أردنا معرفة حكم النحاس مثلاً أو الأرز فيمكن أن يقاس النحاس على الذهب والفضة بعلة الوزن. والأرز على القمح بعلة الكيل أو الطعم أو غير ذلك من العلل التي قال بها الفقهاء.
стр. 2543
ثانياً
قواعد حرف القاف
عدد قواعده ٨٦ ست وثمانون قاعدة
стр. 2544
القاعدة الأولى [اليقين - الظن]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
القادر على اليقين هل له الاجتهاد والأخذ بالظن (١)؟
وفي لفظ: القادر على اليقين هل يأخذ بالظن (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في هذه القاعدة هو أن الصحابي في زمن النبي ﷺ هل له الاجتهاد؟ وهو قادر على معرفة اليقين من النبي ﷺ ؟ خلاف أصولي.
اليقين: من يَقِن الماء في الحوض إذا استقر ودام. ويقن الأمر إذا ثبت ووضح.
واليقين في الاصطلاح: هو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع.
وقيل: اليقين عبارة عن العلم المستقر في القلب لثبوته عن سبب متعين له بحيث لا يقبل الانهدام (٣).
стр. 2545
وقيل: هو العلم الحاصل عن نظر واستدلال، ولذلك لا يسمّى علم الله يقيناً (١).
واليقين أبلغ علم وأوكده، لا يكون معه مجال عناد ولا احتمال زوال (٢).
والاجتهاد: افتعال من الجهد. وهو بذل الوسع في البحث.
والظن: خلاف اليقين وهو إدراك أمرين أحدهما أرجح من الآخر.
أو هو إدراك الجانب الراجح مع عدم إهمال مقابله.
ومفاد القاعدة: أن مَن قدِر على علم مقطوع به مطابق للواقع فهل يجوز له أن يتركه ويجتهد ويأخذ بظنه واستدلاله الذي يحتمل الخطأ والصواب؟ خلاف في المسألة والترجيح مختلف في فروعها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شخص يريد الطهارة ومعه إناءان فيهما ماء، أحدهما نجس - وهو قادر على يقين الطهارة بأن كان على البحر أو على بركة ماء أو نهر، ويمكنه أيضاً أن يخلط الماءَين وهما قلَّتان فأكثر، فهل يأخذ باليقين وجوباً أو له الاجتهاد فيهما؟ قال السيوطي: الأصح أن
стр. 2546
له الاجتهاد.
وأقول: والعلم عند الله تعالى: إنه إذا كان قادراً على يقين الطهارة فليس له الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد يخطئ فيتوضأ بالنجس.
ومنها: لو كان عنده ثوبان أحدهما نجس وهو قادر على طاهر بيقين.
ومنها: إذا وجد المجتهد نصاً فليس له الاجتهاد بخلافه قطعاً.
ومنها: إذا تيقن القبلة فليس له الاجتهاد فيها.
стр. 2547
القاعدتان الثانية والثالثة [القضاء في المجتهدات]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
القاضي إذا قضى في مجتهد فيه نفذ قضاؤه (١).
وفي لفظ: قضاء القاضي في المجتهدات نافذ بالاتفاق (٢).
وفي لفظ: قضاء القاضي في المجتهدات يكون نافذاً لا يرد (٣).
وفي لفظ: قضاء القاضي في المجتهدات ينفذ إذا صدر عن اجتهاد لا عن تلبيس واشتباه (٤).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القضاء إما أن يكون بأمر منصوص عليه فلا يجوز الاجتهاد فيه ولا ينفذ القضاء بخلافه. وإما أن يكون بأمر مجتهد فيه غير
стр. 2548
منصوص عليه وهو موضوع هذه القواعد.
ومفادها: أن القاضي إذا قضى في أمر غير منصوص عليه واجتهد في حكمه وقضائه فإن قضاءَه نافذ، ولا يجوز لغيره نقضه ما لم يخالف نصاً صريحاً أو يظهر بطلانه بدليل؛ لأن المجتهدات إذا كان كل قاض ينقض ما اجتهد فيه سلفه لم يثبت قضاء، ولم يطمئن الناس إلى حكم قاض لاحتمال أن ينقضه غيره. ولذلك قالوا: إن الدعوى إذا فصِّلت على الوجه الشرعي أنها لا تنقض ولا تعاد.
ولكن يشترط في القضاء النافذ أن يكون صادراً عن اجتهاد صحيح لا عن تلبيس أو تحايل أو اشتباه فإنه لا ينفذ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قضى على الغائب بالبيِّنَة ينفذ قضاؤه؛ لأنه فصل مجتهد فيه.
ومنها: إذا نفل القائد من الغنيمة بعد الإصابة قبل القسمة مجاهداً له جزاء وغناء على وجه الاجتهاد والنظر منه فإن اجتهاده نافذ ولا يجوز لوال آخر أو قائد آخر لا يرى التنفيل بعد الإصابة أن ينقضه.
ومنها: لو أن أهل البغي غلبوا على مدينة واستعملوا عليها قاضياً فقضى بأشياء، ثم ظهر أهل العدل على تلك المدينة فرفعت
стр. 2549
قضاياه إلى قاضي أهل العدل فإنه ينفذ منها ما كان عدلاً؛ لأنه لو نقضها لاحتاج إلى إعادة مثلها. وكذلك إذا قضى بما رآه بعض الفقهاء.
ومنها: لو أن قاضياً حجر على فاسد يستحق الحجر، وأبطل بيوعه وأشريته، ثم رفع الأمر إلى قاض آخر فأطلق عنه الحجر، وأجاز ما كان أبطله، ثم رفع إلى قاض آخر يرى الحجر أو لا يراه فإنه ينبغي له أن يجيز قضاء الأول بإبطال ما أبطل من بيوعه وأشريته، ويبطل قضاء الثاني فيما أبطله من قضاء الأول؛ لأن قِضاء الأول حصل في موضع الاجتهاد فنفذ ذلك وكان قضاءً تاماً.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة ويرد فيها القضاء:
إذا شهد محدودان في قذف ولم يعلم القاضي حتى قضى بشهادتهما، ثم علم بذلك فإنه يرد القضاء ويأخذ المال من المقضي له؛ لظهور خطأ في قضائه، وكذلك إذا ظهر أنهما عبدان أو كافران.
ومنها: إذا حكم حاكم بصحة نكاح المتعة، يرد ولا ينفذ.
ومنها: إذا حكم بسقوط المهر بالتقادم، لا ينفذ.
ومنها: إذا حكم بعدم صحة الرجعة بدون رضاها، لا ينفذ.
ومنها: إذا حكم ببطلان عفو المرأة عن القصاص، لا ينفذ.
ومنها: إذا حكم بعدم صحة تصرف المرأة في مالها بغير إذن زوجها. لا ينفذ كذلك.
стр. 2550
القاعدة الرابعة [خطأ القاضي]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
القاضي لا تلحقه العهدة بالخطأ في القضاء إذا لم يكن متعمداً (١).
وفي لفظ: إذا أخطأ القاضي كان خطؤه على المقضي له وإن تعمَّد كان عليه (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الخاء تحت الرقم ١٩.
العهدة: هي الضمان والغرامة.
فمفاد القاعدة: أن القاضي إذا أخطأ في حكمه - بعد اجتهاد صحيح - وترتب على حكمه هذا ضرر على المحكوم عليه - من مال أو دم - ثم تبين الصواب بعد ذلك، فإن القاضي لا
стр. 2551
يضمن الضرر المترتب على خطئه غير المتعمد، وإنما تكون العهدة على بيت المال أو على المقضي له. لكن إذا كان القاضي متعمداً الخطأ فعليه ضمانه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حكم قاضٍ على متهم بالسرقة بقطع يده، ثم تبين أنه غير السارق، وكان الحكم بخطأ من القاضي - لا بشهادة الزور مثلاً - فإن بيت المال يتحمل دية اليد المقطوعة، وليس على القاضي شيء من ذلك.
ومنها: إذا قضى القاضي على إنسان بمال لآخر بشهادة شاهدين ثم تبين كذب البينة فإن على المقضي له أن يرد المال على صاحبه.
стр. 2552
القاعدة الخامسة [قضاء القاضي لنفسه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القاضي لا يملك أن يقضي لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاضي إنما نُصب لفصل الخصومات بين الناس، ولكن إذا نازع القاضيَ غيرُه، فإن هذه الدعوى يجب أن تكون عند قاض آخر؛ لأنه لا يجوز أن يقضي القاضي لنفسه في قضية نازعه فيها غيره. وكذلك ليس له أن يقضي لابنه أو أبيه أو أي شخص آخر لا تقبل شهادته له؛ لوجود التهمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال الأمير: مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه. ثم إن الأمير نفسه قتل قتيلاً، فلا يستحق السلب في القياس؛ لأنه أوجب لغيره ولم يوجبه لنفسه كالقاضي لا يملك أن يقضي لنفسه. وفي الاستحسان يستحق كما يستحق غيره؛ لأنه وجب النفل للجيش بما قاله، وهو رجل منهم فيستحق كما يستحق غيره.
стр. 2553
ومنها: إذا كان على قاضٍ دين لشخص آخر، فأراد القاضي المدين أن يثبت للدائن الغائب وكيلاً ليدفع إليه الدين، فلا يجوز لهذا القاضي القضاء بإثبات تلك الوكالة. سواء كان قبل الدفع للوكيل أم بعده.
رابعاً: مما استثني من مسائل هده القاعدة:
إذا كان للقاضي غريم ميت فأثبت أن فلاناً وصيُّه وأراد أن يدفع إليه الدين فذلك جائز وصحيح، وإذا دفع إليه الدين برئ إذا كان الدفع بعد القضاء لا قبله (١).
стр. 2554
القاعدة السادسة [الظّاهر متّبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القاضي مأمور باتباع الظاهر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القضاء إنما يتعلق بالأمور الظاهرة لا الباطنة، والأحكام الشرعية إنما تجري على ما يظهر من أفعال العباد ولا تحكم على بواطنهم إذا لم يظهر ما يدل عليها.
ومفاد القاعدة: أن القاضي مأمور شرعاً باتباع الظاهر في أحكامه، وليس له أن يحكم على البواطن بدون دليل ظاهر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا عَرَف وصي وجوب دين على الميت فقضاه بعلمه به من التركة، فإذا علم به القاضي ضمَّنه ما قضى، إلا إذا كان لصاحب الدين بيِّنة على حقه.
ومنها: إذا دفع وصي مال يتيم لمن يضارب به، فإن كان فيه ربح فهو كله لليتيم. ولا يصدَّق الوصي أنه شريك في الربح؛
стр. 2555
لأنه شريك في رأس المال، إلا أن يُشهد على ما صنع من ذلك قبل أن يعمل به.
ومنها: إذا شهد الشهود بأن هذا سارق. فإن القاضي يحكم بشهادتهم بعد تزكيتهم لأن الظاهر صدقهم، وإذا ثبت كذبهم بعد ذلك فهو غير آثم وغير ضامن كما سبق بيانه.
стр. 2556
القاعدة السابعة [القاضي والنظر للعاجز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القاضي مأمور بالنطر لكل مَن عجز عن النظر لنفسه (١). "أو نُصِبَ ناظراً".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاضي ولي مَن لا ولي له. وبناء على ذلك فإن القاضي مأمور شرعاً بالنظر والرعاية لكل من عجز عن النظر لنفسه، لصغر أو أنوثة أو عته أو سفه أو جنون ولا ولي له، أو كان العجز لغياب الولي.
والمراد بالنظر هنا: العمل بما فيه المنفعة والمصلحة للعاجز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وُجد يتيم لا ولي له، فإن القاضي يكون ولياً له، أو ينصب له وصياً يتولى أمره وأمر أمواله.
ومنها: إذا غاب زوج المرأة - وله مال حاضر - فطلبت المرأة النفقة فإن القاضي يفرض لها النفقة في ذلك المال - إذا كان
стр. 2557
يعلم بالنكاح بينهما - ولكن يحلفها أن زوجها لم يعطها النفقة، لجواز أن يكون أعطاها النفقة قبل أن يغيب وهي تُلَبّس على القاضي. فإذا حلفت وأعطاها أخذ منها كفيلاً لجواز أن يحضر الزوج فيقيم البيِّنة أنه أعطاها. وهذا من القاضي نظر للغائب.
стр. 2558
القاعدة الثامنة [التعاطي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
قبض أحد البدلين كاف في انعقاد العقد بالتعاطي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عقد البيع يقتضي وجود بدلين - إما الثمن والمبيع - وإما بدلان عينيان كثوب وشاة، وينعقد العقد بمعرفة البدلين وتسليم أحدهما.
وعقد البيع له صورتان: الصورة الأولى: البيع المعروف المتداول بأن يكون الثمن من المشتري والسلعة من البائع - وهو الأصل في عقد البيع.
والصورة الثانية: أن يكون بسلعتين من المتعاقدين وهو المسمى ببيع التعاطي، حيث لا ثمن لإحدى السلعتين إلا مقابلتها.
стр. 2559
فمفاد القاعدة: أنه إذا قبض أحد المتعاقدين السلعة من صاحبه برضاه فإن ذلك كاف في انعقاد عقد البيع بالتعاطي، وعلى الآخر أن يسلم سلعته لصاحبه في مجلس العقد لأن "الأعيان لا تقبل التأجيل" كما سبق بيانه (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
دفع ثوباً مقابل شاة فتسلم صاحب الشاة الثوب فإن العقد يعتبر منعقداً بينهما، وعلى صاحب الشاة تسليم الشاة لصاحب الثوب.
стр. 2560
القاعدة التاسعة [القبض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القبض إنما يعتبر في انتقال الملك لا في دعوى الملك القديم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القبض هو تسلم الشيء المحكوم به للمدعي.
والقبض هو دليل على قيام الملك في المقبوض.
ومفاد القاعدة: أن قبض الشيء المتنازع عليه يعتبر دليلاً على انتقال ملكية الشيء عن المحكوم عليه إلى المحكوم له. ولكنه - أي القبض - لا يعتبر دليلاً على دعوى ملكية قديمة للمتنازع عليه لاحتمال قبضه بسبب غير شرعي.
وشرط القبض الصحيح الدال على انتقال الملك الرضا والاختيار من المنقول عنه إلى المنقول إليه، أو الحكم النافذ بذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: